الدكتور أحمد راسم النفيس يكتب..من أحرق مكتبة بغداد؟!... هل كان هناك حقا مكتبة بغداد؟!

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

منذ زمن ونحن نسمع عن (أسطورة) تدمير مكتبة بغداد على يد التتار سنة 656هـ حيث كان الإخوة يقولون (ولا زالوا) أنها أحرقت وتارة أخرى يقولون أنها ألقيت في نهر دجلة حتى أن النهر اصطبغ بلون الحبر الأسود!!.

قائل هذا الكلام الكذاب الأخواني راغب السرجاني الحاصل على جائزة مبارك للعلوم الإسلامية عام 2010 ربما مكافأة له على تسويد الحقائق وتلويث ما تبقى من عقول الشباب!!.

يقول الكذاب الإخواني: بينما كان فريق من التتار يعمل على قتل المسلمين وسفك الدماء اتجه فريق آخر من التتار لعمل إجرامي آخر.. عمل ليس له مبرر إلا أن التتار قد أكل الحقد قلوبهم على كل ما هو حضاري في بلاد المسلمين واصفا هذا العمل بالجريمة الحضارية، قائلا: نحن نتحدث عن دار للعلم حوت ملايين المجلدات في هذا الزمن السحيق!!.. ملايين الكتب في مكتبة واحدة في زمان ليس فيه طباعة!!..ولا ندري بالتحديد كم عدد الكتب في هذه المكتبة الهائلة.. وإن كانت تقدر حقاً بالملايين.

أما موقع الويكيبيديا فيقول: لقد حمل التتار(المغول) ملايين الكتب الثمينة، وألقوا بها في نهر دجله. ولقد كان الظن أن تحمل هذه الكتب القيمة إلى قراقورم عاصمة المغول ليستفيدوا، ولكنهم لا يقرؤن ولا يريدون التعلم... كان هدفهم الوحيد "تخريب الدنيا". وألقوا الكتب حتى تحول لون مياه النهر إلى اللون الأسود من أثر مداد الكتب حتى قيل أن الفارس التتري كان يعبر فوق المجلدات الضخمة من ضفه إلى أخرى....

لم يكن هدفنا إثبات أو نفي قيام التتار بجريمة تدمير المكتبة بل التعرف على حجمها لو كان حقا هناك مثل هذه المكتبة!!.

تدمير مكتبة بغداد –إن صح الخبر- جريمة حضارية كبرى أما تدمير مكتبة القصر الفاطمي فعمل يثاب فاعله ومباركوه بجائزة مبارك وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للإخوان المسلمين من دون العالمين!!.

الرقم أولا مثير للدهشة والاستغراب فالمؤرخون الأيوبيون يقولون أن مكتبة القصر الفاطمي احتوت على قرابة مليوني كتاب، فمن أين جاء رقم الملايين هذا؟!.

بالعودة إلى كتب التاريخ لا نكاد نجد ذكرا لهكذا واقعة في البداية والنهاية لابن كثير ولا في تاريخ الذهبي (العبر في خبر من غبر) ولا في تاريخ ابن الوردي الذي ذكر واقعة اجتياح التتار لبغداد (ثم دخلت سنة 656: فيها قصد هولاكو بغداد وملكها في العشرين من محرم وقتل الخليفة المستعصم بالله) ملقيا باللائمة على الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي الرافضي (الشرير) الذي خطط للانتقام لأن (ابن الخليفة أرسل العسكر فنهبوا الكرخ وركبوا من النساء الفواحش.. فعظم ذلك على ابن العلقمي فكاتب التتار وأطمعهم في بغداد، وطمع الخبيث الغوي في إقامة خليفة علوي)[1].

رأيت: كم هو خبيث وغوي؟! لأنه حسب زعمه ودائما حسب زعمه!! غضب لانتهاك أعراض نساء بغداد فقرر الانتقام!!.

ثم يقول ابن الوردي: (ودام القتل والنهب في بغداد أربعين يوما)[2]، دون أن يأتي على ذكر إحراق الكتب أو إغراقها ولا ما يدعيه هؤلاء من وجود شيء اسمه (دار الحكمة)!!.

لاحظ أن المؤرخ (صاحب العقيدة الصحيحة) لا يستنكر ما قام به العسكر العباسي من سلب ونهب وهتك لأعراض النساء فلا شيء من هذا يثير غضبهم أو غيرتهم!!.

في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب لم يأت ابن العماد الحنبلي على ذكر المكتبة ولا ملايين الكتب، وكل ما هنالك أنه ذكر عدد من قتلهم التتار وأنه تجاوز المليونين وستمائة ألف وأن المجزرة استمرت مدة أربعين يوما (فقط لا غير)!!.

أما ابن كثير فيروي الواقعة في (البداية والنهاية) بصورة درامية:

استهلت سنة 656هـ وجنود التتار قد نازلت بغداد بقيادة، هولاكو خان، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم، خوفا على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى، وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله سبحانه وتعالى شيئا، وأحاط التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعا شديدا، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة -.....

ثم قام هولاكو بقتل الخليفة رفسا، وهو في جوالق لئلا يقع على الارض شئ من دمه، وقيل خنق، ويقال أغرق فالله أعلم!!.

طبعا لم يذكر ابن كثير قصة (المكتبة) التي (أحرقت) أو (أغرقت) والعاقبة عندكم في قادم الغزوات!!.

الوحيد الذي أشار إلى أزعومة المكتبة هو ابن خلدون في تاريخه حيث قال (واستولوا من قصور الخلافة وذخائرها على ما لا يحصره العدد والضبط، وألقيت كتب العلم التي كانت في خزائنهم بدجلة معاملة بزعمهم لما فعله المسلمون بكتب الفرس عند فتح المدائن واعتزم هلاكو على إضرام بيوت بغداد ناراً فلم يوافقه أهل مملكته).

أما قصة الكتب التي أحرقها المسلمون عندما دخلوا المدائن فقد ذكرها ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى (قالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم....) سورة الكهف.

كانت في خزائنهم.. يعني لا مكتبة ولا دار حكمة كما يزعم الحائز على جائزة مبارك في الكذب والدجل!!.

لماذا إذا جرى اختراع قصة المكتبة التي حوت ملايين الكتب؟!.

الهدف: ليس المسلمون وحدهم من يدمر المكتبات بل التتار أيضا!!.

أمة لم تجد وسيلة لمحو عارها سوى التذرع بمنطق (كلنا في الهم شرق) ومقارنة ما ارتكبوه من جرائم بما ارتكبه التتار حيث لا نرى فارقا حقيقيا بين هؤلاء وهؤلاء.

إنها سياسة خلط العار بالعار!!.

دكتور أحمد راسم النفيس

‏الثلاثاء‏، تموز‏ 16‏، 2019

 

 

[1] ص 195 تاريخ ابن الوردي ج2.

[2] ص 197 نفس المصدر.

أخبار ذات صلة

0 تعليق