ثورة 19.. تأملات لا تخاطب الماضي وحده

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

احتلت بريطانيا مصر عام 1882 وعملت بكل سلطاتها على ترسيخ مختلف الأفكار الانهزامية في ضمير الشعب المصرى بترويج الأكاذيب عن طبيعته السيئة، فضلًا عن ممارسة شتى أنواع القهر والاضطهاد والظلم.. وبعد أن تمادى ذلك الوضع طيلة سنوات عديدة امتدت لـ37 عامًا، ولمّا اطمأن الاحتلال إلى أن الأمة المصرية أصبحت جثة هامدة لا أمل في استعادة مقوماتها من جديد.. انتفض الجميع في ثورة شعبية بزعامة سعد زغلول لم يتوقعها أو يصدقها العالم آنذاك بأى حال من الأحوال.

يسترسل الكاتب محمد عبدالفتاح أبوالفضل في شرح إرهاصات الثورة ومقدماتها في كتابه «تأملات في ثورة 1919».. الصادر في طبعته الجديدة عن سلسلة ذاكرة الكتابة التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، ويصف أبوالفضل المرحلة الأولى لها بأنها «الشعور الشعبى بالمعاناة» التي بدأت بتشويه التعليم من قبل سلطات الاحتلال، لأنه أساس تكوين الوعى القادر على التذمر من الظلم والباطل، حيث كانت كل مواد الدراسة في الابتدائية والثانوية باللغة الإنجليزية ومقرراتها، بل كان معظم المدرسين من الإنجليز.

ورغم أن مصر كانت تابعة اسميا للسيادة العثمانية، كانت السلطات البريطانية صاحبة السلطان المطلق في حكم البلاد، وكانوا يزدرون المصريين أشد الازدراء ويحتقرونهم أشد تحقير، فتعاظمت أدوار مفتش الداخلية الإنجليزى، ومفتش الرى الإنجليزى.. وهكذا، حتى وصل الأمر إلى إلغاء العمل بالدستور وكلك إلغاء البرلمان، وأنشأوا في 1883 مجلس الشورى واعتبروه الأداة التشريعية الوحيدة، والحقيقة أنه لم يكن يمثل الأمة تمثيلًا حقيقيًا بل كان مؤلفًا من 30 عضوا بينهم 14 عينتهم الحكومة، ومنهم الرئيس وأحد الوكيلين، وهذا المجلس لم تكن له أي سلطة مؤثرة على الإطلاق.

وبدأ منذ عام 1904 إبرام الاتفاق الإنجليزى الفرنسى بتوزيع مناطق النفوذ من خلال إطلاق يد إنجلترا على مناطق احتلالها ومنها مصر، وإطلاق يد الأخرى، فرنسا، في مناطق احتلالها شمال أفريقيا، واستمر هذا الحال السلبى في ظل غياب الكتلة التشريعية التي لم تأخذ أي تعبير أو موقف مضاد من أحداث دنشواى 1906 ومحاكمتها الظالمة في ظل تنديد واضح فقط من جرائد المعارضة والعناصر الوطنية، وعلى رأسها مصطفى كامل، رغم استهانة قيادات الاحتلال بجميع الوزراء وقتذاك، وبعد وفاة الخديو توفيق، استدعى المعتمد البريطانى اللورد كرومر الأمير عباس حلمى من أوروبا لتولى كرسى الخديوية رغم أن سنه كانت أقل من 18 سنة (السن التي تعطيه حق الحكم)، وبعد أن كان الخديو الجديد في صف الوطنيين المصريين سرعان ما أحب الإنجليز على حساب الشعب المصرى.

وفى تأملات «أبوالفضل» في ثورة 19، يؤكد أن الشعب المصرى ظل مستكينًا هادئًا وليس خانعًا أبدًا، حتى مرت عليه أحداث دنشواى الفظيعة التي أعدم خلالها الكثير من الأبرياء وجلد كذلك البعض منهم، وحكم على الباقين بالمؤبد، كما فاجأته جنازة زعيمهم الوطنى «مصطفى كامل» ما زاد غلّه في قلبه، حتى تقدم الصيدلى الشاب «إبراهيم ناصف الوردانى» وأطلق رصاصته على بطرس غالى، رئيس الوزراء، جزاء وفاقا على تصرفاته الاستفزازية المتتالية في صالح المستعمر، وكانت هناك بشائر تكوين المؤسسة الوطنية المصرية بوجود عناصر راسخة مثل جماعة مصطفى كامل، وخليفته محمد فريد، كما كانت هناك بوادر ميلاد زعامة وطنية جديدة تمثلت في بعض أعضاء مجلس الشورى والجمعية العمومية خاصة الأعضاء المنتخبين أمثال سعد زغلول وعبدالعزيز فهمى وغيرهما، وكانت المعارضة آخذة في رفع صوتها، ولكن جاءت الحرب العالمية الأولى مبررًا للاحتلال لفرض سيطرته الكاملة على مصر بإعلان الأحكام العرفية لتصبح دولة تابعة تبعية كاملة لبريطانيا، حيث اضطهد الوطنيين وأصدر قانون التجمهر وجند الشباب قسرًا في فرق العمال (السلطة)، وعطلت الجمعية التشريعية، واستنزفت مصر من كل خيراتها، إلى جانب تصرفات الجنود الاستفزازية تجاه الأهالى.

بعد مقتل «بطرس غالى» كُلف سعد زغلول في الوزارة الجديدة بحقيبة «الحقانية»، تخلصًا من صداماته المتكررة مع المستشار البريطانى «دنلوب»، لكنه من جديد سرعان ما اصطدم وهو وزير للحقانية بالمعتمد البريطانى «كتشنر» ثم مع الخديو، لكنه استقال بعد ذلك حفاظا على كرامته وتمسكا منه بالرأى في الحق سواء في موضوع القيم أو في ملابسات تقديم محمد فريد للتحقيق والمحاكمة من خلف ظهره، إضافة إلى اعتبار الاستقالة احتجاجًا بشكل أو بآخر على تصرفات المعتمد البريطانى معه.

لاحت لسعد المحامى والوزير بالمعاش فرصة لا تعوض لإبراز شخصيته المناضلة فأجمع النية على ترشيح نفسه لرئاسة الجمعية التشريعية في 22 يناير 1914، ورغم دور الجمعية المنزوى إلا أنه دائما ما كان يتأكد بين نفسه أنه من خلالها يخاطب الأمة جميعا، وكذا لا يخاطب الحاضر وحده بل المستقبل أيضا، وساعد على ذلك تورط الحزب الوطنى في علاقات مشبوهة مع الخديو المكروه شعبيا ومع تركيا التي لا يمكن الاعتماد عليها، ومع فرنسا التي انحازت لجانب بريطانيا، بالإضافة إلى رحيل زعيمه مصطفى كامل، وسجن خليفته محمد فريد ثم سفره للهجرة هربا من الاضطهاد، وكذلك ضعف حزب الأمة بعد رحيل «كرومر» الذي كان يسانده، إلى جانب حزب الإصلاح الذي لم يكن يمثل شيئا منذ تكوينه، وفى أواخر 1918 كان الجميع في مصر، خاصة أعضاء المؤسسة الوطنية بزعامة «سعد» الروحية، في انتظار إعلان الهدنة التي طالبت دولة الاحتلال والحلفاء بتنفيذ وعودهم بإعطاء مصر حق تقرير المصير طبقا لإعلان الرئيس الأمريكى، ويلسون، بمبادئه الـ14، وبعد إعلان الهدنة بادر سعد وأصحابه إلى طلب مقابلة السير ريجنالد وينجت المعتمد البريطانى، وانتهى محضر الجلسة الذي سطّره عبدالعزيز باشا فهمى، بجملة زعيم الأمة الشهيرة، حينما سأله السير: «إذن أنتم تريدون الاستقلال؟»، فرد عليه: «ونحن أهل له.. وماذا ينقصنا ليكون لنا الاستقلال كباقى الأمم المستقلة»، واستمرت مراسلات سعد الرسمية بعد جمع توكيلات هائلة من الأهالى للحديث باسمهم.

وكانت شرارة الثورة اعتقال سعد باشا زغلول في 18 مارس 1919 من منزله (بيت الأمة) ونُفى إلى جزيرة مالطة، وبعدها اجتمع رفقاء سعد برئاسة على باشا شعراوى وأرسلوا خطابا إلى السلطان فؤاد يعترضون فيه على كل تصرفات السلطات البريطانية الجائرة ويطالبونه بأن يقف إلى جانب الشعب في هذه الأزمة، ثم أرسلوا برقية إلى رئيس وزراء بريطانيا يحتجون على اعتقال صاحبهم، وصارحوه بأنهم سيواصلون الكفاح بكل الطرق المشروعة، كما أرسلوا خطابات موازية إلى جميع معتمدى الدول الأجنبية بالقاهرة.

بعد ذلك أضرب طلاب المدارس العليا ونظموا مظاهرات مرت أمام منزل جميع المعتمدين، كما أضرب الحوذية وأغلقت جميع الدكاكين، وانضم إليهم طلاب الأزهر والمدارس الثانوية وكافة أطياف الشعب بأعداد كبيرة من الجماهير، وقابلهم الجنود الإنجليز بإطلاق النيران، وتزايدت أعداد القتلى والجرحى، وثار الشعب المصرى من الإسكندرية إلى أسوان، وأصدر الجنرال «اللنبى» أمر الإفراج عن سعد ورفاقه، وعمت مظاهرات الفرح أنحاء البلاد.. واستمر النضال حتى نجحت الثورة في تحقيق أهدافها كاملة.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة المصرى اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر النفيس وانما تم نقله بمحتواه كما هو من المصرى اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق