ننشر دراسة "الإمام الحسين على قمة هرم الحضارة الإنسانية" للدكتور أحمد راسم النفيس

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

على قمة هرم الحضارة الإنسانية يتربع الإمام الحسين بن علي عليه وعلى آبائه وعلى أبنائه أفضل الصلاة وأتم السلام وعلى السفح وبين الشقوق يجثم السقوط المادي والدوني فسحقا لمن رضي بالذل.

تتمثل الدونية والانحطاط في أولئك الذين قال عنهم ربنا عز وجل (قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)[1]، وهم الذين صمتوا حتى قتل الإمام الحسين عليه السلام حتى إذا جيء برأسه الطاهرة ووضعت بين يدي ابن زياد وأخذ يعبث بها قال قائلهم (أمر عبد عبدا فاتخذ قوما تلدا!! أيها الناس أنتم العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة فهو يستعبد خياركم) أما المادية فتتمثل في هؤلاء (الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا)[2] وكانت السلطة والمال أكبر همهم وهدفهم الذين لا يبغون عنه حولا.

إنها التقسيمة السائدة في دنيا المسلمين من يومها إلى يومنا هذا بين المادية الأموية المتسلطة والدونية الذليلة التابعة التي تقوم بدور البوق والتي تحاول الآن عبثا النهوض برأسها وانتزاع السلطة من بين أيدي المتسلطين مدعية التقوى والورع وهيهات هيهات فقد (ضربت عليهم الذلة و المسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون).

يخطئ من يظن أنه من الممكن لهذه الأمة أن تنهض من كبوتها و أن تفيق من غفوتها التي طالت تحت قيادة أولئك الذين ما زالوا يحملون على أكتافهم أوزار البشرية جمعاء (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)[3]، فالنقيضان لا يجتمعان إرادة التحرر والانطلاق وتلك الأثقال والأوزار التي تكاثرت وما زالت تتكاثر لتوقر الأكتاف والأعناق حتى يأتي يومهم الذي يوعدون فيؤخذ بالنواصي والأقدام.

تلك العقد النفسية المرضية والازدواجية الأخلاقية التي حملها أعداء نهج الأئمة من الأولين وحتى أتباعهم الآخرين ومفكريهم المعطوبين والتي استمرأت قتل البشر وسلب حقوقهم وسبهم ولعنهم ولمزهم بالألقاب والافتراء عليهم وترويج الأكاذيب في حقهم لا لشيء إلا اتباعهم وموالاتهم لأهل بيت العصمة والنبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فأصيبت عقولهم بالشلل ونفوسهم بالمرض وحيل بينها وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل ثم ها هم يصرخون بعد أن دارت الدائرة عليهم و أحلوا قومهم دار البوار والخسار منددين بالازدواجية الأخلاقية لقوى الاستكبار العالمي وكأنهم قدموا طيلة هذه القرون النموذج الأمثل للجهر بالحق ومقاومة الظلم بينما يشهد لهم الواقع والتاريخ أنهم أضاعوا كل فرص النهوض والتحرر والانطلاق ويزداد العجب حينما يردد هؤلاء حجتهم التاريخية البالية القائلة بأن الشيعة هم الذين خذلوا أبا عبد الله الحسين وهب أن هذا بعضه أو كله كان صحيحا فمن الذي أعمل فيه السيوف ومن الذي وطأه بسنابك الخيل؟؟.

إنها نفس الازدواجية الأخلاقية التي يمارسها هؤلاء اعتذارا عن قتل عمار بن ياسر في مواجهة ما أخبر به الرسول الأكرم ص (تقتلك الفئة الباغية) فيقولون إنما قتله من أخرجه!!!!.

البشرية من القمة إلى القاع

على قمة البشرية يوجد أولئك الذين عاشوا وما زالوا يعيشون بين الشهادة والشهود إنهم (محمد وآل محمد) يحيط بهم من أحبهم وأخلص لهم الولاء الواعي من (الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) أي مبعدون عن القاع الدنيوي والأخروي.

