ننشر دراسة "عيد الغدير في مصر الفاطمية" للدكتور أحمد راسم النفيس

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يقول المقريزي في كتابه (المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار) المشهور بالخطط المقريزية.

عيد الغدير‏:‏

أول ما عرف عيد الغدير في الإسلام بالعراق أيام معز الدولة علي بن بويه فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة فاتخذه الشيعة من حينئذ عيدًا وأصلهم فيه ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده الكبير من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال‏:‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر لنا فنزلنا بغدير خم ونودي الصلاة جامعة وكسح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال‏:‏ ‏"‏ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا‏:‏ بلى قال‏:‏ ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه قالوا‏:‏ بلى فقال‏:‏ من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ فلقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال‏:‏ هنيئًا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة‏.‏

وغدير خم‏:‏ على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق وتصب فيه عين وحوله شجر كثير ومن سنتهم أن هذا العيد هو يوم الثامن عشر من ذي الحجة حيث يحيون ليلته بالصلاة ويصلون في صبيحته ركعتين قبل الزوال يلبسون فيه الجديد ويعتقوا الرقاب ويكثروا من عمل البر ومن الذبائح ولما عمل الشيعة هذا العيد بالعراق أرادت عوام السنة مضاهاة فعلهم ونكايتهم فاتخذوا في سنة تسع وثمانين وثلثمائة بعد عيد الغدير بثمانية أيام عيدًا وأكثروا فيه من السرور واللهو وقالوا‏:‏ هذا يوم دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم الغار هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وبالغوا في هذا اليوم في إظهار الزينة ونصب القباب وإيقاد النيران ولهم في ذلك أعمال مذكورة في أخبار بغداد‏.‏

أما في مصر فينقل المقريزي عن ابن زولاق‏:‏ وفي يوم ثمانية عشر ذي الحجة سنة اثنتين وستين وثلثمائة وهو يوم الغدير‏:‏ تجمع خلق من أهل مصر والمغاربة ومن تبعهم للدعاء لأنه يوم عيد لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيه واستخلفه فأعجب المعز ذلك من فعلهم وكان هذا أول ما عمل بمصر‏.‏

كما يروي نقلا عن المسبحي:

وفي يوم الغدير ثامن عشر ذي الحجة اجتمع الناس بجامع القاهرة والقراء والفقهاء والمنشدون فكان جمعًا عظيمًا أقاموا إلى الظهر ثم خرجوا إلى القصر فخرجت إليهم الجائزة وذكر أن الحاكم بأمر الله كان قد منع من عمل عيد الغدير.

قال ابن الطوير‏:‏ إذا كان العشر الأوسط من ذي الحجة اهتم الأمراء والأجناد بركوب عيد الغدير وهو في الثامن عشر منه وفيه خطبة وركوب الخليفة فإذا كان هذا اليوم ركب الوزير بالاستدعاء الجاري به العادة فيدخل القصر وفي دخوله بروز الخليفة لركوبه من الكرسي على عادته فيخدم ويخرج ويركب من مكانه من الدهليز ويخرج فيقف قبالة باب القصر ويكون ظهره إلى دار فخر الدين جهاركس اليوم ثم يخرج الخليفة راكبًا أيضًا فيقف في الباب ويقال له‏:‏ القوس وحوله الأستاذون المحنكون رجالة ومن الأمراء المطوقين من يأمره الوزير بإشارة خدمة الخليفة على خدمته ثم يجوز زي كل من له زي على مقدار همته فأول ما يجوز زي الخليفة وهو الظاهر في ركوبه فتجد الجنائب الخاص التي قدمنا ذكرها أولًا ثم زي الأمراء المطوقين لأنهم غلمانه واحدًا فواحد بعددهم وأسلحتهم وجنائبهم إلى آخر أرباب القصب والعماريات ثم طوائف العسكر أزمتها أمامها وأولادهم مكانهم لأنهم في خدمة الخليفة وقوف بالباب طائفة طائفة فيكونون أكثر عددًا من خمسة آلاف فارس ثم المترجلة الرماة بالقسي بالأيدي والأرجل وتكون عدتهم قريبًا من ألف ثم الراجل من الطوائف الذين قدمنا ذكرهم في الركوب فتكون عدتهم قريبًا من سبعة آلاف كل منهم بزمام وبنود ورايات وغيرها بترتيب مليح مستحسن ثم يأتي زي الوزير مع ولده أو أحد أقاربه وفيه جماعته وحاشيته في جمع عظيم وهيئة هائلة ثم زي صاحب الباب وهم أصحابه وأجناده ونواب الباب وسائر الحجاب ثم يأتي زي اسفهسلار العساكر بأصحابه وأجناده في عدة وافرة ثم يأتي زي والي القاهرة وزي والي مصر فإذا فرغا خرج الخليفة من باب الزهومة بالقصر انعطف على يساره داخلًا من الدرب هناك جائزًا على الخوخ فإذا واصل إلى باب الديلم الذي داخله المشهد الحسيني فيجد في دهليز ذلك الباب‏:‏ قاضي القضاة والشهود فإذا وازاهم خرجوا للخدمة والسلام عليه فيسلم القاضي كما ذكرنا من تقبيل رجله الواحدة التي تليه والشهود أمام رأس الدابة بمقدار قصبة ثم يعودون ويدخلون من ذلك الدهليز إلى الإيوان الكبير وقد علق عليه الستور القرقوبية جميعه على سعته وغير القرقوبية سترًا فسترًا ثم يعلق بدائرة على سعته ثلاث صفوف‏:‏ الأوسط طوارق فارسيات مدهونة والأعلى والأسفل درق وقد نصب فيه كرسي الدعوة وفيه تسع درجات لخطابة الخطيب في هذا العيد فيجلس القاضي والشهود تحته والعالم من الأمراء والأجناد والمتشيعين ومن يرى هذا الرأي من الأكابر والأصاغر فيدخل الخليفة من باب العيد إلى الإيوان إلى باب الملك فيجلس بالشباك وهو ينظر القوم ويخدمه الوزير عندما ينزل ويأتي هو ومن معه فيجلس بمفرده على يسار منبر الخطيب ويكون قد سير لخطيبه بدلة حرير يخطب فيها وثلاثون دينارًا ويدفع له كراس محرر من ديوان الإنشاء يتضمن نص الخلافة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه فإذا فرغ ونزل صلى قاضي القضاة بالناس ركعتين فإذا قضيت الصلاة قام الوزير إلى الشباك فيخدم الخليفة وينفض الناس بعد التهاني من الإسماعيلية بعضهم بعضًا وهو عندهم أعظم من عيد النحر وينحر فيه أكثرهم[1]‏.‏

كان هذا وصفا عاما لمراسم الاحتفال بعيد الغدير المبارك في الدولة الفاطمية والعهدة على تقي الدين المقريزي نقلا عن ابن الطوير والمسبحي وغيرهم من المؤرخين الذي شهدوا عصر الرخاء الفاطمي في (الخطط والآثار).

أما جمال الدين بن المأمون فيقدم وصفا في السيرة المأمونية أكثر جلاء وبهاء ليس فقط عن عظمة الاحتفال بل عن عظمة هذه الدولة وما حظيت به من قوة وثراء ورخاء ليس له في التاريخ له مثيلا.

