رسائل طهران تصل إلى واشنطن وحلفائها: لا تجتازوا الخطوط الحمر!

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

وصلت، أو يفترض بها، رسالة إيران إلى من يعنيهم الأمر في واشنطن عبر بريدَي الإمارات والسعودية. لن يكون ذا مغزى بعد اليوم أن يتلهى الأميركيون وحلفاؤهم الخليجيون بتحقيقاتهم الفنية في «الأعمال التخريبية»، وهي تحقيقات تتجه إلى التزايد على ما يبدو. ولا معنى، والحال هذه، لنقاشات من نوع ما إذا كان الهجوم اليمني على خطوط النفط السعودية يرتبط بتقصير الطرف الآخر في تنفيذ اتفاق الحديدة وتفاهمات السويد، وتنفيذاً لتهديدات صريحة أطلقت من حركة «أنصار الله» وحلفائها قبل أيام، أو رسالة للأميركيين تتعلق بفشل الكونغرس في إنهاء المشاركة الأميركية في حرب اليمن. كل ذلك صحيح، لكن العملي هو التفكير بتلويح طهران، بصفتها «محورَ محورِ المقاومة» في تغيير قواعد الاشتباك عبر رسائل أمنية مدروسة، بغضّ النظر عن تقاطعاتها وسياقاتها الخاصة والجهات المسؤولة. وفي التوقيت، الذي يبلغ معه اللعب على حافة الهاوية في المنطقة ذروته، لن تكون مقنعة مواقف من النوع الذي يطلقه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، حول نفي مسؤولية بلاده عن عملية الفجيرة، سوى لِمَن يريد تجنّب التصعيد وفهم الرسالة بتعقّل. بناءً على ذلك، أمام الولايات المتحدة، ومعها السعودية والإمارات وإسرائيل، مساحة ضيقة من الخيارات، أحدها أن تقرّر الرد والتمسك بالقواعد التي وضعها كل من وزير الخارجية مايك بومبيو، والمبعوث الخاص في شأن إيران براين هوك، حول أن أي هجوم على حلفاء واشنطن لن يمرّ من دون ردّ، وأن زمن التمييز بين طهران وحلفائها أو تجاهل هجماتها قد ولّى. وهو خيار يستتبع تحمّل الرد على الرد، وتدحرج الأمور نحو المجهول، في لعبة يبدو صارخاً فيها أن من يختار الأهداف الصغيرة أو المتوسطة قادر بالتأكيد على اصطياد أهداف أكثر إيلاماً. أما الخيار الثاني، فيتمثّل بنهج يميل إلى التعقّل وبلع الرسالة واستيعابها.

يبلغ التوتّر ذروته في منطقة الخليج، في وقت لم يستدع فيه تسارع الأحداث ردود فعل يمكن أن تكشف عن نية تصعيد واسع بين طهران وواشنطن. يحاول الإيرانيون اختبار نيات واشنطن والمتطرفين لدى حلفائها وفي إدارتها، وبالموازاة إفهام الجميع أنه لا يجب الذهاب بالمواجهة إلى خنقهم وحشرهم في الزاوية عبر الذهاب بعيداً في سياسة الضغوط. يلمّح الأميركيون إلى أنهم لن يأخذوا رسائل إيران الأمنية الأخيرة على أنها هجوم، ما لم يطاول أي منها مصالحهم مباشرةً، ولا بأس بضرب الحلفاء. الطريق إلى خيار رد الفعل المتعقّل هذا يمهّد له غياب موقف أميركي يتهم طهران بالمسؤولية المباشرة عن عملية الفجيرة، عبر تسريبات تلقي باللائمة على «متعاطفين» مع إيران أو «وكلاء» مجهولين. ومن ذلك حصر الرئيس دونالد ترامب، ووزير خارجيته، أي موقف تصعيدي بضرب مصالح بلاده مباشرةً، وهو ما تتجنب طهران فعله حتى الآن، إلى جانب نفي ترامب الأنباء حول درس خطط حرب وإرسال 120 ألف جندي إلى المنطقة. ومن سوتشي، قال بومبيو أمس: «نحن لا نسعى مطلقاً إلى حرب مع إيران»، مضيفاً: «لقد أوضحنا للإيرانيين أنه إذا تعرضت المصالح الأميركية لهجوم، فإننا سنردّ بالتأكيد بالطريقة المناسبة».

وكان لافتاً تعليق بومبيو على ضرب اليمنيين لأهداف سعودية بالقول: «يطلقون الصواريخ على مناطق يسافر إليها الروس والأميركيون، ويمكن أن تؤدي هذه الصواريخ إلى قتلهم»، متجاهلاً أنها تستهدف حلفاء واشنطن الذين يبتزّهم ترامب بثمن الحماية. وهؤلاء «الحلفاء»، تحديداً الرياض وأبو ظبي، يبدون في موقع متلقي جانب من الرسائل الإيرانية، التي تفصح عن أن ثمن الانخراط في الحملة الأميركية سيكون باهظاً ولا يمكن الاحتماء خلف واشنطن.

وفي كلمة خامنئي أمس أمام مسؤولي السلطات الإيرانية، أطلق الرجل توصيفاً للمواجهة بأنها «حرب إرادات»، وقال: «هذه المواجهة ليست عسكرية لأنه ليس من المقرّر نشوب أي حرب، ونحن لا نسعى للحرب، وهم أيضاً لا يسعون وراءها لأنهم يعلمون أنها لن تكون في مصلحتهم». ووصف التفاوض بأنه «سمّ»، وما دامت واشنطن «على ما هي عليه فإن التفاوض مع الحكومة الحالية سمّ مضاعف». وشرح خامنئي أسباب رفضه للتفاوض، مشيراً إلى أن الأميركيين «يقولون: فلنتفاوض بشأن أسلحتكم الدفاعية، فلماذا تصنعون صاروخاً بالمدى الفلاني، خفّضوا هذا المدى حتى تكونوا عاجزين عن ضرب مقارّنا والرد علينا عندما نوجّه ضربة إليكم. أو يقولون مثلاً: فلنتحدث بشأن عمقكم الاستراتيجي في المنطقة، أي فلتفقدوا هذا العمق». وخلص إلى القول: «لذلك، إن أصل التفاوض خطأ، ذلك مع إنسان سوي، فكيف بهؤلاء (فريق ترامب) الذين هم غير أسوياء ولا يلتزمون أيّ شيء؟ طبعاً لا يوجد عاقل بيننا يركض وراء التفاوض». ودعا المرشد الإيراني إلى عدم التخوّف من التحركات الأميركية، قائلاً: «تُسيّر القوى العظمى أعمالها بإثارة الصخب، لكن قدرتهم أقل بكثير. يجب عدم الخوف من هيبتهم ومن ثروات أشباه قارون (الدول الخليجية) على ضفاف الخليج الفارسي العاجزين عن ارتكاب أي حماقة. لقد أنفقوا مليارات الدولارات وعجزوا عن ارتكاب أي حماقة».

في جملة المواقف الإيرانية، الكلامية منها والعملية، مؤشرات على أن لعبة الضغوط الأميركية يجب ألّا تتجاوز حدوداً حمراء تطاول استقرار إيران وتهدد أمنها واقتصادها. وفي هذا الشأن، تتمسّك أوروبا برفض التصعيد، وهي بعثت منذ اجتماع بروكسل، أول من أمس، بإشارات عدة على عدم تأثير «اقتحام» بومبيو للاجتماع (كما وصفته مصادر أوروبية)، واستعدادها لتطبيق الاتفاقيات مع إيران حول التبادل التجاري وآلية «إينستيكس». ومن شأن ذلك أن ينعش المفاوضات المتعثرة بين الطرفين، التي تتضمّن اشتراط إيران عودة تصديرها للنفط إلى المستويات السابقة للعقوبات (نحو مليونَي برميل يومياً)، كما نقلت وكالة «رويترز» عن مصادر، وهو مطلب أكده لـ«الأخبار» مصدر إيراني.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق