قصة قصيرة: طلعت الشريف «مجنون جمال عبدالناصر»

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

«حامد الحمّار» أو «حامد المجنون»، لقبان لأشهر رجل في بلدتنا المنسية في أقصى صعيد مصر، واللقب الأول لم نكن نعرف نحن الصغار في ذلك الوقت أصله أو فصله، هل هو لقب لعائلته.. أم هو لقب لمهنته؟ فلم تكن تلك المسائل تعنينا كثيرًا ولا نتوقف عندها أبدًا، أما ما كان يعنينا فهو لقبه الثانى «حامد المجنون»، ذلك الرجل الأشعث الأغبر حافى القدمين، الذي كان يهيم على وجهه بشوارع بلدتنا وطرقاتها دونما هدف محدد، والحق أنه كان في معظم الأوقات مسالمًا، إلا أنه كانت تعتريه في بعض الأحيان نوبات قليلة من الغضب ينتج عنها بعض الخسائر المادية، أما أكثر شىء تميز به «حامد المجنون» هو وفاؤه العجيب والنادر للزعيم «جمال عبدالناصر»، وهو لقب ثالث يمكن أن يضاف للرجل بالإضافة للقبيه السابقين، وهو «مجنون جمال عبدالناصر»، فأكثر شىء ميز «حامد المجنون» هو تلك الصورة الكبيرة المعلقة على صدره للزعيم جمال عبدالناصر، وهى الصورة التي لم تفارقه بعد ذلك طوال حياته، وكان المكان المفضل له أسفل تمثال «جمال عبدالناصر»، ذلك التمثال الذي أقامته الدولة بعد رحيل جمال عبدالناصر تخليدًا لذكراه، كما تمت تسمية الميدان المقام به التمثال بميدان «جمال عبدالناصر»، فكان بعد جولاته اليومية المعتادة بطرقات بلدتنا، يأتى ويجلس أسفل التمثال مستظلًا بظله في النهار وينام أسفله بالليل، وكما لم نهتم وقتها بأصل الرجل وفصله، فإننا لم نهتم أيضًا بسر تعلقه الشديد بالزعيم جمال عبدالناصر، ومات جمال عبدالناصر وجاء الرئيس السادات، وتُنزع صور جمال عبدالناصر من جميع المؤسسات الحكومية وتستبدل بصور الرئيس السادات، إلا صورة «عبدالناصر» المعلقة على صدر «حامد المجنون» لم يستطع أحد أن ينزعها، ويظل «حامد المجنون» على ولائه لعبدالناصر، وتظل صورته المعلقة على صدره كما هي، يجوب بها طرقات بلدتنا معلنًا في صمت أنه رجل المبادئ الذي لا يتغير بتغير الأشخاص، وتقام بالميدان شركة «صيدناوي»، ويتغير اسم الميدان لدى جميع الناس ببلدتنا من ميدان «جمال عبدالناصر» إلى ميدان «صيدناوى»، وتتغير الناس وتتغير الولاءات ويظل «حامد المجنون» على نفس ولائه، وتظل صورة «عبدالناصر» المعلقة على صدره خير شاهد على ذلك الولاء، ويُغتال الرئيس السادات، ويحكم مصر من بعده الرئيس مبارك، وتُنزع كل صور السادات من جميع المؤسسات الحكومية وتستبدل بها صور مبارك، إلا الصورة المعلقة على صدر «حامد المجنون» تظل كما هي، فالمؤسسات الحكومية تأتمر بقرارات ومراسيم سلطوية عليا، وشعارها دائمًا «عاش الملك مات الملك»، أما «حامد المجنون» فلا ينصاع إلا إلى عاطفته وضميره، وشعاره دائمًا «لا ملك إلا الزعيم حيًا كان أو ميتًا»، وفى أحد الأيام تصحو بلدتنا المنسية على حركة غير عادية، حفارات ولوادر وأوناش، تحفر بطن بلدتنا المستكينة، وحينما تساءل الناس عن تلك الحفريات، أفاد المسؤولون بأنه «مشروع الصرف الصحى» الذي سيحول بلدتنا من نظام الصرف عن طريق البيارات البدائية إلى نظام الصرف الصحى الحديث، وكان من بين الأماكن التي طالتها أعمال الحفر ميدان «جمال عبدالناصر» أو «ميدان صيدناوى»، وتعالت أكوام الحفريات والركام حتى غطت تمثال «جمال عبدالناصر» تمامًا، ولأن الناس ببلدتنا كانت مهتمة بالصرف الصحى أكثر من اهتمامها بالتاريخ وزعمائه، فلم يلق دفن التمثال اعتراضًا أو تذمرًا من أهالى بلدتنا، باستثناء شخص واحد فقط أقام الدنيا ولم يقعدها، هذا الشخص هو «حامد المجنون»، فقد هاله وروّعه أن يجد الزعيم مدفونًا تحت تلال من الركام والحجارة، فكانت غضبته الكبرى وثورته العارمة التي لم أر مثلها من قبل في أي من غضباته وثوراته السابقة، غضبة وثورة أخافت وأفزعت كل من كان في الميدان، فالرجل رغم طيبته وسلميته في معظم الأوقات، فإن أهل بلدتنا يعلمون مدى شراسته حين يهيج ويغضب.. وفى دقائق معدودة أصبح الميدان خاليًا تمامًا، وتوقفت جميع أعمال الحفريات، وأصيب الميدان بالشلل التام، وتنامى الخبر لجميع أهل البلدة، الذين أحسوا لحظتها بأن «حامد المجنون» كان الوفى الوحيد لذكرى الزعيم، الزعيم الذي منح كل فلاح ببلدتنا خمسة أفدنة، استفاد منها الجميع إلا «حامد المجنون»، ووصل الخبر إلى المسؤولين، ووضعهم جميعا في موقف لا يحسدون عليه، ولم يجدوا بُدًّا من إزالة جميع الركام والأحجار من على تمثال الزعيم، وإعادة دهانه مرة أخرى.. يجلس «حامد المجنون» تحت التمثال من جديد مزهوًا بانتصاره، حارسًا أمينًا لزعيمه الخالد، ولم تمض سوى أيام قليلة ويفارق «حامد المجنون» الحياة حاضنًا صورة الزعيم، ويتسلل القبح إلى الميدان من جديد، ويهجم عليه الباعة الجائلون من كل حدب وصوب كأسراب الجراد يحيطون بتمثال الزعيم من كل ناحية، ورويدًا رويدا يتوارى الزعيم ويختفى خلف بائعى البطيخ والشمام والملوحة والحلاوة المشبك، وأصبح الميدان الوحيد في بلدتنا أكبر مقلب للزبالة، فهل تحتاج بلدتنا إلى مجنون جديد ليعدل حالها المقلوب، أم تُرى أن «حامد المجنون» كان «العاقل الوحيد» ببلدتنا المنسية؟!.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة المصرى اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر النفيس وانما تم نقله بمحتواه كما هو من المصرى اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق