ننشر دراسة"سلمان المحمدي: سابق فارس..صانع الخوص!!" للدكتور أحمد راسم النفيس

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

ما زال كثير من المسلمين يصدقون أن رسول الله صلى الله عليه وآله رفع شعار (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، أي أنه كان يخيرهم بين الإسلام أو الموت!! ومن ثم فإن من أسلم منهم أسلم كرها خوفا من السيف!!.

عندما يصرون على نفي أولوية أهل بيت النبوة ومكانتهم الرفيعة في الإسلام يلجأون إلى التعميم محاولة منهم لرفع مكانة بعض الأشخاص بعينهم ومثال ذلك تفسيرهم التعميمي لقوله تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[1]، ليجعلوها شاملة لكل المهاجرين والأنصار، ولو كان هذا صحيحا لعكس السياق فيذكر المهاجرون والأنصار أولا وتصبح صفة السبق لاحقة بهم!!.

يقول سبحانه وتعالى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ)[2].

يقول علي بن إبراهيم في تفسيره: قوله (وكنتم أزواجا ثلاثة) يوم القيامة (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة) هم المؤمنون من أصحاب التبعات يوقفون للحساب (وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون) الذين سبقوا إلى الجنة بلا حساب.

المعنى أن السبق ليس سبقا زمنيا وحسب - جيلٌ يسبق جيلا - بل بالتفاضل في العلم والعمل وإلا كيف يمكننا أن نفهم شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله لسلمان رضوان الله عليه بأنه سابق فارس والرواية لابن سعد في الطبقات ج5.

القارئ لسيرة سلمان سابق فارس يرى بوضوح طبعة مغايرة بالمطلق لطبعة (إما الإسلام أو الموت) حيث نرى شخصا ضحى بعمره كله بحثا عن الحق وجال بين البلدان ووسط الأديان ليعرف الدين القويم، كما نرى شخصا ذي حاسة أخلاقية رفيعة وملكة للنقد تميز بين التدين الحقيقي والتدين المنتحل وتسعى لمعرفة الحق ولا تنتظر أن يقف (الفاتحون) فوق رؤوسهم ليقبلوا العرض المقدم منهم أو يذهبوا إلى حيث ألقت!!.

ما نعتقده أن تسليط الضوء على رحلة سلمان رض نحو الإيمان أمر حيوي ومهم للغاية يكشف أن الوصول للإيمان الصحيح كان خيارا عقليا وأخلاقيا وخلاصة تجربة روحية ومقارنة بين الأديان وليس بسبب هزيمة إحدى الجماعات أو الأقوام في الفتوحات كما هو رائج في أذهان عامة المسلمين الآن.

يمكننا القول أن سلمان المحمدي أسس علم مقارنة الأديان فكان بحق كما وصفه الإمام علي بن أبي طالب (وسئل علي عن سلمان فقال علم العلم الأول والعلم الآخر وهو بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت)[3].

الانتقال من المجوسية

يروي ابن الأثير في أسد الغابة ج3:

عن ابن عباس قال حدثني سلمان قال كنت رجلا من أهل فارس من أصبهان من جي ابن رجل من دهاقينها وكنت أحب الخلق إليه فأجلسني في البيت كالجواري فاجتهدت في المجوسية فكنت في النار التي توقد فلا تخبو وكان أبي صاحب ضيعة وكان له بناء يعالجه في داره فقال لي يوما يا بني قد شغلني ما ترى فانطلق إلى الضيعة ولا تحتبس فتشغلني عن كل ضيعة بهمي بك فخرجت لذلك فمررت بكنيسة النصارى وهم يصلون فملت إليهم وأعجبني أمرهم وقلت هذا والله خير من ديننا فأقمت عندهم حتى غابت الشمس لا أنا أتيت الضيعة ولا رجعت إليه فاستبطأني وبعث رسلا في طلبي وقد قلت للنصارى حين أعجبني أمرهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام فرجعت إلى والدي فقال يا بني قد بعثت إليك رسلا فقلت مررت بقوم يصلون في كنيسة فأعجبني ما رأيت من أمرهم وعلمت أن دينهم خير من ديننا فقال يا بني دينك ودين آبائك خير من دينهم فقلت كلا والله فخافني وقيدني فبعثت إلى النصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم وسألتهم إعلامي من يريد الشام ففعلوا فألقيت الحديد من رجلي وخرجت معهم حتى أتيت الشام فسألتهم عن عالمهم فقالوا الأسقف فأتيته فأخبرته وقلت أكون معك أخدمك وأصلي معك قال أقم فمكثتمع رجل سوء في دينه وكان يأمرهم بالصدقة فإذا أعطوه شيئا أمسكه لنفسه حتى جمع سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا فتوفي فأخبرتهم بخبره فزبروني فدللتهم على ماله فصلبوه ولم يغيبوه ورجموه وأحلوا مكانه رجلا فاضلا في دينه زهدا ورغبة في الآخرة وصلاحا فألقى الله حبه في قلبي حتى حضرته الوفاة فقلت أوصيني فذكر رجلا بالموصل وكنا على أمر واحد حتى هلك فأتيت الموصل فلقيت الرجل فأخبرته بخبري وأن فلانا أمرني بإتيانك فقال أقم فوجدته على سبيله وأمره حتى حضرته الوفاة فقلت له أوصيني فقال ما أعرف أحدا على ما نحن عليه إلا رجلا بعمورية فأتيته بعمورية فأخبرته بخبري فأمرني بالمقام وثاب لي شيء واتخذت غنيمة وبقيرات فحضرته الوفاة فقلت إلى من توصي بي فقال لا أعلم أحدا اليوم على مثل ما كنا عليه ولكن قد أظلك نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية مهاجره بأرض ذات نخل وبه آيات وعلامات لا تخفى بين منكبيه خاتم النبوة ويأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فإن استطعت فتخلص إليه فتوفي. فمر بي ركب من العرب من كلب فقلت أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه وتحملوني إلى بلادكم فحملوني إلى وادي القرى فباعوني من رجل من اليهود فرأيت النخل فعلمت أنه البلد الذي وصف لي فأقمت عند الذي اشتراني وقدم عليه رجل من بني قريظة فاشتراني منه وقدم بي المدينة فعرفتها بصفتها فأقمت معه أعمل في نخلة وبعث الله نبيه وغفلت عن ذلك حتى قدم المدينة فنزل في بني عمرو بن عوف فإني لفي رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لصاحبي فقال أي فلان قاتل الله بني قيلة مررت بهم آنفا وهم مجتمعون على رجل قدم عليهم من مكة يزعم أنه نبي فوالله ما إن سمعتها فأخذني القر ورجفت بي النخلة حتى كدت أن أسقط ونزلت سريعا فقلت ما هذا الخبر فلكمني صاحبي لكمة وقال وما أنت وذاك أقبل على شأنك فأقبلت على عملي حتى أمسيت فجمعت شيئا فأتيته به وهو بقباء عند أصحابه فقلت اجتمع عندي أردت أن أتصدق به فبلغني أنك رجل صالح ومعك رجال من أصحابك ذوو حاجة فرأيتكم أحق به فوضعته بين يديه فكف يديه وقال لأصحابه كلوا فأكلوا فقلت هذه واحدة ورجعت وتحول إلى المدينة فجمعت شيئا فأتيته به فقلت أحببت كرامتك فأهديت لك هدية وليست بصدقة فمد يده فأكل وأكل أصحابه فقلت هاتان اثنتان ورجعت فأتيته وقد تبع جنازة في بقيع الغرقد وحوله أصحابه فسلمت وتحولت أنظر إلى الخاتم في ظهره فعلم ما أردت فألقى رداءه فرأيت الخاتم فقبلته وبكيت فأجلسني بين يديه فحدثته بشأني كله كما حدثتك يا ابن عباس فأعجبه ذلك وأحب أن يسمعه أصحابه. ففاتني معه بدر وأحد بالرق فقال لي كاتب يا سلمان عن نفسك فلم أزل بصاحبي حتى كاتبته على أن أغرس له ثلثمائة ودية وعلى أربعين أوقية من ذهب فقال النبي أعينوا أخاكم بالنخل فأعانوني بالخمس والعشر حتى اجتمع لي فقال لي فقر لها ولا تضع منها شيئا حتى أضعه بيدي ففعلت فأعانني أصحابي حتى فرغت فأتيته فكنت آتيه بالنخلة فيضعها ويسوي عليها ترابا فانصرف والذي بعثه بالحق فما ماتت منها واحدة وبقي الذهب فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابه من بعض المعادن فقال ادع سليمان المسكين الفارسي المكاتب؟ فقال أد هذه! فقلت يا رسول الله وأين تقع هذه مما علي؟.

بينما يروي ابن عبد البر في الاستيعاب قصة عتق سلمان قال:‏فاشتراهرسولاللهصلىاللهعليهوسلممنقوممناليهودعلىأنيغرسلهمكذاوكذامنالنخليعملفيهاسلمانحتىتدركفغرسرسولاللهصلىاللهعليهوسلمالنخلكلهإلانخلةواحدةغرسهاعمرفأطعمالنخلكلهإلاتلكالنخلةفقالرسولاللهصلىاللهعليهوسلم‏:‏منغرسهافقالوا‏:‏عمرفقلعهارسولاللهصلىاللهعليهوسلموغرسهافأطعمتمنعامها‏.

كما يروي ابن سعد في الطبقات نقلا عن سلمان الفارسي قال: ثمأسلمتوشغلنيالرقوماكنتفيهحتىفاتنيبدروأحدثمقالليرسولاللهصلىاللهعليهوسلمكاتبفسألتصاحبيذلكفلمأزلحتىكاتبنيعلىأنأحييلهثلاثمائةنخلةوأربعينأوقيةمنورقثمقالرسولاللهصلىاللهعليهوسلمأعينواأخاكمبالنخلفأعاننيكلرجلبقدرهبالثلاثينوالعشرينوالخمسعشرةوالعشرثمقالياسلماناذهبففقرلهافإذاأنتأردتأنتضعهافلاتضعهاحتىتأتينيفتؤذننيفأكونأناالذيأضعهابيديفقمتفيتفقيريفأعاننيأصحابيحتىفقرناشرباثلاثمائةشربةجاءكلرجلبماأعاننيبهمنالنخلثمجاءرسولاللهفجعليضعهابيدهيسويعليهاشربهاويبركحتىفرغمنهارسولاللهجميعافوالذينفسسليمانبيدهماماتتمنهوديةوبقيتالدراهمفبينارسولاللهصلىاللهعليهوسلمذاتيومفيأصحابهإذأتاهرجلمنأصحابهبمثلالبيضةمنذهبأصابهامنبعضالمعادنفتصدقبهاإليهفقالرسولاللهصلىاللهعليهوسلممافعلالفارسيالمسكينالمكاتبادعوهليفدعيتلهفجئتفقالاذهببهذافأدهاعنكمماعليكمنالمالقالوقلتوأينيقعهذامماعلييارسولاللهقالإنالله سيؤديعنكقالبنإسحاقفأخبرنييزيدبنأبيحبيبأنهكانفيهذاالحديثأنرسولاللهصلىاللهعليهوسلموضعهايومئذعلىلسانهثمقلبهاثمقاللياذهبفأدهاعنكثمعادحديثبنعباسويزيدأيضاقالسلمانفوالذينفسيبيدهلوزنتلهمنهاأربعينأوقيةحتىوفيتهالذيلهوعتقسلمانوشهدالخندقوبقيةمشاهدرسولاللهصلىاللهعليهوسلمحرامسلماحتىقبضهالله.

لماذا اعتبر سلمان أن النصرانية أو المسيحية كانت يومها أفضل من المجوسية أو الزرادشتية؟!.

وهل حقا كان المجوس يعبدون النار؟!.

يقول د/ الشفيع الماحي أحمد: ما إن أهل القرن الثالث قبل الميلاد بعد أكثر من قرنين ونصف من وفاة زرادشت حتى ظهرت فكرة تعظيم النار كرمز لله في الحياة الدنيا.

أما كيف تنبع فكرة وثنية كهذه من رسالة سماوية قائمة على التنزيه المطلق لله؟ ... فلم يجد علماء الدين بدا أمام قوة التنزيه إلا الإشارة إلى ذاته المتعالية برمز هو أقرب إليه في التجريد وأدنى إلى المحسوس حتى تقوى عقولهم على تحمله فانتهى تفكيرهم إلى النار[4].

لم يتخذ الزرادشتية النار إلها يعبد ولم يتخذها أحد منهم إلها من دون الله وهم لا يعتقدونها إلها بل رمزا لله الذي لا تدركه الأبصار وعلى هذا فالزرادشتي كان يفرق عن اعتقاد جازم بين الله تعالى ورمزه[5].

ننقل هذا الكلام لنفهم الرؤية الزرادشتية لمسألة تقديس النار وهي فكرة مرفوضة شأنها شأن غيرها من الأفكار التي تحاول تجسيد الإله أو تصويره وهي محاولة لم تقتصر على أتباع هذه الديانة بل نراها في أسوأ صورها عند النصارى الذين يعتقدون بتجسد الكلمة الإلهية في صورة إنسان هو المسيح عيسى بن مريم ونراها أيضا عند بعض المسلمين الذين يثبتون لله سبحانه صفات زائدة عن الذات مثل الحياة والسمع والعلم!!.

يقول الدكتور أحمد راسم النفيس في كتابه (عقيدة التوحيد في مدرسة أهل البيت عليهم السلام):

البحث عن حقيقة الإله و(صورته) كان ولا زال هاجسا يشغل بال الإنسان القديم والمعاصر.

لهذا السبب قام الإنسان بنحت الأصنام في محاولة منه لتصوير أو لتقريب صورة الإله المعبود وليس لاعتقاده أن هذه الأحجار هي ذات الإله كما قد يظن البعض.

وكما هو شأن كل المجتمعات التي تضم فئات مختلفة منها العالم والجاهل فلربما تصور الأكثر جهلا أن هذه الأصنام الحجرية هي ذات الإله ونسوا أصل الحكاية.

أيا كان الغرض من وراء صناعة الأصنام (كمثال أو تمثال للمضاهاة) ثم عبادتها فالثابت أن المجتمعات الجاهلية لا تؤمن بالغيب ولا تصدق بغير المحسوس سواء كان هذا المحسوس لذات وشهوات وطعام وشراب أو بطش وهيمنة واستئثار حيث البقاء للأقوى، والسلطة والمال للأقدر على فرض إرادته بالحديد والنار على الجموع المستضعفة المغلوبة على أمرها، ولذا صار الجبابرة والطغاة هم آلهة الأمر الواقع الذين لا يرد أمرهم ولا سيفهم عن المستضعفين وهكذا نفهم ما أورده القرآن الكريم تارة على لسان فرعون (ما علمت لكم من إله غيري) وتارة أخرى على لسان النمروز (أنا أحيي وأميت).

لم تقتصر صناعة الأصنام على تلك الحجرية بل لقد ذهب أهل الزيغ والضلال أبعد من هذا عندما قاموا بنحت أصنام بشرية من صنع أهوائهم عندما رفعوا بشرا عاديين إلى مرتبة الإلهة وجعلوا منهم أندادا لله ينزل الوحي استجابة لآرائهم التافهة وتُقدم أقوالهم على كلام الله عز وجل ووصايا رسول الله عز وجل ومن ثم فقد أصبح هؤلاء آلهة تعبد وتطاع من دون الله[6].

وعلى كل حال فالشكل الذي تحول إليه الدين الزرادشتي وأصبح موضع اعتقاد وممارسة تعبدية ودراسة هو غير ما كان عليه أيام زرادشت وخلفائه حيث أصبح شكلا معقدا من الأفكار والطقوس المنافية للإيمان ولم يبق منه ما يشير إلى معنى التوحيد إلا ضمن ركام هائل من المعاني الزائفة[7].

ضربة قاصمة

تلقت الديانة الزرادشتية ضربة أخرى قاصمة عندما غزا الإسكندر المقدوني بلاد فارس (331 ق-م) فأزال سلطان الدولة السياسي والديني وأحرق مدينة إصطخر عاصمة البلاد الروحية مما أدى لضياع التراث الزرادشتي ولم يتمكن أحد أن ينقذ منها شيئا وضاعت أغلب المكتبات ودور العلم بما فيها أسفار الابتساق بشروحه وتعليقاته وتفسيراته[8].

يصف تنسر فقيه المجوسية أيام الساسانيينما آل إليه حال الدين بعد ضياع التراث وإحراق كتابهم المقدس:

وإذا نظرت في أمر الدين واستنكرت ما ليس له وجه فيه علمت أن الإسكندر أحرق من كتبنا اثني عشر ألف جلدة بقرة بإصطخر وبقي ثلث هذا القدر محفوظا في الصدور.

وبعد انتهاء الحكم اليوناني الوثني استعاد الفرس استقلالهم السياسي لكنهم لم يستردوا أبدا كتبهم فدخل الدين في طور جديد من التدهور واختلط بالعقائد المجوسية والوثنية حتى فقد صلته بأصوله التوحيدية وتقدر تلك الفترة بخمسمائة وخمسين عاما أي إلى تأسيس الدولة الساسانية سنة 226م على يد الملك أردشير والذي قام بآخر محاولة لإحيائه وفرضه من جديد كمنهج للناس والدولة[9].

كان ما سبق مختصرا لا بأس به لقصة انحراف الزرادشتية وتحولها إلى خليط جمع بقايا ديانة توحيدية جرى تدميرها من الداخل والخارج وأخلاط جاهلية وثنية وتلاعب السلطة بالدين وتوظيفه خدمة لشهواتهم وصولا لإباحة زواج الأخ من أخته.

من ناحية أخرى فإن تاريخ الأديان السماوية يلفت الانتباه لحقيقة هامة وهي الطبيعة المؤقتة لهذه الأديان التي تغطي احتياجات البشرية روحيا وتشريعيا في زمن ما والطبيعة الأممية المحدودة لرسالات أخرى مثل المسيحية واليهودية التي نزلت لبني إسرائيل تحديدا (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)[10].

أما البعثة المحمدية فكانت رحمة للعالمين دون تعيين قوم بعينهم (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[11].

تتابع رسل الله إلى البشر حاملين رسالات الله وكلامه يعني أن رسالة واحدة لا تكفي ويعني الحاجة للتواصل المستمر بين الخالق والخلق (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ)[12].

الذي نستفيده من قوله (ثُم) هو تلاحق إرسال الرسل من الخالق الحكيم العالم بما يصلح عباده ويلبي حاجتهم المتواصلة للمدد الإلهي الذي لا ينقطع.

أما إذا استجابت الأمة لدعوة الرسل تنشأ الحاجة لضبط مسار أمة الإجابة وحثهم على الاستقامة (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)[13]، ليبدأ مسار جديد هو مسار الفتنة والاختبار (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[14].

لا يفوتنا التنويه بأن المجوسية وجدت من يعتنقها من العرب وأن رسول الله صلى الله عليه وآله عاملهم معاملة أهل الكتاب واخذ منهم الجزية والعهدة على البخاري (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر)[15].
إنها طرفة نلفت انتباه من لا يكفون عن اللغو والهراء ومن يربطون كلمة مجوسي تلقائيا ببلاد فارس!!.

لسنا هنا في مقام الاعتذار والتبرير ولا في موقف الإدانة والتنديد بل في موقف التأمل وفهم لماذا أعرض سلمان سابق فارس عن دين آبائه ومضى في رحلة البحث عن الحقيقة.

ترك سلمان أهله وداره بحثا عن الحقيقة فكان بحق أول مهاجر في سبيل الله قبل أن يترك المسلمون الأوائل مكة متوجهين نحو المدينة وهم لم يخرجوا طوعا بل أخرجوا من ديارهم وأموالهم.

تتفكك الرسالات السماوية وتنهار بفعل فاعل وهذا الفاعل عادة ما يكون من أهل الرسالة وربما يكون ضمن الأعلى صوتا والأكثر جرأة على المزايدة على المؤمنين الخلص وادعاء الحرص والغيرة على صحيح الدين!!.

هناك نوع آخر من الانهيار والتفكك سببه تآكل الإيمان والإخلاص لله وحب الدنيا وجمع المال كهذا الراهب الذي جمع أكواما من الذهب والفضة وهو ضمن من أشار إليهم رب العزة بقوله:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)[16].

لا يحتاج الناس في معرفة هؤلاء والتأكد من انحرافهم عن صراط الله المستقيم سوى لاختبار بسيط للغاية وهو مقارنة الأعمال بالأقوال وهو عين ما فعله سلمان رضوان الله عليه وهو نوع من الانحراف كان ولا زال موجودا حتى يأذن الله بتطهير الأرض ومن عليها!!.

النصرانية: منتصف الطريق

انتقل سلمان إلى الشام مع الوفد النصراني وهناك بدأ يتعرف على واقع النصرانية.

لم ينقل لنا الرواة تفاصيل هذه المرحلة حيث يروي ابن أبي الحديد عن أبي عمر: روى قتادة عن أبى هريرة، قال: "سلمان صاحب الكتابين" يعنى الإنجيل والقرآن، وبديهي أن هذا يشير إلى درايته بالجدل القائم حتى هذه اللحظة بين النصارى حول طبيعة المسيح عليه السلام وولادته وألوهيته المزعومة وهو ما تسببفي حروب بين الأفرقاء من يومها.

تقول الرواية عن سلمان بعد موت الراهب المزيف (وأحلوا مكانه رجلا فاضلا في دينه زهدا ورغبة في الآخرة وصلاحا فألقى الله حبه في قلبي حتى حضرته الوفاة فقلت أوصيني فذكر رجلا بالموصل وكنا على أمر واحد حتى هلك فأتيت الموصل فلقيت الرجل فأخبرته بخبري وأن فلانا أمرني بإتيانك فقال أقم فوجدته على سبيله وأمره حتى حضرته الوفاة فقلت له أوصيني فقال ما أعرف أحدا على ما نحن عليه إلا رجلا بعمورية فأتيته بعمورية فأخبرته بخبري فأمرني بالمقام وثاب لي شيء واتخذت غنيمة وبقيرات فحضرته الوفاة فقلت إلى من توصي بي فقال لا أعلم أحدا اليوم على مثل ما كنا عليه ولكن قد أظلك نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية).

رواية الشيخ الصدوق

لم يكن سلمان رضوان الله عليه يخبط خبط عشواء ولم يكن يبحث عن إبرة وسط كومة من القش كما يقولون فهذا محال.

فقد وجد سلمان من رهبان النصرانية من يدله على موقع ومكانة محمد ابن عبد الله ورسالته إلى البشرية جمعاء وهو ما نراه في رواية الشيخ الصدوق رحمة الله عليه في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة).

حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، وأحمد ابن إدريس جميعا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن علي بن مهزيار، عن أبيه، عمن ذكره، عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: قلت: يا ابن رسول الله ألا تخبرنا كيف كان سبب إسلام سلمان الفارسي؟ قال: حدثني أبي صلوات الله عليه أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب صلوات الله عليه وسلمان الفارسي وأبا ذر وجماعة من قريش كانوا مجتمعين عند قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال أمير المؤمنين عليه السلام لسلمان:يا أبا عبد الله إلا تخبرنا بمبدء أمرك؟ فقال سلمان: والله يا أمير المؤمنين لو أن غيرك سألني ما أخبرته، أنا كنت رجلا من أهل شيراز من أبناء الدهاقين وكنت عزيزا على والدي فبينا أنا سائر مع أبي في عيد لهم إذا أنا بصومعة وإذا فيها رجل ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله، وأن محمدا حبيب الله، فرسخ وصف محمد في لحمي ودمي فلم يهنئني طعام ولا شراب، فقالت لي أمي: يا بني مالك اليوم لم تسجد لمطلع الشمس؟ قال: فكابرتها حتى سكتت، فلما انصرفت إلى منزلي إذا أنا بكتاب معلق في السقف فقلت لامي: ما هذا الكتاب؟ فقالت: يا روزبه إن هذا الكتاب لما رجعنا من عيدنا رأيناه معلقا، فلا تقرب ذلك المكان فانك إن قربته قتلك أبوك، قال: فجاهدتها حتى جن الليل فنام أبي وأمي فقمت وأخذت الكتاب وإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من الله إلى آدم أنه خالق من صلبه نبيا يقال له: محمد، يأمر بمكارم الاخلاق وينهى عن عبادة الاوثان، يا روزبه ائت وصي عيسى وآمن واترك المجوسية، قال: فصعقت صعقة وزادني شدة قال: فعلم بذلك أبي وأمي فأخذوني وجعلوني في بئر عميقة، وقالوا ليإن رجعت وإلا قتلناك، فقلت لهم: افعلوا بي ما شئتم، حب محمد لا يذهب من صدري، قال سلمان: ما كنت أعرف العربية قبل قراءتي الكتاب، ولقد فهمني الله عزوجل العربية من ذلك اليوم قال: فبقيت في البئر فجعلوا ينزلون في البئر إلى أقراصا صغارا. قال: فلما طال أمري رفعت يدي إلى السماء فقلت: يا رب إنك حببت محمدا ووصيه إلى فبحق وسيلته عجل فرجي وأرحني مما أنا فيه، فأتاني آت عليه ثياب بيض فقال: قم يا روزبه، فأخذ بيدي وأتى بي إلى الصومعة فأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله، وأن محمدا حبيب الله، فأشرف علي الديراني فقال: أنت روزبه؟ فقلت: نعم، فقال: اصعد فأصعدني إليه وخدمته حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة قال: إني ميت فقلت له: فعلى من تخلفني؟ فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي هذه إلا راهبا بأنطاكية، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام وادفع إليه هذا اللوح، وناولني لوحا، فلما مات غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح وسرت به إلى أنطاكية وأتيت الصومعة وأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فأشرف علي الديراني فقال: أنت روزبه، فقلت: نعم، فقال: اصعد فصعدت إليه فخدمته حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة قال لي: إني ميت، فقلت: على من تخلفني؟ فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي هذه إلا راهبا بالاسكندرية فإذا أتيته فأقرئه مني السلام وادفع إليه هذا اللوح، فلما توفي غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح وأتيت الصومعة وأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فأشرف علي الديراني فقال: أنت روزبه؟ فقلت: نعم، فقال: اصعد فصعدت إليه وخدمته حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة قال لي: إني ميت فقلت: على من تخلفني؟ فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي هذه في الدنيا وإن محمد بن عبد الله بن عبد الملك قد حانت ولادته فإذا أتيته فأقرئه مني السلام، وادفع إليه هذا اللوح، قال: فلما توفي غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح وخرجت، فصحبت قوما فقلت لهم: يا قوم اكفوني الطعام والشراب أكفكم الخدمة؟ قالوا: نعم، قال: فلما أرادوا أن يأكلوا شدوا على شاة فقتلوها بالضرب، ثم جعلوا بعضها كبابا وبعضها شواء فامتنعت من الاكل، فقالوا: كل فقلت: إني غلام ديراني وإن الديرانيين لا يأكلون اللحم، فضربوني وكادوا يقتلونني فقال بعضهم: امسكوا عنه حتى يأتيكم شرابكم فانه لا يشرب، فلما أتوا بالشراب قالوا: اشرب؟ فقلت: إنى غلام ديراني وإن الديرانيين لا يشربون الخمر، فشدوا علي وأرادوا قتلي، فقلت لهم: يا قوم لا تضربوني ولا تقتلوني فإني اقر لكم بالعبودية فأقررت لواحد منهم فأخرجني وباعني بثلاثمائة درهم من رجل يهودي قال: فسألني عن قصتي فأخبرته وقلت: له ليس لي ذنب إلا أني أحببت محمدا ووصيه، فقال اليهودي: وإنى لأبغضك وابغض محمدا، ثم أخرجني إلى خارج داره وإذا رمل كثير على بابه، فقال: والله ياروزبه لئن أصبحت ولم تنقل هذا الرمل كله من هذا الموضع لأقتلنك، قال: فجعلت أحمل طول ليلتي فلما أجهدني التعب رفعت يدي إلى السماء وقلت: يا رب إنك حببت محمدا ووصيه إلي فبحق وسيلته عجل فرجي وأرحني مما أنا فيه، فبعث الله عزوجل ريحا فقلعت ذلك الرمل من مكانه إلى المكان الذي قال اليهودي، فلما أصبح نظر إلى الرمل قد نقل كله، فقال: يا روزبه أنت ساحر وأنا لا أعلم فلأخرجنك من هذه القرية لئلا تهلكها، قال: فأخرجني وباعني من امرأة سلمية فأحبتني حبا شديدا وكان لها حائط، فقالت: هذا الحائط لك كل منه وما شئت و هب وتصدق. قال: فبقيت في ذلك الحائط ما شاء الله فبينا أنا ذات يوم في الحائط إذا أنا بسبعة رهط قد أقبلوا تظلهم غمامة، فقلت في نفسي: والله ما هؤلاء كلهم أنبياء ولكن فيهم نبيا قال: فأقبلوا حتى دخلوا الحائط والغمامة تسير معهم، فلما دخلوا إذا فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وأبو ذر والمقداد وحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، فدخلوا الحائط فجعلوا يتناولون من حشف النخل ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول لهم: كلوا الحشف ولا تفسدوا على القوم شيئا، فدخلت على مولاتي فقلت لها: يا مولاتي هبي لي طبقا من رطب، فقالت: لك ستة أطباق، قال: فجئت فحملت طبقا من رطب، فقلت في نفسي: إن كان فيهم نبي فإنه لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، فوضعته بين يديه، فقلت: هذه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلوا وأمسك رسول الله وأمير المؤمنين وعقيل بن أبى طالب وحمزة بن عبد المطلب، وقال لزيد: مد يدك وكل فقلت في نفسي هذه علامة، فدخلت إلى مولاتي فقلت لها: هبي لي طبقا آخر، فقالت: لك ستة أطباق قال: فجئت فحملت طبقا من رطب فوضعة بين يديه فقلت: هذه هدية، فمد يده وقال: بسم الله كلوا ومد القوم جميعا أيديهم فأكلوا، فقلت في نفسي هذه أيضا علامة، قال: فبينا أنا أدور خلفه إذ حانت من النبي صلى الله عليه وآله التفاته، فقال: يا روزبه تطلب خاتم النبوة، فقلت: نعم، فكشف عن كتفيه فإذا أنا بخاتم النبوة معجوم بين كتفيه عليه شعرات قال: فسقطت على قدم رسول الله صلى الله عليه وآله اقبلها، فقال لي: ياروزبه ادخل إلى هذه المرأة وقل لها يقول لك محمد بن عبد الله تبيعينا هذا الغلام؟ فدخلت فقلت لها: يا مولاتي إن محمد بن عبد الله يقول لك: تبيعينا هذا الغلام ؟ فقالت قل له: لا أبيعك إلا بأربعمائة نخلة مائتي نخلة منها صفراء ومائتي نخلة منها حمراء، قال: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وآله: فأخبرته، فقال: وما أهون ما سألت، ثم قال: قم يا علي فاجمع هذا النوي كله فجمعه وأخذه فغرسه، ثم قال: إسقه فسقاه أمير المؤمنين فما بلغ آخره حتى خرج النخل ولحق بعضه بعضا فقال: لي ادخل إليها وقل لها يقول لك محمد بن عبد الله: خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا قال:فدخلت عليها وقلت ذلك لها، فخرجت ونظرت إلى النخل فقالت: والله لا أبيعكه إلا بأربعمائة نخلة كلها صفراء، قال: فهبط جبرئيل عليه السلام فمسح جناحيه على النخل فصار كله أصفر، قال: ثم قال لي: قل لها: إن محمدا يقول لك: خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا قال: فقلت لها ذلك فقالت: والله لنخلة من هذه أحب إلي من محمد ومنك، فقلت لها: والله ليوم واحد مع محمد أحب إلي منك ومن كل شئ أنت فيه، فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسماني سلمان. قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: كان اسم سلمان روزبه بن خشبوذان و ما سجد قط لمطلع الشمس وإنما كان يسجد لله عزوجل وكانت القبلة التي أمر بالصلاة إليها شرقية وكان أبواه يظنان أنه إنما يسجد لمطلع الشمس كهيئتهم، وكان سلمان وصي وصي عيسى عليه السلام في أداء ما حمل إلى من انتهت إليه الوصية من المعصومين، و هو آبي عليه السلام وقد ذكر قوم أن "أبي" هو أبو طالب. وإنما اشتبه الامر به، لأن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن آخر أوصياء عيسى عليه السلام فقال: "آبي" فصحفه الناس وقالوا: "أبي".

- كما روى الشيخ الصدوق: عن درست بن أبي منصور الواسطي، وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان سلمان الفارسي رحمه الله قد أتى غير واحد من العلماء، وكان آخر من أتى آبي، فمكث عنده ما شاء الله، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وآله قال آبي: يا سلمان إن صاحبك الذي تطلبه بمكة قد ظهر، فتوجه إليه سلمان رحمة الله عليه.

اختلف النصارى حول طبيعة المسيح عيسى بن مريم فمنهم من قال (أن المسيح بشر مخلوق وأن ابتداء الابن من مريم ثم إنه اصطفيفصحبته النعمة الإلهية بالمحبة والمشيئة ولذلك سمي ابن الله تعالى عن ذلكومع ذلك فاللّه واحد قيوم وأنكر هؤلاء الكلمة والروح فلم يؤمنوا بهما وهذاقول بولص السميساطيّ بطرك أنطاكية) ومن الواضح لدينا أن الرهبان الذين اصطحبوا سلمان رضوان الله عليه كانوا ممن يؤمنون بالتوحيد الخالص ويرتقبون ظهور النبي الأكرم محمد بن عبد الله إلا أن الغلبة في النهاية كانت لدعاة التثليث وليس هنا مجال  تفصيل الجدل هذا الأمر.

غُلب دعاة التوحيد على أمرهم وهذا هو السر وراء هذه الرحلة العجيبة التي ارتحلها سلمان رضوان الله عليه من الشام إلى الموصل ثم إلى عمورية تمحيصا وبحثا عن النصرانية في ثوبها التوحيدي الأصيل الذي افتقد الآن من على الأرض أو اضطر للاختفاء والتواري.

سلمان صانع الخوص!!

كان بوسع سلمان رضي الله عنه أن يستولي على قلال الذهب والفضة التي كنزها الراهب المزيف بعد موته والتي لم يعلم أحد بمكانها غيره!!.

كان بوسعه رضوان الله عليه أيضا أن يصطف مع جماعة المترفين الذين صادروا السلطة والثروة يوم السقيفة خاصة وأن القوم كانوا يعرفون قدره ومكانته وتأثير شهادته لهم أو عليهم ولذا فهم لم يستخدموا معه أسلوبا هجوميا كما حدث بعد ذلك مع عمار بن ياسر وأبا ذر رضوان الله عليهما وغيرهما ممن لم يدخلوا في دنياهم.

يروي ابن سعد في الطبقات الكبرى:قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل ابن سميع عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد أن عمر جعل عطاء سلمان ستة آلاف.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل ابن سميع عن مالك بن عمير قال: كان عطاء سلمان الفارسي أربعة آلاف.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسرائيل عن إسماعيل ابن سميع عن مسلم البطين قال: كان عطاء سلمان أربعة آلاف.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي عن مسلم البطين قال: كان عطاء سلمان أربعة آلاف.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: حدثنا أبو المليح عن ميمون قال: كان عطاء سلمان الفارسي أربعة آلاف وعطاء عبد الله بن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقلت: ما شأن هذا الفارسي في أربعة آلاف وابن أمير المؤمنين في ثلاثة آلاف وخمسمائة؟ قالوا: إن سلمان شهد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مشهدا لم يشهده ابن عمر.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الجرمي قال: حدثناجعفر بن سليمان قال: حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف وكان على ثلاثين ألفا من الناس يخطب في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سفيف يديه.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: حدثنا أبو المليح عن حبيب ابن أبي مرزوق عن هريم قال: رأيت سلمان الفارسي على حمار عري وعليه قميص سنبلاني قصير ضيق الأسفل، وكان رجلا طويل الساقين كثير الشعر، وقد ارتفع القميص حتى بلغ قريبا من ركبتيه. قال ورأيت الصبيان يحضرون خلفه فقلت: ألا تنحون عن الأمير؟ فقال: دعهم فإنما الخير والشر بعد هذا اليوم.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان عن حبيب ابن أبي مرزوق عن ميمون بن مهران عن رجل من عبد القيس قال: كنت مع سلمان الفارسي وهو أمير على سرية فمر بفتيان من فتيان الجند فضحكوا وقالوا: هذا أميركم؟ فقلت: يا أبا عبد الله ألا ترى هؤلاء ما يقولون؟قال: دعهم فإنما الخير والشر فيما بعد اليوم، إن استطعت أن تأكل من تراب فكل منه ولا تكونن أميرا على اثنين، واتق دعوة المظلوم المضطر فإنها لا تحجب.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا مالك بن أنس أن سلمان الفارسي كان يستظل بالفيء حيث ما دار ولم يكن له بيت، فقال له رجل: ألا أبني لك بيتا تستظل به من الحر وتسكن فيه من البرد؟ فقال له سلمان: نعم. فلما أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه؟ فقال: أبنيه إن قمت فيه أصاب رأسك وإن اضطجعت فيه أصاب رجلك، فقال سلمان: نعم.
قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن داود الطيالسي ويحيى بن عباد قالا: أخبرنا شعبة عن سماك قال: سمعت النعمان بن حميد يقول: دخلت مع خالي على سلمان بالمدائن وهو يعمل الخوص، فسمعته يقول: أشتري خوصا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهما فيه وأنفق درهما على عيالي وأتصدق بدرهم، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عنه ما انتهيت.


رسالته إلى أبي الدرداء

يروي ابن الأثير في أسد الغابة: وكان رسول الله قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء وسكن أبو الدرداء الشام وسكن سلمان العراق فكتب أبو الدرداء إلى سلمان سلام عليك أما بعد فإن الله رزقني بعدك مالا وولدا ونزلت الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان سلام عليكم أما بعد فإنك كتبت إلي أن الله رزقك مالا وولدا فاعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد ولكن الخير أن يكثر حلمك وأن ينفعك علمك وكتبت إلي أنك نزلت الأرض المقدسة وإن الأرض لا تعمل لأحد اعمل كأنك ترى واعدد نفسك من الموتى.

أما الكليني فيروي في الكافي ج8 عن صالح الاحول قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: اخا رسول الله صلى الله عليه وآله بينوأبي ذر واشترط على أبي ذر أن لا يعصي سلمان.

الأخوة إذا بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء كانت الأخوة العامة بين أبناء الدين الواحد.

ذهب أبو الدرداء إلى الشام وسكن بجوار معاوية بن أبي سفيان الذي كان يؤسس لدولة الظلم والجور والعدوان (في عهد أبي بكر وعمر وعثمان) فأمطرت عليه الأرض كنوزها فأرسل إلى سلمان رسالة يبشره بهذا الفتح (الدنيوي) فكان رده القارص وهو رد ينبغي أن يحفظ وينشر ويعمم على كل من يتفاخر بالمال والثراء وهو (ليس الخير بكثرة المال والولد ولكن الخير أن يكثر حلمك وأن ينفعك علمك وكتبت إلي أنك نزلت الأرض المقدسة وإن الأرض لا تعمل لأحد اعمل كأنك ترى واعدد نفسك من الموتى)!!.

الأرض لا تعمل نيابة عن أحد وقد خالفت علمك وعملت بما نهيت عنه (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[17].

فرح كثير من هؤلاء بالدنيا وركنوا إليها واستطابوا مطعمها وركنوا إلى الذين ظلموا رغم أنهم حذورا منها ومن سمها وكما قال الإمام علي ع (أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ وَ تَحَلَّتْ بِالْآمَالِ وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ لَا تَدُومُ حَبْرَتُهَا وَ لَا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ لَا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَ الرِّضَاءِ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً)[18].

الوفاء بعهد الله طاعة لأولي الأمر

يبقى أن مهمة حفظ الدين وحفظ إيمان المؤمنين تقع على عاتق الراسخين في العلم - من الأولين والآخرين- وهذا معنى قوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا)[19].

يروي البخاري عن رسول الله ص (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)[20].

لا يتسع المجال هنا لذكر المصائب والبلايا التي لحقت بالأمة جراء سقوطهم في حب الدنيا وتنافسهم عليها وكيف قاد هذا إلى سفك دماء المسلمين وتفرقهم طرائق قدد.

كما لا يخفى دلالة إصرار سلمان على الإنفاق من كسبه وعمل يده وأن الأمر ليس متعلقا بحالة من الزهد الاختياري بل برفضه لهذا النمط السلوكي الذي لا ينتمي لإسلام محمد ص.

الراسخون في العلم وهم الأوصياء والأئمة يشكلون الفيصل بين إمكانية أن يتحول الدين إلى هباء منثورا أو يكمل المنازلة ويقبل التحدي حفاظا على الدين.

فإذا اختفى هؤلاء من الساحة بالموت والزوال فهذا إيذان بنهاية الرسالة ويصبح الخيار محصورا بين اثنتين لا ثالث لهما:

إما العقاب الإلهي الشامل الذي ينهي وجود الأمة خسفا أو عصفا أو مسخا أو الاستبدال برسالة جديدة.

في حالة الرسالة الإسلامية كان عاقبة الأفعال والجرائم التي ارتكبها المعاندون المكابرون قتلة الأئمة ومحرفي كلام الأنبياء هو الاستبدال من الداخل مع بقاء الرسالة نصا وروحا ودورا في الحياة الإنسانية.

(هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)[21].

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[22].

أما حفظ الرسالة نصا وروحا فتلك مهمة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم الأبرار الذين حملوا أرواحهم على أكفهم منذ اللحظة الأولى لانتقال مهمة حفظ الأمانة من الرسول الأكرم لوليه ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام.

أما الاستبدال فهو انتقال موقع الصدارة والدور الرسالي الطليعي من العرب إلى غيرهم وهو ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في معنى قوله تعالى (وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) مما رواه القوم في كتبهم.

والنقل عن البخاري:

4615 - حدثني عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني سليمان بن بلال، عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم}. قال: قلت: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: (لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال، أو رجل، من هؤلاء).
حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب: حدثنا عبد العزيز: أخبرني ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لناله رجال من هؤلاء).

المدهش أن سلمان الفارسي المحمدي كان دوما هناك في المكان الصحيح على طريقة سنكون حيثما وأينما يتعين علينا أن نكون فهو بحر العلم الذي لا ينزف وهو الذي علم علم الأولين والآخرين والعارف بمقاتل الأمم ومساراتها، حيث كان دوما في مواجهة خط الانحراف.

عندما نزلت نازلة السقيفة بالأمة الإسلامية كان سلمان هناك في الموقف الصحيح والرواية لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز، عن حباب بن يزيد، عن جرير بن المغيرة أن سلمان والزبير والانصار كان هواهم أن يبايعوا عليا ع بعد النبي ص، فلما بويع أبو بكر، قال سلمان: أصبتم الخبرة وأخطأتم المعدن. وعن حبيب بن أبي ثابت قال: قال سلمان يومئذ: أصبتم ذا السن منكم وأخطاتم أهل بيت نبيكم، لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم إثنان ولأكلتموها رغدا.

يروي الشيخ المفيد في أماليه: عن زر بن حبيش قال: مر علي بن أبي طالب عليه السلام على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلمان في ملأ، فقال سلمان رحمة الله عليه: ألا تقومون تأخذون بحجزته تسألونه فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يخبركم بسر نبيكم أحد غيره، وإنه لعالم الارض وزرها، وإليه تسكن، ولو فقدتموه لفقدتم العلم، وأنكرتم الناس.

كما يروي ابن أبي الحديدفي شرح النهج أن الإمام علي عليه السلام لما استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة وما جرى فيه وكان يحمل فاطمة عليها السلام ليلا على حمار وابناها بين يدى الحمار، وهو عليه السلام يسوقه فيطرق بيوت الانصار وغيرهم، ويسألهم النصرة والمعونة، أجابه اربعون رجلا فبايعهم على الموت وامرهم أن يصبحوا بكرة محلقى رؤوسهم ومعهم سلاحهم فاصبح لم يوافه منهم الا اربعة الزبير والمقداد وابو ذر وسلمان.

رحمة الله على سلمان المحمدي وإخوانه من السابقين المقربين إلى رب العالمين الثابتين على صراط الله المستقيم من يومها إلى يوم الدين.

رحم الله السابقين إلى الإيمان المتنقلين في البلدان بحثا عن الحقيقة حيث لم تتوقف رحلتهم إلا بالاستقرار على شاطئ الأمان سائلين الله سبحانه أن يلحقنا بهم وبنهجهم القويم.

سلام الله على الرسل والأنبياء والأوصياء الذين حملوا الأمانة وبلغوا رسالات الله إلى خلق الله.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏25‏/08‏/2018

 

 

 


 

 

 

 

 

[1]التوبة 100.

[2]الواقعة 10-14.

[3]أسد الغابة في معرفة الصحابة ج3 ص 491.

[4]زرادشت والزرادشتية. د. الشفيع الماحي أحمد. ص 89. حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية الحولية 21- 1422هـ - 2001م.

[5]المصدر السابق ص 90

[6]عقيدة التوحيد في المدرسة أهل البيت، رؤية معاصرة ص 3-4. دار أوراق مصر 2014.

[7]ص 91. زرادشت والزرادشتية ص 91.

[8]نفس الصفحة.

[9]ص 92 المرجع السابق.

[10]الصف 6.

[11]الأعراف 158.

[12]المؤمنون 44.

[13]الجن 16.

[14]العنكبوت 1-2.

[15]البخاري 2987.

[16]التوبة 34-35.

[17]هود 88.

[18]خطبة 111 نهج البلاغة.

[19]النساء 160-162.

[20]البخاري 2988.

[21]سورة محمد 38.

[22]سورة الجمعة 2-5.

0 تعليق