«حمادة» سائق «أوبر»: بدأ رحلته لمشوار لـ«حلوان» واستشهد في حادث «معهد الأورام»

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

وحيدان يعيشان، ابتسامتهما ضاعت حل مكانها حزن ارتسم على وجهيهما، شقتهما لفها الصمت إلا من بكائهما ليل نهار، العيد كان مجرد يوم كباقى الأيام، فالعيد الأهم بالنسبة إليهما كان عيد ميلاد ابنهما الوحيد، الذي كان سيتم عامه الـ34 – الجمعة المقبل، لكنه استشهد بحادث معهد الأورام.

بمجرد اقترابك من شارع سنترال الوراق بالجيزة، وسؤالك عن منزل الضحية محمد محمد على، الشهير بـ«حمادة»، يدلك كثيرون: «الله يرحمه.. كان طالع على أكل عيشه.. وعربيته إتفحمت وهو معدى عند معهد الأورام».

تصادف خروج «حمادة» بسيارته تاكسى «أوبر» من منطقة السيدة زينب، لتبدأ رحلته مع «زبون» إلى طريق كورنيش «حلوان – المعادى»، هناك على الكورنيش أمام المعهد كانت سيارة إرهابى يسير عكس الاتجاه في انتظار التاكسى «موعد مع القدر»، وباصطدامهما تفجرت السيارتان، وتفحمت سيارة التاكسى وقائدها.

من شقة متواضعة بسيطة، طل علينا والد الشهيد: «إتفضلوا نتكلم جوا الشقة».. قالها الرجل السبعينى بلهجة الذي يستقبل ضيوفه، ولا ينبغى الانتظار أمام شقته، فالرجل حين تحدث إلينا يؤكد بين كل جملة: «احتسبت ابنى عند الله.. وأنا غنى بالله.. لا نريد مُساعدة.. أقول لكم حاجة: (لو جت لىّ الحكومة كلها لا أتحدث عن ابنى ومحاسنه)».

كانت والدة الشهيد حمادة تجلس بالصالة تردد مع كل نفس لها اسم نجلها الوحيد، ثم تدخل في نوبة بكاء، على إثرها يطلب منها زوجها التحلى بالسكينة، والصلاة.

لا تقوم السيدة الستينية للتوضأ، لإصابتها بعجز بقدميها، فأجرت قبل أيام من استشهاد نجلها عملية جراحية بمفاصل الركبة، حتى إنها لم تستطع تشييع جنازته، لكنها كما قالت: «شيعت جنازته بقلبى وعيناى.. بشوفه كل يوم بيعدى عليا.. وأنا قاعدة بدعى له».

والد الضحية، والذى اختار أن يكون مؤذنًا بأحد المساجد القريبة من منزله، بعد بلوغه سن المعاش، فهو كان غطاسًا بالحماية المدنية والتابعة لقوات الإنقاذ النهرى.

يصف الرجل نفسه بأنه «متصوف»: «أنا راجل زاهد في الدنيا.. ولا أطالب بشىء لمجرد استشهاد ابنى الوحيد، ولا أريد حديثًا مطولاً عنه».

بابتسامة ساخرة، ربما من المصاعب التي ألمت به، يروى والد الشهيد: «تعرف إنه كان لىَّ 3 عيال بخلاف الشهيد (حمادة)، والثلاثة ماتوا أطفالا صغيرين، وعندما جاء ابنى الشهيد للدنيا أمه صممت تسميه باسمى، وهو الوحيد اللى عاش بين كل أبنائى، لكن كأنه لحق بهم، ليصبح رابع عيل يموت لىّ».

كان الأب ينظر في عين نجله حمادة، ويردد دائمًا: «يا ابنى إنت كمان شكلك هتموت.. لكن شكلك هتبقى شهيد»، ولم يخب ظن الأب، لذا استشعر بأن نبوءته تحققت عندما استشهد الابن الوحيد بحادث معهد الأورام: «ربنا اختاره.. وإحساسى لم يخب، ربنا يلحقنا به».

بحدس رجل متصوف زاهد كل شىء، عرف مصير ابنه لأنه كما يقول الأب: «كان طيب جدًا فوق ما تتصور.. فاعل خير بالدرجة الأولى.. تعرف أنه كان عنده قميصان وبنطلون، ودول كل هدومه، ويوم استشهاده كان لابس بنطلون وقميص، ولم يتبقى لى من رائحته سوى قميص واحد يحمل عرقه».

عندما عاتب الأب نجله الشهيد ذات مرة: «يا ابنى ليه متشتريش ملابس جديدة؟»، جاءه الرد سريعًا على لسان الابن: «الهدوم دى رضا من الله.. وبدل ما أشترى ملابس أتصدق لله أحسن»، ليشير إلى أن ابنه كان زهدًا، ولم يتزوج: «سبق وخطب مرتين، ومحصلش نصيب».

كان «حمادة» على علم بمرض إحدى جاراته، وفى مطلع كل شهر يشترى لها الأدوية، ويتركها على باب شقتها دون أن تعرف من اشتراها، حتى طلت ذات يوم من شرفة منزلها، وفوجئت بأن الضحية هو فاعل الخير كل شهر، يذكر الأب الموقف على استحياء، بعدما أخبرته به الجارة.

