عماد آبشناس يكتب..استراتيجية إيران الجديدة ومصير الاتفاق النووي

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

مع بداية شهر أيار/ مايو 2019، تغيّرت ملامح الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة الضغوط الأميركية. إذ بعدما اعتمدت الحكومة الإيرانية سياسة «الصبر الاستراتيجي»، انتقلت إلى سياسة جديدة أساسها «استراتيجية المواجهة». ولربما كان هذا آخر شيء يتوقّع الأميركيون والأوروبيون أن يحصل. إذ إن الأوروبيين كانوا قد ضمنوا للولايات المتحدة أنهم قد أقنعوا الإيرانيين بأن يصبروا حتى يتخذوا هم خطوات تؤدي إلى تنفيذ تعهداتهم في الاتفاق النووي، وبناءً عليه، يمكن الولايات المتحدة في غضون ذلك أن تتقدّم في فرض عقوباتها وضغوطها على إيران من دون تخوف من ردّ فعل إيراني.

 

صبر الإيرانيون لمدة عام من دون أن يحصلوا على نتيجة من الجانب الأوروبي. فكل ما حصلوا عليه كان شعارات لا غير. وعلى هذا الأساس، تصوّر الأميركيون أنهم يستطيعون تسديد ضربتهم الأخيرة ضد إيران بتصفير صادرات البترول الإيراني، ومنع خروج حاملات البترول الإيرانية، عبر إرسال حاملات طائراتهم وقطع البحرية الأميركية إلى الخليج، وتحدّي إيران فيما إذا كان باستطاعتها إغلاق مضيق هرمز. وفي خطوة تُعَدّ عرقلة لتنفيذ الاتفاق النووي، وضع الأميركيون اليورانيوم الإيراني المخصّب والماء الثقيل على لائحة عقوباتهم، علماً بأنّ نواة الاتفاق مبنية على أساسَين: الأول، حق إيران في تخصيب اليورانيوم وفقاً لحقوقها الدولية. والثاني، ابتعاد إيران عن القنبلة النووية لمدة تصل إلى عام على الأقل.

وإذا أردنا أن نتوجه بكلام أكثر تبسيطاً للقارئ غير المتخصص في الشؤون النووية، يمكن أن نقول إننا عندما نتحدّث عن إمكانية صناعة القنبلة النووية يعني أن لدينا طناً من اليورانيوم المخصّب، وألف طن من الماء الثقيل. وبناءً عليه، فإنه ــ بحسب الاتفاق النووي ــ يحق لإيران أن تخصّب اليورانيوم بنسبة 3.67%، إلا أنه كلّما وصل مخزونها من اليورانيوم المخصّب إلى 300 كلغ، أو من الماء الثقيل إلى 150 طناً، يجب عليها أن تبيع اليورانيوم والماء الثقيل إلى طرف ثالث، وتستمرّ في إنتاجهما وفق السقف المتاح لها في الوقت نفسه. لكن بما أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على تصدير اليورانيوم المخصّب، أعلنت إيران أنها ستحتفظ به داخل البلاد، وتسرّع أيضاً من عمليات التخصيب، لتصبح مثلاً 10 أو 20 كلغ في اليوم، بعدما كانت مُحدّدة بقرابة 4 كلغ يومياً.

شتصوّر الأميركيون أنه بعد منع شراء اليورانيوم المخصّب والماء الثقيل من إيران، فإن الأخيرة ستضطر إلى أن توقف إنتاجها عندما يصل إلى السقف المشار إليه سابقاً. لكن إيران استغلت هذه الخطوة الأميركية، مشيرة إلى أن الدول الموقّعة على الاتفاق، خصوصاً الأوروبية، يجب أن تضمن حقوق إيران بموجبه، وأهمّها حقها في تخصيب اليورانيوم. وعلى ذلك، هدّدت بالاستمرار في تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 300 كلغ، وتخزينه في الأراضي الإيرانية، الأمر الذي يُعَدّ تعليقاً لتعهداتها ببيع هذا اليورانيوم كلّما وصل إلى 300 كلغ. وبعدما كانت إيران تنتج 4460 غراماً من اليورانيوم المخصب يومياً كي تصل إلى نسبة الـ300 كلغ خلال 65 يوماً، زادت من إنتاجها هذا بنسبة 3.67%، لتصل إلى نسبة الـ300 كلغ خلال أقلّ من 55 يوماً، بتاريخ 27 حزيران/ يونيو (أمس)، بحسب تصريح المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندوي.

بناءً على ما تقدّم، إن الدول الموقّعة على الاتفاق النووي، ولا سيما الأوروبية، باتت على مفترق طريقين:

1- أن تقوم بخطوة لحلّ هذه المعضلة وإرضاء إيران.

2 - أو أن تقبل استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم والاحتفاظ بكميات تزيد على 300 كلغ داخل أراضيها.

هدّدت إيران بأنها سوف تتخذ إجراءات جديدة في هذا المجال، وتخفّض تعهداتها بموجب الاتفاق النووي بعد 7 تموز/ يوليو المقبل، إذا لم يقم الجانب المقابل بتنفيذ تعهداته. ومن المتوقع أن تعلن إيران زيادة إنتاجها من اليورانيوم المخصّب، وإعادة عدد من أجهزة الطرد المركزي إلى الدوران، أو حتى البدء باستخدام أجهزة طرد مركزي من الجيل الثامن باستطاعتها زيادة سرعة التخصيب بنسبة تزيد على 8 أضعاف أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأوّل.

وبسبب العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، والتزام الدول الأوروبية هذه العقوبات عملياً، فإن التهديدات الأوروبية بإعادة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي، وإعادة فرض العقوبات، لم تعد عملياً تجدي نفعاً، إضافة إلى أن إيران استطاعت أن تتعامل مع التهديدات الأميركية بعمليات عسكرية أو حتى الضربة العسكرية الأخيرة، الأمر الذي سلب الأميركيين ورقة الضغط العسكرية أيضاً. وسواء كانت إيران ضالعة في الحوادث الأخيرة في المنطقة، من مهاجمة الناقلات وخطوط الإمداد السعودية والمنطقة الخضراء في بغداد، أو لم تكن ضالعة، فالأميركي والأوروبي والشرق آسيوي تلقوا رسالة مفادها أن أي حرب لن تنحصر بين إيران والولايات المتحدة، بل ستشعل كل المنطقة. وعندما يقول الرئيس الإيراني إنه إذا لم يُسمح لإيران بأن تصدّر نفطها، فلن تُصدَّر قطرة نفط واحدة، فهو لا يعني أن إيران ستقفل مضيق هرمز، بل إن آبار النفط في المنطقة يمكن أن تشتعل، بحيث لا يكون هناك إنتاج لتصديره.

من جهة أخرى، أثبت إسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة الأكثر تطوراً في الترسانة الأميركية أن إيران لديها القدرة على المواجهة من جهة، وأن التهديدات العسكرية تجاهها غير مجدية. حتى إن البعض يذهب إلى القول إن الموضوع بات معكوساً، بما يعني أن إيران باتت اليوم تحمل ورقة الضغط العسكري بيدها تجاه الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. وربما أمكن القول إن التراجع الإماراتي، من خلال تصريحات مسؤولين كبار في هذا البلد مثل أنور قرقاش وعبد الله بن زايد، وإصرارهم على ضرورة حل الخلافات عبر المفاوضات، يأتي في هذا السياق أيضاً.

 

في الداخل الإيراني، بدأت تعلو بعض الأصوات بالقول إنه إذا ما كانت إيران تطبّق جميع التزاماتها في الاتفاق النووي، ولا تحصل على أي امتيازات بموجبه، فما جدوى البقاء فيه؟ في حين أن هناك أطرافاً أخرى في الداخل تأمل أن تستطيع من خلال الضغط على الجانب الأوروبي دفع الأخير إلى القيام بخطوات يمكنها إنقاذ الاتفاق، وتحقيق الاستفادة الإيرانية منه. إزاء ذلك، يمكن التذكير بما قاله محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني، لهايكو ماس وزير الخارجية الألماني، عندما أشار الأخير إلى أن «الاتحاد الأوروبي يريد إنقاذ الاتفاق النووي، ولكن قدراته محدودة»، فأجابه ظريف: «هل يمكنك أن تقنعني بأنه إذا ما اتفق الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والهند واليابان على عدم التزام العقوبات الأميركية ضد إيران، فالولايات المتحدة يمكنها معاقبة الجميع، وإذا فعلت ذلك فإن الاقتصاد العالمي سينهار. الموضوع فقط متعلّق بإرادة زعماء الدول، لا بقدراتها». اليوم، إيران تنتظر كي ترى إذا ما كان قادة الاتحاد الأوروبي قد قرّروا اتخاذ خطوات لإنقاذ الاتفاق، أو ما زالوا يحتاجون إلى ضغوط أكبر لاتخاذ القرار.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق