ننشر دراسة "الكوفة عاصمة النور والثورة" للدكتور أحمد راسم النفيس

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يروي نصر ابن مزاحم المنقري في كتاب (صفين): لما قدم علي بن أبي طالب من البصرة إلى الكوفة يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة مضت من رجب سنة ست وثلاثين، وقد أعز الله نصره وأظهره علي عدوه ومعه أشراف الناس وأهل البصرة استقبله أهل الكوفة وفيهم قراؤهم وأشرافهم فدعوا له بالبركة وقالوا: يا أمير المؤمنين أين تنزل؟ أتنزل القصر؟ فقال: لا، ولكني أنزل الرحبة. فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال: " أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الإسلام فضلا ما لم تبدلوا وتغيروا. دعوتكم إلى الحق فأجبتم، وبدأتم بالمنكر فغيرتم. ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله في الأحكام والقسم. فأنتم أسوة من أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه. ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، والآخرة ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة. اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.
الحمد لله الذي نصر وليه، وخذل عدوه، وأعز الصادق المحق، وأذل الناكث المبطل. عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم، الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه، من المنتحلين المدعين المقابلين إلينا، يتفضلون بفضلنا، ويجاحدونا أمرنا، وينازعونا حقنا، ويدافعونا عنه. فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا. ألا إنه قد قعد عن نصرتي منكم رجال فأنا عليهم عاتب زار. فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا، ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة».
قال نصر ابن مزاحم: أتم الإمام علي الصلاة يوم دخل الكوفة، فلما كانت الجمعة وحضرت الصلاة صلى بهم وخطب خطبة.
المعنى أن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كان قد عقد العزم منذ دخوله الكوفة وربما قبل ذلك أن يقيم بها وأن يؤسس بها وجودا ثابتا لدولته وخطه.

لماذا الكوفة؟

يقول الإمام علي بن أبي طالب: كَأَنَّي بِكِ يَاكُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الاْدَيمِ الْعُكَاظِيِّ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِل، وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلاَزِلِ، وَإِنَّي لاَعْلَمُ أَنَّهُ مَاأَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلاَّ ابْتَلاَهُ اللهُ بِشَاغِل، وَرَمَاهُ بِقَاتِل[1]!.

الشيء الثابت أن للأماكن قابليات كما للبشر ومن هنا فأصحاب المناهج الفكرية والأخلاقية دائما يتلمسون لدعواتهم تلك الأماكن التي تضم أناسا يمتلكون القدرة والقابلية لتحمل عبء الحفاظ على النهج وإدامته.

من هنا كان ذلك المدح والثناء اللذين حظيت بهما الكوفة من أئمة أهل البيت ومن هنا أيضا كان ذلك الصمود الأسطوري الذي قدمته الكوفة المكان والإنسان ولا يقلل من قيمته أن منحنى التضحية لم يكن دوما في القمة فتلك هي طبيعة الإنسان.

ينقل أيضا ابن أبي الحديد في شرح النهج:وقد جاء في فضل الكوفة عن أهل البيت عليهم السلام شئ كثير، نحو قول أمير المؤمنين عليه السلام: نعمت المدرة. وقوله عليه السلام: إنه يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفا، وجوههم على صورة القمر. وقوله عليه السلام: هذه مدينتنا ومحلتنا، ومقر شيعتنا وقول جعفر بن محمد عليه السلام: اللهم ارم من رماها، وعاد من عاداها . وقوله عليه السلام: تربة تحبنا ونحبها.

فأما ما هم به الملوك وأرباب السلطان فيها من السوء، ودفاع الله تعالى عنها، فكثير. قال المنصور لجعفر بن محمد عليهما السلام: إنى قد هممت أن أبعث إلى الكوفة من ينقض منازلها، ويجمر[2]نخلها، ويستصفى أموالها، ويقتل أهل الريبة منها، فأشر علي. فقال: يا أمير المؤمنين إن المرء ليقتدى بسلفه ولك أسلاف ثلاثة سليمان أعطى فشكر، وأيوب ابتلي فصبر، ويوسف قدر فغفر، فاقتد بأيهم شئت. فصمت قليلا، ثم قال: قد غفرت.

زياد بن سمية

روى أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزى في كتاب، المنتظم: أن زيادا لما حصبه أهل الكوفة، وهو يخطب على المنبر، قطع أيدي ثمانين منهم,ثم هم أن يخرب دورهم ويجمر نخلهم فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة، يعرضهم على البراءة من علي عليه السلام، وعلم أنهم سيمتنعون، فيحتج بذلك على استئصالهم، وإخراب بلدهم. قال عبد الرحمن بن السائب الانصاري: فإني لمع نفر من قومي، والناس يومئذ في أمر عظيم، إذ هومت تهويمة، فرأيت شيئا أقبل، طويل العنق، مثل عنق البعير أهدر أهدل، فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، بعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعا، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا، فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر، فقال: انصرفوا، فإن الأمير يقول لكم: إنى عنكم اليوم مشغول، وإذا بالطاعون قد ضربه، فكان يقول: إنى لأجد في النصف من جسدي حر النار حتى مات، فقال عبد الرحمن بن السائب: ما كان منتهياعما أراد بنا حتى تناوله النقاد ذو الرقبه فأثبت الشق منه ضربة عظمت كما تناول ظلما صاحب الرحبة يعني عليا عليه السلام.

لم يكن زياد بن أبيه هو أول ولا آخر من حاول الانقضاض على أهل الكوفة واستباحة دمائهم وتدمير ممتلكاتهم وربما كان آخرهم طاغية العراق صدام حسين التكريتي ولكنهم جميعا تحققت فيهم نبوءة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه ما من جبار أرادالكوفة بسُوء إِلاَّ ابْتَلاَهُ اللهُ بِشَاغِل، وَرَمَاهُ بِقَاتِل!!.