وقال الأمير جمال الدين أبو علي موسى بن المأمون أبي عبد الله محمد بن فاتك بن مختار الطائحي في تاريخه واستهل عيد الغدير يعني من سنة ست عشرة وخمسمائة وهاجر إلى باب الأجل يعني الوزير المأمون البطائحي الضعفاء والمساكين من البلاد ومن انضم إليهم من العوالي والأدوان على عادتهم في طلب الحلال وتزويج الأيامى وصار موسمًا يرصده كل أحد ويرتقبه كل غني وفقير فجرى في معروفه على رسمه وبالغ الشعراء في مدحه بذلك ووصلت كسوة العيد المذكور فحمل ما يختص بالخليفة والوزير وأمر بتفرقة ما يختص بأزمة العساكر فارسها وراجلها من عين وكسوة ومبلغ ما يختص بهم من العين سبعمائة وتسعون دينارًا ومن الكسوات مائة وأربع وأربعون قطعة والهيئة المختصة بهذا العيد برسم كبراء الدولة وشيوخها وأمرائها وضيوفها والأستاذين المحنكين والمميزين منهم خارجًا عن أولاد الوزير وإخوته ويفرق من مال الوزير بعد الخلع عليه ألفان وخمسمائة دينار وثمانون دينارًا وأمر بتعليق جميع أبواب القصور وتفرقة المؤذنين بالجوامع والمساجد عليها وتقدم بأن تكون الأسمطة بقاعة الذهب على حكم سماط أول يوم من عيد النحر وفي باكر هذا اليوم توجه الخليفة إلى الميدان وذبح ما جرت به العادة وذبح الجزارون بعده مثل عدد الكباش المذبوحة في عيد النحر وأمر بتفرقة ذلك للخصوص دون العموم وجلس الخليفة في المنظرة وخدمت الرهجية‏.‏

وتقدم الوزير والأمراء وسلموا فلما حان وقت الصلاة والمؤذنون على أبواب القصر يكبرون تكبير العيد إلى أن دخل الوزير فوجد الخطيب على المنبر قد فرغ فتقدم القاضي أبو الحجاج يوسف بن أيوسف فصلى به وبالجماعة صلاة العيد وطلع الشريف بن أنس الدولة وخطب خطبة العيد ثم توجه الوزير إلى باب الملك فوجد الخليفة قد جلس قاصدًا للقائه قد ضربت المقدمة فأمره بالمضي إليها وخلع عليه خلعة مكملة من بدلات النحر وثوبها أحمر بالشدة الدائمية وقلده سيفًا مرصعًا بالياقوت والجواهر وعندما نهض ليقبل الأرض وجده قد أعد له العقد الجوهر وربطه في عنقه بيده وبالغ في إكرامه وخرج من باب الملك فتلقاه المقربون وسارع الناس إلى خدمته وخرج من باب العيد وأولاده وإخوته والأمراء المميزون بحجبه وخدمت الرهجية وضربت العربية والموكب جميعه بزيه وقد اصطفت العساكرن وتقدم إلى ولده بالجلوس على أسمطته وتفرقتها برسومها وتوجه إلى القصر واستفتح المقرئون فسلم الحاضرون وجرى الرسم في السماط الأول والثاني وتفرقة الرسوم والموائد على حكم أول يوم من عيد النحر وتوجه الخليفة بعد ذلك إلى السماط الثالث الخاص بالدار الجليلة لأقاربه وجلسائه‏.‏

ولما اقتضى حكم التعييد جلس الوزير في مجلسه واستفتح المقرئون وحضر الكبراء وبياض البلدين لتهنئ بالعيد والخلع وخرج الرسم وتقدم الشعراء فأنشدوا وشرحوا الحال وحضر متولي خزائن الكسوة الخاص بالثياب التي كانت على المأمون قبل الخلع وقبضوا الرسم الجاري به العادة وهو مائة دينار وحضر متولي بيت المال وصحبته صندوق فيه خمسة آلاف دينار برسم فكاك العقد الجوهر والسيف المرصع فأمر الوزير المأمون الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامه‏:‏ كاتب الدست الشريف بكتب مطالعة إلى الخليفة بما حمل إليه من المال برسم منديل الكم وهو ألف دينار ورسم الأخوة والأقارب ألف دينار وتسلم متولي الدولة بقية المال ليفرق على الأمراء المطوقين والمميزين والضيوف والمستخدمين[2]‏.‏

وقال ابن المأمون في عيد النحر من سنة خمس عشرة وخمسمائة‏:‏ أمر بتفرقة عيد النحر والهبة وجملة العين ثلاثة آلاف وثلثمائة وسبعون دينارًا ومن الكسوات مائة قطعة وسبع قطع برسم الأمراء المطوقين والأستاذين المحنكين وكاتب الدست ومتولي حجبة الباب وغيرهم من المستخدمين وعدة ما ذبح‏:‏ ثلاثة أيام النحر في هذا العيد وعيد الغدير‏:‏ ألفان وخمسمائة وأحد وستون رأسًا‏.‏

وقال ابن أبي طي‏:‏ عدة ما يذبح في هذا العيد في ثلاثة أيام النحر وفي يوم عيد الغدير‏:‏ ألفان وخمسمائة وأحد وستون رأسًا تفصيله‏:‏ نوق مائة وسبعة عشر رأسًا بقر أربعة وعشرون رأسًا جاموس عشرون رأسًا هذا الذي ينحره الخليفة ويذبحه بيده في المصلى والمنحر وباب الساباط ويذبح الجزارون بين يديه من الكباش ألفًا وأربعمائة رأس‏.‏

وتحت عنوان: الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم تتسع بها أحوال الرعية وتكثر نعمهم يقول المقريزي: وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة‏:‏ أعياد ومواسم وهي‏:‏ موسم رأس السنة وموسم أول العام ويوم عاشوراء ومولد النبي صلى الله عليه وسلم ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومولد الحسن ومولد الحسين عليهما السلام ومولد فاطمة الزهراء عليها السلام ومولد الخليفة الحاضر وليلة أول رجب وليلة نصفه وليلة أول شعبان وليلة نصفه وموسم ليلة رمضان وغرة رمضان وسماط رمضان وليلة الختم وموسم عيد الفطر وموسم عيد النحر وعيد الغدير وكسوة الشتاء وكسوة الصيف وموسم فتح الخليج ويوم النوروز ويوم الغطاس ويوم الميلاد وخميس العدس وأيام الركوبات‏.‏

موسم رأس السنة‏:‏ وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أول المحرم في كل عام لأنها أول ليالي السنة وابتداء أوقاتها وكان من رسومها في ليلة رأس السنة أن يعمل بمطبخ القصر عدة كثيرة من الخراف المقموم والكثير من الرؤوس المقموم وتفرق على جميع أرباب الرتب وأصحاب الدواوين من العوالي والأدوان أرباب السيوف والأقلام مع جفان اللبن والخبز وأنواع الحلواء فيعم ذلك سائر الناس من خاص الخليفة وجهاته والأستاذين المحنكين إلى أرباب الضوء وهم المشاعلية ويتنقل ذلك في أيدي أهل القاهرة ومصر[3]‏.‏

المؤرخ المصري الدكتور عبد المنعم ماجد

يقول الدكتور عبد المنعم ماجد في كتابه (ظهور وسقوط الدولة الفاطمية في مصر):

كما أخذ الفاطميون في الاحتفال بأعياد تتعلق بالمذهب الشيعي وإن اجتهدوا أن تكون في أوساطهم الخاصة تحاشيا لإغضاب عناصر السنة فاحتفلوا لأول مرة في مصر سنة 362/972 بعيد غدير خم وهو اليوم الذي أوصى فيه النبي بالخلافة بعده لعلي بمكان بين مكة والمدينة عرف بهذا الاسم وذلك يوم 18 من ذي الحجة فكانوا يحتفلون بهذا العيد في القاهرة دون الخروج عنها فيخرج مكوب من قصر الخليفة إلى مكان مجاور عرف بالإيوان الكبير للاستماع لخطبة قاضي القضاة الذي يقرأ فيه نص وصية النبي لعلي بن أبي طالب وبعد انقضائها يصلي الحاضرون ركعتين ثم يتوجه الخليفة على رأس الحاضرين لذبح الأضاحي الكثيرة ثم يقام سماط فخم كما يحدث في عيد الضحى بل وبمظاهر أكثر أبهة وفخامة من أي عيد آخر[4].

كما وصف المقريزي (عيد الغدير) في الخطط بقوله: فيه تزويج الأيامى وفيه الكسوة وتفرقة الهبات لكبراء الدولة ورؤسائها وشيوخها وأمرائها وضيوفها والأستاذين المحنكين والمميزين وفيه النحر أيضل وتفرقة النحائر على أرباب الرسوم وعتق الرقاب  وغير ذلك كما سبق بيانه فيما تقدم[5].

ولك أن تتخيل حجم الثراء الذي حظيت به مصر في هذا العهد حيث كانت الهبات تطال ضيوف الدولة من غير المصريين.

كما ينقل المقريزي في (اتعاظ الحنفا).

ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة

وعمل عيد الغدير على رسمه‏.‏

سنة 389هـ وصلى الحاكم صلاة عيد النحر وخطب على الرسم وأجرى الناس في أضاحيهم على عوائدهم‏.‏ وعمل عيد الغدير على العادة وطاف الناس بالقصر على رسمهم‏.‏

وفي سنة خمس عشرة وأربعمائة وفيه يوم عيد الغدير ورد الخبر بإقامة الدعوة الظاهرية بالبصرة والكوفة والموصل وعدة من بلاد المشرق وذلك لغلبة الأتراك على بغداد وإخراج الديلم عنها إلى البصرة فدعا الديلم للظاهر بها وبالكرخ ودعا الأتراك ببغداد للقادر‏.‏

وفيه جرى الناس بمصر في عيد الغدير على رسمهم وتزيوا بأفخر زيهم وطلع المنشدون إلى القصر يدعون وينشدون‏.‏

ماذا قال العقاد عن الأعياد في العصر الفاطمي؟

وتناظرت محافل الليل ومحافل النهار لا سيما في شهر رمضان وليالي الأعياد وعَوَدَ الخلفاء الشعب أن يستضيفوه ويمدوا له أسمطة ويخرجوا لتحية الناس وتلقي التحية وأصبح الوافدون إلى مصر يحسبونها أمة فرغت للمواكب والمحافل والأسمار.

ولم يكن قصارى ما في تلك المواكب أنها مظاهر لهو وفراغ تعطل فيها الأعمال وتنسى فيها تكاليف المعيشة بل كانت في حقيقتها معارض للفنون والصناعات يسير فيها أصحاب كل فن وصناعى على نظام معلوم ويتقدم كل طائفة نقيبها وأستاذها يترنمون بمفاخر فنونهم وصناعتهم يعلنون عنها ومن هذه المواكب ما بقي إلى اليوم[6] في زفة رمضان والمحمل. لا جرم كانت مصر إبان هذه الحضارة ملتقى الرواد والقصاد وأن تحفل قصور الخلفاء والكبراء بمن يقصدون رحاب ذوي السلطان في كل زمان ومكان وأولهم السياح والشعراء[7].

يروي الأمير جمال الملك أبو علي موسى بن المأمون البطائحي في تاريخه (السيرة المأمونية): واستهل عيد الغدير من سنة ست عشر وخمس مائة وهاجر إلى باب الأجل يعني الوزير المأمون بن البطائحي الضعفاء والمساكين من البلاد ومن انضاف إليهم من الأعوال والأدوان على عادتهم في طلب الحلال وتزويج الأيتام وصار موسما يرصده كل أحد ويرتقبه كل غني وفقير فجرى في معروفه على رسمه وبالغ الشعراء في مدحه بذلك ووصفه وسيرد ذلك في موضعه.

ووصلت كسوات العيد المذكور فحمل ما يختص بالخليفة والوزير وأمر بتفرقة ما يختص بأزمة العساكر فارسها وراجلها من عين وكسوة ومبلغ ما يختص بهم من العين سبع مائة وتسعون دينارا ومن الكسوات مائة وأربع وأربعون قطعة والهبة المختصة بهذا العيد برسم كبراء الدولة وشيوخها وأمرائها وضيوفها والأستاذين المحنكين والمميزين منهم خارجا عن أولاد الوزير وإخوته ويفرق من مال الأجل (الوزير) بعد الخلع عليه ألفان وخمسمائة دينار وثمانون دينارا وأمر بتعليق جميع أبواب القصور وتفرقة المؤذنين بالجوامع والمساجد عليها وتقدم بأن تكون الأسمطة باقعة الذهب على حكم سماط أول يوم من عيد النحر.

وفي باكر هذا اليوم توجه الخليفة إلى الميدان وذبح ما جرت به العادة وذبح الجزارون بعده مثل عدد الكباش المذبوحة في يوم النحر وأمر بتفرقة ذلك للخصوص دون العموم وجلس الخليفة في المنظرة وخدمت الرهجية وتقدم الوزير والأمراء فسلموا فلما حان وقت الصلاة والمؤذنون على أبواب القصور يكبرون تكبير العيد المذكور إلى أن دخل الإيوان فوجد المنبر قد هيئ فتقدم القاضي أبو الحجاج يوسف بن أيوب فصلى به وبالجماعة صلاة العيد وطلع الشريف بن أنس الدولة فخطب خطبة العيد ثم توجه الأجل إلى باب الملك فوجد الخليفة قد جلس قاصدا للقائه وقد ضربت المقرمة فأمره بالمضي إليها وخلع عليه خلعة مكملة من بدلات النحر وثوبها أحمد بالشَّدَّة الدائمية وقلده سيفا مرصعا بالياقوت والجوهر وعندما نهض ليقبل الأرض وجده قد أعد له العقد الجوهر وربطه بيده في عنقه وبالغ في إكرامه.

وخرج من باب الملك فتلقاه المقرئون وسارع الناس إلى خدمته وخرج من باب العيد وأولاده وأخوته والأمراء المميزون تحجبه وخدمت الرهجية وضربت الغربية (بوق لطيف معوج الرأس متخذ من الذهب صوته مخالف لصوت الأبواق) والموكب جميعه بزيه وقد اصطفت العساكر وتقدم إلى ولد بالجلوس على أسمطته وتفريقها برسومها .

وتوجه إلى القصر واستفتح المقرئون فلسم الحاضرون وجرى الرسم في السماط الأول والثاني وتفرقة الرسوم والموائد على حكم أول يوم من عيد النحر وتوجه الخليفة بعد ذلك إلى السماط الثالث الخاص بالدار الجديدة لأقاربه وجلسائه.

ولما انقضى حكم التعييد جلس الأجل في مجلسه واستفتح المقرئون وحضر الكبراء وبياض البلدين للهناء بالعيد والخلع وخرج الرسم وتقدم الشعراء فأنشدوا وشرحوا الحال وحضر متولي خزائن الكسوة الخاص بالثياب التي كانت على المأمون قبل الخلع وقبضوا الرسم الجاري به العادة وهو مائة دينار وحضر متولي بيت المال وصحبته صندوق فيه خمسة آلاف دينار برسم فكاك العقد الجوهر والسيف المرصع وأمر المأمون الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست الشريف بكتابة مطالعة إلى الخليفة بما حمل إليه من المال برسم منديل الكم وهو ألف دينار ورسم الإخوة والأقارب ألف دينار وتسلم متولي الديوان بقية المال ليفرق على الأمراء المطوقين والمميزين والضيوف والمستخدمين.

قال ابن سعيد‏:‏ ولم يسمع فيما بكيت به دولة بعد انقراضها أحسن من قصيدة عمارة ابن علي اليمني الذي قتله صلاح الدين والذي يقول فيها

القصيدة:

رميت يادهر كف المجد بالشلل * وجيده بعد حسن الحلي بالعطل

سعيت في منهج الرأي العثور فإن * قدرت من عثرات الدهر فاستقل

جدعت مارنك الأقنى فأنفك لا * ينفك ما بين قرع السن والخجل

هدمت قاعدة المعروف عن عجل * سعيت مهلا أما تمشي على مهل ؟

لهفي ولهف بني الآمال قاطبة * على فجيعتها في أكرم الدول

قدمت مصر فأولتني خلائفها * من المكارم ما أربى على الأمل

قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن * كمالها أنها جاء‌ت ولم أسل

وكنت من وزراء الدست حين سما * رأس الحصان يهاديه على الكفل

ونلت من عظماء الجيش مكرمة * وخلة حرست من عارض الخلل

ياعاذلي في هوى أبناء فاطمة * لك الملامة إن قصرت في عذلي

بالله در ساحة القصرين وابك معي * عليها لا على صفين والجمل

وقل لأهليهما والله ما التحمت * فيكم جراحي ولا قرحي بمندمل

ماذا عسى كانت الإفرنج فاعلة * في نسل آل أمير المؤمنين علي ؟

هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما * ملكتم بين حكم السبي والنقل ؟

وقد حصلتم عليها واسم جدكم  محمد) وأبوكم غير منتقل

مررت بالقصر والأركان خالية * من الوفود وكانت قبلة القبل

فملت عنها بوجهي خوف منتقد * من الأعادي ووجه الود لم يمل

أسلت من أسفي دمعي غداة خلت * رحابكم وغدت مهجورة السبل

أبكي على ما تراء‌ت من مكارمكم * حال الزمان عليها وهي لم تحل

دار الضيافة كانت أنس وافدكم * واليوم أوحش من رسم ومن طلل

وفطرة الصوم إذ أضحت مكارمكم * تشكو من الدهر حيفا غير محتمل

وكسوة الناس في الفصلين قد درست * ورث منها جديد عندهم وبلي

وموسم كان في يوم الخليج لكم * يأتي تجملكم فيه على الجمل

وأول العام والعيدين كم لكم * فيهن من وبل جود ليس بالوشل

والأرض تهتز في يوم  الغدير كما * يهتز ما بين قصريكم من الأسل

والخيل تعرض في وشي وفي شية * مثل العرائس في حلي وفي حلل

ولا حملتم قرى الأضياف من سعة الأطباق * إلا على الأكتاف والعجل

وما خصصتم ببر أهل ملتكم * حتى عممتم به الأقصى من الملل

كانت رواتبكم للذمتين و لل‍ضيف * المقيم وللطاري من الرسل

ثم الطراز بتنيس الذي عظمت * منه الصلات لأهل الأرض والدول

وللجوامع من إحسانكم نعم * لمن تصدر في علم وفي عمل

وربما عادت الدنيا فمعقلها * منكم وأضحت بكم محلولة العقل

والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم * ولا نجا من عذاب الله غير ولي

ولا سقى الماء من حر ومن ظمأ * من كف خير البرايا خاتم الرسل

ولا رأى جنة الله التي خلقت * من خان عهد الإمام العاضد بن علي

أئمتي وهداتي والذخيرة لي * إذا ارتهنت بما قدمت من عملي

تالله لم أوفهم في المدح حقهم * لان فضلهم كالوابل الهطل

ولو تضاعفت الأقوال واتسعت * ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل

باب النجاة هم دنيا و آخرة * وحبهم فهو أصل الدين والعمل

نور الهدى ومصابيح الدجى و مح‍ل الغيث إن ربت الأنواء في المحل

أئمة خلقوا نورا فنورهم * من محض خالص نور الله لم يفل

والله ما زلت عن حبي لهم أبدا * ما أخر الله لي في مدة الأجل

 

 

 

 

[1] خطط المقريزي ج2 ص222-224.

[2] السيرة المأمونية: أخباار مصر الأمير جمال الملك موسى بن المأمون بن البطائحي. ص82-85. دار الكتب والوثائق القومية مصر طبعة 2014

[3] المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار المقريزي ج 2 ص 384 طبعة مكتبة الآداب القاهرة.

[4] ظهور وسقوط الدولة الفاطمية في مصر. ص271 د عبد المنعم ماجد الطبعة الرابعة دار الفكر العربي 1994.

[5] ص 389 الخطط المقريزي ج2 .

[6] كان هذا قبل ستين عاما في عصر عباس العقاد وقبل أن تجهز الوهابية على ما تبقى من بقايا التراث الفاطمي الشعبي.

[7] فاطمة الزهراء والفاطميون عباس محمود العقاد. 137-139.

أخبار ذات صلة

0 تعليق