حين اكتشف الرجل أنه يسترسل في الكلام، قال لى بضحك ممزوج بمرارة: «أنت صحفى تسأل كثيرًا»، ثم أردف: «العفو.. لا أريد أن أتكلم عن ابنى أكثر.. سألتنى وأجبت لحد كده كفاية».

بعد خروجنا من الشقة كانت والدة الشهيد تمسك بقميصه المتبقى لديها كـ«ريحة من حمادة»، وهى تناجيه: «هيخلص العيد.. وعيد ميلادك الجمعة الجاية.. تعيد يا ابنى في الجنة».

عرف والدا «حمادة» باستشهاده عقب 3 أيام من حادث معهد الأورام، الأحد قبل الماضى، فعندما تحرك الشهيد بسيارته التاكسى مساء يوم الحادث كان قد بدأ وردية عمله تمام الـ10 مساءً.

جاءت الساعة الـ10 صباح الثلاثاء، واتصل عم «فتحى»، وهو سائق على ذات السيارة، على هاتف حمادة، ليسلمه السيارة كى تبدأ ورديته، لم يجب حمادة فكان الهاتف مغلقًا.

قاد عم فتحى فكره إلى أن: «يمكن حمادة كان مشى من مكان الحادث.. وإتصاب هناك»، فكانت نشرات الأخبار صباح اليوم التالى لا تكف عن نشر صور ضحايا ومصابى الحادث الأليم، وفقًا للرجل.

أمسك إبراهيم محمد، صديق حمادة، بهاتفه فهو يعرف باسورد تطبيق «أبليشكين أوبر» الخاص بـ«سيارة حمادة»، كانت المفاجأة بالنسبة إليه: «السيارة خرجت من السيدة زينب في طريقها لطريق حلوان الزراعى، وأظهر التطبيق أنه بعد 2 كيلو متر توقفت السيارة على الكورنيش، بعد انطلاقها بنحو 7 دقائق»، شارحًا: «أن مشوار الرحلة مفترض تقدر مسافته بـ10 كيلو مترات، وعدم إظهار الأبليكيشن دفع الزبون لأى أموال، أكد أن حمادة ضمن الضحايا».

عرف «إبراهيم» بأن صديقه كان ضمن الضحايا، توجه لمستشفيات: قصر العينى، وأحمد ماهر، ومعهد ناصر، ومشرحة زينهم، ولم يعثر على الجثة.

بالصدفة، مساء الثلاثاء، اتصل «إبراهيم» على هيئة الإسعاف، يخبرهم: «لقيتم جثة لشاب متوسط الطول، وأسمر اللون؟»، جاءته الإجابة: «أيوه في حد لقيناه بالمواصفات دى، موجود دلوقتى في معهد ناصر».

اصطحب إبراهيم والدى الشهيد وابن خالته، وتعرفوا على جثته وتسلم الأب الجثة من المشرحة عقب مطابقة تحليل الـ«دى.إن.إيه»، الأربعاء الماضى.

بأسى يذكر صديق الشهيد أن حمادة كانت جثته متفحمة، ولولا بعض الملامح المتبقية لما عرفنا الجثة، كما أن سيارته احترقت عن آخرها، ولتزداد المأساة كما يقول: «الشهيد اشترى السيارة بالقسط.. وهو كان حظه قليل في الدنيا.. اشترى قبل كده (توك توك) واتسرق من واحد شغال عليه، ولم يندم فاشترى ثانيا وأيضًا اتسرق».

قبل استشهاد حمادة بـ3 أيام، يذكر طارق أحمد، أحد أصدقاء الشهيد، أنه قال لـ«الأخير»: «عاوزين نفرح بيك وتتجوز»، ليرد عليه: «لا أتمنى الزواج أنا حظى قليل.. أتمنى أن أموت شهيدًا».

وكان الشهيد يتمنى أن يتعلم رياضة الغطس كوالده، ويشتغل بإحدى المدن الساحلية، ليبتعد عن الشقاء كما يقول صديق حمادة: «قال لىّ أنا إتعرضت لمواقف كثيرة مؤذية.. أريد أنعم قليلاً بالراحة».

وعلق أصدقاء حمادة صورا له «بنرات» على نواصى الشوارع، وكتبوا: «فى جنة الخلد يا حمادة مع النبيين والصديقين والشهداء».

وكانت جنازته خرجت من مسجد أهل السنة، الذي اعتاد الصلاة به، الخميس الماضى، ويصفها أصدقاؤه: «زفة عريس.. الوراق كلها خرجت وراه»، وقال أحدهم: «حمادة كان بيوصلنا مشاوير كتير جدعنة ومايرضاش ياخد فلوس، الله يرحمه، كان جدعا ومحترما».

«المصري اليوم» مع أصدقاء شهيد معهد الأورام محمد محمد علي الشهير بـ«حمادة»
«المصري اليوم» مع أصدقاء شهيد معهد الأورام محمد محمد علي الشهير بـ«حمادة»
«المصري اليوم» مع أصدقاء شهيد معهد الأورام محمد محمد علي الشهير بـ«حمادة»

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة المصرى اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر النفيس وانما تم نقله بمحتواه كما هو من المصرى اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق