محمد غالب حيدر يكتب..«الذهب الأسود» بين رفاهية الوقت وموجب الحماية

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يتطلّع اللبنانيون إلى أن يكون أحد احتمالات خروجهم من أزماتهم المالية والاقتصادية، وبالتالي الانتقال إلى حالة اللاعجز، هو عوائد استخراج النفط والغاز المفترضة في المنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة إلى الدولة اللبنانية، والجاري تقسيمها إلى عشرة بلوكات بحرية. وتبلغ مساحتها الإجمالية حوالى 22 ألف كلم2، تمتد من حدود لبنان الجنوبية مع دولة فلسطين المحتلة إلى حدوده الشمالية مع الجمهورية العربية السورية، كما تحتوي على كميات كبيرة من النفط والغاز.

وقد التزمت مهمّة التنقيب والاستخراج ثلاث شركات أهمّها «توتال» الفرنسية، التي يُفترض أن تباشر أعمالها في مطلع عام 2020، بعدما استلمت الرخصة القانونية من وزارة الطاقة اللبنانية في البلوك رقم «4»، علماً بأن الأولويات تفترض بدء مباشرة التنقيب في البلوك رقم «9» في الجزء الجنوبي، للحؤول دون قيام العدو الإسرائيلي بسحب كميات الغاز الموجودة في المنطقة «المتنازع عليها»، على نحو التعبير الوارد في تقارير الأمم المتحدة بصورة أفقية، أو حتى بصورة تلقائية. وسيؤثر ذلك سلباً على حقوق لبنان، بعدما بدأ كيان الاحتلال أعمال التنقيب في حقل كاريش غير البعيد عن البلوك رقم «9»، فيما قد يُباشر الحفر في حقل اللون «دي ــALon D» المجاور تماماً للمنطقة «المتنازع عليها»، البالغة مساحتها 866 كلم2، والتي تؤكد الدولة اللبنانية أنها حق طبيعي لها.
ولعل الخرق الذي قام به العدو الإسرائيلي ليل 27/11/2019 من خلال دخول باخرة Med surveyor «ميدسرفايور»، والقادمة من ميناء حيفا، إلى المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، بما يتجاوز خمسة أميال، في مَهمة لا تزال مجهولة، ومكوثها لأكثر من سبع ساعات في المنطقة الاقتصادية العائدة إلى لبنان، يُشكل مؤشراً خطيراً واعتداءً موصوفاً على سيادة لبنان، عبر انتهاك كيان العدو لأحكام الاتفاقية الأممية لقانون البحار ولأحكام القرار رقم 1701. يأتي ذلك فيما جاء ردّ المتحدث باسم قوات «اليونيفل» تيلاك بوكاريل هزيلاً، ما يستدعي استنفاراً سياسياً وقانونياً واستخدام الوسائل المشروعة للحفاظ على ثرواتنا الطبيعية، باعتبار أن احتياط الغاز والنفط يُقدّر ــ «من دون وجود أي قطع أو تأكيد علمي لهذه التقديرات» ــ بثلاثين تريليون قدم مكعب، في حين يُقدر احتياط النفط السائل بستمئة وستين مليون برميل، حيث تبلغ القيمة الإجمالية، وأيضاً التقديرية، ثلاثمئة مليار دولار أميركي تقريباً.
لعل الخرق الذي قام به العدو الإسرائيلي عبر دخول باخرة «ميدسرفايور» إلى المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة يُشكل مؤشراً خطيراً واعتداءً موصوفاً على سيادة لبنان
ولعل هذه الأرقام، في حال صدقها، تدفع اللبنانيين إلى فسحة أمل في تحسين اقتصاد بلادهم، من خلال استثمار الثروة المرتقبة في المنطقة الاقتصادية الخالصة، إذ أن حقوق الدول وولايتها على هذه المنطقة وعرض هذه المنطقة، وبالتالي تحديد مساحتها، وفقاً للتعريف الوارد في اتفاقية البحار التي أُقرّت نتيجة لتطور الأعراف المعتمدة، في مونتيغوباي (جمايكا) بتاريخ 10 كانون الأول 1982، والتي انضمّت إليها الجمهورية اللبنانية، بموجب القانون رقم 295 تاريخ 22/2/1994 ، ودخلت حيّز التنفيذ في 5/1/ 1995، كما ورد في المادة /56/ منها، تتمثّل هذه الولاية في ممارسة الدولة لحقوقها السيادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة، لفرض استكشاف الموارد الطبيعية، واستثمارها واستغلالها. ويبلغ عرض المنطقة الاقتصادية الخالصة 200 ميل بحري، انطلاقاً من الخط الأساسي الساحلي للدولة. وخط الأساس للساحل اللبناني الذي يبدأ منه قياس عرض المناطق البحرية، يُحدّد باعتماد حدّ أدنى الجَزْر والخطوط المستقيمة التي تصل بين نقاط أساس بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي، اعتباراً من منتصف مصبّ النهر الكبير شمالاً وصولاً إلى نقطة انطلاق خط الهدنة موضوع اتفاقية الهدنة لعام 1949 جنوباً، وفقاً لما نصّت عليه المادة2/ من القانون رقم 163/2011 المتعلّق بتحديد وإعلان المناطق البحرية للجمهورية اللبنانية، في حين تُضيف المادة 6/منه وتحت عنوان «المنطقة الاقتصادية الخالصة»، أنها تُقاس من خط الأساس وتمتد إلى أقصى الحدود المتاحة، على أن لا تتعدى مسافة 200 ميل بحري، تأكيداً لما ورد في أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولسائر قواعد القانون الدولي. وهي من الناحية الشمالية الغربية: النقطة الواقعة على المسافة ذاتها من أقرب النقاط على ساحل كلّ من الجمهورية اللبنانية والجمهورية العربية السورية وجمهورية قبرص. أما من الناحية الجنوبية الغربية فهي: النقطة الواقعة على المسافة ذاتها من أقرب النقاط على ساحل كل من الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص وفلسطين المحتلة، علماً بأن الجمهورية اللبنانية وقّعت في تاريخ السابع عشر من شهر كانون الثاني / ديسمبر من عام 2007 على اتفاقية ترسيم حدود مع قبرص، لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، باعتبارهما دولتين متقابلتين. وما لبثت قبرص أن اتفقت ثنائياً، في عام 2010، مع كيان العدو الإسرائيلي لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، حيث استولت، نظرياً، على مساحة من المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان تبلغ حوالى 860 كلم مربعاً. وبعد سبعة أشهر تقريباً، تحديداً في تاريخ الثاني عشر من شهر تموز / يوليو من عام 2011، أودعت حكومة كيان العدو الإسرائيلي خرائطها لدى الأمم المتحدة. وقد رفض لبنان تكريس هذا الاعتداء على السيادة، من خلال احتجاج وزير الخارجية اللبناني لدى الأمين العام للأمم المتحدة، على اعتداءات العدو على السيادة اللبنانية البحرية والبرية، ما استدعى لاحقاً تدخّلاً من الولايات المتحدة الأميركية، بواسطة المبعوث كريستوفر هوف. وقد قدّم هذا الأخير اقتراحاً غير حيادي ولا يخدم بالتأكيد المصلحة اللبنانية، عارضاً ترسيم خط بحري، وهو ما عُرف لاحقاً بخط هوف، يقضم لمصلحة كيان العدو جزءاً لا يُستهان به من حقوق الدولة اللبنانية، فتمّ رفضه، لتنتقل مَهمة الوساطة إلى مساعد وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية للشرق الأدنى، الذي أُفهم بدوره مطالب لبنان المتمثلة بترسيم الحدود البرية بالتزامن مع الحدود البحرية وبرعاية الأمم المتحدة، من خلال مفاوضات غير مباشرة.
إن تمسّك لبنان بترسيم الحدود البرية (مع أنني أميل إلى استخدام مصطلح الانسحاب من نقاط الخرق على الحدود البرية)، تزامناً مع ترسيم الحدود البحرية ليس عبثياً، بل ينطلق من تأثير استعادة لبنان للأجزاء التي قُضمت أثناء ترسيم الخط الأزرق، خلافاً للحدود البريّة المعترف بها دولياً والمرسومة أصلاً، في تثبيت الحق في المنطقة الاقتصادية الخالصة ولا سيما في البلوكين /8/ و/9/. وللتوضيح، بعد انسحاب العدو الإسرائيلي في عام 2000، جرى ترسيم ما عُرف اصطلاحاً بـ«الخط الأزرق»، وهو خط انسحاب العدو من الأراضي اللبنانية، ولا يُشكل بأي حال من الأحوال حدوداً دولية. وتضمّن «الخط الأزرق» مجموعة مناطق «متحفّظاً عليها»، بلغت ثلاث عشرة منطقة، تُعتبر نقاطاً لبنانية مؤكدة من دون أي لُبس استناداً إلى اتفاقية «بوليية ــ نيوكمب»، وهي اتفاقية الترسيم النهائي لعام 1923 بين دولتَي الانتداب، فرنسا وبريطانيا، ثم إلى اتفاقية الهدنة التي ثبّتت الترسيم الدولي للحدود البريّة. وأهم نقاط الخرق هي نقطة B1 في رأس الناقورة، والبالغة مساحتها تقريباً ( 3341 م2 )، وهي منطقة تأخذ بعداً استراتيجياً مهماً للغاية، بفعل تأثيرها على آلية ترسيم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة من جهة، ثم لأنها تملك مواصفات جيوسياسية وجيو ــ عسكرية من جهة ثانية، إذ يُتاح عبر هذه البقعة، الإشراف البصري والسيطرة بالنار على مساحة هائلة من البحر والبر، بدءاً من مستعمرة «روش هانيكرا» المحاذية لرأس الناقورة، مروراً بكامل ساحل فلسطين المحتلّة لغاية بلوغ مدينة حيفا. هذه النقطة، هي النقطة البرية المعتمدة كمِعلم، لتحديد خط الأساس، وتالياً بداية خط العرض لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، بلحاظ الإحداثيات الجغرافية العائدة لها في حدودها الجنوبية المودعة لدى الأمم المتحدة من قبل الحكومة اللبنانية، والتي تمتد من النقطة B1 في رأس الناقورة إلى النقطة 23. وصفوة القول إن الاستغناء عن نقطة B1 البرية، هو تنازل حكمي وضمني عن المساحة المتنازع عليها، والعكس صحيح، أن أي تنازل بحري سيقود حتماً إلى تنازل عن مساحات برية بشكل تلقائي. توجب هذه العوامل ربط مسار ترسيم الحدود البحرية مع ترسيم الحدود البرية، بلحاظ خط الهدنة وتثبيت نقطة B1، لتثبيت الإحداثيات المسلّمة رسمياً إلى الأمم المتحدة، من دون أي تنازل لمصلحة كيان العدو. وعلى ما يبدو، فإن رفاهية استخدام الوقت وبعض الترف السياسي، ستؤثر سلباً على حقوق لبنان المشروعة، ولا سيما بعد الاعتداء البحري، ليل 27/11/2019، والتعليق الهزيل والركيك للمتحدث باسم قوات «اليونيفل»، ما يوجب إعلان التعبئة العامة السياسية والقانونية والدبلوماسية، واستخدام كل الوسائل المشروعة لحماية سيادتنا وثرواتنا الطبيعية. وليس أقل من ذلك، توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى الأمم المتحدة يُعلن فيها لبنان، ليس إدانة دخول باخرة Med surveyor «ميدسرفايور» إلى حرم المنطقة الاقتصادية اللبنانية فقط، بل يؤكد أنه سوف يتعامل مع أي خرق جديد كهدف مُعادٍ، لكونه يشكل تهديداً للأمن وللسلام الدوليين، ويتحمل كيان العدو وحده المسؤولية. لعل ذلك يحفّز الأمم المتحدة على التدخل سريعاً، كوسيط، وبالتالي على البدء بعملية إزالة الخروقات البرية، وفقاً للحدود الدولية المعترف بها، ثم المباشرة بالترسيم البحري، بالتزامن وبعد تصحيح الخروقات، وتحديداً في النقطة B1. فقد باتت الوسائط الأخرى ــ مثل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، أو المحكمة الدولية لقانون البحار ITLOS، أو إلى التحكيم ــ مُستبعدة في المدى القريب، نظراً إلى وجود عوائق قانونية جمّة، ليس أقلّها عدم توقيع كيان العدو على الاتفاقية الدولية لقانون البحار.

*محامٍ وأستاذ جامعي

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق