الدكتور أحمد راسم النفيس يكتب..عندما تكون الوهابية والحداثة وجهان لعملة واحدة

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

من الناحية الشكلية يبدو أن الوهابيين والحداثيين على طرفي نقيض فهؤلاء يرتدون جلبابا قصيرا ويضعون شالا على رؤوسهم بينما يرتدي الحداثيون ملابس عصرية, إلا أن تتبع ما يطرحه بعض أدعياء العقل والحداثة ربما يكشف عن التقاء الفريقين حول منهجية واحدة في التفكير تقوم على إنكار ما لا يروق لهم خاصة إذا كان يندرج في إطار غير المحسوس.

الفارق الأهم أن الوهابيين يصفونه بالوثني في حين يصفه أدعياء الحداثة بالأسطوري أو الخرافي.

أصابنا القوم بالغثيان من كثرة استخدامهم لمصطلح الأسطورة والأساطير كما أنهم اعتادوا على شتمنا (بالنحوي) والإنجليزية واصفين أغلى وأعز ما نملك من تاريخ بالميثولوجيا وهو استخدام رديء لمصطلح انجليزي هو (Myth) أي الأكذوبة والخرافة الإغريقية والمعني أنهم يتسترون وراء المصطلح ليخرجوا بأفواههم ما تخفي صدورهم وكأن الأمر علم في علم وليس سبا وشتما!!.

الأساطير عند صاحب لسان العرب: هي الأَباطِيلُ وهي أَحاديثُ لا نظام لها، يقال سَطَّرَ فلانٌ علينا يُسَطْرُ إِذا جاء بأَحاديث تشبه الباطل. ويقال: هو يُسَطِّرُ ما لا أَصل له أَي يؤلف.

الأسطورة قصة خيالية ملفقة (لا نظام لها) من الأساس ولا سبيل لإثباتها لا جملة ولا تفصيلا ومن هنا كان وصف أعداء الإسلام للقرآن الكريم بالأساطير (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً). الفرقان 5.

الأهرام واستشهاد الحسين والسيرة الهلالية!!

يقف ما تبقى من أهرامات الجيزة بعد أن أعمل فيها السيد صلاح الدين هدما وتخريبا شاهدا على أنه كان هنا يوما ما حضارة ما, إلا أننا نفتقد التفاصيل المتعلقة بهذه الأهرامات كونها لم تصل إلينا لا مكتوبة ولا منقولة عبر الوجدان الشعبي.

ورغم ذلك يمكن لعلماء الآثار من خلال رصد ما تحمله هذه العلامات من رموز ومعان تقديم تصور ما عن تاريخ بناة الأهرام.

السيرة الهلالية قصة أو سيرة ربما كانت من نسج الخيال دونها الأدباء وتغنى بها شعراء الربابة لكن لا حقيقة لها لا على الأرض ولا في كتب التاريخ ومن ثم يمكن لأصحاب الخيال أن يزيدوا فيها وينقصوا حسب ضرورات الدراما ورغبة جمهور السامعين.

أما حين يتعلق الأمر بقصة استشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام فهي ثابتة على الأرض ثبات الأهرامات التي استعصت على معاول الهدم وهي متواترة في الوعي الجمعي المتوارث للمسلمين ولا يعدو أن يكون تدوينها في كتب التاريخ تدوينا لتفاصيل حدثٍ شهد عليه العالم من يوم حدوثه وحتى هذه اللحظة.

لا أعتقد أن عاقلا يمكن له أن ينكر العناصر الأساسية في واقعة استشهاد أبي الأحرار الحسين بن علي متذرعا بإنكاره لبعض تفاصيل الواقعة أو لأن أحدا غير أبي مخنف أو ابن جرير الطبري لم يذكر الواقعة في كتابه (لو صح هذا) وكأن هذا الحدث الجلل كان مجرد حادث سير عادي يتوقف إثباته على ما دونه شهود الواقعة وليس حدثا مفصليا في تاريخ الإسلام والمسلمين.

التاريخ المتعلق باستشهاد الحسين ليس مجرد نصوص مسطرة في كتب التاريخ فهو أيضا تاريخ مكتوب على الأرض راسخ رسوخ أهرامات الجيزة ويكفي أن يقال (كربلاء) ليعرف الإنسان أنها شاهد على الزمان والمكان والإنسان!!.

أي جرأة إذا تمنح صاحبها القدرة على إدراج واقعة استشهاد الإمام الحسين بن علي في عالم الأساطير والخرافات أو ال mythology إلا إذا كان الأمر على طريقة اكذب واكذب حتى يصدقك الناس.

أساطير أم شعائر الله؟!

يقول سبحانه وتعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) البقرة (158).

يقول ابن جرير الطبري في تفسيره: وَإِنَّمَا عَنَى اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة} فِي هَذَا الْمَوْضِع: الْجَبَلَيْنِ الْمُسَمَّيَيْنِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي حَرَمه دُون سَائِر الصَّفَا وَالْمَرْو أي الأحجار {مِنْ شَعَائِر اللَّه} يَعْنِي مِنْ مَعَالِم اللَّه الَّتِي جَعَلَهَا تَعَالَى ذِكْره لِعِبَادِهِ مَعْلَمًا وَمَشْعَرًا يَعْبُدُونَهُ عِنْدهَا إمَّا بِالدُّعَاءِ وَإِمَّا بِالذِّكْرِ وَإِمَّا بِأَدَاءِ مَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَمَل عِنْدهَا.

شعائر الله هي الرموز والعلامات المعبرة عن حقيقة الدين ويمكن أن تكون بشرا رمزا قدم أعظم التضحيات تجسيدا وتطبيقا لهذه المبادئ  كالإمام الحسين بن علي عليه السلام ويمكن أن تكون حدثا كغزوة بدر الكبرى أو غيرها من المواجهات التي دارت بين الحق والباطل ويمكن أيضا أن تكون موقعا أو جبلا مثل جبلي الصفا والمروة اللذين شهدا الاستجابة الربانية لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ). إبراهيم 37.

شعائر الله لا يمكن أن تكون مجرد أساطير أو أكاذيب وخرافات اللهم إلا في مخيلة من لا يقيم لهذا الدين أو لرموزه قيمة ولا وزنا.

الموقف (الحداثي) لا يختلف في مضمونه عن الموقف الوهابي من هذه الرموز والشعارات فالحداثي يلوح بتهمة الأسطورة الأكذوبة في مواجهة كل ما لا تستسيغه أمعاؤه (المطهرة) بعد أن أصبحت أمعاؤهم هي المعيار أما الموقف الوهابي فيرى في رموز الإسلام وشعائره بشرا كان أم حجرا أصناما وأوثانا تعبد من دون الله.

الموقف الوهابي اعتمد سياسة المعاول والجرافات كأداة وحيدة لإزالة هذه الشعارات والرموز التي جرى اعتبارها كلها (الأماكن والبشر) رموزا للشرك والوثنية يتعين إزالتها ومحوها من على وجه الأرض والسبب في ذلك يكشفه لنا سانت جون (عبد الله) فيلبي رجل المخابرات الإنجليزي الذي أشرف بنفسه على هدم الأضرحة والقباب في الحجاز قائلا (إن ذلك سيجعل الأجيال القادمة تنسى الوقائع التاريخية المرتبطة بهذه الأماكن).

أما الموقف (الحداثي) إن جاز تسميته هكذا فيقوم على التسفيه والتشكيك والشتم بالنحوي والإنجليزي (mythical & mythology) إذ أن كل ما لايعجبهم هو خرافي وأسطوري وجزاهم الله خيرا لأنهم تركوا قرارات الهدم والإزالة لقيصر إن شاء هدم وإن شاء أبقى!!.

لا نعتقد أن تحديث العقل يمكن أن يقوم على قاعدة الاستخفاف بحقائق التاريخ والإيمان لأن هذا يعني شيئا واحدا هو أن هذا العقل سيصبح عقلا فارغا حتى ولو كان جميل الشكل كالبالون الملون الذي يعاني من حالة تضخم وانتفاخ ما تلبث أن تنفجر ولا يبقى لها من أثر إلا صوت انفجار وبقايا أشرطة ملونة فضلا عن قبض الريح.

 دكتور أحمد راسم النفيس

‏07‏/09‏/2009

‏18‏ رمضان‏، 1430

أخبار ذات صلة

0 تعليق