ننشر دراسة"علي شريعتي والتشيع الصفوي"للدكتور أحمد راسم النفيس

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

قبل فترة وبعد صدور كتابي (الشيعة والتشيع لأهل البيت) التقيت بأحد الشباب الذي قرأ ما ورد في الكتاب عن فرق الشيعة فسألني: لماذا لم تكتب عن التشيع الصفوي؟!.

قلت له ليس هناك شيء اسمه التشيع الصفوي.. إنه مجرد مصطلح سياسي أطلقه المفكر الراحل الدكتور علي شريعتي.

ترى, لو كان المفكر الكبير يعلم أن هذا المصطلح سيستخدم على النحو الذي يستخدم به الآن في تشويه الشيعة في العالم بأسره ووصم كل من تربطه بإيران الإسلامية علاقة بأنه (صفوي عميل)؟!.

أغلب الظن أنه لم يكن ليطلق هذا المصطلح ويبحث عن بديل ملائم يؤدي نفس المهمة ولا يمكن توظيفه بطريقة عنصرية!!.

الثابت أن الرجل انطلق في مهمته الرامية لتغيير الواقع من إيران في ستينات وسبعينات القرن الماضي التي ارتبط تشيعها بالدولة الصفوية قبل أن يقتل على يد المخابرات الشاهنشاهية في لندن قبل اندلاع الثورة الإيرانية بأعوام قليلة.

شهد العالم الإسلامي وما زال يشهد حتى هذه اللحظة دولا تقوم على الغلبة لا على الديموقراطية التي ما تزال حتى الآن مجرد أمنية لا أكثر ولا أقل.

لم تكن الدولة الفاطمية ولا الصفوية استثناء من هذه القاعدة وعلى كل من يدرس التاريخ أن لا يزن الأمور بميزانين فيحاسب الدولة الصفوية أو الفاطمية لعدم التزامها بالمعايير الديموقراطية المعاصرة ويثني على الدولة الأموية والعثمانية لأنها دولة فتوحات مبررا لها كل ما ارتكبته من جرائم لأن هذا كان ضرورة لتأمين الجبهة الداخلية؟!.

النقد الذي وجهه الدكتور علي شريعتي لبعض علماء الشيعة لا يخلو من الصحة وهو نقد يرتبط بحالة الركود التي عاشها هؤلاء وجنوحهم للقبول بالأمر الواقع والتعايش معه!!.

لذا سنقتصر هنا على مناقشة مصطلح التشيع الصفوي والأسس التي بني عليها ومدى مطابقته للواقع التاريخي والعقائدي.

لنبدأ من مربط الفرس والنقطة التي انطلق منها الدكتور علي شريعتي لإدانة ما أسماه بالتشيع الصفوي.

إنه مبدأ الحركة والنظام

في كتابه (التشيع العلوي والتشيع الصفوي) يقول علي شريعتي:

ثمة مبدأ هو: تحويل الحركة إلى نظام (movement to institution) وحاصله أنه تظهر أحيانا في المجتمع حركة تحمل أفكارا وعقائد وتطلعات تعبر عن مناخ أجتماعي متطلع للتغيير حيث يوظف أتباعها حركتهم لخدمة هذا الهدف ولكن هذه النهضة عندما تصل إلى حد معين أو تصطدم بعراقيل وموانع ذاتية أو خارجية تبدأ بالتوقف والجمود وتنسلخ من طابعها الحركي التغييري وهنا تبدأ أزمتها.

تتحول الحركة إلى نظام ذي طابع محافظ وينتقل أتباع الحركة من خندق المعارضة إلى فندق السلطة وتظهر لديهم نزعة الحفاظ على موقعهم السياسي والاجتماعي ضد الأخطار التي تحيق بهم.

كما أنهم سينظرون إلى أي حركة تجديدية على أنها مؤامرة تهدف لتقويض أركان النظام وسيوصف أتباع الحركة الجديدة بالتمرد والغوغائية وتلصق بهم تهمة الخيانة العظمى[1].

وما زال الكلام للدكتور شريعتي: للتشيع حقبتان تاريخيتان بينهما تمام الاختلاف, الأولى تبدأ منذ القرن الأول الهجري حيث كان التشيع معبرا عن الإسلام الحركي في مقابل الإسلام الرسمي وتمتد هذه الحقبة إلى أوائل العهد الصفوي والثانية تبدأ مع العهد الصفوي حيث تحول فيه التشيع من حركة ونهضة إلى تشيع حكومة ونظام.

الشيعة الأوائل كانوا أقلية محكومة ومضطهدة لا تستطيع ممارسة طقوسها بحرية وعلانية ولم يكن يحق لهم أن يزوروا الإمام الحسين في كربلاء أو أن يأتوا باسمه على لسانهم وكان الشيعي دوما تحت المطاردة, ملازما للخوف والتقية.

أما بعد قيام الدولة الصفوية فقد تحول الوجود الشيعي إلى قوة كبرى تحكم البلاد وتقع تحت إمرتها أقوى الأجهزة, والحاكم الذي كان يقمع الشيعة بشدة ويعتقل ويعذب أو يقتل كل من يشك بولائه وحبه لعلي بات الآن من المتظاهرين بالولاء لأهل البيت.

أما العلماء ورجال الدين الذين كانوا على الدوام في مواجهة السلطة ويتعرضون لأبشع أنواع الظلم هم اليوم مكرمون مرفهون يعيشون في ظروف جيدة يجلسون إلى جنب السلطان وقد يستشيرهم في كثير من أمور البلاد.

من هذا الموقع العُلوي الحافل بالانتصارات بدأت هزيمة التشيع.

ومن هذه اللحظة التي زالت فيها جميع الموانع العراقيل بوجه أداء الطقوس العبادية والمذهبية وتحول الأعداء إلى أصدقاء توقف المد الشيعي عن الحركة ليتحول إلى وجود اجتماعي غالب وحاكم وجامد وراكد.

هنا يتجسد بوضوح قانون تبدل الحركة إلى نظام, أو تحول عقيدة نابضة قادرة على تحريك أمة بأسرها على شتى الأصعدة إلى مجرد نظام ونسق اجتماعي رسمي مرتبط مع سائر الأنساق الاجتماعية مثل الأسرة واللغة وأنظمة الحكم ارتباطا مصيريا حيث لا يمكن فك الارتباط بينها بأي نحو كان[2]. انتهى.

وقفة مع شريعتي

لقد استخدم الدكتور علي شريعتي هذا المصطلح لوصف واقع راكد كان يسعى لتغييره ومن هنا جاءت محاولة تأصيل هذه الرؤية من خلال تقسيم التاريخ الإسلامي إلى مرحلتين تبدأ الثانية منهما مع بداية عهد الدولة الصفوية.

الرفض الذي يبديه الكاتب أو المفكر للواقع الجامد والمتكلس ومن ضمنه المؤسسة الدينية شيعية كانت أم غير شيعية هو أمر منطقي خاصة وأن هذا الرفض كان عاملا رئيسا من عوامل تفجير الثورة الإسلامية التي كان الدكتور شريعتي أحد أهم رموزها.

لا شك أن مناقشة أفكار (علي شريعتي) تختلف كليا عن مناقشة أفكار من لم يقدموا للناس إلا أفكارا تكفيرية كانت عاملا رئيسيا في إشعال الحرائق في عديد الأنحاء وكلها حرائق أكلت من رصيد دعاة التغيير أكثر مما أكلت من لحوم الأباطرة والطغاة.

الملاحظة الثانية هي أن الرجل يقرأ التاريخ الإسلامي من منظور إيراني بحت.

عندما يقول أن تاريخ التشيع ينقسم إلى مرحلتين, ما قبل الدولة الصفوية وما بعدها فهو بهذا يتجاهل الدور التاريخي الذي لعبته الدولة الفاطمية ووفقا لهذا المقياس يمكننا أن نقول أن هناك تاريخ إسلامي أو تاريخ للتشيع يرتبط بتاريخ قيام الدولة الفاطمية أو انهيارها!!.

أيهما؟! الله وحده يعلم!!.

الملاحظة الثالثة تتعلق بقانون الحركة والنظام حيث نعتقد نحن بأن  القانون ذاته يحتاج إلى إعادة نظر لعدة أسباب ومن أهمها بكل تأكيد أن (النظام: الشيعي الصفوي) الذي انتقده علي شريعتي بقسوة قد أنتج بعد ذلك حركة انفجارية هائلة هي الثورة الإيرانية وأن أحد أهم عوامل تحريك هذا النظام وإخراجه من حالة الركود التي كان يعاني منها كانت أفكار الدكتور شريعتي الذي قدم حياته ثمنا من أجل تحريك هذا الموات ومن ثم فالقانون يتعين تعديله ليصبح (حركة – نظام – حركة مرة أخرى أو موات).

إنه أحد القوانين الحاكمة لمسار الكون ولو قبلنا بأن تحول الحركة إلى نظام هو نوع من الموت فليس من المستحيل أن تنبثق من النظام تلك الحركة الجبارة التي تفجرت بعد استشهاد شريعتي بعامين تقريبا لتقدم الثورة الإسلامية التي يعجز العالم الغربي الآن عن ملاحقة خطواتها ويفشل في محاصرتها.

تجاهل الدكتور شريعتي الدولة الفاطمية وهي حركة تحولت إلى نظام وأصابها نفس الأمراض التي تصيب أي نظام مما سهل إسقاطها والتآمر عليها حيث ضربت هذه الدولة ومعها (الحركة) في أغلب مناطق نفوذها ضربات مهلكة ومميتة ورغم هذا نسمع الآن الشكوى من (المد الشيعي) وهو ما يعني أن الذين ضربوا النظام وقاموا بمحو كل آثاره الفكرية والعقائدية والفقهية وحتى المعمارية لم يتمكنوا من القضاء بصورة نهائية على الحركة التي عادت بعد ثمانية قرون للظهور.

وأخيرا, فات الدكتور شريعتي ورغم الضيق الشديد الذي يبديه من الدولة الصفوية معتبرا أن ظهورها (كان هزيمة للتشيع) أنه كان مشتبكا مع خصومه في الرأي ممن وصفهم ب(علماء التشيع الصفوي) على أرضية واحدة هي أرضية التشيع والولاء لأهل البيت.

كان رأيه أن هؤلاء يقفون سدا وحائلا في مواجهة التشيع العلوي وكان رأيهم أن ما يطرحه من آراء وأفكار يعد تخريبا للتشيع.

كان شريعتي يفضل على ما يبدو أن تبقى الحركة بدلا من النظام وكان اعتقاده أن (علماء التشيع الصفوي) هم شيعة الشاه عباس وليسوا من شيعة علي بن أبي طالب.

لأن الدولة الصفوية رغم أخطائها قد تركت للإيرانيين حركة ووجودا فكريا كان يمكن لها أن تصحح الأخطاء وأن تعيد تشكلها ولأن (الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَتَثْبُتَ الاُْخْرى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً) والمهم أن يجد المدبر أو المتجمد أرضا يمكنه الوقوف عليها حتى يستعيد توازنه ويبدأ الحركة من جديد.

أما عندما تضرب الدولة وتمحى الحركة فلا يجد المرء أثرا لعالم دين شيعي, صفوي, أو فاطمي, أو علوي ليشتبك معه ويقوم بنقده فتلك هي الكارثة.

الخطيئة الثانية للصفويين: موقفهم من العثمانيين!!

ينتقد الدكتور شريعتي موقف (التشيع الصفوي) من العثمانيين حيث يرى أن: موقفها الشيعي المتعصب من الكيان العثماني ينطلق من كونهم منكرين للإمامة ولذا فهم مدانون (حتى في مقابل الغرب)!!.

ويقول أيضا: رغم أن النظام العثماني نظام فاسد لكنه وقف سدا منيعا بوجه الغزو الاستعماري الغربي الذي يهدد وجودنا ولذا فمن هذه الزاوية سوف يتمنى الشيعي أن يظهر صلاح الدين المناوئ للشيعة مرة أخرى في فلسطين وأن ينهض العثمانيون لطرد الأجانب الغربيين من أراضي المسلمين في آسيا وأفريقيا.

لقد دأبت شخصياتنا المستنيرة للأسف (والكلام لشريعتي) على محاكاة علماء الغرب وكتابه ومثقفيه في إصدار الأحكام غير المنصفة سياسيا واجتماعيا بديننا وحضارتنا ورموزنا التاريخية وبالتالي رددوا نفس التهم التي ألصقها أولئك بالدولة العثمانية بدوافع مغرضة في الغالب أو ناجمة عن تعصب وحقد[3].

ويمضي شريعتي أبعد من ذلك واصفا الدولة الصفوية بالغدر حيث يقول: بينما كان العثمانيون منهمكين في دحر القوات الغربية وتحقيق الانتصارات المتوالية إذا بقوة جديدة تظهر على حدودهم الغربية وتباغتهم من الخلف ثورةٌ في إيران يقودها رجل من سلالة الشيخ صفي الدين الأردبيلي أحد أقطاب التصوف[4].

مرة أخرى نرى أنفسنا مضطرين للتحفظ على رؤية المفكر الشهيد علي شريعتي.

لا شك أن ثمة أزمة يعاني منها الشيعة الذين يفتشون عن خطاب توحيدي يضمن لهم مكانا لائقا بعد كل هذه القرون من التهميش الذي جوبهوا به من قبل القوى الحاكمة في العالم الإسلامي.

حتى إيران في طورها الثوري وبعد أن صار لها دولة يحسب لها ألف حساب تبحث عن هذا الخطاب التوحيدي في مقابل خطاب الإقصاء الذي يعتمد مقولة (هؤلاء شيعة, إنهم حقا شيئا مختلف!!).

ومن أجل تمرير هذا الخطاب الإقصائي يلجأ القوم إلى أمرين.

الأول: هو الاستفادة من كل الأحداث التاريخية التي يمكن الاستفادة منها من أجل تخوين الشيعة ووصفهم بالكفر والزندقة والعمالة للأجنبي.

الثاني: التركيز على النقاط الخلافية الفقهية وتقديمها في صورة شذوذ عقلي وخلل نفسي اعترى أناسا لا يمكن الجلوس أو التعاون معهم.

خدمة للهدف الأول يخرجون لنا (خيانة ابن العلقمي المزعومة) و(الدور التاريخي لصلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس التي سقطت في يد الفرنج بسبب الانحراف العقائدي للفاطميين أو بسبب عمالتهم للفرنج)!!.

إنهم يقدمون انتصار الأيوبيين على الصليبيين في معركة حطين في السياق التالي... (وهكذا ظهر صلاح الدين)!!.

إنه نفس الفخ الذي وقع فيه مفكرنا الكبير الذي تمنى أيضا أن يظهر صلاح الدين جديد ليحرر فلسطين!!.

ظهر من بين الركام؟! أو ظهر من بين دياجير الكفر والضلال؟!.

عفوا.. لا يمكننا أن نقبل هذا المنطق هكذا ببساطة.

أولا لأن الفاطميين لم يقفوا مكتوفي الأيدي في مواجهة الغزو الصليبي بل قاتلوا وقدموا التضحيات وكان حرصهم على مواصلة التصدي للغزو الصليبي سببا لاستدعائهم الأيوبيين إلى مصر وتسليمهم السلطة ليوسف بن أيوب.

في هذا الوقت كانت الحروب تعتمد أولا على الحشد البشري والأهم من هذا أن الفاطميين كانوا يتعرضون لهجمات يشنها الموالون للدولة العباسية التي بذلت كل جهدها للقضاء عليهم.

لو بقي الحديث عن معركة حطين في إطاره الطبيعي (حرب دارت بين فريقين أحدهما مسلم والآخر صليبي) فسيبقى الأمر مقبولا, أما حينما يصر البعض على أن السيد صلاح جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان وهذا هو سر انتصاره فهذا ما لا نقبل به خاصة وأن تطبيق هذا المعيار يعني أن كل من هزم في معركة حربية لا بد أن يكون خائنا وعميلا ومنحرفا من الناحية العقائدية.

لو طبق هذا المعيار على الصراع العربي الإسرائيلي سيصبح الأمر كارثة تطال السواد الأعظم من المسلمين وأولهم من يقول أين أنت يا صلاح الدين!!.

المطلوب إذا هو التروي والموضوعية في إصدار الأحكام وتقييم كل حدث على حدة ووصف الصواب بالصواب والخطأ بالخطأ.

 

خيانة الصفويين!!

وإذا كان الدكتور شريعتي يرى أن الحرب التي اشتعلت بين الدولتين الصفوية والعثمانية هي خيانة صفوية فبماذا نسمي ما فعله أحد أعوان الدولة العباسية المسمى (أطسز) صاحب دمشق الذي جمع العساكر وسار سنة 469هـ يريد تملك الديار المصرية وإزالة الدولة الفاطمية منها وإقامة الدعوة العباسية كما فعل في بلاد الشام‏.‏ وكان أكثر الأسباب الحاملة له على ذلك أن ابن يلدكوش لما فر من أمير الجيوش وصار إلى بلاد الشام اتصل بأطسز وقدم إليه ستين حبة لؤلؤ مدحرج زنة كل حبة منها ينيف على مثقال وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا وتحفاً كثيرة مما كان قد وصل إلى أبيه من خزائن المستنصر في سني الشدة وأغراه بأهل مصر وحثه على قصد البلاد وهونها عنده‏ فقوي طمعه وسار وقد حصل في قوة بمن صار إليه من عساكر مصر ومن انضاف إليه من أهل الشام‏.‏

وكان أمير الجيوش ببلاد الصعيد فوصل إليه الخبر بمسير أطسز إلى مصر.‏ فعاد إلى القاهرة لمحاربته في جمع عدته ثلاثين ألفاً ما بين فارس وراجل.‏ فجمع أطسز أصحابه واستشارهم فقال بعضهم أن ترجع فإنك قد دست بلاد مصر وليس معك غير خمسة آلاف والقوم في كثرة وعواقب الأمور غير معلومة‏.‏ وقال له أخوه وابن يلدكوش إياك والرجوع عن هذا الملك قد أشرفت على أخذه‏.‏ وأشار أمير طبرية بالدخول إلى مصر‏.‏ فتقرر الرأي على ملاقاة العساكر المصرية‏.‏ فلما كان يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب تلاقى الفريقان وتحاربا فكانت بينهما عدة وقائع كانت الغلبة فيها للمصريين فانهزم أطسز وقتل أخوه وعدة من أصحابه ‏ثم رحل إلى القدس ففتحها وقتل من فيها من المسلمين ولم يترك من استجار بالأقصى‏.‏ (اتعاظ الحنفا للمقريزي ج2).

تحارب المسلمون فيما بينهم من أجل السلطة وكان الصراع المذهبي واحدا من تلك العوامل التي تؤجج الصراع ولو سلمنا بأن الصفويين هم من بدأ القتال ضد العثمانيين (وهذا ليس بصحيح) فدول الشيعة على قلتها في التاريخ لم تكن استثناء ولا خروجا على القاعدة السارية في العلاقات الإسلامية – الإسلامية.

الحروب الصفوية العثمانية

كانت فاتحة حروب العثمانيين ضد الدولة الصفوية هي تلك الغزوة التي شنها السلطان سليم خان بعد انقلابه على أبيه السلطان بايزيد حيث كان الشاه إسماعيل في صف الأمير أحمد شقيق سليم خان وقام بإيواء أخيه الأمير أحمد.

ولإيجاد مبرر للحرب أمر سليم بحصر الشيعة الأتراك ثم قام بإبادة أكثر من أربعين ألفا منهم وهي مذبحة شبهها (محمد فريد بك) في كتابه عن الدولة العثمانية بمذبحة سانت برتليمي التي تعرض لها البروتستانت في باريس يوم 24 أغسطس سنة 1572 المشهورة[5].

أما الدكتور محمد عبد اللطيف عوض فيقول: لقد وصل خطر الزحف الشيعي في شرق الأناضول حدا لا يمكن السكوت عليه حيث وصلت تقارير إلى سليم خان تقول (إن المبتدعين من الصوفية والشيعة قد استفحل أمرهم وزاد عددهم).

وما إن تولى السلطان سليم الحكم حتى بدأ تعبئة قواته للحرب ضد الشاه إسماعيل الصفوي وكان للتعبئة المعنوية أهمية كبرى إذ أن إعلان هذه الحرب لم يكن مقبولا لدى كثير من الأتراك.

انبرى علماء الدولة العثمانية للدفاع عن السنة وتوضيح منهجها وكشف أباطيل غلاة الشيعة ومروقهم عن الإسلام فكتب ابن كمال باشا رسالة صغيرة أورد فيها رأيه مدعما بأدلة من الكتاب والسنة وقرر أن التشيع مخالفة صريحة لجماعة المسلمين وأن قتال الشيعة جهاد وحربهم غزوة.

لقد كانت الدولة الصفوية شوكة في ظهر العثمانيين لذا كان من الضروري أن يقوم السلطان بحملة تطهير واسعة قبل أن يمضي للقتال حتى لا يطعن في الظهر واستصدر فتوى بوجوب قتال الشاه إسماعيل كدأب العثمانيين قبل الخروج إلى أي حرب.

وفي أثناء الحرب تمرد بعض الجنود الأتراك فخطب فيهم سليم خان مذكرا إياهم أنهم إنما جاءوا لقتال المرتدين عن الدين حتى يفيئوا إلى أمر الله فمن تخاذل أو ارتد فهو في حكم المرتد أيضا.

ثم التقى الجمعان في وادي جالديران شمال شرقي آذربيجان في رجب سنة 920 هـ / 1514 مـ وهزم الجيش الصفوي هزيمة قاسية[6].

ظلال صفوية!!

يقول الكاتب محمد عبد اللطيف هريدي: أطلت الفتن الباطنية برأسها والجيوش العثمانية في خنادقها في وادي موهاج بالمجر في شهر ذي القعدة من عام 933هـ وقد بدأت الفتنة بواقعة عادية إذ تقدم شخصان بشكوى إلى قاضي السنجق فلم يحسن القاضي استقبالهما وأساء إلى أحدهما فاكفهر الجو وخرج رجل شيعي يعرف بذي النون فرفع يده وإذا بحشود ضخمة تتحلق حوله وخرجت جماعات العلويين من كل مكان لتعلن تمردها على الوالي ومن الواضح أن النية كانت مبيتة لإثارة الفتنة لأن الشاكيين وكما يبدو من اسميهما كانا من الشيعة كما كانت هناك فتن أخرى في أماكن متفرقة غطت جنوب شرق ألأناضول ولم تتمكن الحكومة من إخماد هذه الفتن إلا بشق الأنفس.

كما كانت هناك الفتنة التي أشعلها الشيخ البكتاشي العلوي اسكندر قلندر جلبي والتف حوله ما يربو على ثلاثين ألف علوي.

وكأي من الفتن كان لها عوامل داخلية إلا أن التوقيت واتفاق كل هذه الزعامات العلوية في وقت واحد يلقي بظلال صفوية على هذه الأحداث[7].

أما الدليل الأكبر على التآمر الصفوي الإيراني على العثمانيين الأبرياء فهو أن الشاكيين وكما يبدو من اسميهما كانا من الشيعة وكفى بذلك دليلا وبرهانا على وجود هذه المؤامرة!!.

لذا لا نرى مبررا على الإطلاق للمشاركة في مشروع إعادة إستنساخ صلاح الدين الأيوبي وعصره الذي لا يزال يتبناه البعض كما نعتقد أن الشيعة لا يعانون من عقدة ذنب تدفعهم لاسترضاء من قام بذبحهم والثناء عليه وكأن هذا يعد معبرا إجباريا للوحدة الإسلامية.

لهذا السبب فنحن نعجب أشد العجب من إدانة الصفويين ووصفهم بالخيانة بسبب تصديهم للغزو التركي لإيران وتحميلهم مسئولية سقوط الدولة العثمانية في حين يغفل مفكرنا الكبير الدور الحاسم الذي قام به الوهابيون في إسقاط هذه الدولة بالتعاون مع البريطانيين ويغفل أيضا أن الجيش المصري حارب الأتراك في الشام والأناضول بدءا من أكتوبر 1831 حيث حاول محمد علي ضم الشام وتركيا لسلطته حيث خاض الجيش المصري هذه الحروب بقيادة إبراهيم باشا ونجح في تحقيق سلسلة من الانتصارات العسكرية على الجيش التركي وتمكن من احتلال مناطق واسعة من تركيا وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية قبل أن يضطر محمد علي للتخلي عن الشام  عام 1840 بعد أن أجبرته الدول الغربية على هذا[8].

هل حقا هناك شيء يسمى بالتشيع الصفوي؟!.

الجواب هو لا وألف لا.

الذي نخلص إليه أن المفكر والثائر الشهيد الدكتور علي شريعتي قد بالغ في توصيف الواقع الذي عاشته إيران قبل الثورة الإسلامية فاختار هذا المصطلح الذي نعتقد أنه مبالغة كبرى تحولت بعد ذلك لتصبح تهمة تلاحق كل الشيعة في ولائهم وانتمائهم لأوطانهم وتجعل من تشيعهم حالة صفوية خزعبلاتية وهو وصف أبعد ما يكون عن الحقيقة.

لا يعني هذا أننا نختلف مع المفكر الشهيد في أصل دعوته التصحيحية ولا في نقده لأداء بعض المؤسسات الشيعية المتكلسة فالصراع بين قوى التجديد وقوى الجمود هو من خصائص الكائنات الحية.

دكتور أحمد راسم النفيس

نقلا عن جريدة القاهرة بتاريخ 16-6-2009

 

‏20‏/02‏/2009

‏الجمعة‏، 25‏ صفر‏، 1430.

Arasem99@yahoo.com

 

 

 

 

[1] التشيع العلوي والتشيع الصفوي. علي شريعتي.  دار الأمير. ص 54-56.

[2] المصدر السابق . ص 63-65.

[3] المصدر السابق ص 68-69.

[4] ص 72 المصدر السابق.

[5] محمد فريد المصدر السابق. ص 189.

[6] الحروب العثمانية الفارسية وأثرها في انحسار المد الإسلامي عن أوربا. محمد عبد اللطيف هريدي. رابطة الجامعات الإسلامية 45-53.

[7] ص 61-63 من المرجع السابق.

[8] نفس المصدر ص 567- 574.

أخبار ذات صلة

0 تعليق