كتبنا من قبل عن التمهيد التاريخي للنهضة الحسينية منذ الولادة الطاهرة بل ومنذ البعثة النبوية المباركة بدءا من اللحظة التي دخل فيها الصراع بين الحق و الباطل إلى بداية مرحلته النهائية تلك اللحظة التي تسلمت فيها الطليعة المحمدية (محمد وآل محمد) قيادة البشرية و ها نحن الآن نتحدث عن الحسين بن علي عليه السلام وقد عاش مرحلة الشهود قبل أن يكملها بالانتقال إلى الشهادة.

الشهود المطلق للحضرة الإلهية حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

الإمام الحسين في عالم الشهود:

وقف الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة قبيل توجهه للشهادة يدعو قائلا (اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك وأسعدني بتقواك ولا تشقني بمعصيتك وخر لي في قضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت…… ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك وكيف أتوسل بما هو محال أن يصل إليك أم كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفى عليك أم كيف أترجم بمقالي وهو منك برز إليك أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي و ما أرحمك بي مع قبيح فعلي إلهي ما أقربك مني وأبعدني عنك وما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك؟؟

إلهي علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أن مرادك مني أن تتعرف إلى في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء.

إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك عميت عين لا تراك عليها رقيبا وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا

إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها  مصون السر عن النظر إليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها إنك على كل شيء قدير إلهي هذا ذلي ظاهر بين يديك و هذا حالي لا يخفى عليك    

منك أطلب الوصول إليك و بك أستدل عليك فاهدني بنورك إليك و أقمني بصدق العبودية بين يديك

إلهي علمني من علمك المخزون و صني بسترك المصون إلهي حققني بحقائق أهل القرب و اسلك بي مسلك أهل الجذب إلهي أغنني بتدبيرك عن تدبيري وباختيارك عن اختياري وأوقفني على مراكز اضطراري

أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك و وحدوك وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم و أنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم ماذا وجد من فقدك و ما الذي فقد من وجدك ………

تعرفت لكل شيء فما جهلك شيء و أنت الذي تعرفت إلي في كل شيء فرأيتك ظاهرا في كل شيء و أنت الظاهر لكل شيء يا من استوى برحمانيته فصار العرش غيبا في ذاته محقت الآثار بالآثار و محوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار يا من احتجب في سرادقات عرشه عن أن تدركه الأبصار يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته من الاستواء كيف تخفى و أنت الظاهر أم كيف تغيب و أنت الرقيب الحاضر إنك على كل شيء قدير).

دعاء الإمام الحسين يوم عرفة.   

كان هذا هو الإمام الحسين عليه السلام في ساحة الشهود في المرحلة التي سبقت توجهه إلى ساحة المواجهة المفروضة عليه حيث الظهور الإلهي الحقيقي في كل شيء ولكل شيء و لكنها (لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى و أضل سبيلا) حيث أشرقت الأنوار وزالت الأغيار وحيث الأنس الحقيقي بالحضرة الإلهية بعيدا عن الوحشة الإنسية الدنيوية فأنت أنت الذي هديت أولياءك حتى استبانت لهم المعالم و أنت أنت الذي آنستهم حين أوحشتهم كل هذه العوالم.

من هنا بدأ الانطلاق من حالة الشهود نحو الشهادة (منك إليك) (منك يا ألله إليك لا إلى غيرك لا إلى صعود موهوم نحو الدنيا و لا إلى جاه ولا إلى سلطة ومن باب أولى لا إلى ذل وخنوع مفروض باسم الواقعية السياسية و الحكمة الكهنوتية أو تقية القبور ولو كانت باسم الحسين و أهل البيت عليهم السلام، تلك الغيبوبة الاختيارية التي تركت العالم يتوجه نحو الحرية والديمقراطية وتفرغت لمهمة الاعتذار و التبرير والأدهى أنها زعمت وما زالت تزعم أنها أهدى سبيلا وبدلا من أن تستضيء بنور الحسين اتخذت من كلام عمرو بن العاص (سلطان غشوم خير من فتنة تدوم) شعارا و منارا؟؟!! ..

منك أطلب الوصول إليك و بك أستدل عليك فاهدني بنورك إليك و أقمني بصدق العبودية بين يديك!!!!

من هنا كان الانتقال الواعي إلى التطبيق العملي أي الشهادة فكيف يقول البلهاء و المزورون أن فلانا نصحه وأن علانا أشار عليه فأي منطق أن يستدل على طريق الوصول إليه بمن هو في وجوده مفتقر إليه وأي لعين أغواهم فقال لهم أن الحسين حين انتقل من حالة الشهود متوجها إلى الشهادة بعد أن أزال الحق جل و علا الأغيار من قلبه حتى لم يحب سواه و لم ير أحدا غيره خرج يطلب الملك و الدنيا!!

وما لم يقم العبد البرهان على صدق الشهود بالسعي إلى الشهادة حتى ولو لم يحصل عليها فعندها (يصدق عليه أن محاسنه مساوئ وحقائقه دعاوى) فسحقا لأمة رضيت بالذل و اختارت أن تتنقل بين المساوئ والدعاوى الفارغة واستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير من دون أن تحاول أن تستضيء بنور السماوات و الأرض.

الحضارة بين المعاني و المباني:

في البدء كانت الكلمة (و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) البقرة 31 فأصل الحضارة كلمة لها معنى ....

و فعل له معنى....

 و مبنى له معنى...

لقد مثل الحسين عليه السلام كلمة الحق و الإخلاص و التوحيد في أمة عز فيها القائلون بالحق (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها و يضرب الله الأمثال للناس و الله بكل شيء عليم) إنها أمة وصفتها سيدة نساء العالمين (أيها الناس المسرعة إلى قيل الباطل المعرضة عن قيل الحق)

فالتوحيد كلمة ينطق بها اللسان و معنى في القلب و مبنى تقام فيه الصلوات خالصة لله رب العالمين (ذلك و من يعظم شعائر فإنها من تقوى القلوب) الحج 32 (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات و من في الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و الشجر و الدواب و كثير من الناس و كثير حق عليه العذاب و من يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) الحج آية 18.

من هنا فعندما يعتمد الإنسان تلك المعاني المقدسة مثل السجود والإخبات لله رب العالمين يأخذ كل شيء معه في رحلة الصعود والارتقاء بما فيها الأحجار والجمادات والمنشآت التي تصبح هي الأخرى مقدسة (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم و لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) المائدة 21

أما عندما يبدأ الإنسان رحلة المعاندة مع الله تصبح المباني قلاعا في ساحة مواجهة مع جبار السماوات والأرض تلك الساحة التي لا عاصم فيها من أمره جل و علا إلا من رحم (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) سورة هود. (فكأين من قرية أهلكناها و هي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد) سورة الحج 45 (أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين). الشعراء 128-130.

هذا على مستوى العلاقة بين المعنى و المبنى فالمعنى هو الروح والباطن والمبنى هو الظاهر ....

الباطن هو الذي يمنح الظاهر حيثية وجوده أو يسلبها منه وعندما يصبح الباطن في اتجاه و الظاهر في اتجاه معاكس ويستولي الشيطان على أوليائه.. يتفرد الذين سبقت لهم من الله الحسنى مؤثرين الحق على الخلق و الباطن على الظاهر تاركين الدنيا لأهلها مؤثرين ما عند الله وهو خير وأبقى حيث تتوحد إرادتهم مع إرادة الله ويصبح مرادهم هو مراد الله، عندها يسميهم رب العزة شهداء ويصبحون (أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله و يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم و لا هم يحزنون) آل عمران 169-170.

و على الناحية الأخرى يتكوم أصحاب المباني خالية المعاني و يعيشون على ظهر الأرض (أموات غير أحياء و ما يشعرون أيان يبعثون) النحل 21 فليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء.

لهذه الأسباب كلها كان الحسين بن علي عليه السلام سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة لا لأنه استشهد في معركة عادية بين الحق والباطل بل لأنه أبقى المعنى الإسلامي الرسالي الحقيقي حيا ودافئا عندما روى شجرة الحرية والكرامة بدمه الطاهر وحقق ما عجزت عن تحقيقه جحافل المتكلمين الغوغائيين المهرطقين من يومها إلى يوم الدين.

يكفي للدلالة على عظمة الوقفة الحسينية أن نعرف أن الأمويين فعلوا ما لم يفلح أبرهة في صنعه عندما هدموا الكعبة في ظل الحكم اليزيدي الذي أوقفته الصدمة الحسينية عند حده ومنعته من التمدد و الاستمرار. 

إنه الصدام بين المعنى الرسالي  الكامل وقاطرة الشر المتكامل التي ما كان لها أن تتوقف عندما تصطدم  للوهلة الأولى بأي عقبة تواجهها بل لا بد لها أن تقطع مسافة طالت أم قصرت حتى تستلقي على جانبها وتتكوم وتذوق وبال أمرها و هذا ما حدث بالفعل حيث لم يدم الحكم اليزيدي بعد استشهاد الحسين عليه السلام سوى عامين قام فيهما باستباحة المدينة المنورة و هتك حرمتها و بقي النوح و البكاء في دورها عاما كاملا ثم هدم الكعبة بعد قصفها بالمنجنيق و كان بين هدمه الكعبة و هلاكه أقل من أسبوعين.

إنه المعنى الذي كتبه أبو الأحرار الحسين بن علي بدمه على لوحة التاريخ (إن كان دين جدي لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني) إنه معلم الحرية الأول لكل أحرار العالم من المسلمين و غيرهم والنموذج الرسالي الأكمل فأين الثرى من الثريا و أين المعنى الأمثل من التشبيه و الاستعارة و التمثيل؟؟.

امتداد الكلمة الحسينية إلى يوم يبعثون:

كذب العادلون اختيارهم باختيار الله و ضلوا ضلالا بعيدا و خسروا خسرانا مبينا أولئك الجهلاء الذين يتساءلون لماذا خرج الحسين بن علي و أجهل منهم من يقول أن (المفسدة التي تحققت بخروج الحسين بن علي أكبر من المصلحة) و أجهل من كل هؤلاء الذين يعتبرون ما يسمونه بالكربلائية نوعا من الهروب و الانسحاب من المواجهة و كأنهم يقولون أن الحكومة الأموية الجائرة كانت أمرا أراده الله و كان أمر الله قدرا مقدورا و سبحان من قال (و إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و الله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون؟؟ قل أمر ربي بالقسط و أقيموا وجوهكم عند كل مسجد و ادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون) و الله وحده يعلم كيف كان مصير الإسلام و المسلمين لو بقيت هذه الدولة الفرعونية التي ابتلي بها الإسلام في صدره الأول لو لم تتعرض لزلزال الثورة الحسينية و توابعه الممثلة في حركة التوابين ثم ثورة المختار بن أبي عبيد ثم ثورة زيد الشهيد و أخيرا ثورة يحيي بن زيد رضوان الله عليهم أجمعين فقد بقيت دولة بني العباس عدة قرون و كذلك بقيت دولة سلاطين بني عثمان حتى بداية القرن العشرين و برغم كل ذلك كانت كلمة الله هي العليا تلك الكلمة التي أطلقها أبو عبد الله الحسين و جعلها (كلمة باقية) في عقبه إلى يوم يبعثون كلمة يهابها سلاطين الجور و يعملون لها ألف حساب حتى يأتي يوم الفصل الذي يحسم فيه الأمر مع المجرمين أجمعين (ذلك يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود و ما نؤخره إلا لأجل معلوم).

الصراع بين المادية و الدونية

ابتلي المسلمون بأنفسهم حينما نكثوا عهدهم من بعد أيمانهم و لم يوفوا ببيعهم الذي بايعوا به يوم غدير خم فكان أن فقدوا إرادتهم و ضربت عليهم الذلة و المسكنة و الدونية و تحقق فيهم وعد الحسين بن علي حينما خاطبهم في آخر لحظاته في هذه الدنيا (و هو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية و يفترص العورة و يشد على الخيل و هو يقول أعلى قتلي تحاثون ؟؟ .. أما و الله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله .. الله أسخط عليكم لقتله مني و أيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون أما و الله أن لو قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم و سفك دماءكم ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب  الأليم) تاريخ الطبري ج5 ص 452.

إنها إذا تلك الدونية السائدة بين هؤلاء الأزلام المستخفين بكل التزام أخلاقي من يومها إلى يومنا هذا لحساب طغاة ذلك العصر و كل عصر من الماديين الدنيويين فكيف يقدر الدونيون أن يواجهوا الماديين الدنيويين أو أن ينتصروا عليهم هيهات هيهات وهكذا وما لم ينهض الحسينيون الرساليون الاستشهاديون الذين تنتظرهم كل البشرية و يأخذوا زمام المبادرة فلن يتحقق النصر أو الخلاص المأمول.

المسلمون و الازدواجية الأخلاقية:

يكثر العرب و المسلمون من انتقادهم للقوى الكبرى محملين إياها مسئولية المآسي التي يعيشها العالمين العربي والإسلامي!!

أما أنهم يتحملون قسطا لا يستهان به من المسئولية فهذا مما لا شك فيه

أما الإصرار على تبرئة الذات و تحميلهم وحدهم كامل المسئولية واتهامهم دون غيرهم بالازدواجية الأخلاقية فهذا ما لا نصدقه وما يكذبه الواقع و التاريخ

فها هو الشاعر الوحيد الذي جرؤ يومها على رثاء الإمام الحسين يتساءل

أتسألنا قيسٌ فنعطي فقيرها   و تقتلنا قيس إذا ما النعل زلت

ألا إن قتيل الطف من آل هاشم    أذل رقاب المسلمين فذلت

ثم يقولون لك إنها قضية تاريخية لا داعي لإثارتها لأنها ستفرق شمل الأمة!!

إنها بالفعل خطيئة تاريخية ارتكبتها الأمة وما زال البعض مصرا على مباركتها لأنها ستفرق شمل الأمة إلى فريقين (فريقا هدى و فريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله و يحسبون أنهم مهتدون) و هم يعنون أن اكتشاف الناس للحقيقة سيؤدي إلى انفضاضهم عن المحورين المتصارعين للاستيلاء على أشلاء الأمة من يومها إلى يومنا هذا محور السلطة و المال يقابله أحيانا و يعاونه أحيانا أخرى محور الذل و الذيلية و التبعية الذي يتطلع هو الآخر إلى اقتسام كعكة السلطة و المال.

فلماذا يتهم الاستكبار الغربي وحده بالازدواجية الأخلاقية مع أنه لم يقتل الحسين و لا اقتحم المدينة يوم الحرة و لا قتل ستة آلاف من أهل الكوفة من أصحاب المختار صبرا في يوم واحد بعد أن أخذوا الأمان!!!

التحليل السياسي الحسيني لواقع الأمة الإسلامية عشية توجهه نحو الشهادة:

قلنا سابقا أن التحرك الحسيني نحو ساحة المواجهة ومن ثم الشهادة جاء منطلقا من تكامل الوعي الإنساني مع الإرادة الإلهية تحقيقا لكرامة الإنسان (ولقد كرمنا بني آدم) (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون) وهو نفس التكامل الذي ظهر واضحا في الخطاب السياسي للإمام الحسين عشية توجهه نحو ساحة المواجهة المفروضة والمقدرة سلفا ولقد جاء هذا التحرك الاستشهادي في مقابل سياسة تزييف الوعي الذي أدمنته النظم الأموية القديمة والمعاصرة ذلك الوعي القائم على قلب الحقائق ومخاطبة الجماهير بشعارات مبهمة تتحدث عن الاستقرار ووأد الفتنة من أجل التغطية والتعمية على مظالمها و استبدادها واستئثارها بالسلطة وإمعانها في انتهاك كرامة الإنسان عماد قوتها ومنبع وجودها وفشلها في تلبية احتياجات الأمة الاستراتيجية والأساسية ذلك الفشل الذي ظهرت معالمه واضحة جلية في الأزمة الراهنة التي يواجهها الإسلام والمسلمون والتي جاءت نتيجة تراكمات الماضي القريب والبعيد وعجز الأمة عن التحرك نحو الإصلاح حيث كان النظام الأموي نموذجا واضحا لكل هذه العورات و السيئات التي تراكمت حتى حولت الأمة الآن إلى مسخ شائه يعجز حتى عن الدفاع عن الكرامة في أبسط صورها و أشكالها  فما بالك بحقيقتها من هنا جاءت هذه الكلمات و جاء هذا الخطاب الذي يعري الحقائق و يبينها للناس لعلهم يتنبهون قبل أن يصل الحال إلى ما هو عليه الآن و ما أقرب الليلة من البارحة.

(اعتبروا، أيها الناس، بما وعظ اللّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول: (لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)«المائدة/78-79» وإنما عاب اللّه ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك، رغبه في ما كانوا ينالون منهم ورهبة مما يحذرون، واللّه يقول: (فلا تخشوا الناس و اخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا..)«المائدة/44»، وقال: (و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..)«التوبة/71» فبدأ اللّه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا أديت و أقيمت استقامت الفرائض كلها هينها وصعبها، وذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع رد المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفيء والغنائم و أخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها.

ثم انتم، أيها العصابة، بالعلم مشهورة وبالخير مذكورة وبالنصيحة معروفة و باللّه في أنفس الناس مهابة يهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف و يؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلابها، وتمشون في الطريق بهيئة الملوك وكرامة الأكابر أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق اللّه، وان كنتم عن أكثر حقه تقصرون فاستخففتم بحق الأئمة فأما حق الضعفاء فضيعتم و أما حقكم بزعمكم طلبتم فلا مالا بذلتموه ولا نفسا خاطرتم بها للذي خلقها ولا عشيرة عاديتموها في ذات اللّه، أنتم تتمنون على اللّه جنته ومجاورة رسله و أمانا من عذابه، لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على اللّه أن تحل بكم نقمة من نقماته لأنكم بلغتم من كرامة اللّه منزله فضلتم بها، ومن يعرف باللّه لا تكرمون وانتم في عباده تكرمون وقد ترون عهود اللّه منقوضة فلا تفزعون وانتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون و ذمة رسول الله محقورة و العمي و البكم و الزَّمن في المداين مهملة لا ترحمون و لا في منزلتكم تعملون و لا من عمل فيها تعتبون و بالإدهان و المصانعة عند الظلمة تأمنون كل ذلك مما أمركم اللّه به من النهى و التناهي أنتم عنه غافلون و أنتم اعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون، ذلك بأن مجارى الأمور والأحكام على أيدي العلماء باللّه الأمناء على حلاله و حرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سلبتم ذلك إلا لتفرقكم عن الحق واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة و لو  صبرتم على الأذى وتحملتم المؤونة في ذات اللّه كانت أمور اللّه عليكم ترد وعنكم تصدر و إليكم ترجع، ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم و أسلمتم أمور اللّه في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات سلطهم على ذلك فراركم من الموت و إعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم فما بين مستعبد مقهور و بين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلبون في الملك بآرائهم ويستشعرون الخزي باقتدائهم اقتداء بالأشرار وجرأة على الجبار، في كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع فالأرض لهم شاغرة و أيديهم فيها مبسوطة والناس لهم خول لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد و ذي سطوة على الضعيف شديد مطاع لا يعرف المبدئ المعيد، فيا عجبا وما لي لا أعجب و الأرض من غاش غشوم ومتصدق ظلوم وعامل على المؤمنين غير رحيم، فاللّه الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

اللهم إنك تعلم انه لم يكن ما كان منا تنافسا في سلطان ولا التماسا من فضول الحطام، ولكن لنرى المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك و يأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسنتك في بلادك، فإنكم إن لم تنصرونا و تنصفونا قوى الظلمة عليكم وعملوا في إطفاء نور نبيكم، وحسبنا اللّه وعليه توكلنا واليه أنبنا و إليه المصير).

كانت هذه هي رؤية الإمام الحسين عليه السلام لواقع الأمة السياسي و ما آلت إليه الأمور بعد تمكن الشيطان الأموي من الرقاب ذلك التمكن الذي مهد له و أعان عليه أغلب القوى السياسية والاجتماعية الكارهة للعدل و الذين لم يوفروا فرصة لمحاربة الحق والاستقامة المتمثلة في أئمة أهل البيت إلا وانتهزوها كراهية للذات و رغبة مفتوحة ألهبها الشيطان في نفوسهم (ليبدلوا نعمة الله كفرا و يحلوا قومهم دار البوار) و كأن المصائب و الويلات التي لحقت بالأمة في مرحلة ما قبل الخلافة العلوية لم تكن كافية لتردع شيطانهم فكان أن أعلنت حرب مفتوحة على إمام الحق منذ اللحظة الأولى لولايته و كأنها كانت فلتة من فلتاتهم السابقة ثم ها هم بعد انتهاء دولة ابن آكلة الأكباد لم يأخذوا عبرة و عظة مما لحق بهم (فالشيطان سول لهم و أملى لهم) و غرهم مخزون القوة و الدفعة المعنوية التي نالها أولئك الأعراب بانتسابهم للرسالة الإسلامية المحمدية و ظنوا أنهم إلى الله لا يرجعون و كأن قائلهم يقول (ما أظن أن تبيد هذه أبدا و ما أظن الساعة قائمة و لئن رجعت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) (و ظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) و هكذا فقد استمرأ هؤلاء و أحفادهم و أحفاد أحفادهم ذلك الاختلال و رغبوا عن التصحيح و الإصلاح حتى جاءهم يومهم الذي يوعدون و ها هي الأساطيل و الطائرات تحيط بهم فهلا قرر هؤلاء العودة إلى الله و إلى صراطه المستقيم و نهجه القويم (كتاب الله و عترتي أهل بيتي) بالرغم من أنهم كانوا (يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون و لا هم يذكرون).

لقد جاء التحرك الحسيني دفاعا عن كرامة الأمة كل الأمة وكرامة الإنسان كل إنسان ولم يكن مجرد تحرك للدفاع عن سلطان مسلوب تنازل عنه الإمام الحسن بن علي عليه السلام لابن آكلة الأكباد ومن ثم فهو فتنة نصح فلان وعلان باجتنابها كما يقول المعطوبون ممن قام النظام الأموي بتسليمهم القيادة  الفكرية للأمة ليتفرغ هو للقنص و القتل والاستمتاع بثروة الأمة المنهوبة ولو تأمل هؤلاء في خطابات الإمام الحسين عليه السلام لرأس النظام الأموي (ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة، جرأة على اللّه واستخفافا بعهده، أو لست بقاتل عمرو بن الحمق، الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة فنحل جسمه وصفرت لونه بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله و مواثيقه فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبال ثم قتلته جرأة على الله و استخفافا بذلك العهد!! أو لست المدعى زيادا في الإسلام، فزعمت أنه ابن أبي سفيان، وقد قضى رسول اللّه(ص) أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم في جذوع النخل سبحان اللّه! يا معاوية، لكأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنه على دين علي صلوات الله عليه فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين علي ودين على هو دين ابن عمه(ص) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا منة عليكم).

يبقى السؤال: ماذا كان يتوقع المسلمون من سكوتهم المتمادي على هذه الجرائم وخذلانهم لأئمة الحق من آل محمد واستخفافهم بهذه البشاعات و جريهم وراء وعاظ السلاطين الذين أفتوهم بوجوب السكوت على الظلم و الرضا به و الوقوف مع الظالم ضد المظلوم تحقيقا لما يسمونه بالاستقرار وخوفا من وقوع ما يسمونه بالفتنة إلا يأتيهم جورج بوش ليستبيح بيضتهم و ينتهك حرمتهم بعد أن مهدوا بأنفسهم طريق الذل وفرشوه للناس بالورود بل و جعلوا من كل هذا الرغام فرقة وحيدة ناجية و من عداها من المقاومين الثائرين الأبرار في النار؟؟؟!!!.

   

دكتور أحمد راسم النفيس

‏15‏/11‏/2015

‏الأحد‏، 03‏ صفر‏، 1437

 

[1] البقرة 61.

[2] الأنعام 70.

[3] العنكبوت 13.

أخبار ذات صلة

0 تعليق