محمد فرج يكتب..رسالة وليام ساليفان: «عقاب إيران لا ينفع»

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بعد الخروج الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، وبعد التهديدات الحامية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب - والتي لم تتوقف عند حدود التهديد بسنوات عجاف ستعيشها إيران - يصرّح مجدداً بإمكان عقد «صفقة حقيقية» مع إيران. وليس في ذلك إشارة للاستنتاج المكرر بتخبّط الإدارة الأميركية بين قطبي الوعيد والتهدئة الواقعية فقط، وإنما أيضاً بلا جدوى الاعتماد على العقوبات لتطويع الموقف الإيراني، الذي لم يتغيّر بعد أكثر من ثلاثة عقود من الحصار الاقتصادي والسياسي.

 

منذ وصول الثورة الإسلامية إلى السلطة في إيران عام 1979، والدولة الإيرانية تتعرض لموجات متتابعة من العقوبات، تفرضها الولايات المتحدة الأميركية مباشرة، أو تمرّرها عبر الأمم المتحدة، يتجاوب معها الأوروبيون تارة، ولا ينفذونها تارة أخرى. بعد سقوط الشاه، وتذرعاً بحادثة الرهائن الأميركيين، التي نفذها الثوار الإيرانيون، أعلن الرئيس الأميركي السابق، جيمي كارتر، عن تجميد الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة، وقد شمل ذلك مستحقات مالية للدولة الإيرانية، ومعاملات مالية عالقة في بنوك الولايات المتحدة، وأصول السفارة الإيرانية في واشنطن. وبعد اتفاق الجزائر وتشكيل محكمة المطالبات الأميركية الإيرانية، لم تتوقف العقوبات والحجوزات، تم الحجز على سندات تزيد على مليارين لمصلحة البنك المركزي الإيراني في سيتي بنك الأميركي، و 1.6 مليار عبرت لوكسمبرغ التي مررتها بدورها إلى البنوك الأميركية لتحتجر هناك، و50 مليون دولار من حسابات للسفارة الإيرانية في الولايات المتحدة.

ترافقت الإجراءات المالية بقرارات حجب الاستيراد والتصدير وتحديداً النفط ومختلف البضائع، ومعاقبة الشركات التي تعمل مع إيران، ومنعها من تأمينات الشحن التي تسيطر عليها بالأساس 13 شركة أميركية مستقرة في نيويورك، ومحاولة حرمان إيران من الاستفادة من الترانزيت، وحجب قطع الغيار عن طيرانها المدني، ومنع التعامل المباشر مع بنوكها، وحجبها عن النظام المالي الأميركي، ولاحقاً حجبها عن النظام المالي العالمي عبر رفض الحوالات غير المباشرة أيضاً.

لم تكن تلك العقوبات قاسية في جوهرها الاقتصادي فقط، وإنما في دلالاتها السياسية أيضاً، ومن تلك الدلالات ما يطاول العرب أكثر مما يطاول الإيرانيين أنفسهم؛ فالولايات المتحدة طالبت بمبلغ 36 مليار دولار كتعويض لعائلات 241 قتيلاً من قوات المارينز التي هاجمت بيروت، وفي المقابل ارتأت أن 61 مليون دولار كافية لتعويض العائلات الإيرانية التي مات أبناؤها بعد أن أسقطت المارينز (بالخطأ) طائرة مدنية أقلتهم من طهران إلى الإمارات.

كيف واجهت إيران كل ذلك؟ وكيف صمدت إلى لحظة الجلوس إلى طاولة المفاوضات لإبرام الاتفاق النووي؟

ثلاثة عناصر أساسية مكّنت الإيرانيين من مواجهة موجات العقوبات المتتابعة هذه؛ اقتصاد داخلي سيادي ومنتج وغير ترفي، وعلاقات تبادل اقتصادية خارج الفضاء الأميركي، وجيش قوي.

الصين والهند من أكبر الدول المستوردة للنفط الإيراني

 

كان الاقتصاد الإيراني في حكم الشاه جاهزاً لأي ابتزاز غربي، فسياسة الشاه كانت تحوّل المجتمع الإيراني، الفني والماهر إلى نسخة أخرى من مجتمعات الخليج المعتمدة على الريع، وتنتشر فيها العمالة غير الماهرة. فجميع المشاريع التي دعا إليها الشاه خلال «الثورة البيضاء» كانت تعتمد على الاستثمار الخارجي بتمويل معتمد على ريع النفط، وليس في ذلك أي اعتماد على الموارد البشرية المتمكنة في الداخل. إضافة إلى ذلك فقد أجهزت «الثورة البيضاء» على الزراعة في إيران، حيث أنها أطلقت شعار إسقاط الإقطاع، وفي الوقت نفسه أبقت الفلاحين بلا دولة. يمكن القول إن هذا النموذج من الاقتصاد في إيران قد انتهى بعد الثورة الإسلامية وسنوات الحصار؛ طبقة عاملة ماهرة وزراعة قوية لن تسمح بصيغة إيران الشاه من جديد، ومهما كانت مآلات العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، فليس هنالك آفاق لصيغة «التبادل غير المتكافئ» السابقة بين البلدين، وهذا ما فرضته حقبة العقوبات وما تبعها من صمود الإيرانيين، وليس أي شيء آخر.

كانت جهود التصنيع الداخلية في إيران وتصريف المنتج في السوق الداخلية، والحفاظ على عدد من خطوط التبادل التجاري مفتوحة لتصدير النفط وفائض البضائع العوامل السحرية في تجنيب إيران عزلة اقتصادية مطلقة.

تعتبر الصين والهند من أكبر الدول المستوردة للنفط الإيراني، حيث تصل تقديرات وارداتها لعام 2018، 700 ألف برميل يومياً، 620 ألف برميل على التوالي. تقديرات واردات تركيا – التي لم تؤيد خطوة الحظر القادم – تصل إلى 200 ألف برميل - يومياً. ومع الجانب الروسي، تتفق إيران على برامج ضخمة لتطوير الطاقة، بحجم استثمار يصل إلى 30 مليار دولار، ومع الصين تتبادل أغلب الأحيان من دون استخدام العملة الصعبة، وإنما اعتماداً على تبادل منتج لمنتج.

تتأرجح أوروبا في خياراتها منذ التسعينات، فبعد أن رفضت الانسياق لمنطق العقوبات الأميركية عام 1995، عادت عام 2010، لتصبح عقوباتها موازية للعقوبات الأميركية. أوروبا اليوم بين خيارات شراء النفط الإيراني واستكمال مشاريع الاستثمار التي عقدت مع الإيرانيين في حزمة واحدة (الباصات السويدية، المشاريع المشتركة لرينو وسيتروين مع مصانع السيارات الإيرانية، مشروع سكة الحديد مع شركات إيطالية، مشروع توربينات الغاز مع سيمينز الألمانية، إلخ)، وفي الكفة الأخرى اللحاق ببرنامج العقوبات الأميركي، وإلغاء كل ذلك.

بخصوص الجيش (العنصر الثالث)؛ منذ سقوط القاجار في إيران، وتسلّم الشاه الأب السلطة، نشأت طبقة من الضباط داخل الجيش الإيراني، تمتعت بالكثير من الامتيازات وأسباب الرفاهية، والعيش الرغيد، ومالت إلى حياة الكسل، ولم تتكافأ امتيازاتها مع الحجم المختصر لمهماتها، وهذا ما فسّر عدم صمودها أمام الزحف السوفياتي والبريطاني في الحرب العالمية الثانية، وانهيار الجيش وإحالته إلى شرطة عسكرية سريعاً. مع الشاه الابن، عادت طبقة الضباط لتتشكل من جديد، واعتمد الجيش أكثر على البعثة الأميركية المقيمة في طهران، وعلى السلاح الأميركي الذي ابتز الاقتصاد الإيراني على نحو يشبه ابتزاز الخليج اليوم. بعد وصول الثورة الإسلامية إلى السلطة، كان هدف السلطة هو إعادة ترميم الجيش من زاويتين أساسيتين؛ العقيدة الجامعة كبديل عن طبقة ضباط كسالى ومستفيدين، والاعتماد على تصنيع السلاح في الداخل، وهذا ما كان!

في حمأة الثورة الإسلامية في إيران، وفي خضم أحداث رهائن السفارة الأميركية، كان يصر الرئيس جيمي كارتر على تدبير انقلاب عسكري يعيد الشاه إلى إيران، بنسخة مشابهة لما حصل عام 1953، عندما انقلب الشاه على حكومة مصدق. كان ويليام ساليفان، السفير الأميركي الأخير في إيران يعرف أن إسقاط النظام الناشئ في إيران غير ممكن، وأن الطريقة العقيمة التي يعالج بها كارتر القضايا الشائكة والحساسة لم تتوقف عند حدود معقولة، وأن طموحات بريجنسكي الضالة لن تجد مأوى لها في طهران. كان يوصي السفير الأميركي، استناداً لما عرفه وعاشه في طهران بعدم استقبال الشاه، والتركيز على فتح قنوات مع السلطة الجديدة التي لن تسقط، وعدم التفكير في فرض عقوبات عليها. يختم ساليفان كتابه «أميركا وإيران»، الذي يؤرخ فيه العلاقات الأميركية - الإيرانية في عهد الشاه وبدايات الثورة الإسلامية، أن الولايات المتحدة – بعد الثورة الإسلامية- دخلت محطة من الإذلال القومي والإحباط لم يسبق لها مثيل، وكل ذلك بسبب تبجّح الإدارة الأميركية، بطفلها المدلل كارتر، وذئبها السياسي المتعجرف، بريجنسكي.

توفي وليام ساليفان عام 2013، ولعله الآن يتململ في قبره، ليوصل رسالة إلى الرئيس الجديد: «لا تتهور، إنهم يصمدون طويلاً!».

* كاتب أردني

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق