ننشر عرض بعض فقرات كتاب"صلاح الدين الأيوبي وصفقة القرن" للدكتور أحمد راسم النفيس

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

عندما نتأمل في النظام العربي الراهن الذي هو مجرد ملحق تابع للنظام العالمي الذي تترأسه الآن الولايات المتحدة الأمريكية التي ورثت الهيمنة الأوروبية على العالم والتي ورثت بدورها موقع زعامة العالم من الدولة الفاطمية التي كانت عملتها الذهبية هي عملة العالم الصعبة في هذا العصر والتي كانت تتحكم في خطوط الملاحة العالمية آنئذ سنرى أن هذا النظام يقوم من يومها وحتى الآن على قاعدة رئيسة وهي ألا مكان للشيعة العرب أو غير العرب في الحكم.

الساسة العرب ومنذ فاجعة سقوط الدولة الفاطمية ينظرون إلى الحكم في المنطقة باعتباره (نادٍ مغلق) لمن يسمون أنفسهم بالسنة العرب وهم لم يقبلوا بالتغيير في العراق وأعلنوا الحرب على سوريا لهذا السبب.

عندما شرعنا في كتابة هذا البحث لفت انتباهي ارتباطات صلاح الدين مع البابا وإمبراطور ألمانيا ومفاوضاته مع الإنجليز ومشاريع الزواج بين أخيه العادل والأسرة الحاكمة الإنجليزية (أخت الملك ريتشارد) وكل هذا ثابت ومكتوب إلا أنه قدم في إطار عاطفي في محاولة لإثبات أن الأسرة الأيوبية كانت تبحث عن السلام (موضة عصرنا الأسود) مثلما كانت تواجه الأعداء الكفار في ميدان القتال!!.

أحد هذه الكتب الذي يحكي هذه القصة هو كتاب (الدبلوماسية الأيوبية الصليبية) ومؤلفه (أشرف صالح محمد سيد) سنة 2007 وهو كتاب يسرد مشروع الزواج (الملكي) الذي لم يكتمل!!.

أهم أركان الدعاية التبريرية التي استمرأها أعداء الفاطميين هو اتهامهم بالتقاعس عن المواجهة مما منح المجرم المشار إليه الحق في إزالة دولتهم ومحو حضارتهم فهو البطل المغوار الذي لا يساوم ولا يهادن ولا يصارع ولا يضارع ولا يتبع المطامع وبديهي أن هذا الطاهر المطهر لا يرغب في مصاهرة الفرنج أعداء الدين!!.

من المهم أن نوضح أننا لم نركز هنا على المثالب الفردية للسيد صلاح بل على الشق الحضاري المرتبط بصورة وثيقة بالوضع الدولي الراهن الذي أصبحت فيه (حضارة الغرب) في موقع القوة والقيادة وأصبح حال العالم الإسلامي بهذه الصورة المزرية لا حول ولا قوة ولا حضارة ولا منعة حيث يجول اليهود ويصولون في عقر دارنا بل ونسعى نحن باستماتة لإرضائهم عبر ما يسمى بصفقة القرن!!.

سنرى في هذا الكتاب أن أوروبا قد انتقلت إلى مرحلة النهضة والتراكم الرأسمالي بالاستفادة من ذهب مصر وثرواتها المنهوبة وكيف أن المهرجين عشاق تدمير الحضارات يعملون الآن بدأب وجد للإجهاز على النبتة الحضارية التي انطلقت من إيران لأن القضية ليست سلاحا نوويا بل صراع وتزاحم بين الحضارات ولا مكان لقوة إسلامية توازن الهيمنة الغربية على مقدراتنا.

إنه الصراع حول الوجود ليس مجرد التواجد على ظهر الأرض بل الوجود اللائق بأمة تحمل أطهر وأعظم رسالة سماوية عرفتها البشرية.

التزامن والمصادفة!!

هل كانت مصادفة أن ينطلق الغز السلاجقة (بدو آسيا الوسطى) من معاقلهم ليحكموا الدولة العباسية من بغداد قبل أن يتوجهوا للإجهاز على أقوى دولتين في الشرق: الفاطمية والبيزنطية؟.

من الناحية الواقعية فهذا ممكن ومحتمل في إطار جنون السلطة الذي أصاب وما زال يصيب الجميع.

إلا أن اللامنطقي والذي يحتاج إلى فهم وتفسير هو تزامن التحرك السلجوقي من الشرق نحو الغرب مع تحرك الإفرنج نحو الشرق لمقاتلة العدو المشترك للأوروبيين والسلاجقة الدولتين الفاطمية والبيزنطية اللذين كان في حالة سلام ثابت ومستقر حقق الأمن للمنطقة لفترة تجاوزت القرن قبل بدء الهجوم السلجوقي.

كان الغرب الأوروبي يطمح لإزالة الإمبراطورية البيزنطية حامية العالم المسيحي بأسره في مراحلها الأولى ومعها المسيحية الشرقية وما تمثله من ثوابت ومعتقدات لم تعد كذلك عند الغرب.

كما كان الغرب يسعى للتخلص من الدولة الفاطمية القوة الدولية الأولى في ذلك الزمان المهيمنة على طرق التجارة العالمية عبر هيمنتها على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.

أسئلة التاريخ

أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات واضحة يتلقاها كل مسلم يحرص على بقاء أمته ووجودها.

لماذا المسلمون وليس غيرهم هم الذين يطرحون سؤال كيف يمكننا تحقيق النهضة؟!

لأننا فشلنا ومنذ عدة عقود في تقديم جواب مفيد على سؤال: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم.

سؤال ربما بدأ طرحه قبل قرنين أو ثلاث حيث انقسمت وتنوعت حوله الآراء، بين من يقول الحل هو التشبه بالغرب والأخذ بأخلاقه وثقافته وآخر يقول إعادة الخلافة العثمانية، بينما تقول النظم الحاكمة ليس في الإمكان أبدع مما كان وكل يأخذنا إلى البحر ويسلمنا إما إلى الغرق أو شرب الماء المالح الذي يزيد العطشان عطشان أو يسوقنا نحو السراب والنتيجة واحدة في كل الحالات من العدم إلى العدم.

السؤال الأول يتعلق بما إذا كانت الحروب الصليبية التي بدأت قبل ألف عام قد انتهت فعلا أم تزال مستمرة؟!.

السؤال الثاني: يتعلق بالسبب الحقيقي وراء اندلاع هذه الحروب وما إذا كان الأمر مرتبطا بمعتقدات دينية وحسب أم أن هناك أسباب أخرى لا تقل أهمية عن المعتقدات ولا تنفيها ومن ثم يتعين علينا فهمها وإدراكها فهذه الأسباب حال وجودها ربما ما تزال سارية ولا يمكن تجاهلها.

السؤال الثالث: عن القوى المحركة التي ساقت هذه المبررات ونجحت في إقناع قوى فاعلة ومتمكنة بالتحرك لإنفاذها وهل لهذه القوى وجود وامتداد أم أنها اختفت.

السؤال الرابع: عن آثار هذه الحروب على واقعنا المعاصر وهل كانت حركة خارج سياق التاريخ ليس لها مقدمات ولا آثار لاحقة ودروس يتعين الاستفادة منها أم أن (اللي فات مات) و(إحنا ولاد النهاردة)، خاصة وأن الغرب أصبح علمانيا أو لا دينيا كما يزعمون والواجب يحتم علينا أن نتعلمن مثله وننتقل إلى عالم المنافع المتبادلة التي لا تعرف عرقا ولا دينا ولا وطنا خاصة وأننا نعيش زمن العولمة والعلمنة!!.

السؤال الخامس: هل كان لليهود دور في هذه الحروب أم لا كما يزعم المثقفون العرب السذج أدعياء القومية والتسامح الديني المخادع الذي نعتقد أنه كارثة لا تقل سوءا عن التعصب الأعمى فكلاهما دليل على الخفة وانعدام الوعي وقابلية الخداع بدل المرة الواحدة ألف مرة!!.

السؤال السادس: عن النتائج الكارثية لهذه الحروب التي يزعم بلهاؤنا المتسمرون أمام أسطورة صلاح الدين الأيوبي لا لشيء إلا لأنه دمر الحضارة الإسلامية الفاطمية وأعاد العالم الإسلامي إلى العصر الحجري البربري إلا أنه (حرر القدس) وهذا من وجهة نظر بلهائنا حسنة لا يضر معها سيئة ولا كارثة ورغم أن خلفاءه قاموا بتسليمها مرتين بعد ذلك للصليبيين وهل تعد هذه الخيانة التي تدخل ضمن أحد أسوأ الكوارث التي لحقت بنا في تاريخنا المليء بالغدر والخيانة أحد أهم أسباب تخلفنا الحضاري الآن؟!.

السؤال السابع: هل كان للصليبيين عملاء في الداخل الإسلامي وهل لعب هؤلاء دورا كبيرا أو صغيرا في تدمير الحضارة الإسلامية أم أن المواجهة بيننا وبين الغرب الصليبي كانت دوما نظيفة وجها لوجه ولم يكن هناك خونة ولا طابور خامس ربما كان السيد صلاح واحدا منهم؟!.

يزعم الغرب أن الهجمة الأخيرة التي يشنها على سوريا سببها ديكتاتورية الأسد (الذي يقتل شعبه) بينما نراه يدعم المشيخات الخليجية التي لا تعرف لا دساتير ولا انتخابات ولا حقوق إنسان ولا ولا!!، ولا يطالبها حتى باللسان بالحد الأدنى من تلك التي تسمى ديموقراطية ويدعمها في مواجهة شعوبها وفي مواجهة إيران!!.

البعض يقول أن أمريكا تفعل ذلك دعما للكيان اليهودي وهذا قطعا صحيح إلا أنه لا يكفي وحده لتفسير العدوانية الغربية ضد العالم الإسلامي وضد دول بعينها جريمتها الأساس هي رفض الرضوخ لإملاءات الغرب والانصياع لأوامره أي أن السبب الأساس لهذه العدوانية هي الهيمنة وفرض الإرادة وما يتبع ذلك من امتصاص لثرواتنا وانتهاك لأرضنا واحتلالها وإقامة قواعد عسكرية تضمن استمرار هيمنتها ليس فقط على البلدان المحتلة وعلى كل شيء بما فيها الممرات الملاحية والجوية وهذا هو واقع الحال.

الذي نوقن به ومن خلال اشتباكنا مع المعوقين ذهنيا وأخلاقيا المتسلطين على الفضاء الفكري والثقافي أننا نعاني من خلل جسيم في التركيبة العقلية التي يفترض أنها مسئولة عن التوجيه السياسي للأمة الإسلامية التي نحن جزء منها شاء من شاء وأبى من أبى!!.

يكفي أننا قضينا أعواما وأعواما لنثبت أن هناك كارثة ورغم ذلك فهم مصرون ومتمسكون بألا كارثة على الإطلاق لسببين:

الأول: أن السيد صلاح قضى على التشيع في مصر وهذا عمل جليل وعظيم بالنسبة لهم كونهم من أتباع (الطريقة المازوخية) التي تقدس وتجل كل من يمارس التعذيب والاضطهاد والتخريب بحقهم وبحق أمة لا إله إلا الله والمهم أن يقدس الشيخان!!.

السبب الثاني: أن (صلاح الدين حرر القدس)، أما نحن فلا نرى منطقا على الإطلاق للقبول والرضا بالخراب والدمار لأن من فعل بنا هذا هو ذاته من حرر القدس وهزم الصليبيين!!.

حتى هذه المقولة كاذبة فقد عاد الصليبيون إلى القدس بعد ذلك مرتين على يد أبنائه كما أن هزيمة الصليبيين لم تتحقق إلا بعد ذلك بأكثر من قرن من الزمان.

لو أن (أولي الأمر) ولا نعني بهم قطعا من ذكرهم الله تعالى في كتابه الكريم بل نعني الممسكين بالسلطة والثروة ووسائل الإعلام قدموا جوابا شافيا للناس عن سبب ما نعيشه من تخلف لما اشرأبت أعناق الجماعاتيين الوهابيين الإرهابيين للإمساك بالسلطة زاعمين أنهم أفلحوا في تشخيص الداء وأن لديهم الدواء الشافي من كل العلل والأمراض!!.

الأمر الآخر هو أن التاريخ الإنساني يكاد أن يكون وحدة واحدة لا يمكن الفصل بينها بالمفهوم الاستراتيجي، فنحن مسلمون لأننا اتبعنا رسول الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم الذي أرسل رحمة للعالمين قبل 1400 عام على وجه التقريب.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏تموز‏ 30‏، 2019

 

0 تعليق