ولكن هل قرأ أحد من هؤلاء تاريخ من سبقهم من الجبابرة الذين ذهبوا جميعا ضحية ظلمهم وإجرامهم وحاولوا أخذ العبرة والعظة منه؟!.

لا أظن! فهؤلاء لا ضمير لهم وكما يحكي القرآن فإن المنتمين إلى فصيلة الفراعنة لا يعتبرون ولا يتعظون (وَلَوْ تَرَى إِذْ وَقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)[3].

عبيد الله بن زياد

هلك زياد ابن سمية بعد أن أمعن في أهل الكوفة قتلا وسلبا وتقطيعا للأيدي وتسميلا للأعين وهاهو نجله غير المبجل عبيد الله بن زياد يعدد (مآثر) الوالد فيقول في حوار له مع هانئ بن عروة المرادي قبل قتله (يا هانئ أما تعلم أن أبي قدم هذا البلد فلم يترك أحدا من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حجر[4] وكان من حجر ما قد علمت ثم لم يزل يحسن صحبتك ثم كتب إلى أمير الكوفة إن حاجتي قبلك هانئ قال نعم قال فكان جزائي أن خبأت في بيتك رجلا ليقتلني قال ما فعلت...)[5].

هلك يزيد بن معاوية كما هو معلوم بعد أن قتل الحسين عليه السلام وبعد أن قام جيشه المشئوم باستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وقتل آلاف الصحابة وأبنائهم وهتك أعراض آلاف المسلمات ثم توجه هذا الجيش بقيادة مسلم بن عقبة نحو مكة وقام بهدم الكعبة وهي المهمة التي رفض ابن زياد أن يقوم بها مما تسبب في توتر العلاقة بينهما!!.

حاول يزيد أن يرسل عبيد الله بن زياد إلى المدينة للقيام بتأديب الثوار على ظلم بني أمية وغزو ابن الزبير المتحصن بالكعبة فرفض ابن مرجانة قائلا (لا أجمعهما للفاسق أبدا أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و أغزو البيت)[6].

انتهت رحلة الشقي يزيد بن معاوية أسابيع قليلة بعد قيامه بما لم يجرأ فرعون أو النمروز على القيام به فعاجله الله بحتف سريع وكان أن تفككت الدولة الأموية وانهارت واندلع النزاع بين الأشقاء الأشقيا الأمويين.

هلك يزيد وبلغ الخبر  إلى أهل البصرة فقام ابن زياد خطيبا فيهم قائلا (يا أهل البصرة انسبوني فو الله لتجدن مهاجري ومولدي وداري فيكم ولقد وليتكم وما أحصى مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ولقد أحصى اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفا وما تركت فيكم ذا ظنة أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم هذا (؟!) وإن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد توفي وقد اختلف أهل الشام وأنتم اليوم أكثر الناس عددا وأعرضه فناء وأغناه عن الناس وأوسعه بلادا فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم فأنا أول راض من رضيتموه وتابعِ فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم فما بكم إلى الناس حاجة وما يستغني الناس عنكم) فقام خطباء أهل البصرة فقالوا قد سمعنا مقالتك أيها الأمير وإنا والله ما نعلم أحدا هو أقوى عليها منك فهلم فلنبايعك فقال لا حاجة لي في ذلك فاختاروا لأنفسكم فأبوا عليه وأبى عليهم حتى كرر عليه ذلك ثلاث مرات فلما أبوا بسط يده فبايعوه ثم انصرفوا بعد البيعة وهم يقولون: لا يظن ابن مرجانة أنا ننقاد له في الجماعة والفرقة كذب والله ثم وثبوا عليه)[7].

ويروي الطبري أيضا أنهم (لما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بباب الدار وحيطانه ويقولون ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة فأقام عبيد الله بن زياد غير كثير حتى جعل سلطانه يضعف ويأمر بالأمر فلا يقضى ويرى الرأي فيرد عليه ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه و بينه) الطبري ص 507.

ثم ازدادت أوضاعه سوءا بظهور من يدعو لابن الزبير في قلب البصرة ولما أراد ابن زياد أن يلقي القبض عليه لم يتمكن من ذلك وأحس ابن مرجانة أن أيامه في السلطة قد انتهت فقرر أن يرحل وأخذ معه كل ما كان في بيت مال البصرة من أموال المسلمين قدرت بستة عشر مليونا فرق طائفة منها في بني أبيه وحمل الباقي معه و ترك الناس بعضهم يموج في بعض وخرج لم يعد وإن أردت الدقة فقد حاول العودة بعد ذلك فكان هلاكه وحتفه على يد الثوار الموالين لأهل بيت النبوة بقيادة إبراهيم بن الأشتر كما سيرد فيما بعد. الطبري ح5 ص 511.

جبار على حمار!!

خرج ابن زياد هاربا من البصرة إلى الشام فقال لمن معه إنه قد ثقل علي ركوب الإبل فوطئوا لي على ذات حافر فألقيت له قطيفة على حمار فركبه.. قال الراوي إنه ليسير أمامي إذ سكت سكتة فأطالها فقلت في نفسي هذا عبيد الله أمير العراق أمس نائما لأنغصن عليه نومه فدنوت منه فقلت أنائم أنت؟ قال لا قلت فما أسكتك قال كنت أحدث نفسي قلت أفلا أحدثك ما كنت تحدث به نفسك قال هات فو الله ما أراك تكيس ولا تصيب، قال الراوي: قلت له كنت تقول ليتني لم أقتل الحسين!! قال وماذا؟؟ قلت تقول ليتني لم أكن قتلت من قتلت! قال وماذا؟ قلت كنت تقول ليتني لم أكن بنيت البيضاء! قال وماذا؟ قلت ليتني لم أكن استعملت الدهاقين! قال وماذا؟ قلت ليتني كنت أسخى مما كنت قال والله ما نطقت بصواب ولا سكت عن خطأ!! أما الحسين فإنه سار إلي يريد قتلي فاخترت قتله على أن يقتلني وأما البيضاء فإني اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي وأرسل يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها  فإن بقيت فلأهلي وإن هلكت لم آسى عليها مما لم أعنف فيه وأما استعمال الدهاقين فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة وزادان فروخ وقفا عند معاوية حتى ذكروا قشور الأرز فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف فخيرني معاوية بين الضمان والعزل فكرهت العزل فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج فتقدمت إليه أوغرت صدور قومه أو أغرمت عشيرته أضررت به و إن تركته تركت مال الله وأنا أعرف مكانه فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى بالأمانة وأهون في المطالبة منكم مع أني قد جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحداً، وأما قولك في السخاء فوالله ما كان لي مال فأجود به عليكم ولو شئت لأخذت بعض مالكم فخصصت به بعضكم دون بعض ويقولون ما أسخاه ولكني عممتكم  وكان عندي أنفع لكم و أما قولكم ليتني لم أكن قتلت من قتلت فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملا هو أقرب إلى الله عندي من قتلي من قتلت من الخوارج و لكني سأخبرك بما حدثت به نفسي قلت: ليتني كنت قاتلت أهل البصرة فقد أعطوني طاعتهم غير مكرهين وأيم الله لقد حرصت على ذلك ولكن بني زياد أتوني فقالوا إنك إذا قتلتهم فظهروا عليك لم يستبقوا منا أحدا وإن تركتهم تغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره فرفقت لهم فلم أقاتل وكنت أقول ليتني كنت أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم فأما إذا فاتت هاتان فليتني كنت أقدم الشام و لم يبرموا أمرا) الطبري ج5 ص 522-523.

لم يكن قتل الإمام الحسين عليه السلام على يد جلاوذة بني أمية حدثا عاديا بل كان جريمة كبرى وصدمة للمجتمع بأسره وما كان من الممكن أن تمر هذه الجريمة الكونية البشعة من دون أن تستدعي ردود فعل من الشيعة فكانت ثورة التوابين وثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي وثورة زيد بن علي بن الحسين عليه وعلى آبائه السلام وهي الثورات التي عجلت بسقوط النظام الأموي بعد ثمانين عاما من قيامه.

لم يكن رد الفعل الأموي على هذه الثورات إلا مزيدا من القمع والقتل والحرمان واستخدام أساليب القسوة المفرطة والإبادة الجماعية من أجل إخضاع المسلمين والقضاء على بؤرة الرفض المتمركزة في الكوفة.

لم يكن عبيد الله بن زياد آخر السفاحين الأمويين الذين جرى تسليطهم على العراق فهناك الحجاج الثقفي السفاح المشهور الذي ما زال البعض يفاخر ببذاءاته وخطبه المعروفة في حق العراقيين.

الحجاج الثقفي

ذهب الحجاج واليا على العراق من قبل عبد الملك بن مروان بعد أن أنجز أقذر مهمة عرفها التاريخ الإنساني ألا وهي هدم الكعبة المشرفة واقتحام بيت الله الحرام الذي جعله الله للناس مثابة وأمنا.

قال ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ): ولما حصر الحجاج ابن الزبير نصب المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة، وكان عبد الملك ينكر ذلك أيام يزيد بن معاوية ثم أمر به.

فلما فرغ الحجاج من أمر ابن الزبير دخل مكة فبايعه أهلها لعبد الملك ابن مروان، وأمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة والدم، وسار إلى المدينة، وكان عبد الملك قد استعمله على مكة والمدينة، فلما قدم المدينة أقام بها شهراً أو شهرين فأساء إلى أهلها واستخف بهم وقال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان، وختم أيدي جماعة من الصحابة في أعناقهم بالرصاص استخفافاً بهم كما يفعل بأهل الذمة، منهم جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وسهل بن سعد، ثم عاد إلى مكة، فقال حين خرج منها: الحمد الله الذي أخرجني من أم نتن، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين وأحسدهم له على نعمة الله، والله لو ما كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعواداً يهودون بها ورمة قد بليت، يغلون منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبلغ جابر بن عبد الله قوله فقال: إن وراءه ما يسوءه، قد قال فرعون ما قال ثم أخذه الله بعد أن أنظره.

وهو نفس ما اشار إليه ابن جرير الطبري في تاريخه قال: وفي سنة أربع وسبعين عزل عبدالملك طارق بن عمرو عن المدينة واستعمل عليها الحجاج بن يوسف فقدمها فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبث بأهل المدينة ويتعنتهم وبنى بها مسجدا في بني سلمة فهو ينسب إليه واستخف فيها بأصحاب رسول الله فختم في أعناقهم فذكر محمد بن عمران بن أبي ذئب حدثه عمن رأى جابر بن عبدالله مختوما في يده وعن ابن أبي ذئب عن إسحاق بن يزيد أنه رأى انس بن مالك مختوما في عنقه يريد أن يذله بذلك قال ابن عمر وحدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال رأيت الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد فدعاه فقال ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان قال قد فعلت قال كذبت ثم أمر به فختم في عنقه برصاص[8].

كما قام الحجاج (والرواية لابن الأثير) بقتل عبد الله بن عمر حيث أمر بعض أصحابه فضرب ظهر قدمه بزج رمح مسموم فمات منها، وعاده الحجاج في مرضه فقال: من فعل بك هذا؟ قال: أنت لأنك أمرت بحمل السلاح في بلد لا يحل حمله فيه. وكان موته بعد ابن الزبير بثلاثة أشهر، وكان عمره سبعاً وثمانين سنة.

وإذا كان هذه هي الطريقة التي تعامل بها الحجاج مع أصحاب رسول الله فضلا عن رأيه في المدينة وأهلها (أم نتن، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين وأحسدهم له على نعمة الله) فكيف يكون رأيه في العراق وأهل العراق؟!.

الحجاج في الكوفة

ذهب الحجاج إلى الكوفة واليا عليها من قبل عبد الملك بن مروان وكان هذا سنة خمس وسبعين للهجرة فخطب فيهم خطبته الشهيرة التي ذكرها ابن جرير الطبري في تاريخه:

خرج الحجاج بن يوسف من المدينة حين أتاه كتاب عبدالملك بن مروان بولاية العراق بعد وفاة بشر بن مروان في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحرورية فبدأ بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال علي بالناس فحسبوه وأصحابه خارجة فهموا به حتى إذا اجتمع إليه الناس قام فكشف عن وجهه قال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني أما والله إني لأحمل الشر محمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله وإني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى

قد شمرت عن ساقها تشميرا

هذا أوان الشد فاشتدي زيم * قد لفها الليل بسواق حطم

ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزار على ظهر وضم

قد لفها الليل بعصلبي * أروع خراج من الدوي

مهاجر ليس بأعرابي

ليس أوان يكره الخلاط جاءت به والقلص الأعلاط

تهوي هوي سابق الغطاط

وإني والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين ولا يقعقع لي بالشنان ولقد فُررت عن ذكاء وجريت إلى الغاية القصوى إن أمير المؤمنين عبدالملك نشر كنانته ثم عجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا فوجهني إليكم فإنكم طالما أوضعتم في الفتن وسننتم سنن الغي أما والله لألحكم لحو العودولأعصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل إني والله لا أعد إلا وفيت ولا أخلق إلا فريت فإياي وهذه الجماعات وقيلا وقالا وما يقول وفيم أنتم وذاك والله لتستقيمن على سبل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه وأنهبت ماله ثم دخل منزله ولم يزد على ذلك[9].

وروى ابن عبد ربه في العقد الفريد أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج في أسرى معركة الجماجم أن يعرضهم على السيف فمن أقر منهم بالكفر بخروجه علينا فخل سبيله ومن زعم أنه مؤمن فاضرب عنقه ففعل فلما عرضهم أتي بشيخ وشاب فقال للشاب أمؤمن أنت أم كافر قال بل كافر فقال الحجاج ولكن الشيخ لا يرضى بالكفر فقال له الشيخ أعن نفسي تخادعني يا حجاج والله لو كان شيء أعظم من الكفر لرضيت به فضحك الحجاج وخلى سبيلهما ثم قدم إليه رجل فقال له على دين من أنت قال على دين إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين فقال اضربوا عنقه ثم قدم آخر فقال له على دين من أنت قال على دين أبيك الشيخ يوسف فقال أما والله لقد كان صواما قواما خل عنه يا غلام فلما خلى سبيله انصرف إليه فقال له يا حجاج سألت صاحبي على دين من أنت فقال على دين إبراهيم حنيفا و ما كان من المشركين فأمرت به فقتل وسألتني على دين من أنت فقلت على دين أبيك الشيخ يوسف فقلت أما والله لقد كان صواما قواما فأمرت بتخلية سبيلي والله لو لم يكن لأبيك من السيئات إلا انه ولد مثلك لكفاه فأمر به فقتل ثم أتى بعمران بن عصام العنزي فقال عمران؟؟ قال نعم قال ألم أوفدك على أمير المؤمنين ولا يوفد مثلك قال بلى قال ألم أزوجك مارية بنت مسمع سيد قومها ولم تكن أهلا لها قال بلى قال فما حملك على الخروج علينا قال أخرجني بازان فأمر به فقتل ثم أتي بعامر الشعبي ومطرف بن عبد الله الشخير وسعيد بن جبير وكان الشعبي ومطرف يريان التورية وكان سعيد بن جبير لا يرى ذلك فلما قدم الشعبي قال أكافر أنت أم مؤمن قال أصلح الله الأمير نبا بنا المنزل وأجدب بنا الجناب واستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء قال الحجاج صدق والله ما بروا بخروجهم علينا ولا قووا خليا عنه ثم قدم إليه مطرف بن عبد الله فقال له أكافر أنت أم مؤمن قال أصلح الله الأمير إن من شق عصا الطاعة ونكث البيعة وفارق الجماعة وأخاف المسلمين لجدير بالكفر فقال صدق خليا عنه ثم أتي بسعيد بن جبير فقال له أنت سعيد بن جبير قال نعم قال لا بل شقي بن كسير قال أمي كانت أعلم باسمي منك قال شقيت وشقيت أمك قال الشقاء لأهل النار قال أكافر أنت أم مؤمن قال ما كفرت بالله منذ آمنت به قال اضربوا عنقه.

قال ولما بلغ عمر بن عبد العزيز موت الحجاج خر ساجدا وكان يدعو الله أن يكونه موته على فراشه ليكون عذابه أشد.

كما روى ابن عبد ربه أن عمر بن عبد العزيز قال لو جاءت كل أمة بمنافقيها و جئنا بالحجاج لفضلناهم.

كما عرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة و ثلاثين ألفا لم يجب على واحد منهم قتل ولا صلب.

وأراد الحجاج أن يحج فاستخلف محمدا ولده على أهل العراق المبتلى به وبصدام فقال يا أهل العراق إني أردت الحج وقد استخلفت عليكم ولدي محمدا وأوصيته فيكم بخلاف وصية رسول الله في الأنصار فإنه أوصى فيهم أن يقبل من محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم و إني أوصيته ألا يقبل من محسنكم وألا يتجاوز عن مسيئكم ألا وإنكم قائلون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا خوفي: لا أحسن الله له الصحابة وأنا أعجل لكم الجواب فلا أحسن الله لكم الخلافة ثم نزل فلما كانت غداة الجمعة مات ابنه محمد وجاءه نعي أخيه محمد في اليمن ففرح أهل العراق وقالوا انقطع ظهر الحجاج وهيض جناحه فخرج فصعد المنبر ثم خطب الناس فقال: محمدان في يوم واحد!!! أما والله ما كنت أحب أنهما معي في الحياة الدنيا لما أرجو لهما من ثواب الآخرة؟؟!! ثم دخل ودخل الناس يعزونه ومعهم الفرزدق فقال يا فرزدق أما رثيت محمدا ومحمدا (!!) قال نعم أيها الأمير وأنشده خمسة أبيات لا يزيدون فلما خرج من عنده قال والله لو كلفني الحجاج بيتا سادسا لضرب عنقي قبل أن آتيه به ذلك أني دخلت و لم أهيئ شيئا!!.

مقتل كميل بن زياد على يد الحجاج:

يروي ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية في أخبار عام 82هـ خبر استشهاد كميل بن زياد ابننهيكبنخيثمالنخعيالكوفي أحد أصحاب علي بن أبي طالب ع على يد سفاح بني أمية الحجاج الثقفي‏.

قال: روىكميل بن زياد عنعمروعثمانوعليوابنمسعودوأبيهريرةوشهدمععليصفين،وكانشجاعاًفاتكاً،وزاهداًعابداً،قتلهالحجاجفيهذهالسنة،وقدعاشمائةسنةصبراًبينيديه‏:‏وإنمانقمالحجاج عليهلأنهطلبمنعثمانبنعفانالقصاصمنلطمةلطمهاإياه‏.‏فلماأمكنهعثمانمننفسهعفاعنه،فقاللهالحجاج‏:‏أومثلكيسألمنأميرالمؤمنينالقصاص‏؟‏ثمأمرفضربتعنقه،قالوا‏:‏وشتمالحجاجعلياًفيغضونذلكونالمنهفصلىعليهكُميل،فقاللهالحجاج‏:‏واللهلأبعثنإليكمنيبغضعلياًأكثرمماتحبهأنت (لاحظ!)فأرسلإليهابنأدهموكانمنأهلحمص،ويقالأباالجهمبنكنانةفضربعنقه.

قال ابن كثير: وقدروىعنكميلجماعةكثيرةمنالتابعينولهالأثرالمشهورعنعليبنأبيطالبالذيأوله(القلوبأوعيةفخيرهاأوعاها)وهوطويلقدرواهجماعةمنالحفاظالثقاتوفيهمواعظوكلامحسنرضياللهعنقائله‏.‏‏البداية والنهاية ج/ص‏:‏9/58‏.

أما ابن الأثير فيروي في تاريخه الكامل: أن الحجاجدعابكميلبنزيادفقالله‏:‏أنتالمقتصمنأميرالمؤمنينعثمانقدكنتأحبأنأجدعليكسبيلًا‏قال‏:‏علىأيناأنتأشدغضبًاعليهحينأقادمننفسهأمعليحينعفوتعنهثمقال‏:‏أيهاالرجلمنثقيفلاتصرفعليأنيابكولاتكشرعليكالذئبواللهمابقيمنعمريإلاظمءالحماراقضماأنتقاضٍفإنالموعداللهوبعدالقتلالحساب‏.‏قالالحجاج‏:‏فإنالحجةعليك‏قال‏:‏ذلكإذاكانالقضاءإليك‏فأمربهفقتلوكانخصيصًابأميرالمؤمنين‏.

ثورة زيد الشهيد

كانت ثورة الشهيد العظيم زيد بن علي بن الحسين عام إحدى وعشرين ومائة للهجرة قبل أعوام قليلة من نهاية العصر الأموي البغيض.

لا شك أن الظلم الأموي لم يكن قاصرا على الجانب السياسي بل امتد إلى السلب والنهب من قبل الطبقة الحاكمة يقابله على الناحية الأخرى اللحرمان الذي عانت مته الملايين المسلمة.

بدأت الأحداث بعزل خالد بن عبد الله القسري من ولاية الكوفة وتولية يوسف بن عمر الثقفي عليها من قبل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي ويبدو أن حرص الخليفة الأموي على جمع المال كان وراء هذا العزل فقد روى ابن جرير الطبري في جزئه السابع ص 154 (كان خالد يخطب فيقول إنكم تزعمون أني أغلي أسعاركم فعلى من يغليها لعنة الله و كان هشام كتب إلى خالد لا تبيعن من الغلات شيئا حتى تباع غلات أمير المؤمنين حتى بلغت كيلجة (مكيال عندهم) درهما و يبدو أن هشاما كان مولعا بجمع الأموال وأن العراق في عهد خالد القسري قد شهد طفرة اقتصادية نتيجة بعض المشاريع و الأنهار التي شقها خالد مما أدى إلى انتعاش غير مسبوق حيث يروي أيضا ابن جرير الطبري ص 151 (وكان سبب ذلك أنه اعتقد بالعراق أموالا وحفر أنهارا حتى بلغت غلته عشرين مليونا منها نهر خالد وكان يغل خمسة آلاف ألف وباجوى وبرمان والمبارك والجامع وكورة سابور و الصلح) حتى أن بعض أصحابه قالوا (إني أحسب أن هذا الرجل قد تخلى منه إن قريشا لا تحتمل هذا ونحوه وهم أهل حسد وهذا يظهر ما يظهر!! فقلت له يوما أيها الأمير إن الناس رموك بأبصارهم وهي قريش وليس بينك وبينهم إل "أي حلف" وهم يجدون منك بدا وأنت لا تجد منهم بدا فأنشدك الله إلا ما كتبت إلى هشام تخبره عن أموالك وتعرض عليه منها ما أحب فما أقدرك على أن تتخذ مثلها وهو لا يستفسدك فلعمري لأن يذهب بعض ويبقى بعض خير من أن تذهب كلها!! وما كان يستحسن أن تأخذها كلها) الطبري ج 7 ص 152.

خُلع خالد بن عبد الله القسري وصودرت أمواله ويبدو أن هشام بن عبد الملك قد انتابته لوثة البحث عن المال أو لعله وجد فيها فرصة ليشفي حقده من أهل البيت عليهم السلام فأرسل في استدعاء زيد بن علي رضوان الله عليه و جماعة من بني هاشم للتحقيق معهم حول الادعاء المنسوب إليهم على لسان يزيد بن خالد بن عبد الله القسري أو على لسان خالد نفسه كما جاء في رواية أخرى فقال له زيد (أنشدك الله و الرحم أن تبعث بي إلى يوسف بن عمر قال و ما الذي تخاف منه قال أخاف أن يعتدي علي قال له هشام ليس ذلك له و دعا هشام كاتبه فكتب إلى يوسف بن عمر أما بعد فإذا قدم عليم فلان و فلان فاجمع بينهم و بين يزيد بن خالد القسري فإن هم أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إلي و إن هم أنكروا فسله البينة فإن هو لم يقم البينة فاستحلفهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما استودعهم يزيد بن خالد القسري وديعة و لا له قبلهم شيء ثم خل سبيلهم فقالوا لهشام إنا نخاف أن يتعدى كتابك و يطول علينا قال كلا أنا باعث معكم رجلا من الحرس يأخذه بذلك حتى يعجل الفراغ فسرح بهم إلى يوسف و احتبس أيوب بن سلمة لأن أخواله من بني أمية فلم يؤخذ بشيء من ذلك القرف) تاريخ الطبري ج7 ص 161

إنها حالة من التكدير الأمني و الإهانة المتعمدة التي تشبه ما تفعله تلك (الأجهزة) حين تأخذ من تريد تحطيم معنوياتهم من كرام الناس من بيوتهم و ترسلهم كما يقول التعبير الدارج (كعب داير) ولك أن تتخيل معاناة هؤلاء الكرام وهم يُرحلون من المدينة المنورة جنوبا إلى دمشق شمالا ثم إلى العراق شرقا على وسائل المواصلات البدائية ليسألوا ويحلفوا و يستجوبوا عن بضعة آلاف من الدراهم ومن الذي سيسألهم؟؟ إنهم لصوص الأمة وسراقها الذين اغتصبوا إرادتها و نهبوا خيراتها.

إنه ذلك الخليفة الأموي  الجشع والمستبد الذي أطاح بأميره على الكوفة حسدا وطمعا وهو الذي كان يأمره ألا يبيع غلات العراق حتى يبيع هو محاصيله بالسعر الذي يريد!!.

كم هي مؤسفة و مزرية تلك الحالة التي مرت بها الأمة و أهل بيت النبوة رضوان الله عليهم أجمعين.

أما تاريخ اليعقوبي ج2 ص 325 فيزيد الأمور وضوحا في روايته عن ملابسات تلك الرحلة المفروضة على الشهيد زيد بن علي بن الحسين رضوان الله عليه (أن زيدا رضوان الله عليه قال لهشام لا توجهني إلى عبد ثقيف يتلاعب بي فقال لا بد من إشخاصك إليه !! ثم قال له هشام بلغني أنك تؤهل نفسك للخلافة (و لعل هذا هو سر الاستدعاء !!) و أنت ابن أمة قال ويلك و هل يضعني مكان أمي؟؟ و الله لقد كان اسحق ابن حرة و إسماعيل ابن أمة فاختص الله عز و جل ولد إسماعيل فجعل منهم العرب فما زال كذلك ينمي حتى كان منهم رسول الله ثم قال اتق الله يا هشام فقال أو مثلك يأمرني بتقوى الله قال نعم إنه ليس أحد دون أن  لا يأمر بها و لا أحد دون أن يسمعها فأخرجه مع رسل من قبله فلما خرج قال والله إني لأعلم أنه ما أحب الحياة أحد قط إلا ذل.

أما ابن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة في جزئه الثالث ص 316 فيضيف رواية أخرى و لكنها مكملة لتلك الرواية السابقة وهي (فلما قعد زيد بين يدي هشام و حدثه حلف له على شيء فقال هشام لا أصدقك فقال زيد إن الله لا يرفع أحدا عن أن يرضى بالله و لم يضع أحدا عن أن يرضى بذلك منه قال له هشام إنه بلغني أنك تذكر الخلافة و تتمناها و لست هناك لأنك ابن أمة فقال زيد إن لك جوابا قال تكلم قال إنه ليس أولى بالله و لا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه و هو إسماعيل بن إبراهيم و هو ابن أمة قد اختاره الله لنبوته و أخرج منه خير البشر فقال هشام فما يصنع أخوك البقرة فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه ثم قال سماه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الباقر و تسميه أنت البقرة لشد ما اختلفتما لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنة و ترد النار فقال هشام خذوا بيد هذا الأحمق المائق فأخرجوه فأخذ الغلمان بيده فأقاموه فقال هشام احملوا هذا الخائن الأهوج إلى عامله فقال زيد لئن حملتني إليه لا أجتمع أنا و أنت حيين و ليموتن الأعجل منا فأخرج زيد و أشخص إلى المدينة و معه نفر يسرونه حتى طردوه عن حدود الشام فلما فارقوه عدل إلى العراق و دخل إلى الكوفة و بايع لنفسه فأعطاه البيعة أكثر أهلها.

و كتب هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر (وفقا للرواية المرتبطة بخالد بن عبد الله القسري) إذا قدم عليك زيد بن علي فاجمع بينه و بين خالد بن عبد الله القسري و لا يقيمن قبلك ساعة واحدة فإني رأيته رجلا حلو اللسان شديد البيان خليقا بتمويه الكلام و أهل العراق أسرع شيء إلى مثله.

فلما قدم زيد رضوان الله عليه إلى الكوفة دخل إلى يوسف فقال لم أشخصتني من عند أمير المؤمنين؟ فقال يوسف ذكر خالد بن عبد الله أن له عندك ستمائة ألف درهم فأحضر خالد و عليه حديد ثقيل فقال له يوسف هذا زيد بن علي فاذكر مالك عنده فقال خالد والله الذي لا إله إلا هو ما لي عنده شيء قليل و لا كثير ولا أردتم بإحضاره إلا ظلمه و هناك رواية أخرى لابن جرير الطبري أن يوسف الثقفي قال لزيد رضوان الله عليه (زعم خالد أنه أودعك مالا قال أنى يودعني مالا و هو يشتم آبائي على منبره فأرسل إلى خالد فأحضر فقال له هذا زيد قد زعمت أنك أودعته مالا و قد أنكر فنظر خالد في وجههما ثم قال أتريد أن تجمع مع إثمك في إثما في هذا و كيف أودعه مالا و أنا اشتمه و أشتم آباءه على المنبر فشتمه يوسف ثم رده إلى محبسه) الطبري ج 7 ص 166 ثم قال له يوسف إن أمير المؤمنين أمرني أن أخرجك من الكوفة ساعة قدومك قال زيد فأستريح ثلاثا ثم أخرج قال ما إلى ذلك من سبيل قال فيومي هذا قال و لا ساعة واحدة فأخرجه مع رسل من قبله فتمثل بقول الشاعر:

منخرق الخفين يشكو الوجى        تنكبه أطراف مرد حداد

شرده الخوف و أزرى به             كذلك من يكره حر الجلادِ

 

قد كان في الموت راحة له   و الموت حتم في رقاب العبادِ

 

 فلما صار رسل يوسف بالعذيب انصرفوا و انكفأ زيد راجعا إلى الكوفة فاجتمع إليه من بها من الشيعة.

و أيا كانت الأسباب الحقيقية وراء ذهاب زيد رضوان الله عليه إلى العراق ليبدأ منه حركته الثورية التي مثلت إحدى الضربات الرئيسية التي عجلت بانهيار ذلك النظام الساقط أخلاقيا منذ بدايته فإن تلك المحاورات تكشف عن جهل و غباء و جبروت و تعنت ذلك الطاغية الأموي الذي ظن أن الدنيا يمكن أن تدوم له هو و بنو أبيه فاستكثروا من الكبر و الغرور و الاستخفاف بفضلاء الأمة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومارسوا في حقهم السب و الشتم و الإهانة والتحقير فضلا عن الحرمان من الحقوق المالية و العدالة الاجتماعية ثم هو يضيف جريمة كبرى إلى لائحة جرائمه بسبه للإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين شقيق الشهيد زيد فيسميه ذلك التافه المغرور بالبقرة و يجيبه زيد الشهيد بقوله (سماه رسول الله الباقر- أي الذي يبقر العلوم و يتبحر فيها- و تسميه أنت البقرة !! لشد ما تخالفتما في الدنيا و الآخرة).

بدأت وفود الشيعة في الاجتماع حول زيد بن علي بن الحسين و كالعادة في مثل هذه المواقف أقبل إليه الناصحون المعتدلون يحضونه على عدم الخروج على بني أمية و يذكرونه بما لحق بجده الحسين بن علي عليه السلام حيث قال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك و لم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك إلى ما يدعونك إليه فإنهم لا يفون لك) فلم يقبل منه ذلك و رجع.

 قال أبو مخنف فأقبلت الشيعة لما رجع الكوفة يختلفون إليه و يبايعون له حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل فأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا إلا أنه قد كان منها بالبصرة نحو شهرين ثم أقبل إلى الكوفة فأقام بها و تزوج منها.

إلى أي شيء كان يدعو رضوان الله عليه؟؟.

قال ابن جرير الطبري كانت بيعته التي يبايع عليها الناس (إناندعوكم إلى كتاب وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين و قسم هذا الفيء بين أهله بالسواء و رد الظالمين و إقفال المجمّر (أي إبقاء الجنود في الثغور فترة طويلة) و نصرنا أهل البيت على من نصب لنا و جهل حقنا). فيقول أتبايعون على ذلك؟؟ فإذا قالوا نعم وضع يده على يد المبايع ثم يقول عليك عهد الله و ميثاقه و ذمته و ذمة رسوله لتفين ببيعتي و لتقاتلن عدوي و لتنصحن في السر و العلانية فإذا قال نعم مسح يده على يده ثم قال اللهم اشهد فمكث بذلك بضعة شهرا فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالتهيؤ و الاستعداد فشاع أمره بين الناس.

كما يروي الطبري أن ابن عمه داود بن علي عزم عليه أن لا يخرج فقال (يا داود إن بني أمية قد عتوا و قست قلوبهم).

إذا فالدافع المحرك للتحرك الزيدي كان مجموعة من المبادئ الرسالية السامية و هي:

  1. جهاد الظالمين.
  2. الدفع عن المستضعفين.
  3. إعطاء المحرومين.
  4. نصرة أهل البيت و الدفاع عن وجودهم و كرامتهم التي استمرأ شياطين بني أمية اغتيالها و انتهاكها.

لم يحقق التحرك الزيدي الهدف من وراءه ولكنه من دون أدنى شك كان عنصرا حاسما عجل بسقوط هذه الدولة الفرعونية التي انتسبت للإسلام والإسلام منها ومن كل من كان على شاكلتها براء إلى يوم الدين.

استشهد زيد بن علي وقام طاغية بني أمية المكلف بقمع أهل العراق آنئذ يوسف بن عمر الثقفي بصلبه عريانا, قال أبو مخنف أنه مكث مصلوبا إلى أيام الوليد بن يزيد فلما ظهر يحيى بن زيد كتب الوليد إلى يوسف (أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فاحرقه وانسفه في اليم نسفا والسلام فأمر يوسف عند ذلك خراش بن حوشي فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار ثم جعله في قواصر ثم حمله في سفينة ثم ذراه في الفرات). مقاتل الطالبيين ص 144.

ثم صعد يوسف بن عمر منبر الكوفة خطيبا فقال (يا أهل المدرة الخبيثة  إني والله ما تقرن بي الصعبة ولا يقعقع لي بالشنآن ولا أخوف بالذنب هيهات حبيت بالساعد الأشد أبشروا يا أهل الكوفة بالصغار والهوان لا عطاء لكم عندنا ولا رزق ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم وأحرمكم أموالكم أما والله ما علوت منبري إلا أسمعتكم ما تكرهون عليه فإنكم أهل بغي وخلاف ما منكم إلا من حارب الله ورسوله إلا حكيم بن شريك المحاربي ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم ولو أذن لقتلت مقاتلتكم وسبيت ذراريكم) الطبري ج7 ص 191.

الكوفة مهد النور والثورة

مثلما وضعت أم موسى وليدها الذي لا يملك حولا ولا قوة وليس بوسعه حتى أن يسمع صوته مطالبا بما يقيم أوده ويبقيه على قيد الحياة في مهده ,وألقت به في اليم، أُلقي جنين التشيع والوفاء والولاء لأهل بيت النبوة الذي حسبه الجبابرة والطغاة ميتا في الكوفة وفي غير الكوفة، دون أن يتيقنوا من موته!، يرعاه الله ويحفظه ويمده بأسباب النمو والبقاء.

الكوفة ليس تلك البقعة الجغرافية المحدودة بل هي العراق وما يقع في دائرة إشعاعه الروحي مثلما تشير (نينوى) إلى العراق كله، عاصمة الولاء لأهل بيت النبوة في الدنيا بأسرها.

بقيت قطرة الدم التي سالت في مسجد الكوفة بعد استشهاد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلامومعها عبقات الروح تروى البشرية الظامئة إلى الخلاص من ظلمات الجهل والطغيان وتنمو ثم تنمو ثم تكبر لتخرج لنا ذلك العملاق الذي يرتاع فراعنة الأمة لمجرد سماع اسمه الآن.

الذين يقرأون القرآن قراءة ظاهرية محدودة لا يرون في آيات إحياء الموتى على يد إبراهيم أبو الأنبياء وأبو التشيع والولاء غير تجربة لا تختلف عن تجارب الكيمياء التي يتعلمها الصغار في المدارس بينما تشير هذه التجربة من وجهة نظرنا إلى عمق التحولات في حركة الكون تحت الرعاية الإلهية مهما اختلطت أجزاء الطير المذبوحأو تباعدت مكوناتها التي فارقت الحياة ظاهرا وأعتقد ممنلا (يَعْلَمُونَ "إلا" ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على إحيائها واستعادتها من حيث كانت إلى حيث أراد، سبحانه وتعالى عما يشركون!!.

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة (260).

لا ندعي شيئا من اختراع عقولنا بل نفهم كتاب الله عز وجل بفهم أهل البيت عليهم السلام حيث يصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المشهد الأخير: (افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ وَلَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ وَلَا حِدَابُ أَرْضٍ يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ وَايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَالتَّمْكِينِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ).

مثلما أظهر الله لأبي الأنبياء وأبي التشيع والولاء إبراهيم عليه السلام كوامن قدرته بجمع المشتت وإن توزع في اتجاهات الكون الأربع هاهو الآن يظهر قدرته بجمع المتفرق وتفريق المجتمع، تماما كما جاء في الخطبة العلوية الرفيعة.

الكوفة العراق بعد أن ارتوت طيلة القرون الماضية بأطهر الدماء وأنقاها ممزوجة بروح النقاء والولاء تتقدم الآن صفوف العالم لتطهره من الأردان والأوساخ.

(الم* غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ *فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم 1-6.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏02‏/12‏/2016

الجمعة‏، 03‏ ربيع الأول‏، 1438

 

 

 

[1]خطبة 47.

[2]يقطع.

[3]الأنعام 27-28.

[4]حجر بن عدي الكندي الصحابي العظيم الذي قتله معاوية بن أبي سفيان لرفضه سياسة شتم الإمام علي على المنابر.

[5]تاريخ الطبري ج5 ص 261.

[6]تاريخ الطبري ج5- ص 482-484.

 

[7]تاريخ الطبري ج5 ص 504-505

[8]تاريخ الطبري ج6 ص 195 طبعة دار المعارف مصر.

[9]تاريخ الطبري ج6 ص202-204.

أخبار ذات صلة

0 تعليق