الدكتور أحمد راسم النفيس يكتب.. الإمام علي بن أبي طالب... عن السلام وحوار الثقافات

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يواجه العالم الآن واحدة من أخطر المعضلات متمثلة في الفكر الوهابي التكفيري الذي يسعى جاهدا لبسط نفوذه على العالم وفقا للنموذج الذي يؤمن به والذي لا يبالي بقيمة ولا بعرف ولا بقانون دولي أو محلي.
لذا فنحن نعتقد اعتقادا جازما أن ثمة ضرورة ملحة لإيجاد حل جذري لهذه الكارثة التي اتسعت وخرجت عن نطاق عالمنا الإسلامي لتهدد كثيرا من بلدان العالم، وأن علينا العودة إلى جذور المشكلة علنا نتمكن من إيجاد حل ناجع يريحنا ويريح العالم بأسره ويمنع استمرار هذه الأزمة ومحاولة توظيفها في بازار السياسة الدولية.
ولأن الثقافة التكفيرية شكلت ولا تزال أحد أهم أسباب اندفاع كثير من الجماعات الدينية والمذهبية نحو الصدام مع الجماعات المختلفة ثقافيا في محاولة منها لحسم الصراع الفكري بالقوة ولو أدى لذلك لسقوط أنهار من الدماء.
لم يتصرف الإمام علي بن أبي طالب يوما كقائد لحزب أو لجماعة تتنافس من أجل الإمساك بالسلطة بل تصرف كقائد عظيم لأمة عظيمة حيث كان همه الأول هو تثبيت حزمة من القيم الأخلاقية المستقاة من القرآن العظيم ومن سنة رسول الله ص حتى ولو أدى ذلك لخسارة سياسية في الأمد المنظور لأنه كان يرى ويؤمن أن الغايات الشريفة والنبيلة لا تتحقق إلا عبر وسائل وأدوات من ذات النوع ولم يكن يقبل تلك النظرية التي يؤمن بها كثير من الساسة في زماننا وفي كل زمان وهي (الغاية تبرر الوسيلة).
لا ينكر أحد أن علي بن أبي طالب كان له قصب السبق في مواجهة التيار الخوارجي التكفيري من خلال تأسيس ثقافة الحوار والتسامح، مقابل ثقافة السيف والقهر التي يسعى البعض الآن للدمج بينها وبين الإسلام ملقيا باللوم على أحكام الدين وليس على تلك التيارات المنحرفة عن نهج الدين القويم.
علي بن أبي طالب: الثقافة والحضارة
لم يبرز مصطلح الثقافة والفكر إلا في الآونة الأخيرة، أما في العصور الأولى فالمصطلح السائد هو مصطلح (العلم).
في مقابل مصطلح العلم المستند إلى فهم صحيح للدين هناك مصطلح الجاهلية الذي يوصفبه أي سلوك بشري يستند إلى الأعراف الاجتماعية السائدة بغض النظر عن التزامها بأحكام الدين من عدمه مثل عادة وأد البنات فضلا عن الموروث القبلي الذي يوجب نصرة القبيلة ضد أعدائها بغض النظر عما إذا كانت هذه القبيلة على حق أو على باطل في سلوكها.
أضيف الآن إلى مصطلح الجاهلية مصطلح التطرف والإرهاب الذي هو من وجهة نظرنا نوع من الجاهلية حيث نرى جماعات من البشر تتمسك بفهم قشري سطحي للدين وترى في كل من لا يدين لها ولفهمها القاصر المبتسر كافرا يتعين قتله وانتهاك حرمته ونرى في نفس الوقت أن من يفترض أنهم علماء الدين يؤثرون السلامة ولا يقومون بواجبهم في تعرية هؤلاء الإرهابيين وفضح زيفهم وانعدام صلتهم بصحيح الدين.
هنا نرى بوضوح أهمية وتقدم دور الإمام علي بن أبي طالب في مواجهة هذه التيارات المنحرفة التي تعمل بدأب على تقديم الإسلام كدين جاهلي لا يؤمن بالحوار ولا يقدم فكرا أخلاقيا راقيا بينما يقول الواقع أن الإسلام سبق الحضارة العالمية بتأسيس حزمة من القيم الكفيلة حال الالتزام بها لتأسيس مجتمعات تحظى بالسلم الداخلي وتساهم في تأسيس السلم العالمي.
نقول هذا انطلاقا من حقيقة ثابتة وهي أن الأديان السماوية بلا استثناء جاءت من نبع واحد حاملة ذات القيم الأخلاقية الرفيعة لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الجاهلية المنحطة نحو الرقي والتحضر وإن اختلفت التفاصيل بين هذا الدين أو ذاك، إلا أن هذه الاختلافات لا تطال الجوهر الأساس لهذه الأديان.
الآن برز مصطلح التنوير للدلالة على ثقافة أو ثقافات تقف موقف الضد من ثقافات يراها البعض عودة للسلوك الجاهلي ويمكن لنا إسنادها إلى قوله تعالى (الله نور السماوات والأرض)،(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة (257).
سيادة التنوير والعلم والمعرفة تحتاج إلى رجال من نوع خاص كما أنها تحتاج إلى تأسيس مجتمعي يضمن استمرار هذه العملية لتتكامل يوما بعد يوم وتؤسس حضارة تنتمي للإسلام توفر الأمن والسلام لأبناء المجتمع وتسعى لنشر هذا النور في أرجاء العالم وتوسس علاقات دولية قائمة على الأمن والسلام والحوار مع الدنيا بأسرها.
الأمم التي تستند في بنائها الحضاري إلى قواعد أخلاقية راسخة هي الأقدر على تحقيق السلام والوفاق الدولي وليست تلك الدول التي بنت حضارتها على السلب والنهب وإبقاء الآخر المختلف في حالة قهر وضعف لئلا يتمكن من الاستفادة من موارده المادية والإنسانية.
في كتابه صراع الحضارات يقول صمويل هنتجتنون:
وقد كشف المفكرون الفرنسيون عن فكرة الحضارة وطوروها كنقيض لمفهوم البربرية فالمجتمع المتحضر يختلف عن المجتمع البدائي لأنه كان مستقرا ومدينيا وليس أميا كان من الحسن أن تكون متحضرا ومن السيئ ألا تكون..
مفهوم الحضارة قدم معيارا نحكم به على المجتمعات وخلال القرن التاسع عشر كرس الأوربيون الكثير من الجهد الفكري والسياسي لشرح المعيار الذي يمكن على أساسه الحكم على المجتمعات غير الأوربية إن كانت متحضرة بما يكفي حتى يمكن قبول عضويتها في النظام العالمي الذي تسيطر عليه أوربا.
كيان ثقافي؟؟
الحضارة كيان ثقافي خارج ألمانيا.. لقد وضع المفكرون الألمان في القرن التاسع عشر تمييزا حادا بين الحضارة التي تتضمن الآلات والعوامل المادية وبين الثقافة التي تتضمن القيم والمثل والصفات الذهنية والفنية والأخلاقية الراقية في المجتمع وظل هذا التمييز قائما في الفكر الألماني وإن لم يقبل في أي مكان آخر.
وهناك اتفاق عام خارج ألمانيا على أن من المضلل أن نحاول فصل الثقافة عن أساسها الحضارة.
الحضارة والثقافة كلاهما يشير إلى مجمل أسلوب الحياة لدى شعب ما والحضارة هي ثقافة على نطاق أوسع وكلاهما يضم المعايير والقيم والمؤسسات وطرائق التفكير التي علقت عليها أجيال متعاقبة أهمية أساسية في مجتمع ما ... الحضارة عند برودل فضاء.. مساحة ثقافية.. ومجموعة من المواصفات الثقافية، كما أنها ظاهرة يعرفها (وولرشتاين) بأنها نظرة مركزة إلى العالم والعادات والبنى الثقافية المادية والراقية معا التي تكون نوعا من الكل التاريخي والتي تتعايش وإن لم يكن دائما في نفس الوقت مع ظواهر متنوعة.
الحضارة عند (داوسن) نتاج عملية أصيلة خاصة من الإبداع الثقافي والتي هي من صنع شعبما بينما هي عند دوركهايم وماوس نوع من وسط أخلاقي يضم عددا معينا من الأمم كل ثقافة وطنية هي شكل خاص من الكل وعند شبنجلر الحضارة هي المصير الحتمي للثقافة أي أن الثقافة هي الفكرة العامة في كل تعريف للحضارة تقريبا.
الحضارات أيضا شاملة بمعنى أن أي جزء من مكوناتها لا يمكن فهمه تماما دون الرجوع إلى الحضارة التي تضمه حيث يقول توينبي الحضارة تشمل ولا يشملها غيرها.
الحضارة هي الكيان الثقافي الأوسع وهكذا فإن الحضارة هي أعلى تجمع ثقافي من البشر وأعرض مستوى من الهوية الثقافية يمكن أن يميز الإنسان عن الأنواع الأخرى وهي تعرف بكل من العناصر الموضوعية العامة مثل اللغة والتاريخ والدين والعادات والمؤسسات والتحقق الذاتي لدى البشر والحضارة هي أوسع مستوى من التعريف الذي يمكن أن يعرف بها نفسه الحضارات هي نحن الكبرى التي نشعر ثقافيا بداخلها أننا في بيتنا في مقابل هم أي الآخرين خارجنا. صراع الحضارات ص67-71 نشر (سطور).
الحضارات فانية أي أنها ليست أبدية إلا أنها أيضا تعيش طويلا فهي تتطور وتتكيف وهي أكثر الجماعات الإنسانية ثباتا وتحملا وكما يقول بوزيمان فإن (التاريخ الدولي يوثق عن حقٍ، أطروحة أن النظم السياسية حيل زائلة على سطح الحضارة وأن مصير كل مجتمع متحد لغويا ومعنويا يعتمد تماما على بقاء أفكار بنية أساسية تجمعت والتحمت حولها أجيال متتالية وبالتالي فهي ترمز إلى استمرارية المجتمع).
وبينما الحضارات تبقى إلا أنها تتطور أيضا وهي حركية تنهض وتسقط تتحد وتنقسم وكما يعرف كل دارس للتاريخ فهي أيضا تندثر وتدفن في رمال الزمان ويرى كويجلي أن الحضارات تتحرك عبر سبع مراحل الامتزاج, الحمل, التوسع, عصر الصراع, الإمبراطورية الكونية, التآكل, الغزو. ص 72 المصدر السابق.
في مدرسة الإمام علي بن أبي طالب،العلم والمعرفة هما من ضرورات صلاح المجتمع ومن ثم بقاؤه، ولذا نراه يقول لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ:
(يَا جَابِرُ قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ عَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ وَجَاهِلٍ لَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَجَوَادٍ لَا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ وَفَقِيرٍ لَا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَإِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ).
وغني عن البيان أن قوله (قوام الدين والدنيا) يعني أسس البقاء وضرورات الوجود وليس حاجة زائدة يمكن الاستغناء عنها.
كما يحددفي وصيته لكميل بن زياد النخعي، مواصفات هذا العالم الرباني الزاهد الذي لا يبحث عمن يشتري منه آخرته بدنياه (يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ يَا كُمَيْلُ هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ).
حروب الإمام علي
حاول البعض من خلال الدس والكذب تصوير الإمام علي كشخص دموي يعشق الحروب والقتل لا لشيء إلا لأنه كان فارسا مغوارا لا تنثني له راية بل وذهب البعض أبعد من هذا عندما نسب إليه (قتل من وصفوا بالغلاة عبر إحراقهم بالنار) بينما يحكي لنا التاريخ صورة مغايرة تماما لهذه الصورة المختلقة.
عندما طُعن الإمام بيد عبد الرحمن بن ملجم أثناء صلاة الفجر لم يأمر الإمام باعتقال كل قبيلته ولا قتل كل من شارك في ارتكاب هذا الجرم رغم معرفته بهم.
لم يحدث شيء من هذا بل كانت الوصية واضحة وموجهة لبني عبد المطلب رهط الإمام علي حتى لا يتحول الأمر إلى ثأر قبلي فقد جاء الإسلام ليقضي على القبلية ويوحد الأمة في إطار التكافؤ الإنساني حاكما بأن النفس بالنفس وليست القبيلة بالقبيلة و لا البطن بالبطن.
عندما طعن الإمام علي بن أبي طالب أوصى ولديه الحسن والحسين قائلا:يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لاَ أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً، تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ.أَلاَ لاَ تَقْتُلُنَّ بِي إِلاَّ قَاتِلِي.
انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هذِهِ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَة، وَلاَ يُمَثَّلُبِالرَّجُلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: "إِيَّاكُمْ والْمُثْلَةَ وَلَوْ بَالْكَلْبِ الْعَقُورِ".
هل حقا أمر الإمام بإحراق (الزنادقة)؟؟.

روى البخاري ‏عن‏ ‏عكرمة ‏ ‏قال ‏‏أًتي ‏ ‏علي ‏ ‏رضي اللهعنه ‏ ‏بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ‏ ‏ابن عباس ‏فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهيرسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم لقول رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من بدل دينه فاقتلوه).
تلك الرواية الغريبة التي تناقض بصورة تامة وصيته بقتل قاتله ضربة بضربة ونهيه عن المثلة ولو بالكلب العقور.
أما الأدهى من ذلك كله أنها تناقض ما هو ثابت عن سيرته في التعامل مع المنشقين عليه فقد روى ابن جرير الطبري أنه قال (إن جائيا جاءني مرة ‏فقال لي في أصحابك رجال قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم فقلت إني لا أخذ بالتهمة ولا أعاقب على الظن ولا أقاتل إلا من خالفني وناصبني وأظهر لي العداوة ولست مقاتله حتى أدعوه وأعذر إليه فإن تاب ورجع إلينا قبلنا منه و هو أخونا وإن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا عليه الله وناجزناه فكف عني ما شاء الله ثم جاءني مرة أخرى فقال لي قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب الراسبي وزيد بن حصين إني سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عليها حتى تقاتلهما أو توبقهما فلا تفارقهما من حبسك أبدا فقلت إني مستشيرك فيهما فماذا تأمرني به قال فإني آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابهما فعلمت أنه لا ورِع ولا عاقل فقلت والله ما أظنك ورعا ولا عاقلا نافعا و الله لقد كان ينبغي لك لو أردتُ قتلهم أن تقول اتق الله لم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحدا و لم ينابذوك ولم يخرجوا من طاعتك) تاريخ الطبري ج5 ص 131.
وقد تكرر نفس هذا المشهد مع آخرين أشاروا بشن حملة اعتقالات على بعض قادة الخوارج فقال عليه السلام (إنا لو فعلنا هذا بكل من نتهمه من الناس ملأنا سجننا منهم و لا أراه- يعني الوثوب على الناس والحبس والعقوبة- حتى يظهروا لنا الخلاف) الطبري ج5 ص 115.
المبدأ إذا ألا عقوبة دون وقوع جرم وليس ثمة عقاب على النوايا.

حروب الضرورة القصوى
ورغم أن علي بن أبي طالب خاض ثلاثة حروب مع أناس ينتمون للأمة الإسلامية خلال فترة حكمه التي لم تطل أكثر من خمس سنوات، فالثابت لدينا أنه لم يخض أيا من هذه الحروب إلا مضطرا بعد استنفاذ كل الوسائل الممكنة لتجنب المواجهات وسفك الدماء، وعلى سبيل المثال فقد قدم من البصرة إلى الكوفة بدايةرجب سنة 26 للهجرة، وأقام بها سبعة عشر شهرا تجري الكتب فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص في محاولة للتوصل لحل سياسي يجنب الحرب والمواجهة إلا أن تعنت الطرف الآخر وسعيه الدؤوب للإمساك بالسلطة حالا دون التوصل لمثل هذا التفاهم السياسي.
لم يكن ترك الأمور دون حسم عسكري طيلة هذه المدة مجرد صدفة بل عملا متعمدا من الإمام علي بن أبي طالب عل هذا التمهل يفضي لتحقيق السلام والوفاق.
وعندماألح عليه أصحابه بالاستعداد لحرب أهل الشام، بعد أن أرسل عدة رسائل لمعاوية بن أبي سفيان معجرير بن عبد الله البجلى, رد عليهم بقوله: إن استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم، إغلاق للشام، وصرف لاهله عن خير إن أرادوه، ولكننوقت لجرير وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا والرأى مع الاناة فأرودوا (أي تمهلوا) شرح نهج البلاغة ج1.
لم يكن السعي لتحقيق الصلح والسلام مع المتمردين على النظام السياسي القائموتأجيل خيار الذهاب إلى الحرب أطول فترة ممكنة حالة منفصلة عن المنهج السياسي لعلي بن أبي طالب بل كان جزءا لا يتجزأ من المنظومة الفقهية والفكرية الساعية لبناء العلاقات بين أبناء الأمة الواحدة والأمم المختلفة على أساس الوفاء بالعهد ورعاية العهود والمواثيق، كما كان هذا تطبيقا لقوله تعالى (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الأنفال (61).
يقول الإمام علي في وثيقته السياسية الموجهة لمالك الأشتر:
وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ لله فِيهِ رِضىً، فإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةًلِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وأَمْناً لِبِلاَدِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكِ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ.
وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالاْمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةًدُونَ مَاأَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عزوجلّ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَالْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ وَلاَ تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ وَلاَ تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لاَ يجترئ عَلَى اللهِ إِلاَّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ.
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُبَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماًيَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ،يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ فَلاَ إِدْغَالَوَلاَمُدَالَسَةَ، وَلاَ خِدَاعَ فِيهِ، وَلاَ تَعْقِدْ عَقْداً تَجُوزُ فِيهِ الْعِلَلُ وَلاَ تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ القَوْل بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْر لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيق تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْر تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طَلِبَةٌ لاَتَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ.
الوفاء بالعهود والمواثيق
إن هذا الكلام الذي ذكره الإمام وسجله في وصية مكتوبة لعامله على مصر مالك الأشتر يجعل من العقود والمواثيق المعقودة بين البشر كل البشر مسلمين كانوا أو غير مسلمين عهدا مع الله عز وجل، وهو عين ما قاله الله سبحانه في محكم كتابه (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) الفتح آية 10.
ويقول سبحانه في سورة البقرة (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة 177.
ينبه الإمام علي إلى الأهمية الكونية التي يحظى بها حفظ العهود والتزام القوانين والمواثيق التي ألزم بها المسلمون أنفسهم (فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عزوجلّ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ، فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلاَ تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ، وَلاَ تَخْتِلَنَّعَدُوَّكَ).
الوفاء بالعهود فريضة كونية عالمية ينبغي أن يكون المسلمون هو السابقون إليها من بين الأمم -وقد لزم المشركون ذلك فيما بينهم- فأين نحن الآن من هذا الخلق بعد الجرائم التي ارتكبتهاالجماعات الإرهابية وقد تفاخر هؤلاء الغوغاء بما ارتكبوه متجاهلين الآثار الخطيرة التي أفضى إليها هذا الغدر الذي جعل العالم كله في ريب من التزام المسلمين بعهودهم ومواثيقهم(وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماًيَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ،يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ) وقد استفادوا من ذلك الأمن الذي أفاضه الله تبارك وتعالى بين العباد برحمته وجعل منه حريما يسكنون إلى منعته و يستفيضون إلى جواره بعدما ضيق الظلم والطغيان الداخلي عليهم سبل الأمن والأمان وألجأهم للفرار خارج العالم الإسلامي بحثا عن الأمان ثم قاموا هم بتضييق ما تبقى لهم من رحمة وحرمة كانت لهم ولغيرهم من خلال تصرفاتهم الخرقاء المنافية للعقل ولكتاب الله ووصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمة الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
نظرة عامة للعلاقة بين الإسلام و العهود والمواثيق:
يفرد العلامة الطباطبائي أحدالفقهاء والفلاسفة الكبار المنتمين لمدرسة الإمام علي بن أبي طالب في (تفسير الميزان) فصلا عن (معنى العهد وأقسامه وأحكامه) ننقل منه بعض الأجزاء لأهميتها، حيث يقول "الإنسان شديد الاهتمام بعقد العقود وتمثيل العهود وما يرتبط بها من اليمين والبيعة ونحو ذلك والعامل الأول في ذلك أن الإنسان لا هم له إلا التحفظ على حياته والوصول إلى مزاياها والتمتع بالسعادة التي تستعقبها لو جرت على حقيقة مجراها والإنسان القاطن في أرض أو الساكن في دار لا يتم له سكناه إلا مع أمنه من ممانعة الناس و مزاحمتهم له في سكناه و التصرف فيه بما يصلح له لذلك.
هذا هو الذي هدى الإنسان إلى اعتبار العقد وإبرام العهد فهو يأخذ ما يريده من العمل ويربطه بما يعينه عليه من عمل غيره ويعقدهما بمثل عقد الحبال الذي يفيد اتصال بعض أجزائها ببعض وعدم تخلف بعضها عن بعض ومثله العهد الذي يعهده إليه غيره أن يساعده في ما يريده من الأمر أو أن لا يمانعه في ذلك.
والعهود والمواثيق كما تمسها حياة الإنسان الذي هو فرد من المجتمع تمسها حياة المجتمع فليس المجتَمع إلا المجتمِع من أفراد الإنسان فالمجتمع إنسان كبير له من مقاصد الحياة ما للإنسان الصغير والمجتمع في حاجة إلى الأمن والسلام من قبل أجزائه لئلا يتلاشى ويتفرق وإلى الأمن والسلام من قبل رقبائه من سائر المجتمعات.
وعلى هذا جرى دين المجتمعات الإنسانية على ما بأيدينا من تاريخ الأمم فلم يزل ولا زال المجتمع من المجتمعات الإنسانية في حاجة إلى أن يعاهد غيره في بعض شؤون حياته السياسية و الاقتصادية فلا يصفو الجو للإقدام على شيء من مقاصد الحياة أو التقدم في شيء من مآربها إلا بالأمن و السلام.
و الإسلام بما أنه مهتم بإصلاح حياة الناس العامة كاهتمامه بإصلاح حياة الفرد الخاصة قنن كليات ما يرجع إلي شئون الحياة الاجتماعية كالجهاد والدفاع و مقاتلة أهل البغي والنكث والصلح والسلم والعهود والمواثيق وغير ذلك وقد اعتبر الإسلام العهد اعتبارا تاما وأحكمه إحكاما واعتبر نقضه من طرف أهله من أكبر الإثم إلا أن ينفضه المعاهد الآخر فيقابل بالمثل فإن الله سبحانه أمر بالوفاء بالعهود والمواثيق وذم نقضها ذما بالغا في آيات كثيرة جدا (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) المائدة 1 وقال (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) الرعد 25. وقال (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) الإسراء 34.
ولم يبح نقض العهود والمواثيق إلا فيما يبيحه حق العدل وهو أن ينقض المعاهد المقابل نقضا بالبغي والعتو أو لا يؤمن نقضه لسقوطه عن درجة الاعتبار وهذا مما لا اعتراض فيه لمعترض ولا لوم للائم قال تعالى (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)، الأنفال 58.
 فأجاز نقض العهد عند خوف الخيانة ولم يرض بالنقض من غير إبلاغهم به أواغتيالهم وهم غافلون فكان أن قال (فانبذ إليهم على سواء) فأوجب أن يخبروهم بالنقض المتقابل احترازا من رذيلة الخيانة.
وأما النقض الابتدائي من غير نقض من العدو المعاهد فلا مجوز له في هذا الدين الحنيف أصلا وإن كان الوفاء مما يفوت على المسلمين بعض منافعهم ويجلب إليهم بعض الضرر وهم على قدرة من حفظ منافعهم بالبأس والقوة أو أمكنهم الاعتذار ببعض ما تصور لهم الحجة ظاهرا وتصرف عنهم اللوم فإن مدار الأمر على الحق والحق لا يستعقب شرا و لا ضرا" تفسير الميزان ج9 ص 192-195.
هذه المعاني الموجبة للالتزام بالعهود والعقود التي أبرمها المسلمون مستقاة من كلمات الإمام علي في وصيته لمالك الأشتر مؤكدا على أن من قام بنقض العهود مستحق للعقاب الدنيوي والأخروي مقابل ارتكابه جريمة الغدر التي هي من أخس وأسوأ الأعمال التي لا يليق بأي مسلم ارتكابها، معطيا الأولوية الأخلاقية للوفاء بالعهد وتنفيذ الالتزام: (وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْر لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيق تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْر تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طَلِبَةٌ لاَتَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ).
النهي عن الغدر و العدوان
يقول الإمام عليه السلام (إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلاَ أَعْلَمُ جُنَّةًأوْقَى مِنْهُوَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنا في زَمَان اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً،  وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ، مَا لَهُمْ! قَاتَلَهُمُ اللهُ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْن بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ). خطبة 41 نهج البلاغة
ويقول أيضا (والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ولكن لكل غادر فجرة ولكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ما أُستغفل بالمكيدة ولا أُستغمز بالشديدة). شرح النهج ج2 ص 572.
(بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَاد)ِ.

 

أدب الخلاف في الرأي
 اللهم إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ، وَإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشهَادَةَ وَاعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ.
تكشف هذه الكلمات عن حس أخلاقي عميق يجعل من القتال بين المتخاصمين عملا مفروضا من أجل حسم خلاف لم تعد هناك وسيلة أخرى لحسمه وليست عملا انتقاميا غرائزيا يهدف للثأر وإشباع الرغبة في سفك الدماء ويجعل من تطور الحرب المفروضة إلى الظلم والبغي والتشفي والانتقام الجماعي عملا مذموما ومرفوضا بنفس درجة رفض الاستسلام للظالمين والقبول بمهانة الرضوخ لهم و لو أدى ذلك إلى الشهادة في سبيل الله عز وجل.
كما ينهى الإمام عن استخدام أساليب السب والقذف ضد خصومه من أهل الشام طمعا في هداية من يمكن هدايته منهم ولذا نسمع قوله(إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَلكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ: اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَاوَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِي عن الغي و العدوان من لهج به)َ
والقصة حسب رواية نصر بن مزاحم في كتاب صفين (خرج حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، يظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي: أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين؛ ألسنا محقين؟ قال: بلى،قالاأو ليسوا مبطلين؟ قال بلى، قالا فلم منعتنا من شتمهم؟ قال «كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين، تشتمون وتتبرءون ولكن لو وصفتم مساوي أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، ومن عملهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر ولو قلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به، كان هذا أحب إلى وخيرا لكم» فقالا: يا أمير المؤمنين، نقبل عظتك، ونتأدب بأدبك.
وقال عمرو بن الحمق: إني والله يا أمير المؤمنين ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك، ولا إرادة مال تؤتينيه، ولا التماس سلطان يرفع ذكرى به، ولكن أجبتك لخصال خمس: أنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وأول من آمن به، وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله، وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأعظم رجل من المهاجرين سهما في الجهاد فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي حتى يأتي على يومي في أمر أقوى به وليك وأوهن به عدوك، ما رأيت أنى قد أديت فيه كل الذي يحق على من حقك. فقال أمير المؤمنين علي: اللهم نور قلبه بالتقى، واهده إلى صراط مستقيم، ليت أن في جندي مائة مثلك، فقال حجر: إذا والله يا أمير المؤمنين صح جندك، وقل فيهم من يغشك.
ثم قال حُجر فقال: يا أمير المؤمنين، نحن بنو الحرب وأهلها، الذين نلقحها وننتجها، قد ضارستنا وضارسناها، ولنا أعوان ذو وصلاح وعشيرة ذات عدد، ورأي مجرب وبأس محمود، وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة؛ فإن شرقت شرقنا، وإن غربت غربنا، وما أمرتنا به من أمر فعلناه.
فقال علي «أكل قومك يرى مثل رأيك؟» قال: «ما رأيت منهم إلا حسنا، وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة  وبحسن الإجابة»  فقال له علي خيرا).
الإمام علي و التعامل مع الآخر:
إن هذه الكلمات تؤسس لقاعدة التعامل مع الآخر وتطرح فكرة استبقاء الفرصة للتفاهم والإقناع والحوار بدلا من الانزلاق الفوري والمتعجل للمواجهة وتجعل من الصدام خيارا أخيرا وليس خيارا مفضلا أو مقطوعا به منذ البداية.
والبرغم من توافر ما يكفي من الأدلة على عزم الأمويين وقتها على تصعيد الأمور ودفعها إلى حافة الهاوية فقد كان الإمام حريصا على استبقاء كل الفرص الممكنة من أجل الوصول إلى مصالحة قائمة على قاعدة إقرار الحق ولذا فإن الدفع بالأمور إلى خيار المواجهة وتبادل السب والشتم والفحش الإعلامي مع كل من تبدو إمكانية اختلافه معنا في الرأي أو في الموقف السياسي أكبر من إمكانية اتفاقه شكلت عملا خاطئا حرص الإمام على تفاديه ما وسعه ذلك.
من هنا أيضا فإن الإمام ينبه إلى أهمية ألا نجعل لأنفسنا أعداء دائمين وأن كل خصوماتنا ينبغي أن نتعامل معها منذ البدء باعتبارها خصومة مؤقتة وصدام عابر حتى يثبت لنا بعد ذلك بالدليل الذي لا يقبل النقض ولا التأويل أنها خصومة وصدام لا يمكن تجنبه و هو بهذه الكلمات يعلم تلاميذه كيف يعرضون موقفهم ويسعون إلى إقناع خصومهم والمتشككين في هذا الموقف بوجهة نظرهم وهو ما لا يمكن تحقيقه من خلال الصراخ والسباب المتواصل وما أحوجنا نحن المسلمين في هذه الحقبة أن نستوعب هذا الدرس وأن نتعلم هذه الحكمة لا أن نستمرئ أسلوب السب و الشتم والصراخ على المنابر واعتبار الجميع أعداء للإسلام و المسلمين، هكذا من دون تحقيق و لا تمحيص فقد كلفتنا هذه الأساليب اللاعقلانية غاليا من دون أن تحقق لنا شيئا من أمانينا أو حتى الحفاظ على استقلالنا الذي أكلته الذئاب وهذا ما تؤكده تلك النصيحة العلوية الغالية(أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما و أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما) إذ ليست كل العداوات دائمة ولا كل الصداقات دائمة فقد ينقلب الصديق على عقبيه فيخون الأمانة ويقطع الإل وقد تزول أسباب العداوة بين المسلمين وغيرهم ومن هنا ينبغي دائما أن نلزم الخصومة الشريفة مع أعدائنا من المسلمين أو غيرهم وأن نسأل الله تبارك و تعالى و لو كان في أوج الخصومة معهم أن يحْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَاوَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِي عن الغي و العدوان من لهج به.
يكشف هذا أيضا حقيقة أن الإمام كان داعية محبة وسلام ولم يكن داعية حرب ودمار غير أن هذه الحروب كلها قد فرضت عليه فرضا ولم يكن أمامه إلا أن يقبل بهذا الخيار وصدق الله العلي العظيم (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة 216.
وهكذا ينبغي علينا نحن المسلمين أن يكون السلام هو خيارنا الأول مع الجميع إلا إذا فرض علينا غير ذلك.
علي ابن أبي طالب والحوار مع المعارضة
تحدثنا في بداية هذا البحث عن حاجة الأمة الإسلامية وحاجة العالم بأسره لإيجاد حل جذري ناجع لمسألة التيار التكفيري التي أحدثت قدرا هائلا من الاضطراب في العلاقات بين الشعوب والدول وهي المعضلة الناجمة عن تطلع بعض الطامحين لتبوء مكانة سياسية لا تستند إلى الواقع الاجتماعي والسياسي ولا أساس فكري ولا فقهي راسخ..
ظهرت هذه المجموعات أول ما ظهرت كحركة متمردة على الإمام علي بن أبي طالب أثناء الأزمة الكبرى التي تسبب فيها التمرد الأموي ثم لجوء الأمويين للتلاعب السياسي والديني عبر طرح التحكيم كوسيلة للفصل في النواع القائم.
في البدء وعند طرح التحكيم كان رأي الإمام علي هو رفض هذا الطرح لأن الطرف الآخر لم يكن جادا في دعواه ولم يكن للقوم هدف سوى شق جبهة النظام السياسي الشرعي القائم وشراء الوقت.
ورغم ذلك وعندما سارع عدد لا يستهان به من أنصاره لقبول هذا العرض لم يجد الإمام بدا من القبول والذهاب حتى نهاية المسار رغم علمه أن القوم ليسوا جادين في التزامهم أحكام القرآن.
في تلك اللحظات سارعت (جماعة الخوارج) للقبول بالتحكيم واعتبرت أن رفض التحكيم (كفر) بالله وعندما انتهت جولة التحكيم بنتائج لا تسر من قبلوا ولا من رفضوا منذ البدء، تحولت مواقف جماعة الخوارج إلى الاتجاه المعاكس تماما وأصبح قبول التحكيمهو الكفر!!.
يروي ابن جرير الطبري في تاريخه أن عليا عليه السلام لما عاد إلى الكوفة دخلها ومعه كثير من الخوارج وتخلف منهم بالنخيلة خلق كثير لم يدخلوها.
فدخل حرقوص بن زهير السعدي وزرعة بن البرج الطائي وهما من رؤوس الخوارج على علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له حرقوص تب من خطيئتك واخرج بنا إلى معاوية نجاهده فقال له علي عليه السلام إني كنت نهيتكم عن الحكومة فأبيتم ثم الآن تجعلونها ذنبا أما أنها ليست بمعصية ولكنها عجز من الرأي وضعف في التدبير وقد نهيتكم عنه فقال (زرعة) أما والله لئن لم تتب من تحكيمك لأقتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه فقال له الإمام علي: بؤسا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح، قال زرعة: وددت أنه كان ذلك.
ثم خرج علي يخطب في الناس فصاحوا به من جوانب المسجد لا حكم إلا لله وصاح به رجل (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فقال له الإمام (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون).
وما زالت الرواية لابن جرير الطبري (أن عليا عليه السلام خرج ذات يوم يخطب وإنه لفي خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد –أي قالوا إن الحكم إلا لله- فقال علي عليه السلام الله أكبر كلمة حق يراد بها باطل إن سكتوا عممناهم وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا قاتلناهم) فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله عز وجل وذل راجع بأهله إلى سخط الله يا علي أبالقتل تخوفنا أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات ثم لتعلمن أينا أولى بها صليا ثم خرج بهم هو وأخوة ثلاثة معه هو رابعهم فأصيبوا مع الخوارج يوم النهر وأصيب رابعهم بالنخيلة.
ثم قام الإمام خطيبا مرة أخرى فقال رجل من جانب المسجد لا حكم إلا لله فقام آخر فقال مثل ذلك ثم توالى عدة رجال يحكمون فقال علي:
(الله أكبر كلمة حق يراد بها باطل أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم في أيدينا ولا نقاتلكم حتى تبدءونا) ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته.
المزايدون الحمقى.
إنه الوصف الوحيد اللائق بهم من يومها إلى يومنا هذا.
إنه الغرور الذي يدفع صاحبه لكراهية أهل الفضل ومحاولة التطاول عليهم والتحقير من شأنهم.
إنه غرور يستمد مادته من إعجاب بعبادة جسدية لا روح فيها قوة في الأقدام تحفز صاحبها على إطالة الوقوف في الصلاة وحنجرة تعين صاحبها على الترنم بآيات الله ولكنها وحسب الوصف النبوي لا ترقى ولا تصعد إلى السماء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ولأنها لا هي كلم طيب ولا عمل صالح يراد به وجه الله فإنها تحبس داخل هذه الذات المتضخمة لتزيدها تضخما وانتفاخا وصولا إلى الانفجار المحتوم الذي يدمر هذه الذات لتطلق أوساخها التي يظنها صاحبها من افضل من عمل الإنسان.
ما زالت الرواية لابن جرير الطبري قال (بعث علي ع عبد الله بن عباس إلى الخوارج فرجع ولم يصنع شيئا فخرج إليهم فكلمهم حتى وقع الرضا بينهم فدخلوا الكوفة فأتاه رجل فقال له إن الناس تحدثوا أنك رجعت عن كفرك (!!!) فخطب الإمام عليه السلام الناس في صلاة الظهر فذكر أمرهم فعابه فوثبوا عليه من نواحي المسجد يقولون إن الحكم إلا لله فجعل علي عليه السلام يقلب يديه هكذا وهو على المنبر فقال حكم الله ينتظر فيكم).
المعنى الذي نؤكد عليه، أن الإمام علي بن أبي طالب لم يسارع لاستخدام السلاح لاستئصال الخوارج وإبادتهم ومن باب أولى لم يحرقهم بالنار كما يزعم الكذابون المغرضون بل حاورهم وسمع منهم مباشرة وأدلى بحجته في مواجهتهم، ثم أرسلعبد الله بن عباس نائبا عنهليحاورهموهو كما يعرف الكثيرون من علماء الأمة الإسلامية وقادتها الفكريين.
الأمر الثاني: أن الإمام علي بن أبي طالب وضع قاعدة التعامل مع  الجماعات المتمردة: (إن سكتوا عممناهم وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا قاتلناهم)، والمعنى أن ليس من حق أحد أن يمنع عنهم حق التواجد داخل المجتمع (إن سكتوا عممناه) ولا حق التعبير (إن تكلموا حججناهم) فالحجة بالحجة والفكرة بالفكرة طالما لم يصل الأمر حد المواجهة المسلحة وساعتها يصبح من واجب الدولة قتال هؤلاء دفعا لشرهم وكفا لأذاهم.
دكتور أحمد راسم النفيس
هاتف نقال 00201223913029
‏17‏/02‏/2019
‏12‏ جمادى الثانية‏، 1440هـ

 

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق