ننشر عرض كتاب" على خطى الإمام الحسن..الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا"للدكتور أحمد راسم النفيس

2 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لم تكن الأمة الإسلامية استثناء في طبيعة العلاقة بين البشرية والدين اللهم إلا عند كهنة المعبد الأموي الذين أقنعوا السذج والبسطاء بأنهم أصحاب التدين الحقيقي والإسلام الصحيح رغم أن تصورهم الذي قدموه عن الإسلام ما كان ليصمد طيلة هذه القرون دون استخدام الحديد والنار وذريعتهم من يومها وإلى الآن أن الشيعة يسبون الصحابة وهي تهمة لا تختلف كثيرا عن تلك الموجهة لرافضي هيمنة اليهود على العالم: (معاداة السامية)!!.

الفخ الكبير الذي وقع فيه غالبية المسلمين عندما صدقوا أن الأعراب الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم قد تحولوا من الجاهلية إلى الإيمان الكامل خلال عقدين من الزمان.

إنها أسطورة (الجيل القرآني الفريد)!!.

 أخطر تبعات تلك الأسطورة أنها جعلت ميزان الخطأ والصواب تبعا لأفعال هؤلاء وصعبت على الناس تصديق كل ما يتناقض مع تلك اللوحة رائعة الجمال التي لا وجود لها إلا في الخيال وكلما تعثرت عقول البسطاء أو اصطدمت بتشوهات لا تتوافق مع تلك الروعة وهذا الجمال كان الإنكار أو التعامي هو الحل وربما لجأ البعض إلى حل آخر هو التنكر للدين ودوره في الحياة!!.

قتلة الأنبياء وأبناء الأنبياء!!

ذكر القرطبي في تفسيره: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية. وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط، أي بالعدل، فيقتلون.

وقد روي عن ابن مسعود: عن النبي صلى الله عليه وسلم: "بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية".

وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية" . ذكره المهدوي وغيره. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبيا ثم تقوم سوق بَقْلِهم من آخر النهار.

الضمير (الإسلامي) الميت – في أغرب عملية استغفال في التاريخ - لا يستنكر قتل أئمة أهل البيت ولا يراهم امتدادا للرسول الأكرم ولا يعتبر شن الحروب عليهم عملا مشينا أو مناقضا للدين والمروءة لأن رسول الله – حسب زعمهم – كان أبترا لا عقب له!!.

الضمير (الإسلامي) الميت لا يرى أنه ارتكب أي نوع من الإثم عندما ينكر فضل أهل بيت النبوة وحقهم ويبرر ذلك بالمصلحة التي اقتضت ضرورة عقد سقيفة بني ساعدة وتنحية الإمام علي عليه السلام عن موقعه المستحق وتجاهل بيعة الغدير!!.

إلحاقا لهذا فلا تتعجب عندما تسمع دفاع هؤلاء عمن قاتل أهل بيت النبوة وقتلهم ومحاولة تبرير جرائمهم ووصفهم بالعدالة ومنحهم رتبة الصحبة التي تحظر تناول تاريخهم تحت طائلة الاتهام بسب الصحابة والمروق من الدين.

الإمام الحسن

يقول تعالى (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا)[1].

يقول البغوي في تفسيره ج2: وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى قال الله تعالى: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا[2]

وقال: "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار[3]".
 

(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا)

وقيل: بمعبودهم وعن سعيد بن المسيب: كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر.
{فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا} أي لا ينقص من حقهم قدر فتيل.
{وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى} اختلفوا في هذه الإشارة فقال قوم: هي راجعة إلى النعم التي عددها الله تعالى في هذه الآيات من قوله: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ} إلى قوله { َفْضِيلا}. __________
(1) انظر هذه الأقوال وأقوالا أخرى في: تفسير القرطبي: 10 / 296 - 297، الطبري: 15 / 126 - 127، زاد المسير: 5 / 64 - 65 ، الدر المنثور : 5 / 316 - 317. وقال الطبري: وأولى الأقوال عندنا بالصواب قول من قال: يوم ندعو كل أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به ويأتمون به في الدنيا لأن الأغلب من استعمال العرب "الإمام" فيما ائتم واقتدى به. وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها.
أما القرطبي فيقول: قال علي رضي الله عنه: بإمام عصرهم وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في قوله: يوم ندعو كل أناس بإمامهم فقال: (كل يدعى بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم فيقول هاتوا متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي عيسى هاتوا متبعي محمد عليهم أفضل الصلوات والسلام فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم ويقول هاتوا متبعي الشيطان هاتوا متبعي رؤساء الضلالة إمام هدى وإمام ضلالة).

الشاهد أن الآية الكريمة لا تحتمل التلاعب بمعناها والمحاولات المستميتة لصرفها عن معناها الصريح والمباشر فالإمام هو الإمام وليس الكتاب ولا النبي ولو كان المقصود هو النبي لصرح القرآن بهذا، والأمر كما قال الطبري (الأغلب من استعمال العرب "الإمام" فيما ائتم واقتدى به. وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها).

أوضاع الأمة بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام

قال المدائني: ولما توفى علي عليه السلام خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس، فقال: إن أمير المؤمنين عليه السلام توفي، وقد ترك خلفا، فإن أحببتم خرج إليكم، وإن كرهتم فلا أحد على أحد، فبكى الناس، وقالوا: بل يخرج إلينا فخرج الحسن عليه السلام، فخطبهم، فقال: أيها الناس، اتقوا الله، فإنا امراؤكم وأولياؤكم، وإنا أهل البيت الذين قال الله تعالى فينا: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)، فبايعه الناس[4].

قال: خطب الحسن عليه السلام بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام، فقال:

لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون بعمل. لقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله فيسبقه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته، فيكنفه جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفى في الليلة التى عرج فيها بعيسى بن مريم، والتى توفى فيها يوشع بن نون، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادما لأهله. ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه، ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين افترض الله مودتهم في كتابه، إذ يقول: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا)، فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.

قال أبو الفرج: فلما انتهى إلى هذا الموضع من الخطبة قام عبد الله بن العباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة! فبايعوه، ثم نزل من المنبر[5].

الصلح بين الإمام الحسن ومعاوية!!

لم يكن الإمام الحسن مترددا ولا خائفا ولا وجلا في مواجهة الفئة الباغية حتى الرمق الأخير، إلا أنه سلام الله عليه كان عالما بصيرا بحال أغلب من كانوا في معسكره وأنهم لا يختلفون كثيرا في رأيهم ومعتقدهم عما وصفه ابن آكلة الأكباد في رسالته للإمام الحسن من شكهم وريبتهم في إمامة أهل البيت عليهم السلام.

لم يكن الأمر بالنسبة له سلام الله عليه مجرد استشراف غيبي لما في قلوب هؤلاء ولا نشك أنه عليه السلام كانت له عيونه التي تقدم له التقارير عن حالة الجيش المعنوية، ثم قام بعد ذلك باستفتائهم حسب الرواية السابقة فكان موقفهم واضحا في تخاذلهم.

أما ابن الأعثم فيذكر في كتاب (الفتوح) أن الصلح تم بين الإمام الحسن ومعاوية وفقا للبنود التالية:

أولا: أن يسلم إليه ولاية الأمر على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين.

ثانيا: ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين.

ثالثا: أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامتهم وحجازهم.

رابعا: أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم. وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه.

خامسا: أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت النبي غائلة سرا وعلانية ولا يخيف أحد منهم في أفق من الآفاق[6].

هدنة أم سلام دائم؟!

يقول الشيخ المفيد في (الإرشاد) فازدادتْ بصيرةُ الحسنِ عليهِ السّلامُ بخذلانِ القوم له، وفسادِ نيّاتِ المُحكِّمةِ فيه بما أظهروه له من السّبَّ والتكفيرِ واستحَلالِ دمِه ونهب أموالهِ، ولم يبقَ معَه من يَاْمَنُ غوائلَه إِلاّ خاصّة من شيعتهِ وشيعَةِ أبيه أميرِ المؤمنينَ عليه السّلامُ، وهم جماعةٌ لا تقومُ لأجنادِ الشّام.
فكَتبَ إِليه معاويةُ في الهُدْنةِ والصُّلحِ، وأنفذَ إِليه بكُتُبِ أصحابِه التّي ضَمِنوا له فيها الفتكَ به وتسليمَه إِليه، واشترط له على نفسِه في إِجابتهِ إِلى صلحِه شروطاً كثيرةً وعقدَ له عُقوداً كانَ في الوفاءِ بها مصالحٌ شاملةٌ، فلم يَثِقْ به الحسنُ عليهِ السّلامُ وعلمَ احتيالَه بذلكَ واغتيالَه، غيرَ انّه لم يَجِدْ بدّاً من إِجابتهِ إِلى ما التمسَ من ترك الحربِ وِانفاذِ الهدنةِ، لمِا كانَ عليه أصحابُه ممّا وصفْناه من ضعفِ البصائرِ في حقِّه والفسادِ عليه والخُلْفِ منهم له، وما انطوى كثيرٌ منهم عليهِ في استحلالِ دمِه وتسليمهِ إِلى خصمِه، وما كانَ في خذلانِ ابن عمِّه له ومصيرهِ إِلى عدوِّه، وميلِ الجُمهورِ منهم إِلى العاجلةِ وزهدِهم في الآجلةِ.

فتوثّقَ عليهِ السّلامُ لنفسِه من معاويةَ لتأكيدِ الحجّةِ عليه والإعذارِ فيما بينَه وبينَه عندَ اللهِ عزّ وجلّ وعند كافَّةِ المسلمينَ، واشترطَ عليه تركَ سبِّ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلامُ والعدولَ عنِ القُنوتِ عليه في الصّلواتِ وأنْ يُؤمنَ شيعتَه رضيَ اللهُ عنهم ولا يتعرّضَ لأحدٍ منهم بسوءٍ، ويُوصِلَ إِلى كلِّ ذي حقٍّ منهم حقَّه . فأجابَه معاويةُ إِلى ذلكَ كلِّه، وعاهدَه عليه وحَلفَ له بالوفاءِ به.
فلمّا استتمّتِ الهُدنةُ على ذلكَ سارَ معاويةُ حتّى نزلَ بالنُّخَيْلةِ[7]، وكانَ ذلكَ يومَ جمعةٍ فصلّى بالنّاسِ ضحى النّهارِ، فخطَبَهُم وقالَ في خطبتهِ: إِنِّي واللهِّ ما قاتلتُكم لتُصلُّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكُّوا إِنّكم لتفعلونَ ذلكَ، ولكنِّي قاتلتُكم لأتأمّرَ عليكم وقد أعطاني اللهُّ ذلكَ وأنتم كارِهونَ. ألا ِوانِّي كنتُ منَّيتُ الحسنَ وأعطيتُه أشياءَ، وجَمِيعُها تحتَ قَدَمَيَّ لا أفي بشيءٍ منها له.
 

ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أياماً، فلما استتمت البيعة له من أهلها، صعد المنبر فخطب الناس، وذكر أمير المؤمنين عليه السلام فنال منه ونال من الحسن، وكان الحسن والحسين صلوات الله عليهما حاضرين، فقام الحسين ليرد عليه فأخذ بيده الحسن فأجلسه ثم قام فقال: «أيها الذاكر علياً، أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرنا قدماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً» فقال طوائف من أهل المسجد: آمين آمين.

كان هذا عرضا لأهم فصول كتاب (على خطى الإمام الحسن) من تأليف الدكتور أحمد راسم النفيس

‏27‏/01‏/2019م

‏الأحد‏، 21‏ جمادى الأولى‏، 1440هـ

 

[1]الإسراء 71-72.

[2]الأنبياء 73.

[3]القصص 41.

[4]ص8 شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد نقلا عن المدائني.

[5]شرح نهج البلاغة ج4 ص 11 نقلا عن المدائني.

[6]الفتوح لابن أعثم الكوفي ج3 ص 291.

[7]موضع قرب الكوفة

2 تعليق