محمد نور الدين يكتب..إلى حدود «الميثاق الملّي»... دُرْ!

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

قبل أيام، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يطلق تحذيراً قوياً يُشتمّ منه أن العملية العسكرية التركية في شرقيّ الفرات تكاد تبدأ، إن لم تكن قد بدأت عملياً عبر التحضيرات اللوجستية المكثّفة والحشود العسكرية على حدود منطقة شماليّ سوريا. الاتصال الهاتفي بين أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء الأحد الماضي، جاء بعد تحذيرات «البنتاغون» من أن أي عملية عسكرية تركية ستنعكس سلباً على المصالح الأمنية المشتركة. لكن بيان البيت الأبيض بعد المحادثة الهاتفية فُتح على احتمالات متعددة وبداية مرحلة جديدة من الوضع في شرقيّ الفرات وفي شماليّ سوريا عموماً. فالبيان أكّد أولاً أن العملية العسكرية التركية ستبدأ، وثانياً أن الولايات المتحدة لن تشارك فيها ولن تدعمها، وأن تركيا ثالثاً مسؤولة عن مقاتلي «داعش» الذين كانوا أُسروا سابقاً، وهم موجودون في منطقة شرقيّ الفرات.

يفتح البيان باب الاحتمالات أمام:

1- إن الولايات المتحدة لن تقف حجر عثرة أمام العملية، وستُجيز لتركيا احتلال شريط شماليّ سوريا كان عَرَضه أردوغان أمام الأمم المتحدة، من دون التوغّل في عمق المناطق التي تتواجد فيها «قوات حماية الشعب» الكردية. وبذلك، تفكّ واشنطن عقدة التوتر في العلاقات بين البلدين.

2- إن الولايات المتحدة تستدرج تركيا للتورط في مستنقع عبر القول إن واشنطن لن تشارك في العملية ولن تدعمها، وإن تركيا ستكون مسؤولة عن مقاتلي «داعش» الذين كانوا أُسروا. وهذا يعني أن يقلّع الجيش التركي شوكه بيديه، كما قد يواجه حرب عصابات مزدوجة، واحدة من «قوات الحماية» الكردية، وثانية من مسلحي «داعش»، وبدعم أميركي. وهو تورط لا يُعرف الشكل الذي سيؤول إليه وانعكاساته في سوريا وفي الداخل التركي.

3- كيفما اتفق، فإن عدم اعتراض أميركا بالقوة للقوات التركية سيُعتبر، في جزئية منه، تخلّياً من قِبَل واشنطن عن «قوات الحماية» الكردية التي كانت تعرف أنها ستصل إلى هذه اللحظة، لكنها راهنت على تطورات معاكسة. ولا يُعرف القرار الذي ستتخذه «قوات الحماية» الكردية: هل ستقاوم منذ اللحظة الأولى لدخول الجيش التركي؟ أم ستنكفئ إلى مناطق عمق شرقيّ الفرات وتكتفي بها؟وهل ستمدّ يد التعاون للجيش السوري وتبدأ مرحلة جديدة بعدما وقعت بين مطرقة الهجوم التركي وسندان التخلّي الأميركي؟وهل ستقبل دمشق اليد الكردية في حال مُدّت؟ أم سيُترك الأكراد لقدرهم بعدما تخلّى الجميع عنهم بقدر ما هم مسؤولون أيضاً عن هذا الوضع؟ قد تكون أمام الأكراد فرصة الخروج المبرّر من التحالف مع واشنطن الذي أرهقهم كثيراً على الصعيد المعنوي والأخلاقي، هم الذين ينتمون إلى الخط الأوجالاني المناهض للإمبريالية الأميركية والاستعمار. وعلى رغم أن «الشماتة» السورية قد تكون حاضرة لِمَا وصلت إليه خيارات الأكراد، لكن الدولة السورية ووحدة أراضيها ستكونان هما المنتصرتين في حال تعاطت الدولة مع الأكراد من منطلق الأمّ الحاضنة لكل أبنائها، والمتفهّمة لهواجسهم، والصافحة عند المقدرة.

4- جاء بيان الرئيس الأميركي حول أن الوقت حان لانسحاب القوات الأميركية من حرب كان يُفترض أن تستمر فقط ثلاثين يوماً، ليعكس في جانب منه تخبّطاً موصوفاً عُرف عن ترامب في شأن سوريا وغير سوريا. وإذا لم يكن الانسحاب الأميركي وإعطاء الضوء الأخضر لتركيا للقيام بالعملية متفقاً عليهما مسبقاً، فهذا يعني أن منطقة شماليّ سوريا مفتوحة على سيناريوات عدة ليست الفوضى الشاملة سوى أحدها.

5- في جميع الأحوال، إن تركيا، بمعزل عن النوايا الأميركية، ستعتبر نفسها منتصرة منذ الآن، على اعتبار أنها نفّذت تهديداتها ضمن المهلة التي كان أردوغان قد حدّدها تقريباً. وسيكون لتركيا موطئ قدم في شرقيّ الفرات، وقد تستغل الفرصة التي قد لا تتكرر، وتتوغل في العمق لأكثر من 30 كيلومتراً للتخلص من «قوات الحماية» الكردية، وما يعرف باسم «قوات سوريا الديموقراطية - قسد»، مرة واحدة وإلى الأبد.

يقول إبراهيم قالين، الناطق الرسمي باسم القصر الرئاسي التركي، في تغريدة له صباح أمس، إنه ليست لتركيا مطامع في أرض أحد، وإن هدفها من العملية العسكرية هو تنظيفها من الإرهابيين الأكراد وإعادة اللاجئين السوريين إلى أراضيهم. مع ذلك، فإنه على الرغم من كلّ الضجيج الذي سيرافق العملية العسكرية التركية، فإن التساؤلات، بعيداً عن إنكار قالين للأطماع، تكبر وتتوسع حول الصلة بين العملية العسكرية المحتملة في شرقيّ الفرات وبين الإجراءات التي قامت وستقوم بها السلطات التركية في المناطق السورية التي تخضع لاحتلال الجيش التركي في مثلث جرابلس - أعزاز – الباب، وفي عفرين كما في إدلب، حيث الحضور التركي العسكري المباشر تحت مسمى نقاط المراقبة في منطقة «خفض تصعيد» إدلب، كما في محاولات إعادة أكثر من مليونَي لاجئ سوري إلى منطقة شرقيّ الفرات تحديداً.

فعلى المستوى العسكري، أعلن قبل أيام أكثر من 200 فصيل عسكري في إدلب ومناطق جرابلس وعفرين التوحّد تحت مسمى «الجيش الوطني»، وتعيين سليم إدريس، وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة للمعارضة السورية، قائداً له، علماً أن المصادر التركية تشير إلى أن إدريس معروف بعلاقاته الممتازة مع الولايات المتحدة، فيما تم تعيين عدنان الأحمد وفضل الله الحجي نائبين له في مناطق حلب وإدلب. وفي الاجتماع الذي عُقد في شانلي أورفة، تم تعيين عبد الرحمن مصطفى رئيساً للحكومة. وقد ذكر يوسف حمود، الناطق باسم هذا الجيش، أن عديده يقارب المئة ألف مقاتل. إلى ذلك، شكلت تركيا شرطة محلية تدفع لها رواتب لحفظ الأمن في المناطق السورية المحتلة. وكان ذا دلالة أن تنشر وكالة «الأناضول»، أمس، صوراً لتدريبات «كتائب حمزة وسليمان شاه» التابعتين لـ«الجيش السوري الحرّ» في عفرين، شارك فيها 2500 عنصر، استعداداً - وفقاً لسيف أبو بكر قائد «كتائب حمزة» - للمشاركة في الهجوم على شرقيّ الفرات. ويقول مسؤولو «الجيش الوطني» إن الهدف هو تحول التنظيمات المسلحة إلى بنية نظامية. ومثل هذه البنية تسعى إليها تركيا ليكون للجيش الجديد دور أكثر تأثيراً في العمليات العسكرية التركية المتوقّعة في شرقيّ الفرات، وربما في مناطق أخرى، ولكي يكون هذا الجيش المرجعية الوحيدة في المناطق التي تحتلّها تركيا مباشرة أو غير مباشرة، بعيداً عن التمرّدات التي تحصل أحياناً في وجهها. واللافت أن صحيفة «يني شفق»، الموالية لحزب «العدالة والتنمية»، اعتبرت تشكيل الجيش الموحّد خطوة لمواجهة «انتهاكات وجرائم» النظام السوري.

وعلى المستوى الاجتماعي، تُظهر أنقرة اندفاعاً مطّرداً. ففي الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، أصدر الرئيس التركي القرار رقم 1616، الذي ينصّ على أن تُشكّل في إطار جامعة غازي عينتاب ثلاث كليات تقع على الأراضي السورية: الأولى كلية العلوم الإدارية والاقتصادية في مدينة الباب، وكلية العلوم الإسلامية في أعزاز، وكلية التربية في مدينة عفرين. أما جرابلس ففيها معهد فني عالٍ هو أول مؤسسة تعليم عالٍ تركية خارج تركيا، ويتبع جامعة غازي عينتاب، وقد صدر قرار به في 5 حزيران/ يونيو 2018، وباشر التعليم في تشرين الأول 2018. والمفارقة أنه في اليوم نفسه لصدور القرار في الجريدة الرسمية، كان علي غور، رئيس جامعة غازي عينتاب، يعقد مؤتمراً صحافياً يعلن فيه بدء التدريس في الكليات الثلاث يوم الإثنين التالي (7 تشرين الأول)، أي بعد ثلاثة أيام فقط من صدور قرار رئيس الجمهورية. ذكر غور أن عدد الطلاب الذين سيتابعون دراستهم في هذه الكليات يقارب السبعمئة طالب. ويمكن للطلاب السوريين الذين يدرسون في الجامعات التركية أن يواصلوا الدراسة في الكليات الجديدة في حال رغبوا في ذلك. كما يمكن للطلاب الأتراك الذين اجتازوا امتحان الدخول إلى الجامعات التركية أن يتابعوا دراستهم في الكليات الجديدة مع تقديم تسهيلات مالية على شكل منح مجانية لتشجيع الانتساب إليها. وقال غور إن لغة التعليم ستكون التركية والعربية، مُعلِناً أنه حتى الآن تقدّم أكثر من ستمئة أستاذ جامعي لطلب التعليم في الكليات، كما راجعها 2900 طالب.

تطرح هذه الخطوات بالطبع تساؤلات عن كيف يمكن أن يصدر قرار في 4 تشرين الأول، وتبدأ الدراسة في 7 تشرين الأول، ويتقدم هذا الكمّ الكبير من الأساتذة للعمل، والطلاب لمتابعة الدراسة. الجواب الوحيد أن التحضيرات بدأت منذ وقت بعيد لا يقلّ عن بضعة أشهر إن لم يكن أكثر، علماً أنه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 كانت تركيا تفتح مركزاً تابعاً للبريد التركي في مدينة عفرين، هو الفرع السادس في سوريا منذ ربيع 2017 بعد أعزاز وجرابلس وتشوبان بك والباب ومارع. أيضاً، باشرت تركيا إقامة دورات تثقيفية وتأهيلية لرجال دين سوريين وفقاً للنظام الديني التركي. لكن ماذا يعني أن تُنشئ تركيا جامعات داخل أراضي الجمهورية السورية من دون نيل موافقة الدولة السورية، أي أن تُنشئ دولة مؤسسات داخل أراضي دولة أخرى؟ وبموجب أي صلاحية وقوانين أو اتفاقيات؟ وهل تجيز القوانين التركية إنشاء مؤسسات داخل دولة أخرى من دون إذنها؟ وهل يجوز للدولة السورية أن تفعل الشيء نفسه داخل تركيا؟ بل الأهم: لماذا تفعل تركيا ذلك؟

إن التغيير الديموغرافي في المنطقة التي تحتلّها تركيا قائم على قدم وساق، من خلال إحلال جماعات تركمانية وعربية موالية لها بدلاً من الأكراد والسريان والعرب السوريين. وسواء أكانت أميركا أو روسيا موافقة أم لا، يتسلّل أردوغان بين البيض الروسي والأميركي، سواء في غربيّ الفرات أم شرقيّه. فيأتي اقتراحه توطين مليوني لاجئ سوري في شرقيّ الفرات، كما «الاستيطان» الثقافي والجامعي والديني التركي، في إطار عمليات التغيير الديموغرافي هذه، والتي تصبّ كلها في مساعي إقامة «كوريدور تركي» مباشر أو تابع، من إدلب إلى الحدود العراقية، بدلاً من «الكوريدور الكردي» على مساحة الشريط الحدودي داخل سوريا، والذي اعتبره البرلمان العثماني بتأييد أتاتورك عام 1920 جزءاً من حدود «الميثاق الملّي» الذي هو الهدف الرئيس للمشروع التركي الحالي، وللعملية العسكرية المرتقبة في شرقيّ الفرات عشية الذكرى المئوية لصدور «الميثاق الملّي».

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق