ننشر دراسة"يوم الغدير مهرجان الاستخلاف في الأرض"للدكتور أحمد راسم النفيس

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بمناسبة قرب حلول عيد الغدير الأغر الثامن عشر من ذي الحجة.

(من كنت مولاه فعلي مولاه).

نبوة بلا خلافة    عمود بلا خيمة

خلافة لا تقوم على خط النبوة... خيمة بلا عمود

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)[1].

يعرف كل من له مسكة من علم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وأسكنه الأرض لينهض بمهمة خلافته (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)[2]، وأن (تساؤل) الملائكة عن حكمة هذا الاستخلاف لم يكن اعتراضا على أمر الله سبحانه وهم الذين (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[3]، بل لأنهم لا يعلمون غيب السموات والأرض ولا يعلمون إلا ما علمهم الله عز وجل ومن ثم فلم يكن لهم علم بأن استخلاف الإنسان في الأرض سيكون هو المحور الذي سيدور حوله الاختبار البشري برمته (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)[4].

منذ البدء وحتى هذه اللحظة وصولا إلى نهاية الصراع حينما تضع الحرب أوزارها حيث تبلى السرائر وتكشف الحقائق وتظهر نتيجة الاختبار البشري الطويل (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[5]، ظل الاختبار الحقيقي للناس دائرا حول خلافة الله في الأرض وظيفة وشخصا أكثر من كونه دائرا حول وجود الله تبارك وتعالى، إثباتا للمؤمنين، ونفيا من قبل الملحدين، واكثر من كونه دائرا حول أصل النبوة إثباتا أو نفيا كما هو الحال بالنسبة لقضية الألوهية.

اختلف الناس حول الخلق والخالق إثباتا ونفيا، إلا أن الغالبية العظمى حتى أولئك الذين لا ينتمون للديانات السماوية الكبرى، يقرون بوجود الخالق وإن اختلفت تصوراتهم حول الله عز وجل.

الآن هناك مليار ونصف مسلم يعيشون في هذا العالم يؤمنون بأن لا إله إلا الله ويؤمنون بنبوة محمد بن عبد الله إلا أنهم لا يفسرون الدين بطريقة واحدة، بل ويصل الخلاف بينهم حد السب والشتم والتكفير وسبي نساء بعضهم بعض فضلا عن قطع الرؤوس.

الآن هناك مراكز قيادة متعددة ومتنازعة في عالمنا الإسلامي حيث يوجد أكثر من مدعي خلافة مثل الملا عمر والبغدادي وخليفة بوكو حرام وأمير المؤمنين في المغرب وملك السعودية وأردوجان السلاجقة وكلهم يدعي وصلا ليلى وليلى لا تقر لهم بهذا ولا بذاك!!.

كل هؤلاء الشراذم يستند لذات (الفقه المخترم) بالخاء الذي افتراه القوم على الله وعلى رسول الله والذي يقول بخليفة واحد مفروض بالسيف (وإذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني)، إلا أنهم لا يتمكنون من هذا لأنهم كلهم على بيعتهم للشيطان الأمريكي الأكبر  الذي يتلاعب بهم ويمسك سوطه ليضرب هذا ويؤدب ذاك ويسوقهم لقتل الشيعة، ولا يمنع هذا من قيامهم بقضم رؤوس بعض وقضم أذرع الشيطان الأكبر في سيرك المسوخ الذي أقامه إبليس عدو الخلافة الإلهية الأول.

(وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)[6].

في البدء عندما خلق الله الخلق وقال للشيء كن، فكان، اقتضت إرادته أن يكون للخلق خليفة واحد، اختاره سبحانه واصطفاه على العالمين، خليفة يعقبه خليفة آخر من نفس الوعاء الذي اصطفى منه آدم أبو البشر وأبو الأنبياء، لكن البشر غيروا وبدلوا بوسوسة من الشيطان الرجيم، فتنازعواوتفرقوا فيما بينهم وساروا على نفس السبل التي اختطها لهم إبليس (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)، فكان الصراع الدموي وكان الفساد وسفك الدماء وهو ما كان عصيا على ملائكة الله المجبولين على الطاعة وعمل الخير أن يدركوا حكمته منذ اللحظة الأولى.

الإيمان بالخالق عز وجل لا يتحقق إلا بإفراده وتوحيده بصفات الكمال وتنزيهه عن المثيل والشبيه، ولا يكفي أن يزعم المرء إيمانه بأن للكون خالقا مبدئا معيدا دون معرفة الله (فاعلم أنه لا إله إلا الله)، كما أن الإيمان بمطلق النبوة لا ينفع صاحبه شيئا ما لم يقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ولذا كانت بوابة الدخول للإسلام هي الإقرار بالشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

الأمر ذاته ينطبق على قضية خلافة الله في أرضه ولا يغني المقر بالاستخلاف مجرد الإقرار بالمبدأ بينما هو يتمرد على خليفة الله في أرضه ووصيه على عباده.

الأمر الإلهي بالسجود لآدم يعنيالإقرارالمادي وليس مجرد إقرار معنوي ذهني بمبدأ الاستخلاف كما يزعم المتشدقون بالحديث عن دور الإنسان عموم الإنسان سواء من كان من أهل الجنة أو من أهل النار في خلافة الله في أرضه، وقصارى ما يمكن لهؤلاء إثباته هو الركن المادي لعمارة الأرض وهي مهمة يتشارك فيها المؤمن والكافر، لكنهما لا يستويان.

لو كان المقصود بالاستخلاف عمارة الأرض كما يزعم المتفيهقون لكان أحق الناس بخلافة الله في أرضه هم الأوروبيون والأمريكان الذين هجروا تعاليم الأديان السماوية ولن نتحدث هنا عن إباحة الخمر والزنا فيكفي ما فعلته وتفعله أمريكا وأوروبا من استعباد للبشر وما مارسته من إبادة جماعية لشعوب بأسرها.

سيرد البعض على كلامنا بأن المسلمين ارتكبوا أفعالا مشابهة لتلك التي يفعلها جبابرة العصر وهذا الرد تأكيد على ما نعتقده من أن قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) لا يقصد به عموم المسلمين ومن باب أولى لا يقصد به المستكبرين المهيمنين على العالم الآن رغم انجازاتهم العلمية الجبارة التي غيرت وجه الحياة الإنسانية وجعلت ما كان مستحيلا قبل بضعة عقود سهل يسير.

الخليفة المنصوب من الله تبارك وتعالى هو شخص أو فئة بعينها وهو ليس استخلافا لعموم الإنسانية، إلا إذا نهجت البشرية ذات النهج الذي رسمه الله تبارك وتعالى لخليفته في الأرض فصاروا بذلك جزءا أساسيا مكملا للاستخلاف الإلهي وقادته المعينين من الله تبارك وتعالى.

الخليفة المنصوب من الله عز وجل هو نبي أو وصي نبي وليس بالضرورة أن يكون حاكما زمانيا لأن إقامة الحكومة العادلة ثمرة من ثمار الاستخلاف الإلهي وليست المظهر الأوحد لخلافة الله في الأرض.

يقول العلامة الطبطبائي في تفسير الميزان:

الخلافة وهي قيام شيء مقام آخر لا تتم إلا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف في جميع شئونه الوجودية وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف، والله سبحانه في وجوده مسمى بالأسماء الحسنى متصف بالصفات العليا، من أوصاف الجمال والجلال، منزه في نفسه عن النقص ومقدس في فعله عن الشر والفساد جلت عظمته، والخليفة الأرضي بما هو كذلك لا يليق بالاستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكل نقص وشين الوجود الإلهي المقدس المنزه عن جميع النقائص وكل الأعدام، فأين التراب ورب الأرباب، وهذا الكلام من الملائكة في مقام تعرف ما جهلوه واستيضاح ما أشكل عليهم من أمر هذا الخليفة، وليس من قبيل الاعتراض أوالخصومة في شيء، والدليل على ذلك قولهم فيما حكاه الله تعالى عنهم: إنك أنت العليم الحكيم.

وقوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم، مشعر بأن هذه الأسماء موجودات أحياء عقلاء، محجوبين تحت حجاب الغيب وأن العلم بأسمائهم كان غير العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء، وإلا كانت الملائكة بإنباء آدم إياهم بها عالمين وصائرين مثل آدم مساوين معه، ولم يكن في ذلك إكرام لآدم ولا كرامة حيث علمه الله سبحانه أسماء ولم يعلمهم، و لو علمهم إياها كانوا مثل آدم أو أشرف منه، ولم يكن في ذلك ما يقنعهم أو يبطل حجتهم، وأي حجة تتم في أن يعلم الله تعالى رجلا علم اللغة ثم يباهي به و يتم الحجة على ملائكة مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون بأن هذا خليفتي وقابل لكرامتي دونكم؟.

فقد ظهر مما سبق أن العلم بأسماء هؤلاء المسميات لا يكون إلا بالكشف عن حقائقهم وأعيان وجوداتهم، وليس مجرد المفهوم اللغوي فهؤلاء المسميات حقائق خارجية معلومة، ووجودات عينية وهي مع ذلك مستورة تحت ستر غيب السماوات والأرض.

الذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى، محجوبة بحجب الغيب، أنزل الله سبحانه كل اسم في العالم بخيرها وبركتها واشتق كل ما في السماوات والأرض من نورها وبهائها، وهم على كثرتهم وتعددهم لا يتعددون تعدد الأفراد، ولا يتفاوتون تفاوت الأشخاص، بل يتفاوتون في المراتب والدرجات.انتهى النقل.

الواضح أن العلامة الطبطبائي على جلالة قدره وعظيم علمه حاول أن يتجنب قدر المستطاع تسمية الأشياء بأسمائها.

يدور جوهر الحديث منذ البدء حول قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) ثم (اعتراض الملائكة) وجوابه سبحانه عليهم (إني أعلم ما لا تعلمون) وقهره لهم بالحجة البالغة التي توجب الإقرار والتسليم على كل من كان له قلب سليم بحقيقة هؤلاء الخلفاء الذين عرضت أسماؤهم على الملائكة فأقروا بالعجز عن معرفتهم معرفة كاملة بأسمائهم وحقائقهم، وإلا لو كان الاختبار قاصرا على معرفة الأسماء والأشكال، كما قال العلامة الطبطائي لما كان اختبارا.

الزعم بأن الأسماء المذكورة في الآيات هي اسماء الأشياء لا يتوافق مع السياق اللغوي الذي يتحدث عن كائنات عاقلة لا عن أشياء أو جمادات (عرضهم على الملائكة، أنبئوني بأسماء هؤلاء) ولأن سياق الكلام يتحدث عن الخليفة والخلافة (إني جاعل في الأرض خليفة)، يصبح منطقيا أن نستنتج أن الأسماء التي سئل الملائكة عنها هي أسماء هؤلاء الخلفاء والأئمة وأن المعرفة التي افتقدها الملائكة هي المعرفة الكاملة بالخلفاء الأئمة وأن كفر لإبليس وتمرده على طاعة الله عز وجل كانت رفضا للخضوع للأئمة خلفاء الله في أرضه وعرفائه على عباده.

الملائكة تلك المخلوقات التي جبلت على طاعة الله وعبادته، ما إن عرفت حتى أسلمت لله واعترفت بقدر خلفاء الله فيخلقه واستجابت للأمر الإلهي بالسجود لآدم وخلفائه بينما تمرد إبليس عليه لعنة الله حسدا لتلك النعمة والميزة التي أسبغها الله تبارك وتعالى على خلفائه صفوة الإنسانية وخيرتها وقادتها الذين اختارهم رب العزة لخلافتهلأن (قيام شيء مقام آخر لا يتم إلا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف في جميع شئونه الوجودية وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف، والله سبحانه في وجوده مسمى بالأسماء الحسنى متصف بالصفات العليا، من أوصاف الجمال والجلال، منزه في نفسه عن النقص ومقدس في فعله عن الشر والفساد جلت عظمته) كما يوضح العلامة الطبطبائي.

الوجه الآخر (لاعتراض) الملائكة على قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) هو الوهم الذي اعتراهم بعمومية الاستخلاف وأن كل من يوجد على وجه الأرض يمكن أن ينطبق عليه هذا الجعل فيصبح خليفة فيأتي الرد الإلهي بكسشفه سبجانه لهم عن كنزه المخبوء (إني أعلم ما لا تعلمون) قبل أن يكلف آدم عليه السلام بأول مهمة من مهام الاستخلاف وهي بيان حقيقة هؤلاء  الخلفاء فكان أن عرض (سبحانه) صورتهم على الملائكة بعد أن أعلم آدم أباهم بأسمائهم وحقيقتهم (وعلم آدم الأسماء كلها) فوقف الملائكة حائرين (أنبئوني بأسماء هؤلاء الخلفاء) فأقروا بنقص علمهم ومعارفهم، وكان أن فوض الله الإخبار لآدم ع (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم.... فلما أنبأهم قال....).

يمكن للقارئ أن يستكشف ما ورد في شبكة المعلومات الدولية حول الاستخلاف ليرى أن من يسمون أنفسهم بالإسلاميين يتعاطون مع العلم الإلهي كأطفال المدارس الذين اكتشفوا جزءا صغيرا من الحقيقة وهم يصرون على الثرثرة حول العلم والمعرفة والعقل، وكلها حقائق كان إبليس يعرفها ويدركها أكثر من إدراكهم لها، إلا أنه أصر على الجحود والتمرد لأنه رأى أنه خير من آدم ومن خلفاء الله في أرضه وعرفائه على عباده وهم على إثره سائرون وعلى دربه ماضون.

هذا هو الاستخلاف الذي أراده الله تبارك وتعالى فكان أن تغير مسار الكون منذ هذه اللحظة حيث انقسم الكون إلى فريقين متواجهين: فريق يذعن ويقر بأمر الله تبارك وتعالى سيرا وراء خليفة الله في أرضه نبيا كان أم وصيا وفريق يسير خلف الشيطان الرجيم ويتبع خطواته انطلاقا من الخطوة الأولى (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ* قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ)[7].

السجود لآدم عليه السلام ليس بالقطع سجود عبادة لغير الله حيث نرى أن الوهابيين الحمقى يعتبرون أن مجرد التوسل بنبي من أنبياء الله أو بأحد الأئمة الأطهار المعصومين خلفاء الله في أرضه هم شرك يخرج من الملة بل نراهم يتهكمون على من ينحني إجلالا لأحد العلماء الربانيين، بينما نرى في القرآن الكريم أن عباد الله الصالحين يسجدون تعظيما لخلفاء الله في أرضه.

(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) يوسف (4).

(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)[8].

يقول ابن منظور في لسان العرب: سَجَدَ يَسْجُدُ سجوداً وضع جبهته بالأَرض، وقوم سُجَّدٌ وسجود. وقوله عز وجل: وخروا له سجداً؛ هذا سجود إِعظام لا سجود عبادة لأَن بني يعقوب لم يكونوا يسجدون لغير الله عز وجل. قال الزجاج: إِنه كان من سنة التعظيم في ذلك الوقت أَن يُسْجَد للمعظم، قال وقيل: خروا له سجداً أَي خروا لله سجداً؛ قال الأَزهري: هذا قول الحسن والأَشبه بظاهر الكتاب أَنهم سجدوا ليوسف، دل عليه رؤْياه الأُولى التي رآها حين قال: إِني رأَيت أَحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأَيتهم لي ساجدين؛ فظاهر التلاوة أَنهم سجدوا ليوسف تعظيماً له من غير أَن أَشركوا بالله شيئاً، وكأَنهم لم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله عز وجل.

أما الراغب الأصفهاني فيقول: السجود أصله: التطامن (التطامن: الانحناء) والتذلل، وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو عام في الإنسان، والحيوانات، والجمادات، وذلك ضربان: سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب، نحو قوله: {فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم/62]، أي: تذللوا له، وسجود تسخير، وهو للإنسان، والحيوانات، والنبات، وعلى ذلك قوله: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد/ 15]، وقوله: {يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله} [النحل/48]، فهذا سجود تسخير، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، وقوله: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون} [النحل/49]، ينطوي على النوعين من السجود، التسخير والاختيار، وقوله: {والنجم والشجر يسجدان} [الرحمن/6]، فذلك على سبيل التسخير.

وهنا بيت القصيد.

فسجود الملائكة لآدم هو سجود تسخير وليس سجود عبادة بكل تأكيد، وكذا كان سجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام سجود إقرار وإذعان لنبي ارتقى في الرتبة والمنزلة على أشقائه بل وعلى أبويه فصار إماما وخليفة لله في أرضه.

في اعتقادنا أن الخلافة المذكورة في القرآن هي الإمامة وهو معنى قوله تعالى (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) النمل 62.

وكما يقول القمي في تفسيره فيما رواه عن أبي عبد الله ع: نزلت في القائم من آل محمد عليهم السلام، هو والله المضطر إذا صلى في المقام ركعتين ودعا الله فأجابه ويكشف السوء ويجعله خليفة في الارض وهذا مما ذكرنا ان تأويله بعد تنزيله.

الدليل عندنا أن الخلافة هي الإمامة هو تلك الآية الكريمة التي تتحدث عن لحظة ظهور القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله والنائج المترتبة عليها عندما يتحقق وعد الله ليصبح أئمة أهل البيت هم قادة الأرض وسادة هذه الدنيا.

يوم الغدير في الأرض امتداد ليوم الاستخلاف في السماء

لا تقوم الحجة على العباد إلا بالبيان الواضح الصريح لا بالتورية ولا بالتلميح.

أن ينكر فريق من المنتسبين للإسلام الوصية الإلهية النبوية الواضحة وضوح الشمس باستخلاف الإمام علي بن أبي طالب رغم النص عليها في كتبهم وهي أيضا متواترة في مرحلة ما قبل تدوين الكتب فهذا أمر لا يخالف الطبائع البشرية في اعوجاجها وانحرافها عن الحق وتلمسها المخارج التي تعين على التملص من الالتزام بالحق (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) الطور 40، (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) الطور 44.

الذين تمردوا وعصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو من عهد الله تبارك وتعالى بتدبير هذه الأمة وولاية أمرها، باستخلاف علي بن أبي طالب وتنصيبه وليا لأمر الأمة يوم الغدير لا يختلف شأنهم عن حال إبليس الذي قال أنا خير منه وقال خلقتني من نار وخلقته من طين.

لم تكن الوصية الإلهية باستخلاف علي بن أبي طالب ومن بعده أئمة الحق من آل محمد قاصرة على يوم الغدير فقد كانت الشغل الشاغل لرسول الله في حجة الوداع التي اجتمع فيها أغلب المسلمين من كل حدب وصوب وليس من المدينة المنورة وحدها وما حولها.

في (منى) خطب رسول الله ص الناس فوعظ وذكر وقال ضمن ما قال: أيها الناس احفظوا قولي تنتفعوا به بعدي وافهموه تنعشوا ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا، فان فعلتم ذلك ولتفعلن لتجدوني في كتيبة بين جبرئيل وميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف، ثم التفت عن يمينه فسكت ساعة ثم قال إن شاءالله او علي بن ابى طالب، ثم قال ألا وإني قد تركت فيكم امرين ان اخذتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي فانه قد نبأنى اللطيف الخبير انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ألا فمن اعتصم بهما فقد نجا ومن خالفهما فقد هلك، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وانه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عني فاقول رب أصحابي فيقول يامحمدإنهم أحدثوا بعدك وغيروا سنتك فأقول سحقا سحقا.

فلما كان آخر يوم من أيام التشريق انزل الله: إذا جاء نصر الله والفتح، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نعيت إلى نفسي ثم نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف فاجتمع الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال نصر الله امرءا، سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه..... أيها الناس انى تارك فيكم الثقلين، قالوا يارسول الله وما الثقلان؟ قال كتاب الله وعترتى اهل بيتي، فانه قد نبأني اللطيف الخبير انهما لن يفترفا حتى يردا علي الحوض كاصبعي هاتين، وجمع بين سبابتيه ولا اقول كهاتين وجمع سبابته والوسطى، فتفضل هذه على هذه.

فاجتمع قوم من أصحابه وقالوا يريد محمد أن يجعل الإمامة في اهل بيته فخرج أربعة عشر نفر منهم إلى مكه ودخلوا الكعبة فتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتابا ان مات محمد او قتل أن لا يردوا هذا الامر في اهل بيته ابدا فانزل الله على نبيه في ذلك " أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ".

فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة يريد المدينة حتى نزل منزلا يقال له غدير خم، وقد علَّم الناس مناسكهم وأوعز إليهم وصيته إذ نزلت عليه الآية "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ".

فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بعد ان حمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس هل تعلمون من وليكم؟ فقالوا نعم الله ورسوله، ثم قال ألستم تعلمون اني أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا بلى ، قال اللهم اشهد فاعاد ذلك عليهم ثلاثا كل ذلك يقول مثل قوله الاول ويقول الناس كذلك ويقول اللهم اشهد، ثم أخذ بيد امير المؤمنين (ع) فرفعها حتى بدا للناس بياض ابطيهما ثم قال "ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله واحب من احبه ثم رفع رأسه إلى السماء فقال اللهم اشهد عليهم وانا من الشاهدين".

فاستفهمه عمر فقال يارسول الله هذا من الله ومن رسوله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نعم من الله ورسوله انه امير المؤمنين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين.

فقال اصحابه الذين ارتدوا بعده قد قال محمد في مسجد الخيف ما قال وقال ههنا ما قال وان رجع إلى المدينة يأخذنا بالبيعة له فاجتمعوا أربعة عشر نفرا وتآمروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وقعدوا في العقبة،  بين الجحفة والابواء، فقعد سبعة عن يمين العقبة وسبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله فلما جن الليل تقدم رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك الليلة العسكر فاقبل ينعس على ناقته، فلما دنا من العقبة ناداه جبرئيل يا محمد ان فلانا وفلانا قد قعدوا لك، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال من هذا خلفي فقال حذيفة اليماني انا يارسول الله حذيفة بن اليمان، قال سمعت ما سمعت قال بلى قال فاكتم، ثم دنا رسول الله صلى الله عليه وآله منهم فناداهم باسمائهم، فلما سمعوا نداء رسول الله صلى الله عليه وآله فروا ودخلوا في غمار الناس وقد كانوا عقلوا رواحلهم فتركوها ولحق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وطلبوهم وانتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رواحلهم فعرفهم، فلما نزل قال ما بال اقوام تحالفوا في الكعبة ان مات محمد او قتل ألا يردوا هذا الامر في اهل بيته ابدا، فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فحلفوا انهم لم يقولوا من ذلك شيئا ولم يريدوه ولم يكتموا شيئا من رسول الله صلى الله عليه وآله، فانزل الله " يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا" أن لا يردوا هذا الأمر في اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله " وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا" من قتل رسول الله صلى الله عليه وآله"وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ" التوبة 74.

ومثلما سأل إبليس قائد التمرد على الاستخلاف الإلهي النظرة إلى وقت معلوم فقد أمهل الله عز وجل هؤلاء الجاحدين العصاة لأجل معلوم (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) الزخرف. (83)

(وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) الأنبياء 111-112.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏02‏/10‏/2014

‏‏الخميس‏، 08‏ ذو الحجة‏، 1435

 

 

 

 

 

 

 

[1]البقرة 30-33.

[2]البقرة 30.

[3]التحريم 6.

[4]الأعراف 29-30.

[5]آل عمران 106-107.

[6]النساء 119-120.

[7]الأعراف 11-18.

[8]يوسف 99-100

أخبار ذات صلة

0 تعليق