أميركا الجنوبية: الثورة تلوح في الأفق

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تثير التطورات المتسارعة في أميركا الجنوبية قلق المستعمِر «الجديد»، الذي اجتهد في عزل اليسار اللاتيني، وقايض شعوب «حديقته الخلفية» بين الولاء الذي يحقّق السعادة أو التحدّي الذي يجلب الفقر والانهيار
قبل عقدين من الزمن، لم تكن نظرية تدخّلات واشنطن في أميركا اللاتينية تلقى صدى لدى النخب في العالم الجديد، على الرغم من تحذيرات المفكر الأوروغوياني، إدواردو غاليانو، عبر مؤلّفه الشهير الذي حمل عنواناً مثيراً هو «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية». فالسياسات الناعمة للإدارات الأميركية المتعاقبة كانت تركّز على إنشاء العلاقات مع المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، ودعم عدد من المنظمات الاجتماعية والدينية، من دون إظهار أيّ تدخل مباشر في سياسات الدول اللاتينية. حينها، كانت واشنطن تدرك أن الفقر والمرض هما حصنها المنيع من إنشاء عالم متطوّر في حديقتها الخلفية، وأن الجريمة المنظّمة التي تحصد مئات الآلاف سنوياً هي حرب أهلية مستترة تمنع قيام كيانات قوية ومستقلة. إلا أن نشأة الأحزاب التحرّرية، وتصدّرها المشهد اللاتيني، أجبرا الأميركيين على التكشير عن أنيابهم، وإبراز مشروعهم الاستعماري الجديد القائم على معادلة الاحتلال الاقتصادي واغتصاب القرار السياسي. دراسة غاليانو، التي نُشرت عام 1979، تنبّأت بعودة الاستعمار الغربي بواجهة أميركية عبر المنافذ المشرّعة لأميركا الجنوبية: «فالعالم بالنسبة إلى الرأسمالية المتوحّشة هو سوق الكبار، وقَدَر اللاتينيين أن يكونوا عبيداً ومزارعين، ينشّطون إنتاج أسيادهم ويستصلحون المساحات الشاسعة من أراضيهم لحساب الشركات الأجنبية. نظرة الاستعمار لن تتغير، وسيسعى بكلّ أدواته وطاقاته لفرض العبودية من جيل إلى جيل».
هذه النظرية باتت واقعية بامتياز، مع توالي الأحداث في أميركا الجنوبية وصعود التيارات التحرّرية التي لاقت إقبالاً شعبياً منقطع النظير. فالتجربة البرازيلية التي قادها لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، مثلاً، لم تكن معادية لواشنطن، بل عرضت الشراكة الاقتصادية تحت سقف الندّية والمصالح المتبادلة. لم تتقبّل الإدارات الأميركية أن تتعاطى مع «مستخدميها» كشعوب لها الحق في تقرير المصير، وراحت تنصب المكائد وتستخدم آلاتها الإعلامية والسياسية، وقادت بنفسها عملية عزل الرئيسة السابقة ديلما روسيف، والتهيئة لقدوم اليمين المتطرف الذي حمل شعارات الولاء لواشنطن وتل أبيب بشكل علني. لم تكتفِ واشنطن بعزل اليسار اللاتيني، بل ساهمت عبر أدواتها القضائية والأمنية في صناعة ملفات جرمية طاولت قيادات الصف الأول في حزب «العمّال» البرازيلي، وأدّت إلى سجن الزعيم دا سيلفا عامين تقريباً، قبل أن يُطلَق سراحه المؤقت. إلا أن التهافت الشعبي على القائد التاريخي أعاد حسابات المنظومة الحاكمة التي رَفَعت مدّة سجنه من 12 عاماً وشهر إلى 17 عاماً. محاكمة أتت لتطويق «تسونامي» دا سيلفا الذي يشكّل تهديداً حقيقياً للمشروع الأميركي في البرازيل.
رجوع الأرجنتين إلى حضن اليسار عزّز من الخوف الأميركي. فعودة اليسار لا تمثّل عملية انتقال عاديّ للسلطة، بل كشفت عن حقيقة الخدعة الأميركية (ما زالت تُسوَّق حتى اليوم) التي تقايض الشعوب بين الولاء الذي يحقق السعادة أو التحدّي الذي يجلب الفقر والانهيار. حينها، صدّق الأرجنتينيون هذه «الأكذوبة»، فأغدق عليهم «السيد الأشقر» مزيداً من الفقر والتضخّم، حتى وصل ثلث الشعب إلى حافة المجاعة. إعادة انتخاب إيفو موراليس في بوليفيا، على الرغم من كلّ محاولات واشنطن الحثيثة لإسقاطه، أصابت الأخيرة بالجنون. فبوليفيا بدأت تجربة اقتصادية ناجحة تناهض كلّ النظريات الاستعمارية؛ فتأميم شركات النفط والغاز وتوزيع ريعها على الاقتصاد المحلي أعطيا هذه الدولة أعلى نسبة نمو في أميركا الجنوبية. ولأن بوليفيا تحوز على احتياط نفطي نادر وشديد الأهمية، قادت واشنطن مع عملائها المحليين انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس موراليس، وشكّل حكومة يمينية برئاسة النائبة الثانية لرئيس مجلس الشيوخ خيانيني أنييس. وعلى الرغم من مئات الضحايا الذين سقطوا احتجاجاً، فإن المجتمع الدولي أغمض عينيه عن الإعدامات الجماعية والاعتقالات التعسّفية، وأعطى الشرعية لحكومة «العبيد» (حسب قراءة غاليانو)، التي وقبل إقرار أيّ من الإصلاحات الاجتماعية المزعومة سارعت إلى إعادة العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة الأميركية، وفتح سفارة إسرائيلية في لا باز بعد سنوات من إغلاقها احتجاجاً على الجرائم المتتالية للاحتلال ضد الشعب الفلسطيني. الضغط السياسي والعسكري الذي مارسته واشنطن في بوليفيا انعكس سلباً على مرشح اليسار في الأوروغواي، الذي تصدّر استطلاعات الرأي للجولة الرئاسية الثانية. لكن الخوف من التشكيك في نتائج الانتخابات وتطبيق سيناريو لاباز على مونتيفيديو حدّ من نسبة تأييد مرشح الحزب الحاكم دانييل مارتينز، مقابل مرشّح تكتل اليمين لويس لاكالي بو، الذي فاز برئاسة الأوروغواي بفارق بسيط.
خلف كلّ هذه النتائج يكمن الصراع المحتدم بين إرادة شعبية تسعى إلى الأمن والاستقرار وبين مستعمر «جديد»: هو من يحدّد نتائج الانتخابات ونزاهتها، وهو من يحدّد خيارات الشعوب، يغطّي عسكرة بوليفيا ويسلخ الشرعية عن فنزويلا وجيشها، يبارك التظاهرات في نيكاراغوا ويعتبرها تعبيراً شعبياً ويدينها في تشيلي ويصفها بمؤامرة كوبية - فنزويلية، يمنع اللاجئين من دخول أراضيه لكسب العيش ويسمح لنفسه بانتهاك حرمة حدود المكسيك لملاحقة من سمّاهم «الإرهابيين»... بهذا النموذج تتحكّم واشنطن بمصير جيرانها، وتفصّل حكامهم على قياس مصالحها. لكن الواقع اللاتيني يشي بقراءة أخرى أطلقها هذه المرة الزعيم اليساري البرازيلي، لولا دا سيلفا، الذي اعتبر أن اليمين الذي يشكّل ذراع أميركا في المنطقة لا ينتمي إلى شعوب هذه القارة ولا يشبهها في شيء، وأن تسلّطه مسألة لن تدوم طويلاً، حيث إن ثورة الفقراء تلوح في الأفق.
   علي فرحات
نقلا عن الاخبار اللبنانية

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق