ننشر دراسة "الحسين شاهدا وشهيدا وحاكما"للدكتور أحمد راسم النفيس

1 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

وردت كلمة شهيدمفردة أو مثناة أو بصيغة الجمع في القرآن الكريم 56 مرة، إما منسوبة للذات الإلهية أو لرسول الله أو لمن يشهد على عقد من العقود، أما كلمة شاهد فقد وردت 16 مرة، كما وردت بمعنى(الذين قتلوا في سبيل الله) مرتان أما كلمة شهد فوردت 72 مرة .

وكما يقول ابن منظور في (لسان العرب):

الشهيد من أَسماء الله عز وجل: وقيل الشهيدُ الذي لا يَغيب عن عِلْمه شيء. وفَعِيلٌ من أَبنية المبالغة في فاعل فإِذا اعتبر العِلم مطلقاً، فهو العليم، وإِذا أُضيف في الأُمور الباطنة، فهو الخبير، وإِذا أُضيف إِلى الأُمور الظاهرة، فهو الشهيد.

والشاهد العالم الذي يُبَيِّنُ ما عَلِمَهُ، شَهِدَ شهادة؛ ومنه قوله تعالى(شهادَةُ بينِكم إِذا حضر أَحدَكم الموتُ حين الوصية اثنان)؛ ورجل شاهِدٌ، والجمع أَشْهاد وشُهود.أما شَهيدٌ فجمعها شُهَداء.والشَّهادَة خَبرٌ قاطعٌ، وقوله عز وجل: شهد الله أَنه لا إِله إِلا هو؛ ومعنى شَهِدَ الله قضى الله أَنه لا إِله إِلا هو، وحقيقته عَلِمَ اللهُ وبَيَّنَ اللهُ لأَن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه، فالله قد دل على توحيده بجميع ما خَلَق، وقال أَبو العباس: شهد الله، بيَّن الله وأَظهر. وشَهِدَ الشاهِدُ عند الحاكم أَي بين ما يعلمه وأَظهره، وشَهِدَ فلان على فلان بحق، فهو شاهد وشهيد. واسْتُشِهْدَ فلان، فهو شَهِيدٌ. والمُشاهَدَةُ: المعاينة. وشَهِدَه شُهوداً أَي حَضَره، فهو شاهدٌ.

والشَّهِيدُ: الشَّاهِدُ، والجمعشُّهَداء. والشاهِدُ والشَّهيد: الحاضر، والجمع شُهَداء وشُهَّدٌ وأَشْهادٌ وشُهودٌ؛ وشَهدَ الأَمَر والمِصْرَ شَهادَةً، فهو شاهدٌ، من قوْم شُهَّد. وقوله تعالى: وذلك يومٌ مَشْهودٌ، أَي محضور يَحضُره أَهل السماءِ والأَرض. ومثله: إِنَّ قرآن الفجر كان مشهوداً؛ يعني صلاة الفجر يَحْضُرها ملائكة الليل وملائكة النهار. وقوله تعالى: أَو أَلقى السمع وهو شهيد؛ أَي أَحْضَرَ سمعه وقلبُهُ شاهدٌ لذلك غَيْرُ غائب عنه. وفي حديث عليّ، عليه السلام: وشَهِيدُكَ على أُمَّتِك يوم القيامة أَي شاهِدُك. وفي الحديث: سيدُ الأَيام يوم الجمعة هو شاهد أَي يَشْهَدُ لمن حضر صلاتَه. وقوله: فشهادَةُ أَحدِهم أَربع شهادات بالله؛ الشهادة معناها اليمين ههنا.

وقوله عز وجلّ: إِنا أَرسلناك شاهداً؛ أَي على أُمتك بالإِبْلاغ والرسالة، وقيل: مُبَيِّناً. وقوله: ونزعنا من كل أُمة شهيداً؛ أَي اخْتَرْنا منها نبيّاً، وكلُّ نبي شَهِيدُ أُمَّتِه. وقوله، عز وجل: تبغونها عِوَجاً وأَنْتم شُهَداء؛ أي أَنتم تشهدون وتعلمون أَن نبوة محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، حق لأَن الله، عز وجل، قد بينه في كتابكم. وقوله عز وجل: يوم يقوم الأَشْهادُ؛ يعني الملائكة، والأَشهادُ: جمع شاهد، وقيل الأَشْهاد هم الأَنبياءُ والمؤمنون يَشْهدُون على المكذبين بمحمد، صلى الله عليه وسلم، والشَّهِيدُ: المقْتول في سبيل الله، والجمع شُهَداء. انتهى النقل.

الشهيد اسم من أَسماء الله عز وجل الذي لا يَغيب عن عِلْمه شيء. فإِذا اعتبر العِلم مطلقاً، فهو العليم، وإِذا أُضيف في الأُمور الباطنة، فهو الخبير، وإِذا أُضيف إِلى الأُمور الظاهرة، فهو الشهيد.

والشاهد هو العالم الذي يُبَيِّنُ ما عَلِمَهُ، شَهِدَ شهادة؛ وجمعه أَشْهاد وشُهود. انتهى النقل.

إذا فمرتبة الشهادة بالنسبة للبشر تجمع العلم المقترن بالخبرة والإحاطة المعرفية العميقة التي تتجاوز حدود الظاهر، لترقى بالإنسان إلى مرتبة الشهود المطلق للحق مهما كان اتساع رقعتهوامتداده، معاينة وحضورا تتجاوز حدد المعرفة الضيقة لأولئك الذين (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم7.

القيام بالشهادة إحدىالوظائف الأساسية للرسل والأنبياء (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) الأحزاب 45-46.

(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا) المزمل 15.

الكون كله بدأ وتأسس بعد أن أشهد الله الخلق على الحق شهادة جماعية (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). الأعراف 172-173.

كما أن كل ذرات الكون مكلفة بالشهادة يوم القيامة جبرا(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النور 24.

(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) فصلت 19-24.

شهادة الحق بالنسبة للإنسان المختار مهمة لا يقدر عليها ولا يتصدى لها إلا أولو العزم الذين امتحن الله قلبهم للإيمان ممن جمعوا بين عمق المعرفة وأصالتها وصفائها والتجرد لمرضاة لله تباك وتعالى مهما اشتدت عليهم الضغوط والمحن ومهما ناوشته الإغراءات المادية والرغبة في طول البقاء.

تلك الحكمة البالغة والرؤية الصافية التي تخترق الحجب وأروع ما يوضحها الكلمة التي أرسلها الإمام الحسين لأخيه محمد (بسم اللّه الرحمن الرحيم: منالحسين بن عليإلى محمد بنعلي ومن قِبله من بنى هاشم أما بعد، إن الدنيا لمتكنوإنالآخرة لم تزل، والسلام).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة 8.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء 135.

الشهادة إذا هي عنوان الحق والحقيقة التي لا يمكن تغييرها ولا تبديلها، وكما أن الشمس معروفة بالعين والأثر فالحقيقة تثبت وجودا وتثبت بشهادة أهل الحق الذين لم تقتصر مهمتهم على البلاغ نذارة وبشارة (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) المائدة 116-118.

الشهادة كما أنها وظيفة دنيوية فهي أيضا وظيفة أخروية ينهض بها خاصة أولياء الله وهي ليست قاصرة على مقام النبوة الذي له شهادة عامة شاملة كما في الآية السابقة (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)[1]، وهي وظيفة ممتدة في الأئمة الأطهار (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)[2].

الفارق بين وظيفة الشاهد الذي يقف أمام محاكم العدل الدنيوية المزعومة وبين شهادة الأنبياء والأئمة، أن لهؤلاء أيضا وظيفة الحكم وعلى عاتقهم تقع مسئولية إقامة العدل، لا على طريقة (قل كلمتك وامضي) والذي قد يحتاج إلى (ربناج حماية الشهود) من بطش القتلة والمجرمين (وآتيناه الحكم صبيا).

الإمام الحسين على درب الشهادة

تعرض الإسلام منذ اللحظة الأولى لخطر ماحق شكله التحريفيون الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم الذين مثلوا خط الدفاع الثاني عن الجاهلية وموروثاتها ورموزها التي أبت أن تخلي الساحة للدين في صورته الصافية النقية، كما نزل على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله.

يعتقد البعض أن خط الانحراف لم يظهر إلا يوم السقيفة، وكأنالقوم كانوا يعيشون الإسلام كاملا في نفوسهم وأفعالهم، إلا أن هذه الفرضية ما تلبث أن تتبدد حينما نقرأ السيرة النبوية بهدوء وتمعن.

كانت هذه وظيفة رسولنا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله الذي أُرسل مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا يكمل كل ذلك أنه كان شاهدا على أمته في حياته أما بعد مماته فقد ورث المهمة ذريته وعترته الطاهرة.

الرسل والأنبياء والأئمة فضلا عن دورهم التبليغي وإنذار البشر بعواقب تمردهم على الله عز وجل وتبشيرهم بالعاقبة الحسنة لطاعته والتزام أوامره يقع على عاتقهم إقامة الشهادة على الخلق ممن التزموا بالصراط المستقيم أو حادوا عنه ممن أضلهم على الله علم واتبعوا أهواءهم.

لا شك أننا نعاني من تقصير أدواتنا الإعلامية في تسليط الضوء على الحدث الحسيني تلبية لحاجاتنا السياسية والفكرية التي لا بد لها أن تتأسس على معرفة عميقة ومتجددة لهذا الحدث الذي يشكل أساسا لما نعيشه اليوم من أحداث وتطورات كيانية.

(تبدأ القصة عندنا يوم تاسوعاء وتنتهي عصر عاشوراء، ثم لا ندري ما حدث ونبقى هكذا حتى يوم الأربعين ثم نحفظ القضية في الأرشيف مرة أخرى). علي شريعتي.

تبدأ رواية استشهاد الإمام الحسين بن علي في مقتل أبي مخنف من لحظة هلاك معاوية بن أبي سفيان (كتب يزيد إلى أميره على المدينة: بسم الله الرحمن الرحيم، من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة اما بعد: فان معاوية كان عبدا من عباد الله اكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له فعاش بقدر ومات بأجل فرحمه الله فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام. وكتب اليه في صحيفة كانها أذن فأرة أما بعد: فخذ حسينا وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير بالبيعة اخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام)[3].

أما رواية الشيخ عبد الزهراء الكعبي فتبدأ: لما أصبح يوم عاشوراء صلى الحسين بأصحابه صلاة الصبح.. ثم قال إن الله أذن في قتلي وقتلكم....

لا شك أن الخطاب المستخدم في وصف استشهاد الحسين تغلب عليه الحالة الوجدانية تأثرا بذلك الحدث الرهيب إلا أن تطور الأحداث التي يعيشها أبناء الخط الحسيني في عصرنا الراهن والهجمة الإعلامية المعادية توجب علينا إعادة النظر في هذا الخطاب والاهتمام بجانب التحليل السياسي للحدث فنحن نرى حاجة ملحة لتطوير هذا الخطاب وتوسيع آفاقه ومواكبة تطورات العصر والاحتياجات الفكرية المتجددة لمجتمعاتنا التي ما تزال تواجه ذات العدوان اليزيدي مدججا بسلاح التزييف الإعلامي الذي أصبح أكثر خبثا وتطورا مما كان عليه عند بدء الصراع قبل أكثر من ألف وربعمائة عام.

الإعلام الشيعي يبدأ الحدث كما قال شريعتي يوم تاسوعاء وينهيه عصر عاشوراء ولا ندري ما حدث بعد ذلك والأهم من هذا أننا لا نشرح للناس لماذا حدث كل هذا؟!.

أسئلة متعددة يطرحها الإعلام المعادي بخبث ودهاء وتتوه الإجابة عليها وسط الحشد العاطفي الملتف حول قراء المقتل والمحاصر بهذا القدر من السرد حيث لا يكاد يلم من الحدث سوى بالعشر الأوائل من محرم الحرام.

علينا أن نلاحظ أيضا لماذا يسلط الإعلام المعادي الأضواء على قصة التطبير مركزا عليها وكأنها الممثل الشرعي والوحيد لإحياء ذكرى استشهاد أبي الأحرار الحسين بن علي عليه السلام.

هل وقع الإمام الحسين عليه السلام في فخ نصبه له أهل الكوفة كما يردد العاملون في خدمة البلاط اليزيدي من يومها وإلى الآن؟!.

هل كان الإمام الحسين بن علي عليه السلام مسيرا ومدفوعا نحو أرض كربلاء ليجري قتله هو وأصحابه وأهل بيته بهذه الطريقة البشعة أم أنه سلام الله عليه اختار السير في طريق طويل لم يبدأ كما يروي أبو مخنف بعد هلاك ابن آكلة الأكباد, بل بدأ قبل هذا، حتى ولو لم يكن هناك الكثير من الخيارات؟!.

علينا أن نذكر أن النقد ليس موجها لأبي مخنف ولا للسيد ابن طاووس ولا الشيخ عبد الزهراء الكعبي، بل لأولئك الذين يديرون الإعلام الحسيني، جوهر الإعلام الشيعي المتكفل بحمل رسالة علي بن أبي طالب والحسن والحسين وإيصالها للعدو والصديق وأن جوهر هذا النقد يتعلق بضرورة استكمال هذا الخطاب سيرا على خطى الحسين عليه السلام.

متى بدأ الإمام الحسين عليه السلام السير في هذا الاتجاه؟!.

هل كان هذا يوم خرج من المدينة خائفا يترقب متمثلا بقول موسى عليه السلام: رب نجني من القوم الظالمين، أم أنه اختار المسير وفق خطة محكمة ونهج واضح نحو معركة كان من المحتم أن يسقط فيها شهيدا مضرجا بدمائه لتدفن الأجساد في تلك البقعة الطاهرة ولتبقى المبادئ الإطارية الحاكمة لتوصيف الإسلام حية باقية في نفوس عارفي فضله والسائرين على نهجه ومن لحق بهم من سائر المسلمين.

اليزيديون من يومها في ورطة بل في موقف دفاع عن الذات المزيفة المنسوبة كذبا وزورا للإسلام وقد رأيت مفتي الوهابية يسؤل عن سبب خروج الحسين فيقول أنه خرج على بيعة أمير المؤمنين يزيد خليفة المسلمين الشرعي!!.

يكفي أن السؤال ما يزال مطروحا في عقر دارهم بينما كان المخطط الأصلي أن تدفن حقيقة الإسلام ويكفي أن يصمت الحسين بن علي ع ويكتفي بالبقاء في داره لتدفن كلمة الحق كما دفن غيرها في جراب أبي هريرة الذي آثر الحفاظ على بلعومه المقدس واستمرأ الكذب وكتمان الحقائق كما فعل آلاف غيره من أشباه الرجال ولا رجال.

البدايات الأولى للمشهد الكربلائي

السؤال هو: هل كان تحرك الإمام الحسين عليه السلام منذ بدء إمامته وبعد استشهاد الإمام الحسن بن علي حدثا خارج السياق العام لحركة النبوات أم أن هذا التحرك كان متسقا مع هذا السياق؟!.

السياق العام للنبوات والذي جسده اليهود (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) البقرة 87.

لا جديد إذا فيما فعله أشباه اليهود المنتمون للإسلام زورا وبهتانا والذين مارسوا التمرد على مقام النبوة مرارا وتكرارا لأنه صلاة الله وسلامه عليه جاءهم بما لا تهوى أنفسهم!!.

أين ملك آل محمد؟!

الصراع داخل الإسلام كان وما زال بين فريقين.

الفريق الأول هم الذين أرادوا (وكان لهم ما أرادوا) إسلاما يكون لهم فيه حق الحذف والإضافة سواء على مستوى الإجمال، حيث يكون لهم حق اختيار ولاة أمر الدين، أو على مستوى التفصيل، حيث يكون لهم حق نقض وإبرام الأحكام وتوسيع دائرة الحرام وتضييق دائرة الحلال، لا لشيء إلا ليثبتوا قدرتهم على مشاركة الله في ملكه وخلقه وأمره.

أما الفريق الثاني فهم الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا ممن أخبتوا لله رب العالمين وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

الفريق الأول هم من وصفهم رب العزة بقوله: (وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ) النور 47-50.

الفريق الثاني يصفهم رب العزة بقوله(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) النور 51-52.

جاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله بما لا تهوى أنفسهم وبما تكره قلوبهم التي رَبَت ونمت وتغذت على الحقد والحسد (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) النساء 53-55.

على ذروة قمة الاصطفاء من آل إبراهيم يتربع آل محمد وهم الذين وصفهم رب العزة بقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) الأنعام 83-90.

لو سألت أحد هؤلاء الذين أعماهم الحقد والحسد وأبى الله إلا أن يفضحهم ويخرج أضغانهم أين ذلك الملك العظيم الذي منحه الله لآل إبراهيم حصرا دون العالمين؟!.

ألم يمنح الله سبحانه ومنذ البدء الشجرة الإبراهيمية التي امتدت في ذريةٍ اصطفاها الله وفضلها على العالمين وجعل منها الأصفياء والأولياء والأئمة والأنبياء والمرسلين، الكتاب والحكم والنبوة، فكان هذا الإيتاء عطفا على الاصطفاء ونتيجة منطقية له.

لماذا أصر القوم على أن آل محمد وهم الصفوة المنتقاة من آل إبراهيم لا ملك لهم ولا إرث لهم وأن من اختارهم الله واصطفاهم وفضلهم على العالمين ليس لهم أي حق على المسلمين؟!.

لن تجد إلا السب والشتم جوابا مثلما لم يجد الإمام الحسين بن علي سلام الله عليه إلا الأسنة والرماح جوابا!!!.

المناهضة والمقاومة الضارية التي جوبه بها آل إبراهيم أو آل محمد لم تكن لأسباب ظرفية زمانية كما يجهد الحمقى لتبرير أفعالهم البشعة في حق محمد وآل محمد وأشياعهم بل من أجل إجهاض الوعد الإلهي الذي كتبه الله تبارك وتعالى لآل محمد الذي تنتظره البشرية عامة والمؤمنون بولاية وفضل أهل البيت خاصة والحيلولة دون إنفاذ الإرادة الإلهية القاضية بإقامة ملك آل إبراهيم الآتي حتما لا ريب فيه ممثلا في الدولة المهدوية.

وإذا كان هناك من يدافع عن حق اليهود في دولة لهم على أرض فلسطين التي يسميها البعض أرض الميعاد لأن الله تبارك وتعالى قال لهم (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) المائدة 21-26.

لم يجد موسى عليه السلام من يؤيد الامتثال للأمر الإلهي من بين تلك الجحافل التي خرجت معه من مصر فرارا من فرعون وبطشه سوى رجلين ورغم ذلك لم يقل عليه السلام (إني لا أملك إلا نفسي وأخي ورجلين) بل قال (إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) وفي هذا دلالة على قلة أتباع الحق اتباعا كاملا وصولا للتضحية بالنفس والإقدام على الشهادة طمعا في لقاء الله عز وجل كما يحب ويرضى لا كما نروم نحن ونبغي!!.

الوعد الإلهي لبني إسرائيل كان وعدا محدودا محصورا بتلك الرقعة المباركة من الأرض لا أكثر، وهو وعد نقضه اليهود عندما رفضوا الاستجابة للأمر الإلهي بالدخول إليها وعندما دعا عليهم موسى عليه السلام قائلا (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين)، وعندما عاقبهم الله عز وجل بالبقاء في التيه ثم عاقبهم بعد ذلك عقابا نهائيا رادعا ليبقوا أبد الدهر في الشتات، فلا يكون لهم ملك ولا جمع ولا اجتماع إلا لمعاقبتهم عقابا جماعيا مستحقا على سوء فعالهم(وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الأعراف 168.

الأمر ذاته انطبق على الأمة الإسلامية التي لم يحفظ العهد من أبنائها إلا أقل القليل حيث سارع القوم لنقض عهدهم ميثاقهم الذي أبرموه مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم رغم التحذير الإلهي لهم من الغدر والنكث (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) المائدة 7.

الحسين بن علي والأمة الإسلامية....

خط الشهادة وخيط البقاء

غفل الغالبية العظمى من المسلمين تلك الأمة الإبراهيمية عن الوعد الإلهي لهم (وآتيناهم ملكا عظيما) وأن هذا الوعد لا يتحقق إلا عندما تكون قيادة الأمة لآل إبراهيم وهم أنفسهم آل محمد (أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ).

حاول البعض تخفيفا من هول الصدام الواقع بين أبناء الأمة تجاوز هذه النقطة والزعم بأن طلب الملك لم يكن هدفا يسعى إليه الحسين بن علي ع والأئمة من بعده، وهو كلام به بعض الصواب إذ أن طلب الملك الزماني الدنيوي لم ولن يكون هدفا يسعى إليه أولئك الربانيون (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ* وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) آل عمران 79-80.

المُلك الدنيوي يكون الناس فيه عبادا للمَلك صاحب السلطة من دون الله، أما المُلك الإلهي فيكون فيه المَلك والناس ربانيين عبادا لله يخضعون لأمره ونهيه وتخضع فيه كل الإرادات لله رب العالمين ويسلم الكون كله لله طوعا أو كرها وهي الغاية النهائية من وراء الخلق والاستخلاف في الأرض، ومن أحق وأقدر على إنفاذ هذا من أمة تمتثل لأمر الله عز وجل ولا تتبع الهوى المضل والنفس الأمارة بالسوء.

استعباد الناس من قبل آلهة الأرض يكون بتضليلهم عن صراط الله المستقيم وأخذهم إلى مسارات بديلة كما حدث بالفعل لأمتنا المنكوبة بالقادة المزيفين منذ اللحظة التالية لرحيل رسولنا الأكرم محمدا عن هذه الدنيا.

لم يكن تحويل المسار وصرفه بعيدا عن صراط الله المستقيم ومنهجه القويم ليتم لو لم يجر استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، أي انتزاع الملك من مملكة آل إبراهيم, آل محمد بواسطة هؤلاء المدعين ما ليس لهم ممن رفضوا أن يكون الناس ربانيين وأبوا إلا أن يكونوا عبادا لهم من دون الله.

ورغم وضوح النص القرآني وجلاءه (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ)، يتصور البعض أن الخطاب عن الأنبياء حصرا بينما هو عام ويشمل الجميع عبر تأكيد ثوابت ومعنى أن يكون الحكم ربانيا، وإذا كان هذا هو التزام الأنبياء فما بالك بمن اغتصبوا مكانة الأنبياء والأوصياء كهؤلاء الخلفاء الذين زعموا أن حكوماتهم الجائرة كانت تعبيرا وترجمة صحيحة للشريعةالإسلامية بينما حالهم يحكي أنهم جعلوا الناس عبادا لهم من دون الله.

إنه التزام لا يقدر على الوفاء به إلا الأوصياء والأولياء، فكيف زعم هؤلاء أنهم الأقدر والأعلم والأحق وأنهم رموز الديموقراطية الأعرابية رغم أنهم الأشد كفرا ونفاقا.

يروي ابن جرير الطبري عن ابن عباس: قال خرجت مع عمر في بعض أسفاره فإنا لنسير ليلة وقد دنوت منه إذ ضرب مقدم رحله بسوطه وقال: كذبتم وبيت الله يقتل أحمد ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل، ثم قال أستغفر الله، ثم قال: وما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله وأعطى لرأس السابق المتجرد، ثم قال أستغفر الله يابن عباس ما منع عليا من الخروج معنا قلت لا أدري، قال: يا بن عباس أبوك عم رسول الله وأنت ابن عمه فما منع قومكم منكم قلت لا أدري قال: لكني أدري يكرهون ولايتكم لهم قلت لم ونحن لهم كالخير!، قال اللهم غفرا يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فيكون بجحا بجحا لعلكم تقولون إن أبا بكر فعل ذلك لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم.. أنشدني لشاعر الشعراء زهير قوله إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية من المجد من يسبق إليها يسود فأنشدته وطلع الفجر، فقال اقرأ الواقعة فقرأتها ثم نزل فصلى وقرأ بالواقعة.

وعن عكرمة عن ابن عباس قال بينما عمر بن الخطاب وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم فلان أشعر وقال بعضهم بل فلان أشعر قال فأقبلت فقال عمر قد جاءكم أعلم الناس بها فقال عمر من شاعر الشعراء يا بن عباس قال فقلت زهير بن أبي سلمى فقال عمر هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت فقلت: امتدح قوما من بني عبدالله بن غطفان فقال لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا، قوم أبوهم سنان حين تنسبهم طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا، إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا مرزؤون بها ليل إذا حشدوا، محسدون على ما كان من نعم لا ينزع الله منهم ماله حسدوا، فقال عمر أحسن وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله وقرابتهم منه فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقا فقال يابن عباس أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد فكرهت أن أجيبه فقلت إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني فقال عمر كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا فاختارت قريش لأنفسها فاصابت ووفقت فقلت يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت فقال تكلم يابن عباس فقلت أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود وأما قولك إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) فقال عمر: هيهات والله يابن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها فتزيل منزلتك مني فقلت وما هي يا أمير المؤمنين فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر بلغني أنك تقول إنما صرفوها عنا حسدا وظلما فقلت أما قولك يا أمير المؤمنين ظلما فقد تبين للجاهل والحليم وأما قولك حسدا فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون فقال عمر هيهات أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول وضغنا وغشا ما يزول فقلت مهلا يا أمير المؤمنين لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش فإن قلب رسول الله من قلوب بني هاشم فقال عمر إليك عني يابن عباس فقلت أفعل، فلما ذهبت لأقوم استحيا مني فقال يابن عباس مكانك فوالله إني لراع لحقك محب لما سرك فقلت يا أمير المؤمنين إن لي عليك حقا وعلى كل مسلم فمن حفظه فحظه أصاب ومن أضاعه فحظه أخطأ ثم قام فمضى[4].

ترى بعد هذه المكاشفة الواضحة هل هناك من يمكن أن يزعم أن دافعا مختلفا عما ذكرناه من رفض القوم القبول بالإرادة الإلهية القاضية والحاكمة بقيام (ملك آل إبراهيم) وكراهيتهم لهذا الأمر وافتعال تلك الأكاذيب عن مكانة فلان وفلان (الذين حكموا بما أنزل الله) رغم أن حقيقتهم لا تخرج عن أنهم قالوا للناس: كونوا عبادا لنا من دون الله، خروجا عن المسار الرباني الذي حتم أن يكون كل الناس على أقدام الأنبياء والأوصياء عبادا لله ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون!!.

كرهت قريش كما نطق ابن الخطاب بلسانها أن يجمع الله لآل محمد بين النبوة والخلافة وإن أردت الصواب، بين النبوة والملك معاندة لأمره الذي قضى وحكم أن يؤتي آل إبراهيم ملكا عظيما، وهذا هو جوهر الخلاف والنزاع ودعك إذا ما يدعيه البعض عن الاجتهاد القرشي ومحاولة استعادة الوئام بين هند وحمزة، وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ * وَلَكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ، كما قال الإمام علي عليه السلام عندما سأله أخو أسد: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به فقال:يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ وَ لَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وَ حَقُّ الْمَسْأَلَةِ وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ أَمَّا الِاسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ وَنَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً وَالْأَشَدُّونَ بِالرَّسُولِ (صلى الله عليه وآله) نَوْطاً فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَ الْحَكَمُ اللَّهُ وَ الْمَعْوَدُ إِلَيْهِ الْقِيَامَةُ.

وَ دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ * وَ لَكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ

وَهَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ وَلَا غَرْوَ وَاللَّهِ فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ وَيُكْثِرُ الْأَوَدَ حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ وَسَدَّ فَوَّارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ وَجَدَحُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ[5].

توالت المؤامرات ومعها شتى صنوف المصائب على أئمة أهل البيت عليهم السلام وتراجع دور (هيئة الحكم الانتقالي) التي وصفت بالرشد زورا وبهتانا والتي لم تستمر إلا أقل من ثلاثة عقود قبل أن تزال نهائيا لتنتصب مملكة الشيطان الأموي ويتحقق الإنذار الإلهي (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) النساء 53.

النقير كما قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: وقبة في ظهر النواة، ويضرب به المثل في الشيء الطفيف قال تعالى: {ولا يظلمون نقيرا} [النساء/124].

الباحثون عن العدل في مملكة الشيطان الأموي لن يحصلوا عليه وهم ليسوا أفضل حالا من الباحثين عن إبرة في قاع المحيط كما قال سبحانه وهم لن يحصلوا حتى على الحد الأدنى من الحقوق التي أضحت نهبا تتوالى فصوله ويتوالى معه الصياح والعويل دون أن يتمكن أحد من وقف هذا المسلسل، ما إن نفرغ من جريمة ترتكب بحقنا حتى ترتكب أخرى أشد وأبشع لا لشيء إلا لأن القوم حَاوَلوا إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ وَسَدَّ فَوَّارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ......

كما قال سيدي أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام.

الذين أزاحوا الإمام علي بن أبي طالب عن موقعه لم يفعلوا هذا من يسترد هذا الموقع وتلك المكانة وبديهي ومن خلال اطلاعنا على مسلسل النهب التاريخي أن ندرك أن الصراع سيتواصل حتى يحكم الله بالحق وهو أحكم الحاكمين.

الذين أزاحوا الإمام علي عليه السلام عن مكانته تعجلوا تنفيذ مخططهم بل وبدأوه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله عبر محاولة اغتياله.

يروي الواقدي في المغازي:

لم يقتصر الأمر على تخلف من تخلف من المسلمين عن نصرة رسول الله بالخروج معه بل تعدى الأمر إلى التآمر من أجل قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ما ذكره الواقدي في المغازي قال: لَمّا كَانَ رَسُولُ اللّهِ بِبَعْضِ الطّرِيقِ مَكَرَ بِهِ أُنَاسٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَائْتَمَرُوا أَنْ يَطْرَحُوهُ مِنْ عَقَبَةٍ فِى الطّرِيقِ، فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللّهِ تِلْكَ الْعَقَبَةَ أَرَادُوا أَنْ يَسْلُكُوهَا مَعَهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللّهِ خَبَرَهُمْ، فَقَالَ لِلنّاسِ: “اُسْلُكُوا بَطْنَ الْوَادِى، فَإِنّهُ أَسْهَلُ لَكُمْ وَأَوْسَعُ”، فَسَلَكَ النّاسُ بَطْنَ الْوَادِى وَسَلَكَ رَسُولُ اللّهِ الْعَقَبَةَ، وَأَمَرَ عَمّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَنْ يَأْخُذَ بِزِمَامِ النّاقَةِ يَقُودُهَا، وَأَمَرَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَسُوقُ مِنْ خَلْفِهِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللّهِ يَسِيرُ فِى الْعَقَبَةِ إذْ سَمِعَ حِسّ الْقَوْمِ قَدْ غَشَوْهُ فَغَضِبَ رَسُولُ اللّهِ، وَأَمَرَ حُذَيْفَةَ أَنْ يَرُدّهُمْ فَرَجَعَ حُذَيْفَةُ إلَيْهِمْ، وَقَدْ رَأَوْا غَضَبَ رَسُولِ اللّهِ فَجَعَلَ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ بِمِحْجَنٍ فِى يَدِهِ، وَظَنّ الْقَوْمُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ قَدْ أُطْلِعَ عَلَى مَكْرِهِمْ فَانْحَطّوا مِنْ الْعَقَبَةِ مُسْرِعِينَ حَتّى خَالَطُوا النّاسَ، وَأَقْبَلَ حُذَيْفَةُ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللّهِ فَسَاقَ بِهِ.

فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ مِنْ الْعَقَبَةِ نَزَلَ النّاسُ، فَقَالَ النّبِىّ: “يَا حُذَيْفَةُ هَلْ عَرَفْت أَحَدًا مِنْ الرّكْبِ الّذِينَ رَدَدْتهمْ”؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ عَرَفْت رَاحِلَةَ فُلانٍ وَفُلانٍ وَكَانَ الْقَوْمُ مُتَلَثّمِينَ فَلَمْ أُبْصِرْهُمْ مِنْ أَجْلِ ظُلْمَةِ اللّيْلِ.

وَكَانُوا قَدْ أَنْفَرُوا بِالنّبِي فَسَقَطَ بَعْضُ مَتَاعِ رَحْلِهِ فَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الأَسْلَمِىّ يَقُولُ: فَنُوّرَ لِى فِى أَصَابِعِى الْخَمْسِ فَأُضِئْنَ حَتّى كُنّا نَجْمَعُ مَا سَقَطَ مِنْ السّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِمَا، حَتّى مَا بَقِىَ مِنْ الْمَتَاعِ شَيْءٌ إلاّ جَمَعْنَاهُ، وَكَانَ لَحِقَ النّبِىّ فِى الْعَقَبَةِ.

فَلَمّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ: يَا رَسُولَ اللّهِ مَا مَنَعَك الْبَارِحَةَ مِنْ سُلُوكِ الْوَادِى، فَقَدْ كَانَ أَسْهَلَ مِنْ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: “يَا أَبَا يَحْيَى، أَتَدْرِى مَا أَرَادَ الْبَارِحَةَ الْمُنَافِقُونَ وَمَا اهْتَمّوا بِهِ؟ قَالُوا: نَتْبَعُهُ فِى الْعَقَبَةِ، فَإِذَا أَظْلَمَ اللّيْلُ عَلَيْهِ قَطَعُوا أَنْسَاعَ رَاحِلَتِى وَنَخَسُوهَا حَتّى يَطْرَحُونِى مِنْ رَاحِلَتِى”. فَقَالَ أُسَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَدْ اجْتَمَعَ النّاسُ وَنَزَلُوا، فَمُرْ كُلّ بَطْنٍ أَنْ يَقْتُلَ الرّجُلَ الّذِى هَمّ بِهَذَا، فَيَكُونُ الرّجُلُ مِنْ عَشِيرَتِهِ هُوَ الّذِى يَقْتُلُهُ، وَإِنْ أَحْبَبْت، وَاَلّذِى بَعَثَك بِالْحَقّ فَنَبّئْنِى بِهِمْ فَلا تَبْرَحُ حَتّى آتِيَكُمْ بِرُءُوسِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِى النّبِيتِ فَكَفَيْتُكَهُمْ وَأَمَرْت سَيّدَ الْخَزْرَجِ فَكَفَاك مَنْ فِى نَاحِيَتِهِ، فَإِنّ مِثْلَ هَؤُلاءِ يُتْرَكُونَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ حَتّى مَتَى نُدَاهِنُهُمْ وَقَدْ صَارُوا الْيَوْمَ فِى الْقِلّةِ وَالذّلّةِ وَضَرَبَ الإِسْلامُ بِجِرَانِهِ فَمَا يُسْتَبْقَى مِنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ لأُسَيْدٍ: “إنّى أَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ النّاسُ إنّ مُحَمّدًا لَمّا انْقَضَتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَضَعَ يَدَهُ فِى قَتْلِ أَصْحَابِهِ”، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، فَهَؤُلاءِ لَيْسُوا بِأَصْحَابٍ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ: “أَلَيْسَ يُظْهِرُونَ شَهَادَةَ أَنْ لا إلَهَ إلاّ اللّهُ”؟ قَالَ: بَلَى، وَلا شَهَادَةَ لَهُمْ، قَالَ: “أَلَيْسَ يُظْهِرُونَ أَنّى رَسُولُ اللّهِ”؟ قَالَ: بَلَى، وَلا شَهَادَةَ لَهُمْ، قَالَ: “فَقَدْ نُهِيت عَنْ قَتْلِ أُولَئِكَ”.

قَالَ: حَدّثَنِى يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْعَقَبَةِ الّذِينَ أَرَادُوا بِالنّبِىّ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، قَدْ سَمّاهُمْ رَسُولُ اللّهِ لِحُذَيْفَةَ وَعَمّارٍ رَحِمَهُمَا اللّهُ.

قَالَ: حَدّثَنِى ابْنُ أَبِى حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَنَازَعَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَرَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِى شَيْءٍ فَاسْتَبّا، فَلَمّا كَادَ الرّجُلُ يَعْلُو عَمّارًا فِى السّبَابِ، قَالَ عَمّارٌ: كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: اللّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَخْبِرْنِى عَنْ عِلْمِكُمْ بِهِمْ فَسَكَتَ الرّجُلُ، فَقَالَ: مَنْ حَضَرَ بَيّنِ لِصَاحِبِك مَا سَأَلَك عَنْهُ، وَإِنّمَا يُرِيدُ عَمّارٌ شَيْئًا قَدْ خَفِىَ عَلَيْهِمْ فَكَرِهَ الرّجُلُ أَنْ يُحَدّثَهُ، وَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَى الرّجُلِ، فَقَالَ الرّجُلُ: كُنّا نَتَحَدّثُ أَنّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلاً. قَالَ عَمّارٌ: فَإِنّك إنْ كُنْت مِنْهُمْ فَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَقَالَ الرّجُلُ: مَهْلاً، أَذَكّرَك اللّهُ أَنْ تَفْضَحَنِى فَقَالَ عَمّارٌ: وَاَللّهِ مَا سَمّيْت أَحَدًا، وَلَكِنّى أَشْهَدُ أَنّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلاً، اثْنَا عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ فِى الْحَيَاةِ الدّنْيَا؛ وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ.

قَالَ: حَدّثَنِى مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ الزّهْرِىّ، قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللّهِ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأُوحِىَ إلَيْهِ وَرَاحِلَتُهُ بَارِكَةٌ فَقَامَتْ رَاحِلَتُهُ تَجُرّ زِمَامَهَا حَتّى لَقِيَهَا حُذَيْفَةُ ابْنُ الْيَمَانِ فَأَخَذَ بِزِمَامِهَا فَاقْتَادَهَا حِينَ رَأَى رَسُولَ اللّهِ جَالِسًا، فَأَنَاخَهَا ثُمّ جَلَسَ عِنْدَهَا حَتّى قَامَ النّبِىّ فَأَتَاهُ فَقَالَ: “مَنْ هَذَا”؟ قَالَ. أَنَا حُذَيْفَةُ، فَقَالَ النّبِىّ فَإِنّى مُسِرّ إلَيْك أَمْرًا فَلا تَذْكُرَنّهُ إنّى نُهِيت أَنْ أُصَلّىَ عَلَى فُلانٍ وَفُلانٍ وَفُلانٍ - رَهْطٌ. عِدّةٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ - وَلا يُعْلِمُ رَسُولُ اللّهِ ذِكْرَهُمْ لأَحَدٍ غَيْرَ حُذَيْفَةَ، فَلَمّا تُوُفّىَ رَسُولُ اللّهِ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِى خِلافَتِهِ إذَا مَاتَ رَجُلٌ مِمّنْ يَظُنّ أَنّهُ مِنْ أُولَئِكَ الرّهْطِ أَخَذَ بِيَدِ حُذَيْفَةَ فَقَادَهُ إلَى الصّلاةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَشَى مَعَهُ حُذَيْفَةُ صَلّى عَلَيْهِ عُمَرُ، وَإِنْ انْتَزَعَ يَدَهُ وَأَبَى أَنْ يَمْشِىَ انْصَرَفَ مَعَهُ[6].

 

 

إنها الواقعة التي رواها الرواة والمحدثون والمفسرون ومنهم مسلم في (صحيحه) قال:

11 - (2779) حدثنا زهير بن حرب. حدثنا أبو أحمد الكوفي. حدثنا الوليد بن جميع. حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس. فقال: أنشدك بالله! كم كان أصحاب العقبة؟ قال فقال له القوم: أخبره إذ سألك. قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر. فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر. وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. وعذر ثلاثة. قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا علمنا بما أراد القوم.

أما الذين اعتذروا بأنهم لم يسمعوا منادي رسول الله أن يسلكوا الوادي ويتركوا المضيق يشير إلى أن خطة الاغتيال كانت تقوم على إسقاط رسول الله من ظهر دابته من أجل قتله ثم تقديم المسألة كحادث تدافع أدى لسقوطه وسط الزحام لا فارق بينهم وبين أحفادهم من آل سعود الذين قتلوا آلاف الحجاج في حادث تدافع مفتعل في مشعر منى.

أما بقية الروايات التي أوردها مسلم فتشير إلى أمر غريب وهو الربط بين حرب الجمل ومشروع قتل الرسول صلى الله عليه وآله مما يطرح سؤالا عن هوية هؤلاء الأشخاص وأنهم من المشاهير الذين كانوا طرفا رئيسا في هذه الحرب.

روى مسلم أيضا:

9 - (2779) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أسود بن عامر. حدثنا شعبة بن الحجاج عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي، أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. ولكن حذيفة أخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "في أصحابي اثنا عشر منافقا. فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة وأربعة" لم أحفظ ما قال شعبة فيهم.

10 - (2779) حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار (واللفظ لابن المثنى). قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، قال: قلنا لعمار: أرأيت قتالكم، أرأيا رأيتموه؟ فإن الرأي يخطئ ويصيب. أو عهدا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن في أمتي". قال شعبة: وأحسبه قال: حدثني حذيفة.

وقال غندر: أراه قال "في أمتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل في سم الخياط. ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة. سراج من النار يظهر في أكتافهم. حتى ينجم من صدورهم".

وهي أيضا ذات الروايات التي استند إليها ابن كثير وغيره في تفسير قوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)[7].

يقيننا إذا أن القوم قد وضعوا الخطط ودبروا من المكائد ما يحقق رؤيتهم القاضية بمنع قيام (ملك آل محمد) معتبرين قيام هذا الملك واستقراره وقيادته البشرية دينيا ودنيويا خطا أحمر لا يمكن السماح به بدءا باغتيال النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله في تلك المرحلة الانتقالية الفارقة، وبدلا من إبقاء الأمر مؤجلا حتى سقيفة بني ساعدة أراد القوم تنفيذ خطتهم أثناء غزوة تبوك كما هو ثابت من ذلك الحدث التاريخي الذي بقي مجهولا لأن أحدا لا يتحدث عنه أو يأتي على ذكره.

من قتل الإمام علي بن أبي طالب؟!

يعرف كل من قرأ التاريخ أن اليد التي نفذت جريمة اغتيال الإمام علي هي يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي المنتمي لفرقة الخوارج ومن ثم فهم يحملون (الفئة الضالة) مسئولية ارتكاب هذا العمل الإجرامي البشع.

إلا أن قراءة بعض الملابسات المحيطة بهذا الحادث تؤكد وجود دور للعصابة القرشية التي حاولت قتل رسول الله صلى الله عليه وآله في رحلة عودته من تبوك.

هل كان الأشعث بن قيس من الخوارج وهو أحد أركان الجريمة كما يروي أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين: أن ابن ملجم أتى إلى الأشعث بن قيس في الليلة التي أراد فيها بعلي ما أراد، والاشعث في بعض نواحي المسجد . فسمع حجر بن عدي الاشعث يقول لابن ملجم - لعنه الله - النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح فقال له حجر: قتلته يا أعور وخرج مبادرا إلى علي وأسرج دابته وسيفه ابن ملجم - لعنه الله - فضرب عليا . وأقبل حجر والناس يقولون : قتل أمير المؤمنين .

ولا زالت الرواية لأبي الفرج: وللأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أخبار يطول شرحها منها ما حدثنيه محمد ابن الحسين الاشناني قال : حدثنا إسماعيل بن موسى من بيت السدي قال حدثنا :علي بن مسهر ، عن الاجلح عن موسى بن أبي النعمان قال: جاء الاشعث إلى علي يستأذن عليه فرده قنبر، فأدمى الأشعث أنفه فخرج علي وهو يقول مالي ولك يا اشعث، اما والله لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شعيراتك قيليا امير المؤمنين ومن غلام ثقيف؟ قال. غلام يليهم لا يبقى اهل بيت من العرب إلا أدخلهم ذلا. قيل: يا امير المؤمنين. كم يلي؟ وكم يمكث؟ قال عشرين إن بلغها .

كما ذكر أبو الفرج أيضا أن الأشعث هدد الإمام علي بن أبي طالب بالقتل.

عن جعفر بن محمد قال:حدثتني إمرأة منا قالت: رأيت الاشعث بن قيس دخل على علي عليه السلام فأغلظ له علي، فعرض له الأشعث بأن يفتك به. فقال له الإمام أبالموت تهددني، فوالله ما ابالي وقعت على الموت، أو وقع الموت علي[8] .

كما روى شارح النهج (وحملوا الاشعثإلى أبى بكر موثقا في الحديد هو والعشرة، فعفا عنه وعنهم، وزوجه أخته أم فروة بنت أبى قحافة - وكانت عمياء - فولدت للأشعث محمدا وإسماعيل وإسحاق. وخرج الاشعث يوم البناء عليها إلى سوق المدينة، فما مر بذات أربع إلا عقرها، وقال للناس: هذه وليمة البناء، وثمن كل عقيرة في مالي فدفع أثمانها إلى أربابها.

قال الطبري في تاريخه: وكان المسلمون يلعنون الاشعث ويلعنه الكافرون أيضا وسبايا قومه، وسماه نساء قومه عرف النار، وهو اسم للغادر عندهم).

ترى كيف ولماذا لم يركز المؤرخون بما يكفي على دور الأشعث بن قيس عرف النار وصهر الخليفة الأول في اغتيال الإمام علي عليه السلام ومن ثم دور الملأ القرشي في ارتكاب جريمة كانوا هم المستفيد الأول منها.

تتوالى الأدوار القذرة التي أدتها هذه الأسرة المنحطة أو التي اتهمت بها دون أن يحاول أحد من المؤرخين الربط بينها أو حتى الإشارة إليها، ومن ضمنها الاتهام الموجه لجعدة بنت الأشعث بدس السم للإمام الحسن بن علي عليه السلام أو الدور القذر لمحمد بن الأشعث في قتل هانئ بن عروة ومسلم بن عقيل أو الدور الأكثر قذارة لقيس بن الأشعث في قتل الإمام الحسين وتلك المحاورة الشهيرة عندما خاطبه ذلك القيس (أولا تنزل على حكم بني عمك؟ فانهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل اليك منهم مكروه، فقال له الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدي اعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد عبادالله اني عذت بربي وربكم أن ترجمون، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب).

أنت أخو أخيك وابن أمك بنت أبي قحافة وأبيك الأشعث عرف النار التابع الذليل للملأ القرشي الذي هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وأعانوا على قتل الإمام علي محاولة منهم لإطفاء نور الله (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) التوبة 74.

الغريب أيضا أن السادة المؤرخين قبلوا برحابة صدر الزعم القائل بخطة القتل الثلاثي التي استهدفت الإمام علي ع وابن آكلة الأكباد وابن النابغة رغم أننا لن نسمع منهم عن خطوات عملية اتخذها المتآمرون لقتل الثاني والثالث.

أما الأغرب من كل هذا، فهو تغافل المؤرخين عن حقيقة ثابتة هي وجود شركاء لابن ملجم في ارتكاب تلك الجريمة البشعة ليس فقط على مستوى التخطيط، كما قد يقال بالنسبة للأشعث بن قيس ولكن على مستوى التنفيذ حيث ذكر ابن سعد في كتاب الطبقات (ولقي عبد الرحمن بن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي فأعلمه ما يريد ودعاه إلى أن يكون معه فأجابه إلى ذلك، وبات عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا في صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضحك الصبح فقم، فقام عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي. قال الحسن بن علي: وأتيته سحرا فجلست إليه فقال: إني بت الليلة أوقظ أهلي فملكتني عيناي وأنا جالس فسنح لي رسول الله فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأولاد واللدد، فقال لي: ادع الله عليهم، فقلت اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم وأبدلهم شرا لهم مني. ودخل ابن النباح المؤذن على ذلك فقال: الصلاة، فأخذت بيده فقام يمشي وابن النباح بين يديه وأنا خلفه، فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة، كذلك كان يفعل في كل يوم يخرج ومعه درته يوقظ الناس، فاعترضه الرجلان، فقال بعض من حضر ذلك: فرأيت بريق السيف وسمعت قائلا يقول: لله الحكم يا علي لا لك! ثم رأيت سيفا ثانيا فضربا جميعا فأما سيف عبد الرحمن بن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، وأما سيف شبيب فوقع في الطاق، وسمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليهما من كل جانب، فأما شبيب فأفلت، وأخذ عبد الرحمن بن ملجم فأدخل على عليّ عليه السلام...)[9].

لم يكن الخوارج لعنة الله عليهم هم الفاعل الأول في ارتكاب تلك الجريمة البشعة بل كان الملأ من قريش (الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وهي نقطة بالغة الأهمية في التعامل مع الواقع المعاصر حيث يجري تصدير هؤلاء الهمج الخوارج إلى الواجهة والتعامل معهم كحالة مارقة عن القانون خارجة عن السيطرة يسهل التبرؤ منها وإدانة أفعالها، بينما تقول الحقيقة أن هذه الحالة الهمجية هي مجرد قفاز خارجي يستر اليد الحقيقية المتآمرة والمدبرة لا فارق بين الملأ من قريش بقيادة بني أمية والذين آلت قيادتهم الآن لآل سعود الذين يتبرؤون من داعش علنا في الصباح والمساء بل وتبلغ الوقاحة بهم حد الإعلان عن إرسال جيوشهم لمحاربتها، بينما تقول الحقائق أن داعش هم آل سعود وأن ابن ملجم لم يك سوى أداة منفذة بيد هذا الملأ!!.

نهاية مرحلة وبداية مرحلة

استشهد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وآلت السلطة من بعده للإمام الحسن ولم يك ثمة ما يشير إلى تبدل الأوضاع النفسية والأخلاقية للأمة التي انتسب أغلبها للإسلام انتساب اللسان أكثر من انتساب القلب والجنان.

كتب الحسن إلى معاوية مع جندب بن عبد الله الازدي :بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن امير المؤمنين إلى معاوية بن ابي سفيان، سلام عليك فإني احمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:فإن الله تعالى عزوجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، ومنة على المؤمنين وكافة إلىالناس اجمعين "لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين " فبلغ رسالات الله وقام على أمر الله حتى توفاه الله غير مقصر ولا وان، حتى أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك ونصر به المؤمنين وأعز به العرب وشرف به قريشا خاصة، فقالتعالى: "وإنه لذكر لك ولقومك" فلما توفي صلى الله عليه وآله تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته وأوليائه ولا يحل لكم ان تنازعونا سلطان محمد في الناس وحقه، فرأت العرب أن القول كما قالت قريش وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد - صلى الله عليه وآله - فأنعمت لهم العرب وسلمت ذلك، ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجت به العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها إنهم أخذوا هذا الامر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد وأوليائه إلى محاججتهم وطلب النصف منهم باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا فالموعد الله وهو الولي النصير. وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا صلى الله عليه وآله وإن كانوا ذويفضيلة وسابقة في الاسلام فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده، فاليوم فليعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله لا بفضلفي الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود وانت ابن حزب من الأحزاب وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكن الله خيبك، سترد فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد. إن عليا - رضوان الله عليه - لما مضى لسبيله - رحمة الله عليه - يوم قبض ويوم من الله عليه بالاسلام، ويوم يبعث حيا - ولاني المسلمون الأمر بعده فأسأل الله ان لا يزيدنا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامته وإنما حملني على الكتاب اليك الإعذار فيما بيني وبين الله سبحانه وتعالى في امرك ولكفي ذلك إن فعلت الحظ الجسيم وللمسلمين فيه صلاح فدع التعدي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فانك تعلم أنيأحق بهذا الامر منكعند الله وعند كل اواب حفيظ ومن له قلب منيب واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فواللهمالك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به فادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الامر اهله ومن هو احق به منك ليطفئ الله النائرة بذلك وتجمع الكلمة وتصلح ذات البين وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك نهدت اليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.


فكتب إليه معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله امير المؤمنين إلى الحسن بن علي، سلام عليك فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وآله من الفضل وهو أحق الأولينوالآخرين بالفضل كله قديمه وحديثه وصغيره وكبيره فقد والله بلغ فأدى ونصح وهدى حتى انقذ الله به من التهلكة وأنار به من العمى وهدى به من الضلالة فجزاه الله افضل ما جزى نبيا عن امته وصلوات الله عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حيا .

وذكرت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتنازع المسلمين من بعده فرأيتك صرحت بتهمة ابي بكر الصديق وعمر الفاروق وأبي عبيدة الأمين وحواري الرسول صلى الله عليه وآله وصلحاء المهاجرين والانصار، فكرهت ذلك لك فانك امرؤ عندناوعند الناس غير ظنين ولا المسئ ولا اللئيم وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل، إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم ولا قرابتكم من النبي ولا مكانتكم في الاسلام واهله فرأت الأمة ان تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها ورأي صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعامتهم أن يولوا هذا الامر من قريش أقدمها إسلاما واعلمها بالله واحبهاله واقواها على امر الله واختاروا أبا بكر وكان ذلك رأي ذوي الحجى والدين والفضيلة والناظرين للأمة فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة ولم يكونوا بمتهمين ولا فيما أتوا بمخطئين، ولو راى المسلمون فيكم من يغني غناءه أو يقوم مقامه أويذب عن حريم المسلمين ذبه ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنه ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحا للاسلام واهله فالله يجزيهم عن الاسلام وأهله خيرا وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التيكنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وآله ولو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة واقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلا ولكني قد علمت أنى أطول منك ولاية واقدم منك لهذه الامة تجربة واكثر منك سياسة واكبر منك سنا، فأنت احق ان تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما بلغ تحمله إلى حيث احببت ولك خراج أي كور العراق شئت معونة لك على نفقتك يجبيها لك أمينك ويحملها اليك في كل سنة ولك ألا يستولي عليك بالاساءة ولا تقضى دونك الأمور ولا تعصى في أمر اردت به طاعة الله عزوجل . اعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام[10].

المعنى الذي نستفيد من رسالة الإمام الحسن بن علي عليه السلام لابن آكلة الأكباد ورده عليه، أن ذؤبان العرب قرروا إخراج آل محمد نهائيا من موقع قيادة الأمة الإسلامية والتي لم يبق لها من الإسلام إلا الشكل والصورة بعد أن اجتمع من ذكرهم معاوية وقرروا أن آل محمد الذين فضلهم الله وطهرهم واصطفاهم على العالمين (لا يصلحون لقيادة الأمة)، وفقا للمعايير الأموية (كونوا عبادا لي من دون الله).

كما يزيدنا ابن آكلة الأكباد إيضاحا حينما يقول (والحال بيني وبينك اليوم مثل الحال التيكنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وآله).

قضي الأمر واتضحت الصورة لكل من أراد أن يفهم أو يدرك أن ثمة قرار قد اتخذ وميثاق قد تواثق عليه أهل الغدر والنفاق ألا يكون لآل محمد ومن ثم لمملكة آل إبراهيم وجود على ظهر الأرض من يومها وحتى يومنا هذا.

قضي الأمر ولم تعد مواصلة المواجهة العسكرية المباشرة بين مملكة آل محمد ومملكة الشيطان التي أسسها الملأ من قريش الذين انحرفوا واتبعوا (أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) المائدة 77، ممكنة ولا مجدية، وبعد أن أصبح وجود الثلة القليلة المؤمنة بنهج وخيارات آل محمد مهددا، وما يتبع ذلك من إمكانية الضياع النهائي للحق بضياع من يحفظه.

مملكة آل محمد ليس مجرد وجود مادي بل هي وجود معنوي وأخلاقي وعقائدي وفكري، ووجودها في عالم القيم سابق على ظهورها

كان طبيعيا ضمن هذا السياق أن يقرر ابن آكلة الأكباد اغتيال الإمام الحسن مع تقدمه في العمر تحقيقا لرغبته المشئومة في تولية ابنه المشئوم يزيد ولاية العهد، وهكذا جرى دس السم له كما هو مشهور في كتب التاريخ، وليس هنا مجال التفصيل.

انطلاقة الثورة الحسينية

في أعقاب استشهاد الإمام الحسن بن علي ع أطلق الإمام الحسين تحركه تمهيدا ليوم المواجهة الآتي، تلك اللحظة التي ستسقط فيها كل الذرائع التي اختلقها معاوية بن أبي سفيان من أجل الاستيلاء على السلطة، حتى ولو كانت الثمرة الأساس لهذه المواجهة الحتمية ما يسمى الناس الآن بتسجيل الموقف.

ليست كل المواقف سواء ومن ثم فليس تسجيلها سواء.

تسجيل الموقف الحسيني كما أسلفنا شهادة وهي ليست كأي شهادة بل هي شهادة على العالمين (لتكونوا شهداء على الناس).

شهادة تقول أن هناك نهجان وخطان كما أسلفنا.

نهج يؤسس مملكة الشيطان ونهج أصيل وثابت سيبقى ويمتد يعلن أن الملك لله وأن مملكة آل محمد هي التجسيد الوحيد الصادق لهذه المملكة حتى وإن تأخر انتصارها لقرون.

عندما قال رب العزة (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ * قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)[11] سبأ، لم يكن هذا ليعني حسم الصراع بين الحقوالباطل سيتم في يوم أو يومين أو حتى قرن أو قرنين وهو القائل (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)والغريب في الأمر أنه سبحانه أتبع هذه الآية بقوله (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ)[12]، وكأنه عز من قائل يلفت انتباهنا إلى أن الصراع طويل وممتد وأن أولياء الله الموقنين بتكليفهم وبوعد ربهم يملكون من الصبر ومن النفس الطويل ما يعينهم على أداء مهمتهم التي تحتاج إلى قرون وإلى تعاقب الأجيال.

 

التمهيد للثوره:
بيان فضائل آلالبيت،ومساوئ الفئة الباغية.

‏خرجتجماعة من الشيعة الى الإمام الحسن(ع)،بعد صلحه مع ابنآكلة الاكباد، وطلبوا منه نقض الصلح، فلم يجبهم فجاءوا الىالإمام الحسين(ع) فقال: (قد كان صلحا، وكانت بيعة كنت لهاكارها، فانظرواما دام هذا الرجل حيا فإن يهلك نظرنا ونظرتم.
فانصرفوا عنه، فلم يكن شى‏ء أحبإليهم والى الشيعة من هلاكمعاوية)[13].
بعد استشهاد الامام الحسن(ع)، عاود هؤلاء الاتصال بالإمامالحسين قائلين: (إناللّه قد جعل فيك أعظم الخلف ممنمضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونةبحزنك،المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك. فكتب اليهم: إني لأرجوأن يكونرأيأخي فى الموادعة ورأيي فى الجهاد رشدا وسدادا،فالصقوا بالارض واخفوا الشخصواكتموا الهدى ما دام ابن هند حيا فان يحدث به حدث، واناحي، يأتكمرأييإن شاء اللّه)[14]
ولما كثر اختلاف أشراف الحجاز ورجال العراق إلىالحسين(ع)، حجبهم الوليد بنعتبة، والي المدينة عنه،ومنعهم من ملاقاتهم فقال له الحسين: (يا ظالما نفسه،وعاصيالربه، علام تحول بينى وبين قوم عرفوا من حقى ما جهلته أنتوعمك)[15].
كتب معاوية الى الحسين(ع): (أما بعد، فقد انتهت إلي منك
أمور، لم أكن أظنهابك رغبة عنها، وإن أحق الناس بالوفاء لمن
أعطى بيعة من كان مثلك، فى خطركوشرفك ومنزلتكالتى أنزلك اللّه بها، فلا تنازع الى قطيعتك، واتق اللّه، ولاتردنهذه الأمة فى فتنة، وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد، ولايستخفنك الذينلا يوقنون)[16].

يظهر من هذا الخطاب أن مملكة الشيطان الأموية كانت ترصد حركاتأبي عبداللّه الحسينوسكناته وأنه سلام اللّه عليه، لم يكن نائماعلى فراشه ينتظر هلاك الطاغيةليسرع لإعلان نفسهخليفة كما يحلم الكسالى والواهمون.

ولعل كلمة معاوية (انتهت إلي منك أمور) يعنى أنه لم يكن تقريرا واحدا منمخابراته بل كانتعدة تقارير.

السياسة الأمويةتجاه الإمام الحسين(ع)، فى هذه الحقبةيلخصها سعيد بن العاصعندما يقول: (فذر الحسين بمنبت النخلة، يشرب الماء ويصعدفى الهواء ولايبلغ الى السماء). فالنخلة، مهما طالت، لن تبلغالسماء، وهذا هو المطلوب عينه، مندون إراقة دماء، ومن دونإحداث ضجيج غير مطلوب ولا مرغوب، فى وقت كان يتعينفيه اظهار البيعة ليزيد وكأنها جاءت طواعية وبمل‏ء ارادة الأمة.
فكان ردالامام عليه: (أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه
انتهت إليك عنيأمور، لمتكن تظنني بها، رغبة بي عنها، وإن
الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد اليها إلااللّه تعالى، أما ما ذكرت
أنه رقى إليك عني، فانما رقاه الملاقون، المشاءونبالنميمة،
المفرقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون، ما أردت حرباولاخلافا، وانى لأخشى اللّه فى ترك ذلك، منك ومن حزبك،
القاسطين المحلين، حزبالظالم، وأعوان الشيطان الرجيم.ألست قاتل حجر، وأصحابه العابدين المخبتين،الذين كانوا
يستفظعون البدع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر،فقتلتهمظلما وعدوانا، من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة،والعهود المؤكدة، جرأة علىاللّه واستخفافا بعهده، أولستبقاتل عمرو بن الحمق، الذى أخلقت وأبلت وجههالعباده،فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلتمن شعفالجبال، أولست المدعي زيادا فى الإسلام، فزعمت انهابن أبي سفيان، وقد قضى رسولاللّه(ص)، أن الولد للفراشوللعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل الإسلام، يقتلهمويقطعأيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم فى جذوع النخل.
سبحان اللّه! يامعاوية، لكأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك،أولست قاتل الحضرمي الذى كتب إليكفيه زياد أنه على دين
علي كرم اللّه وجهه؟ ودين علي هو دين ابن عمه(ص)، الذي
اجلسك مجلسك الذى أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك
وشرف آبائك تجشمالرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها
اللّه عنكم بنا، منة عليكم. وقلت في ماقلت: لا ترد هذه الأمة
فى فتنة، وإني لا أعلم لها فتنه اعظم من إمارتك عليها،وقلت
فى ما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد، وإني واللّه ما
أعرف أفضلمن جهادك، فان أفعل فانه قربةإلى ربي، وإن لم
افعله فاستغفر اللّه لديني،وأساله التوفيق لما يحب ويرضى.
وقلت فى ما قلت: متى تكدنيأكدك، فكدني يامعاوية مابدا لك، فلعمري لقديما يكاد الصالحون، وانى لارجو ان لا تضرإلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك، فكدني ما بدا لك، واتق اللّه يا
معاوية.واعلم أن للّه كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها.
واعلم ان اللّه ليسبناس لك قتلك بالظنة وأخذك بالتهمة،وإمارتك صبيا يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب،ما اراك الا وقدأوبقتنفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية والسلام)[17].
كانت هذه الرسالةإعلانا مؤجلا للحرب وليست محاولةاسترضاء، فها هوالإمام الحسين يضع النقاط على الحروف،ويعلن موقفه من بنى أمية الذين وصفهمبانهم حزب الظالموأعوان الشيطان الرجيم.
ثم يرد على تلبيس إبليس بادعائهخوف الفتنة على أمة محمد
بأنه، (ع)، لا يرى فتنةأخطر ولا أضل على هذه الأمة منإمارة
معاوية والقاسطين من حزبه، وهو تأكيد لما ذكرناه من قبل فى
تفسيرقوله تعالى: (ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى الا فى
الفتنهسقطوا)«التوبه/49»، فليس هناك أضل على الأمة من
إمارة الظلمةأعداء اللّه حزبالشيطان، وأن ترك جهادهم ذنب
والبراءة منهم وقتالهم هدف نبيل يتضاءل الى جوارهكل بذل
وتضحية، وبين إعلان موقفه من بنى أمية وإعلانه وجوبالجهاد ضدهميفصل جرائمهم ونكايتهم بالصالحين من أمةمحمد(ص). إن هذه الرسالة تأكيد لماأسلفنا، وهو أن خروجالامام الحسين(ع)، لم يكن رد فعل وانفعال بل هو فعلمدروس وترجمة عملية لموقف عقيدي راسخ وتنفيذ لتكليفإلهي.
كل هذهالكلمات والمواقف لم تردع معاويه عن غيه فهوماض فى ما نوى فيذهب الىالمدينة، ويلتقى وجوه الأمة،ويلوح لهم تارة بالوعود وتارة بالوعيد يلبس الحقبالباطلويزور ويزيف ليمهد الأمر ليزيد اللعين، فقام الحسين (ع)يجبههبالحق: (أما بعد يا معاوية"لم يناده بإمرة المؤمنين" فلنيؤدي القائل، وإن أطنب،فى صفة الرسول(ص)، من جميعجزءا، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللّه منايجازالصفة والتنكب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاويه:
فضح الصبحفحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد
فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتىأجحفت، ومنعت حتى
محلت، وجزت حتى جاوزت، ما بذلت لذى حق من اسم حقه
بنصيبحتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، ونصيبه الأكمل،وفهمت ما ذكرته عن يزيد مناكتماله، وسياسته لأمة محمد،تريد أن توهم الناس فى يزيد كانك تصف محجوبا، أوتنعت غائباأو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص. وقد دل يزيد مننفسه علىموقع رأيه، فخذ ليزيد فى ما أخذ فيه، من استقرائهالكلاب المهارشة عند التحارش،والحمام السبق لأترابهن،والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهى تجده باصرا، ودععنكما تحاول، فما أغناك أن تلقى اللّه من وزر الخلق بأكثر مما أنتلاقيه،فواللّه ما برحت تقدم جور باطلا فى جور وحنقا فى ظلمحتى ملأتالأسقية وما بينكوبين الموت إلا غمضه، فتقدمعلى عملمحفوظ، فى يوم مشهود، ولات حين مناص،ورأيتكعرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا، ولقد لعمر اللّهأورثناالرسول(ص)، ولادة وجئت لنا بها، ما حججتم به فأذعنللحجة بذلك، ورده الايمانالى النصف، فركبتم الأعاليل،وفعلتم الأفاعيل وقلتم كان ويكون، حتى أتاك الأمريا معاوية من طريق كان قصدهالغيرك، فهناك اعتبروا يا أولي الأبصار،وذكرتقيادة الرجل القوم بعهد رسول اللّه(ص) وتأميره له،وقد كان ذلك، ولعمرو بنالعاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، وبيعته له، وما صار لعمرو يومئذ مبعثهم حتىأنفالقوم إمرته وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال(ص): لاجرم معشرالمهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري فكيفيحتج بالمنسوخ من فعل الرسول،فى أوكد الأحكام، واولاهابالمجمع عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا،وحولك من لا يؤمن فى صحبته، ولا يعتمد فى دينه وقرابته،وتتخطاهم الى مسرفمفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي فى دنياه، وتشقى بها فى آخرتك،ان هذا لهوالخسران المبين، وأستغفر اللّه لى ولكم.
قال: فنظر معاويه الىابن عباس فقال: ما هذا يا ابن عباس؟
ولما عندك أدهى وأمر، فقال ابن عباس: لعمراللّه، انها لذرية
الرسول، وأحد اصحاب الكساء، ومن البيت المطهر ما له عماتريد، فان لك فى الناس مقنعا، حتى يحكم اللّه بأمره وهو خيرالحاكمين)[18].

ولك أيها القارئ تتأمل قوله، (ع)، عن يزيد: (تريد أن توهم الناس فى يزيد كأنكتصف محجوباوتنعت غائبا).

لم تكن شخصية يزيد شخصيةمجهولة، ولا كانت أخلاقه أمرا غائبالا يعلمه الناس ولا كانت الأمةالمسلمة قد صارت إلى ما هى عليه الآن من فساد أخلاقيومجاهرة بالمعاصى وشرب الخمور حتى يتجاوز المسلمون عنذلك الفاسق المستهتر،وهل عجزت أمة محمد عن إيجاد رجلمنها يتمتع بالخلق الحميد والسمعة الطيبة حتىتسلم أمرهاالى يزيد؟
 

3- التصميم والتخطيط
لم يتوقف الحسين، (ع)، عنتذكير الناس بحق أهل البيت (ع)،
سواء فى مواجهة معاويةأم فى مجلسه الخاص، فها هويجمع رجالاتبنى هاشم ورجالات الشيعة والتابعين والأنصار، وعددهمحواليتسعمائة رجل، فلما اجتمعوا قام خطيبا فحمد اللّه وأثنىعليه ثم قال: (أما بعد،فان هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ماقد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنيأريد أنأسألكم عن شى‏ء، فان
صدقت فصدقوني وإن كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي واكتموا
قولي ثم ارجعوا الى أمصاركم وقبائلكم من أمنتموه ووثقتم به
فادعوهم الى ماتعلمون فإنيأخاف ان يندرس هذا الحقويذهب واللّه متم نوره ولو كره الكافرون.
قال الراوى: فما ترك الحسين شيئا مما أنزل اللّه فيهم إلا تلاه
وفسره، ولاشيئا مما قاله رسول اللّه فى أبيه وأخيه وفى نفسه
واهل بيته إلا رواه، وفى كلذلك يقول أصحابه: اللهم نعم، قد
سمعنا وشهدنا.
وقد ناشدهم فقال: أنشدكماللّه، أتعلمون أن علي بن أبي طالب
كان أخا لرسول اللّه حين آخى بين أصحابهفآخى بينه وبين
نفسه، وقال: أنت أخي وأنا أخوك فى الدنيا والآخرة؟، قالوا: نعم.
قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أن رسول اللّه اشترى موضعمسجده ومنازلهفابتناه ثم ابتنى فيه عشرة منازل، تسعة له،
وجعل عاشرها فى وسطها لأبي، ثم سدكل باب شارع الى
المسجد غير بابه فتكلم فى ذلك من تكلم، فقال: ما أنا سددت
أبوابكم وفتحت بابه ولكن اللّه أمرني بسد أبوابكم وفتح بابه ثم
نهى الناسأن يناموا فى المسجد غيره، ومنزله فى منزل رسول
اللّه فولد لرسول اللّه وله فيهأولاد؟، قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم اللّه أفتعلمونأن عمر بن الخطاب حرصعلىكوة قدر عينيه يدعها فى منزله إلى المسجد فأبى عليه، ثمخطب فقال: إناللّه أمرنى بان أبني مسجدا طاهرا لا يسكنه غيرأخي وبنيه؟، قالوا:اللهم نعم.
قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه قال فى غزوة تبوك:
أنتمني بمنزلة هارون من موسى، وأنت ولى كل مؤمنبعدى؟، قالوا: اللهم نعم.
قال:أنشدكم اللّه اتعلمون أن رسول اللّه دفع اليه اللواء يومخيبر، ثم قال: لأدفعنهالى رجل يحبه اللّه ورسوله ويحب اللّه
ورسوله، كرار غير فرار فيفتحها اللّه علىيده؟، قالوا: اللهم نعم.
قال: أتعلمون ان رسول اللّه بعثه ببراءة وقال: (لايبلغ عني الا أنا
أو رجل مني؟، قالوا: اللهم نعم).
قال: أتعلمون أن رسولاللّه لم تنزل به شدة قط الا قدمه لها ثقة
به وأنه لم يدعه باسمه قط إلا يقول:يا أخي؟، قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه قضى بينهوبين جعفر
وزيد فقال: يا علىأنت مني وأنا منك وأنت ولي كل مؤمنبعدى؟قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم اللّه اتعلمون أنه كانت له من رسول اللّه كل يوم
خلوة وكل ليله دخلة اذا سأله أعطاه واذا سكت أبداه؟، قالوا:
اللهم نعم.
قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه فضله على جعفر
وحمزة حين قاللفاطمة، عليها السلام، زوجتك خير أهلالبيت، أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهمعلما؟، قالوا:اللهم نعم.
قال: أنشدكم اللّه اتعلمون أن رسول اللّه قال:أنا سيد ولد آدم،
وأخي على سيد العرب وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة والحسن
والحسين سيدا شباب أهل الجنه؟، قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم اللّهاتعلمون أن رسول اللّه أمره بتغسيله وأخبره
أن جبرائيل يعينه عليه؟، قالوا:اللهم نعم.
قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه قال فى آخر خطبة
خطبها: إني تركت فيكم الثقلين كتاب اللّه وأهل بيتى فتمسكوا
بهما لنتضلوا؟، قالوا: اللهم نعم.
فلم يدع شيئا أنزله اللّه فى على بن أبي طالب خاصةوأهل بيتهمن القرآن ولا عن لسان نبيه إلا ناشدهم، فيقول الصحابه:اللهمنعم، قد سمعناه. ويقول التابعون: اللهم نعم قد حدثنيهمن أثق به فلان وفلان.
ثم ناشدهم إن كانوا قد سمعوا رسول اللّه(ص)، يقول: من زعم
أنه يحبني ويبغضعليا فقد كذب، ليس يحبني ويبغض عليا،فقال له قائل: يا رسول اللّه وكيف ذلك؟،قال: لأنه مني وأنامنه، مناحبه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب اللّه، ومنأبغضه فقد ابغضني ومن أبغضني فقد أبغض اللّه فقالوا: اللهمنعم قدسمعناه،وتفرقوا على ذلك)[19].
ثم ها هو يخاطب الأمة ويحثها على القيام بواجب الأمربالمعروف والنهي عنالمنكر: (اعتبروا، أيها الناس، بما وعظ اللّهبه أولياءه من سوء ثنائه علىالأحبار إذ يقول: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) «المائدة/78-79» وإنما عاب اللّه ذلك عليهملأنهم كانوا يرونمن الظلمة الذين بين أظهرهم المنكروالفساد فلا ينهونهم عن ذلك، رغبة فى ماكانوا ينالون منهمورهبة مما يحذرون، واللّه يقول: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)«المائدة/44»، وقال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) «التوبة/71»، فبدأ اللّهبالأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا أديت وأقيمتاستقامتالفرائض كلها هينها وصعبها، وذلك الأمر بالمعروف والنهي عنالمنكردعاء الى الاسلام مع رد المظالم ومخالفة الظالم وقسمةالفى‏ء والغنائم وأخذالصدقات من مواضعها ووضعها فى حقها.
ثم أنتم، ايها العصابة، بالعلم مشهورةوبالخير مذكورةوبالنصيحة معروفة وباللّه فى أنفس الناس مهابة، يهابكمالشريف ويكرمكم الضعيف ويوثركم من لا فضل لكم عليه ولايدلكم عنده، تشفعونفى الحوائج إذا امتنعت من طلابها،وتمشون فى الطريق بهيئة الملوك وكرامةالأكابر، أليس كلذلك انما نلتموه بما يرجىعندكم من القيام بحق اللّه، وإنكنتم عن أكثر حقه تقصرون، فاستخففتم بحق الائمة فأما حقالضعفاء فضيعتموأما حقكم بزعمكم طلبتم، فلا مالا بذلتموهولا نفسا خاطرتم بها للذىخلقها ولاعشيرة عاديتموها فىذات اللّه، أنتم تتمنون على اللّه جنته ومجاورة رسله وأمانامنعذابه، لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على اللّه أن تحل بكمنقمة مننقماته لأنكم بلغتم من كرامة اللّه منزلة فضلتم بها،ومن يعرف باللّه لا تكرمونوأنتم فى عباده تكرمون وقد ترونعهود اللّه منقوضة فلا تفزعون وأنتملبعض ذممآبائكمتفزعون.
وما أمركم اللّه به من النهي والتناهيأنتم عنه غافلونوأنتم
أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم
تسعون،ذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء
باللّه الأمناء على حلالهوحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة
وما سلبتم ذلك إلا لتفرقكم عن الحقواختلافكم فى السنة
بعد البينة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحملتم المؤونة
فى ذات اللّه كانت أمور اللّه عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم
ترجع، ولكنكممكنتم الظلمه من منزلتكم وأسلمتم، أموراللّه فى أيديهم يعملون بالشبهاتويسيرون فى الشهواتسلطهم على ذلك فراركم من الموت وإعجابكم بالحياة التيهى مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء فى أيديهم فما بين مستعبدمقهور وبين مستضعفعلى معيشه مغلوب، يتقلبون فىالملك بآرائهم ويستشعرون الخزى بأهوائهم اقتداءبالاشراروجرأة على الجبار، فى كل بلد منهم على منبره خطيب يصقعفالأرض لهمشاغرة وأيديهم فيها مبسوطة والناس لهم خول لايدفعون يد لامس، فمن بين جبارعنيد وذى سطوة علىالضعيف شديد مطاع لا يعرف المبدئ المعيد، فيا عجبا وما لىلا أعجب والأرض من غاش غشوم ومتصدق ظلوم وعامل علىالمؤمنين غير رحيم،فاللّه الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضىبحكمه فيما شجر بيننا.
اللهم إنكتعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافسا فى سلطان ولا
التماسا من فضول الحكام، ولكنلنرى المعالم من دينكونظهر الإصلاح فى بلادك ويأمن المظلومون من عبادكويعمل بفرائضك وسنتك فى بلادك، فإنكم إن لم تنصروناوتنصفونا قوى الظلمةعليكم وعملوا فى إطفاء نور نبيكم،وحسبنا اللّه وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليهالمصير)[20].

انظروا الى هذه الخطبة العظيمة، فى التمهيد، وإعداد الأرضية
للثورةالحسينية فضلا عن الخطبة التى سبقتها فى ذكر فضائل أهل البيت وفضائله (ع).
ماأحوجنا الى استخراج هذه المعاني وشرحها وتأكيدهالأصحاب العقول الراجحة، إنهادستور ومنهج فى فهم حقائقالاسلام تنسف ما حاول بنو أميةوما نجح في ترسيخه بالفعل من صورةكهنوتية للإسلام تكرس فصل الدين عن الدولة فصلا عمليا منذ البداية،بلوتجعل من مفاهيم الدين خادمة لظلم الظالمين وجورالسلاطين وتستفيد من مقالاتبعض المتقاعسين الذينخدمهم الإسلام بأكثر مما خدموه.
إن بنيأمية وأصحابالسلطة من بعدهم مهدوا من خلال الإغداقعلى أفراد هذه الطبقةالفاسدة والإدناء لهم وإسماعصوتهم للناس،وكبت المخلصين فى ولائهم لآل بيت محمد(ص) بدءا من أبيذرالغفارى رضوان اللّه عليه ومرورا بحجر بن عدى وعمرو بنالحمق الخزاعى حتى لاتصل الى مسمع العالم إلا هذهالكلمات المشبوهة المنسوبة الى أصحابها أوالمكذوبة علىرسول اللّه(ص)، داعية الناس للخنوع والخضوع بدعوى تجنيبالناسالوقوع فى الفتنة، وتحاول أن تعطي الغاصبين شرعيةيحلمون بها وتعطل فريضةالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فها هو أبو عبداللّه الحسين يؤكد على هذهالفريضة المعطلة
ويرى أنها ضرورة لازمة لإقامةأحكام الدين، فيقول: أنها اذاأديت استقامت الفرائض جميعها هينها وصعبها، وتجنبالمجتمع الوقوع فى الظلمالذى هو رأس كل مصيبة تنزلبالناس، وها هو (ع) ينبه الى ضياع حقوق الضعفاءوينبه الىأنهم أسلموا الضعفاء فى يد الظلمة، فصار الناس ما بين مستعبدمقهور ومستضعف على معيشه مقهور.
كما يلفت الإمام الحسين عليه السلام الأنظار الى التوازن المفقود فىالمجتمع المسلم بينهؤلاء الجبابرة وأعوانهم الذى كان يفترض فيهم اقامة العدل،بينما هم ينطلقون فى خدمة شهواتهم وحقدهم على الإسلاموأهله فيصف حالهم: (فىكل بلد منهم على منبره خطيبيصقع، فالأرض لهم شاغرة وأيديهم فيها مبسوطةوالناسلهم خول اى خدم لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيدوذى سطوة علىالضعيف شديد مطاع لا يعرف المبدئالمعيد).
هذا هو حال المسلمين من يومها وحتى هذه اللحظة، كما وصفهابو عبداللّه، ولا بد من أنيستعيد الذهن ما فعله زياد وابن زياد وسمرة بن جندبمنقتلهم للمسلمين وسفكهم للدماء.

هذه هى الصورة الحقيقيةللدولة الأمويةالتى وجدت وما زالت تجد من يدافع عنها ويدعوالناس للخنوع والخضوع باسم الدين،والدين براء من هؤلاءوهؤلاء.
ان هذه الخطب الثلاث ترسم معالم التصورالإسلامي لنظام
الحكم، هذا التصور الذى افتتح معسكر النفاق جهدهم بالهجوم
عليه، عالمين بان انتقاضه يسهل عليهم كل عسير، والحسين
(ع) يعيد التأكيدعلى معالمه الرئيسية خاصة بعدما جربالناس حكومة بنى أمية ورأوا جرأتهم على سفكالدماءواستئثارهم بالأموال، إنها حكومة الظلمة التى أمرنا اللّه تباركوتعالى بالجهادحتى ننهى وجودها سواء رفعت شعاراتالكفر ام ادعت الإسلامفقال عز من قائل: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) «الانفال/ 39».

كيف يكونالدين كله للّه اذا كان الناس مجبرون على الخضوع للظلم وإلاقتلوا أو جاعوا؟!.

كيف يكون الدين كله للّه، والحاكم الجائريمتلك ازهاقالارواح بكلمه لا تستند الى شرع ولا قانون؟!.

كيف يكون الدين كله للّه وقد صارتالاستحواذ على السلطة الجائرة هدفامقدسا وصنما يعبد من دون اللّه ومن دون شريعته؟!.
ننهي خطب الإمام الحسين (ع)، فى التمهيد للثورة بهذه الخطبةالرائعة:

(نحن حزب اللّه الغالبون، وعترة رسول اللّه(ص) الأقربون،وأهل بيته الطيبون،وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول اللّه ثانىكتاب اللّه تبارك وتعالى الذى فيهتفصيل كل شيء لا يأتيهالباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعول علينا فىتفسيره،ولا يبطؤنا تأويله بل نتبع حقائقه، فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضةاذكانتبطاعة اللّه ورسوله مقرونة، قال اللّه عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) «النساء/59»، وقال:(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) «النساء/83»، وأحذركم الإصغاء الى هتوفالشيطان بكم، فإنه لكم عدو مبين،فتكونوا كأوليائه الذين قاللهم: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلماتراءتالفئتان نكص على عقبيه وقال انى بريء منكم فتلقون للسيوفضربا،وللرماح وردا وللعمد حطما وللسهام غرضا ثم لا يقبل مننفس إيمانها لم تكن آمنتمن قبل أو كسبت فى إيمانهاخيرا)[21].
 

ما بعد هلاك الطاغية

هلك معاوية، وكشرت الأفعى الأموية عن أنيابها، فأرسليزيد رسالة الىعامله على المدينة الوليد بن عتبة بن أبيسفيان، وجاء فى صحيفة ملحقة بها(كأنها أذن فأرة): (أما بعد،فخذ حسينا وعبداللّه بن عمر وعبداللّه بن الزبيربالبيعةأخذاشديدا، ليس فيه رخصه حتى يبايعوا، والسلام)[22].

فلما وصلت الرسالة، استشار الوليد مروان بن الحكم (وقال:كيف ترى ان نصنع؟،قال: فانى أرى أن تبعث الساعة الى هؤلاءالنفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول فىالطاعة، فان فعلوا قبلتمنهم وكففت عنهم، وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم، قبلأنيعلموا بموت معاوية، فان علموا بموته وثب كل امرى‏ء منهم في جانب، وأظهرالخلاف والمنابذة. فارسل الوليد الى الحسين،(ع)، وإلى ابن الزبير يدعوهمافقالا له: انصرف، الآن نأتيه. ثمأقبل أحدهما على الآخر، فقال عبداللّه بنالزبير للحسين: ماتراه بعث إلينا فى هذه الساعه التى لم يكن يجلس فيها؟، فقالحسين: قد ظننت أرى طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذنابالبيعة قبل أن يفشوفى الناس الخبر. فقال: وأنا ما أظن غيره.
قال: فما تريد أن تصنع؟، قال: اجمعفتياني الساعة ثم أمشي
إليه، فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت عليه، وأناعلى
الامتناع قادر. فذهب الحسين بن علي الى دار الوليد فجلس
فاقرأه الوليدالكتاب، ونعى له معاويه ودعاه الى البيعه، فقال
حسين: انا للّه وانا اليهراجعون، ورحم اللّه معاوية وعظم لك
الأجر، اما ما سألتنى من البيعة فان مثلى لايعطي بيعته سرا
ولا أراك تجتزى‏ء لها مني سرا ودون ان نظهرها على رؤوس
الناس علانية. قال: أجل. قال: فإذا خرجت الى الناس فدعوتهم
الى البيعةدعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا. فقال له الوليد:
فانصرف على اسم اللّه حتىتأتينا مع جماعة الناس. فقال له
مروان: واللّه لئن فارقك الساعة ولم يبايع لاقدرت منه علىمثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل ولايخرجمن عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه. فوثب عند ذلكالحسين فقال: يا ابن الزرقاء،أنت تقتلنيأم هو؟! كذبت واللّهوأثمت. ثم خرج فمر باصحابه فخرجوا معه حتى أتىمنزله.
فقال مروان للوليد: عصيتني؟ لا واللّه لا يمكنك من مثلها من
نفسه أبدا.
فقال الوليد: وبخ غيرك يا مروان، إنك اخترت لي التي فيهاهلاك دينى، واللّه ما احب ان لى ما طلعت عليه الشمس وغربتعنه من مالالدنيا وملكها وأني قتلت حسينا، سبحان اللّه أقتلحسينا إن قال لا أبايع، واللّهإني لا أظن امرئ يحاسب بدم حسينلخفيف الميزان عند اللّه يوم القيامه. فقال لهمروان: فإذا كانهذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت)[23].
خرج الإمام الحسين من ليلته، وسبقه ابن الزبير، متوجهين الى مكة.
ويبدو أن تلكالسويعات القصيرة فى هذا اليوم، كانت حافلة بالمشاورات بين أبي عبداللّه الحسينوالمحيطين به سواءممن يحبه ويشفق عليه ويتمنى له النصر أم من أولئك الذينقدموا النصيحة لمجرد أداء الواجب. وهذه المشاورات على قصرمدتها تعكس حالهالتصميم والتخطيط الواعى من قبل الامامالحسين الذى كان يحمل على كاهله ما لوحملته الجباللتدكدكت، وآخر هذه الأعباء سلامة ذلك الجسد الطاهر الذىهوقطعة من نور الرسول الاكرم طالما حملها المصطفى، صلىاللّه عليه وسلم، علىعاتقه. ولكن الأولويةيومها كانت حينئذ لحفظالدين لا لحفظ الأرواح.
ها هو أبوعبداللّه يستشير أخاه محمد بن الحنفية فيقول له
اخوه: (يا أخي، أنت أحب الناسالي وأعزهم علي، ولست أدخر
النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك، تنح بتبعتك عنيزيدبن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس
فادعهم إلىنفسك، فان بايعوا لك حمدت اللّه على ذلك، وان
أجمع الناس على غيرك لم ينقصاللّه بذلك دينك ولا عقلكولا يذهب به مروءتك ولا فضلك. انى اخاف ان تدخل مصرامنهذه الامصار، وتاتى جماعة من الناس فيختلفون بينهم فمنهمطائفة معكوأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة، فاذاخير هذه الأمة كلها نفسا وأباوأما أضيعها دما واذلها أهلا. فقال لهالحسين: فانى ذاهب يا أخي. قال: فانزل مكهفان اطمأنت بك
الدار فسبيل ذلك، وان نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال،
وخرجت من بلد الى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناسوتعرف عند ذلك الرأيفانك أصوب ما تكون رأيا وأحزمه عملاحين تستقبل الأمور استقبالا ولا تكونالأمور عليك أبدا أشكلمنها حين تستدبرها استدبارا. قال: يا أخى قد نصحت فأشفقتفأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا)((62)).
وفى روايةأخرى أنه اشار عليه بالتوجه إلى اليمن فكان جوابابى عبداللّهالحسين: (يا أخي، لو لم يكن فى الدنيا ملجأ ولامأوى لما بايعت يزيد بن معاوية.فقطع محمد بن الحنفيةالكلام وبكى فبكى الحسين ساعة ثم قال: يا أخي جزاك اللّهخيرا، لقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج الىمكة، وقد تهيأتلذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي وأمرهمأمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا أخي فلاعليك أن تقيم بالمدينةفتكون لي عينا عليهم لا تخفي عنى شيئا من أمورهم، ثم دعابكتاب وكتبوصيته).
(هذا ما اوصى به الحسين بن على بن ابى طالب الى اخيهمحمد المعروف بابن الحنفية: أن الحسين يشهد إن لا إله إلااللّه وحده لاشريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، جاء بالحقمنعنده وأن الجنة والنار حق، وأنالساعة آتية لا ريب فيها،وأن اللّه يبعث من فى القبور. وأني لم أخرج أشرا ولابطرا ولامفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح فى أمة جديوشيعه أبيعلي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فاللّهأولى بالحق، ومن رد على هذا أصبرحتى يقضى اللّه بيني وبينالقوم بالحق وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي لك يا أخيوماتوفيقيإلا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب).
كما رويأنه كتبكتابا إلى أخيه ابن الحنفية وإلىبنى هاشم:
(بسم اللّه الرحمن الرحيم، منالحسين بن على الى محمد بن
على ومن قبله من بنى هاشم، اما بعد، إن الدنيا لمتكنوإنالآخرة لم تزل، والسلام).
كما روى الطبرى، فى تاريخه، عن أبي سعيدالمقبري قال:نظرت الى الحسين داخلا مسجد المدينةوإنه ليمشي وهو
معتمدعلى رجلين، وهو يتمثل بقول ابن مفرغ:
لا ذعرت السوام فى فلق الصبح * مغيرا،ولا دعيت يزيدا
يوم اعطى من المهابة ضيما   * والمنايا يرصدننى ان أحيدا
قال: فقلت فى نفسى واللّه ما تمثل بهذين البيتين الا لشي‏ء
يريد. قال: فمامكث إلا يومين حتى بلغنى أنه سار الى مكه.....،فلما سار نحو مكه قال: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)«القصص /21»[24]،فلما دخل مكةقال: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ)«القصص/[25]22.

المشهد قبل النهائي


حاولت السلطةالامويه الغاصبة منع الإمام الحسين من التوجه نحو الكوفة وإبقاءه فى مكه، فامتنعهو وصحبهومضى نحو وجهته ونادوه يا حسين ألا تتقى اللّه؟ تخرج منالجماعة وتفرق بين هذه الأمة؟، فتلا (ع) قوله تعالى: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ). «يونس/ 41». [26]
ثم خطب خطبة بليغة تؤكدأنه، (ع)، كان متيقنا من قدره،راغبا فيه وهوالشهادة فقال:

(الحمد للّه وما شاء اللّه، ولا قوة الاباللّه وصلى اللّه علىرسوله، خط الموت على ولد آدم مخطالقلادة على جيد الفتاة، وما أولهني الىأسلافي اشتياق يعقوبالى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعهاعسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن منيأكراشا جوفاوأجربة سغبا.لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى اللّه رضاناأهل البيت نصبر على بلائه ويوفيناأجر الصابرين، لن تشذ عنرسول اللّه لحمتهوهى مجموعة له فى حظيرة القدس تقربهمعينه وينجز لهم وعده، ومن كان باذلا فينا مهجته وموطناعلى لقاء اللّهنفسه فليرحل معنا فاننى راحل مصبحا إن شاء اللّهتعالى)[27].
جاء الناصحون بالحق أو بالباطل، من كل اتجاه، يقدمون للإمام ما يرون أنه الرؤيةالصائبة،منهم من ينصح له بعدم الخروج، ومنهم من ينصحهبالامتناع بالحرم المكى، مثل محمدبن الحنفيه، فأجابهالحسين (ع): (يا أخي، أخشى أن يقاتلنى اجناد بنى اميه فىحرم مكة، فأكون كالذى يستباح حرمه فى حرم اللّه. فقالمحمد: يا أخي فسر الىاليمن او إلى بعض النواحي فإنك أمنعالناس. فقال الحسين (ع): يا أخي لو كنت فىجحر هامة منهوام الأرض لاستخرجوني منه حتى يقتلوني. ثم قال له: يا أخيسأنظر فى ما قلت. فلما كان وقت السحر عزم الحسين علىالرحيل الى العراق،فجاءه أخوه محمد وأخذ بزمام ناقته التى هوراكبها وقال: يا أخيألم تعدنى النظرفى ما اشرت به عليك؟.
قال: بلى. قال: فما حداك على الخروج عاجلا؟. فقال (ع): يا
أخيإن جدي رسول اللّه أتاني بعدما فارقتك وأنا نائم فضمني
إلى صدره وقبلما بين عينى وقال لى: يا حسين يا قرة عيني،
اخرج الى العراق، فإن اللّه قد شاءأن يراك قتيلا مخضبا بدمائك.
فبكى محمد بن الحنفيه بكاء شديدا، وقال له: ياأخي، إذا كان
الحال كذا فما معنى حملك هولاء النسوان وأنت ماض الىالقتل.فقال (ع): يا أخي قد قال جديأيضا: ان اللّه قد شاء أنيرى نسوتك سبايا مهتكاتيسقن فى أسر الذل، وهن أيضا لا
يفارقنني ما دمت حيا. فلما أصر محمد على محاولةثنيهعن الخروج قال الامام (ع):
سأمضي وما بالموت عار على الفتى
إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه
وفارق مذموماوخالف مجرما
ويروي:
وواسى الرجال الصالحين بنفسه
وفارق خوفا ان يعيشويرغما
ويروى:
فان مت لم أندم وان عشت لم ألم
كفى بك موتا أن تذلوترغما
فان عشت لم أذمم وان مت لم ألم
كفى بك ذلاأن تعيش وتندما
ثمتلا (وكان أمر اللّه قدرا مقدورا)«الاحزاب/38».
لقد كان الحسين، (ع)، طالب حقوشهادة لا طالب إمارةمن ذلك النوع الدنيوي الحقير كماعنون ابن كثير فى تاريخه قائلا: (خروج الحسين طالباللامارة). والحق أعلى وأجل من تلك الإمرةفكل ما رويناه يؤكدأن خروجالإمام الحسين لم يكن متوقفا على إرادة الجماهيرومطالبتها له، بل كان بأمر إلهى سعيا لهدف لم تدرك جماهير الأمة وقتها إلا القليل ممن وفى لرعاية الحق فيهم قيمته ولا قدره ربما حتى هذه اللحظة!!.

إنه الأمر نفسهالذى بعث بمقتضاه رسول اللّه للناس بشيرا ونذيرا، وبعهدمنرسول اللّه كانت الوصية والامامة فى آل بيت النبوة، وبعهد مناللّهورسوله الى أئمة آل البيت سواء الذين تحركوا ام من لميتحرك منهم، حيث كانت حركاتهموسكناتهم، وغايتهم هي نصرة الحق وإعلاؤ رايته وكانتبلورة الحق وتحديد معالمه هى مهمتهم سلام اللّهعليهم والأمة يومها والى يومنا هذا بحاجة الى تلك الحركه الحسينية ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا بقى عن بينة.

لميكن الإمام الحسين (ع) بحاجةالى حركة الأمة قدر حاجة الأمة لهذه النهضة، ولذا حمل الحسين (ع) النساءوالأطفال حتى تكونالجريمة الأموية كاملة وحتى يحمل الراضون والمتضامنون مع النظام الأموي الوزر الكامل منيومها الى يومنا هذا (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) «العنكبوت/13».

لم يكن بوسعنا في هذا البحث المختصر توفير تغطية شاملة كاملة للحركة الحسينية التي غيرت مسار الدنيا وحالت دون أن يصبح الإسلام مجرد ترانيم يتغنى بها البعض في صلواتهم ليصبح الدين كله لقيصر وما بقي منه، إن بقي شيء لله!!.

(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء 22-23.

لقد رسم الحراك الحسيني الذي قاد إلى استشهاده عليه السلام خطا فاصلا لا تخطئهسوى أعين من (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ، وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)،بين مملكة الشيطان ومملكة الله التي رفض الملأ من قريش القبول بها بينما كان يتعين عليهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ويستغفروا ربهم فكان أن(لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).

هم أرادوا أن يذموا فمدحوا عندما قالوا أن الإمام الحسين عليه السلام خرجا طلبا للملك مثلما قال الإمام علي عليه السلام واصفا حال هذه الأمة المصابة بعقلها وضميرها (وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ وَاللَّهِ أَحْرَصُ وَأَبْعَدُ وَأَنَا أَخَصُّ وَأَقْرَبُ وَإِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَأَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ).

ملك آل محمد عليهم السلام آت لا ريب فيه وهو وعد الله الذي لا يخلف وعده مهما طال الزمان.

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) الأنبياء 105-111.

دكتور أحمد راسم النفيس

المنصورة مصر

‏26‏/02‏/2016

‏الجمعة‏، 18‏ جمادى الأولى‏، 1437

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]النساء 41-42.

[2]غافر 51-52.

[3]مقتل الحسين، أبي مخنف. ص 79، 1367 هجرية شمسي، ط مؤسسة النشر الإسلامي. قم إيرا،

[4]تاريخ الطبري ج4 ص 222-224، طبعة 4 دار المعارف، القاهرة.

[5]من كلامه عليه السلام (162) ص 231 نهج البلاغة ط مركز الإشعاع الإسلامي.

[6]المغازي للواقدي ج2 ص 190-191.

[7]سورة التوبة آية 74.

[8]مقاتل الطالبيين ص 20-22.

[9]كتاب الطبقات الكبير لابن سعد مكتبة الخانجي القاهرة ج3 ص 35.

[10]مقاتل الطالييين ص 35-37.

[11]سبأ 48-50.

[12]الحج 47-80.

[13]أنساب الأشراف ج3 ص 152.

[14]أنساب الأشراف ج3 ص 152.

[15]نفس المصدر ص 154.
 

[16]الإمامة والسياسة لابن قتيبة تحقيق علي شيري. ج1 ص 201.

[17]الإمامة والسياسة، ابن قتيبة, ج1 ص 202-204.

[18]الإمامة والسياسة ابن قتيبة ج1 ص 208-210.

[19]أدب الحسين ع وحماسته أحمد صابر الهمداني عن سليم بن قيس ص 166.

[20]تحف العقول عن آل الرسول لابن شعبة الحراني ص237.

[21]الاحتجاج للطبرسي ص 237.

[22]تاريخ الطبري ج4 ص 250.

[23]تاريخ الطبري ج4 ص 253.

[24]تاريخ الطبري ج4 ص 253-254.

[25]نفس المصدر.

[26]موسوعة كلمات الإمام الحسين ع ص 328. معهد تحقيقات باقر العلوم دار العروق قم.

[27]البداية والنهاية لابن كثير ج4 ص 687.

أخبار ذات صلة

1 تعليق