الدكتور أحمد راسم النفيس يكتب..لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ....

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) سورة الفتح 27.

أحدث اعلان عبد العزيز نفسه "ملكا على البلاد المقدسة" عام 1925مـ ضجة كبرى في العالم الإسلامي عامة وغضبا شديدا في مصر والهند بوجه خاص.

ونتيجة لذلك لم ير عبد العزيز بدا من دعوة المسلمين إلى عقد مؤتمر في الحجاز سنة 1926مـ فوجهت الدعوة باسمه إلى عدد من الأقطار وحضرت بعثات عربية إسلامية ومنها بعثة برئاسة الشيخ محمد الاحمدي الظواهري الذي أصبح شيخا للأزهر فيما بعد.

وقال أحد أعضاء وفد سوريا ردا على يوسف يس (معاون عبد العزيز): (ان البلاد المقدسة حتّى بعد تتويج سيدك نفسه ملكا لم تعد لك ولا لسيدك ولا لبريطانيا التي سلمتكم أرضنا الطاهرة، ان الأرض هي ارض عربية أولا وهي أرض إسلامية ثانيا، ونحن في مؤتمر إسلامي عقد اما لمنحكم الثقة وإلا لا ثقة، والحقيقة أن الثقة فيكم معدومة).

وتكهرب الجو، وقام الشيخ الظواهري رئيس البعثة المصرية بالقاء كلمة ارتجالية قال فيها: (سأقول بصراحة وأرجو أن لا يتالم أحد. كم قال القائلون أن السعوديين يكفّرونكم وكنا نشك في بعض ما يقال.

ولقد رأيت بعيني هنا أمراً آلم نفسي… فقد كنت بالحرم أمرّ خلف المقام بعد الطواف فشاهدت جماعة يلتفون حول شخص مصري ويقولون له بعنف شديد وقسوة "أأنت قلت يا رسول الله؟!" هنا خاف الشخص في نفسه وأنكر ـ أنه قال يا رسول الله! ـ وانكمش وذعر إلى درجة أفاضت عيني من الدمع وقد جاءني بعد ذلك ومعه كثيرون من المصريين يقولون لي: "أرأيت كيف ينكرون علينا قولنا يا رسول الله ويدعوننا إلى الكفر؟!" فهّدأت روع من جاءني وقلت لا تفزعوا حتّى يتبين الحق!.

وأنا أناشدكم الله ورسوله ـ وإذا قلت ورسوله فلا أريد أن يعترض علّي معترض لأن هذا هو اعتقادي!).. وقال: (والحجاز مركز عام لاهل القبلة[1]جميعا يفد عليه المسلمون من كل فج على اختلاف مذاهبهم الفقهية والكلامية ليقضوا مناسكهم ولهذا يقرر المؤتمر أن يؤدي الحجاج عبادتهم ومناسكهم ولا يمنعوا منها أبدا ولا تمس كرامتهم)…

ثم قام أحد الباكستانيين يشكر أعضاء المؤتمر على جهودهم واجتهادهم داعيا للصلح والتسامح ثم تدرج رويداً رويداً إلى كيل الشكر والثناء والمديح للملك الغاصب عبد العزيز بن سعود وقال: (ان ابن السعود باعتباره حاكماً للحجاز فان له سيادة نوعية على العالم الإسلامي أجمع) فنهض الشيخ الظواهري مقاطعا كلامه بقوله: (نحن لا نقرك على قولك هذا) ثم انتهى المؤتمر بمثل ما افتتح به من رفض مطلق لحكم الاحتلال السعودي… ثم أقام ابن سعود وليمة للمؤتمرين وحاول أن يخدعهم بكثرة الطعام ومعسول الكلام… ولكن الجميع أعربوا له أنهم على علم بأنه سوف لن ينفذ أي قرار من قرارات المؤتمر وأنه ما دعاهم إلا تستراً على أعماله الفاحشة وتضييعاً للوقت ليتمكن من السيطرة على الاراضي المقدسة بقوة الاحتلال السعودي.

ثم قال الشيخ الظواهري: (انني أريد أن أتكلم لك يا عبد العزيز في شئ مهم وهو أننا زرنا اليوم المآثر والمقابر فرأينا ما فتت أكبادنا وأسال دموعنا ومالا يقره دين ولا شرف ولا انسانية. فقد رأينا الكلاب ترتع وتبول على أرض مسها جسم النبي العربي عليه السلام وهدمتم كل آثار هذا النبي ومآثر جهاده في سبيل اعلاء شريعة العدل والسماحة والمساواة والحرية وأصبحت كل هذه المآثر قاعا بلقعا تتكاثر فيه الكلاب وقلنا: لا شك أن حاكم فعل هذا باسم الدين هو من الدين براء، بل هو لم يأت إلا لخراب الدين وقواعده واسسه وكل ما يدل على تاريخه، يا عبد العزيز…

ان من كان قبلكم من الفاتحين المسلمين كانوا يحولون معابد غير الله إلى مساجد ومنابر لحرية الرأي ومهما قلتم في أسباب هدمكم لمآثر النبوة والرسالة الإنسانية فلن يبلغ إلى مرتبة إلى مرتبة التصديق). المصدر: تاريخ آل سعود ناصر السعيد ج2.

ولنا ملاحظة بالغة الأهمية وهي أن مشاركة الشيخ الظواهري في هذا المؤتمر تكاد تكون مستبعدة من المواقع المصرية شبه الرسمية حرصا على مشاعر غاصبي الأماكن المقدسة مدنسي المسجد الحرام وطمسا للحقائق وكأن الولاية على هذه الأماكن الطاهرة هي حق مقدس وتليد ورثه الأبناء عن الآباء!!.

الآية الكريمة التي افتتحنا بها المقال تفصل معنى الفتح الإلهي وبعض معالم الولاية الدينية على الأمكان المقدسة التي يتعين استعادتها وإقرارها (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) ولك أن تلاحظ تكرار المعنى: آمنين... لا تخافون، فكيف أصبح حال حجاج بيت الله الحرام تحت الوصاية الصهيوهابية؟!.

بعض هذه الشكاوى تحدث عنها الشيخ الظواهري رحمة الله عليه والبعض الآخر لم يكن ليخطر له ولا لغيره على بال.

في العام 2015 أي قبل أربعة أعوام وقعت فاجعة منى حيث بلغ عدد الضحايا 1358 قتيلا وفق حصيلة تم إحصاءها بناء على أعداد الضحايا التي أعلنتها دول قضى مواطنون لها في هذا الحادث، إلا أن الرياض أعلنت مقتل 769 حاجا على الأقل فقط حتى الآن ولم تنشر بعد القائمة التفصيلية لجنسيات الضحايا.

وبينما لم تعلن المملكة الوهابية حصيلة نهائية للفاجعة لم يكن صعبا على وكالات الأنباء أن تحصي هذا الرقم المأساوي!!.

أما موقع الميدل إيست آي فكان له رأي مختلف معتمدا على ترقيم الجثث في الثلاجات حيث ذكر أن العدد تجاوز ألفي شهيد سقطوا بسبب الإهمال الإجرام المتعمد للاحتلال الوهابي!!.

طبعا لم تكن هذه هي جريمة (الإبادة) الأولى بحق حجاج بيت الله الحرام فقد سبقتها جرائم وجرائم بما ينفي كذبة الصدفة أو الإهمال وإلقاء اللوم على الحجاج وعدم إصغائهم لأوامر وتعليمات السلطة الوهابية الغاصبة لأقدس حرمات الأمة الإسلامية!!.

يأتي بعد ذلك من يستغرب من قولنا أن تحرير المسجد الحرام من تلك السلطة الباغية حتمية أو أنه شطحة لا مبرر لها!!.

إنها سلطة تتلذذ بإخافة زوار بيت الله الحرام وحرمانهم من نعمة الأمن.

من كان وليا للصهاينة والأمريكان ليس أهلا أن يكون (أولياء للمسجد الحرام) وإنا لله وإنا إليه راجعون.

(وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الأنفال 24.

د أحمد راسم النفيس

‏الثلاثاء‏، حزيران‏ 18‏، 2019

 

[1] انظر: "الازهر والسياسة" للشيخ الظواهري. و"عشرون عاما في جزيرة العرب، للمستشار السعودي حافظ وهبة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق