"التحليل السياسي لعلامات الظهور" بحث للدكتور أحمد راسم النفيس

تم النشر فى دراسات مع 0 تعليق منذ 3 أشهر

/

فرغت من كتابة هذا البحث يناير 2017 وكان من المفترض أن أقوم بقراءته في مؤتمر المهدوية أوائل مايو السابق ولكنا لم نتمكن من السفر لحضور المؤتمر.
بعض ما فيه تحقق حرفيا (بعيدا عن أسماء الأشخاص والمدن) ومن ضمنها ذلك الانشقاق الخطير في المعسكر السفياني مما يستدعي إلقاء مزيد من الضوء على المسألة برمتها في بحث قادم.
أحمد راسم النفيس
‏19‏/07‏/2017
البحث:
كثير هي الكتابات التي تناولت علامات الظهور اعتمادا على الروايات الواردة عن النبي المصطفى وآل بيته الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم مع التعسف في الربط بين الروايات والوقائع الجارية وأيضا مع السياق القرآني لقراءة التاريخ.
في الخطبة التي ألقاها سماحة السيد حسن نصر الله في تأبين العلامة الشيخ عبد الناصر الجبري بتاريخ 27 ديسمبر 2016 أكد أن (المستقبل في المنطقة هو للمقاومة ومحورها، وهذا كلام يترجم بالدم والتضحيات).
في المقابل خرجمن الغرب كثير من التحليلات مؤكدة أن هزيمة حلب هي الأسوأ التي تلقتها أمريكا وأزلامها منذ حرب فييتنام.
المعنى أن زمانا كان فيه الغرب المعادي لأي نهوض إسلامي هو المقرر الأوحد لمن يبقى ومنيرحل من النظم الحاكمة قد مضى وأن زمانا تمتلك فيه الأمة قرارها وإرادتها يوشك على البزوغ.
أيضا نلاحظ الخلط بين علامات الظهور وحركة التمهيد التي يشارك فيها أعداد جمة من المؤمنين بالمهدي وليس بضعة أشخاص مهما كان قدرهم وجلالهم.
العلامة نقطة محددة ترشد السائرين على الدرب لا تختلف عن لوحات الإرشاد الموضوعة على الطرق، تكمن أهميتها في أنها تشير إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى لكنها لا تنشيء توجها ولا تحدد مسارا، فالاختيار يحدده الإنسان عند بدء المسير لا عند نقطة الانعطاف.
المسار المهدوي لا يختلف عن مسار موسى عليه السلام الذي أمره ربه أن يتجه شرقا أما العلامة الفارقة فظهرت عندما أشرف موسى ومن معه على البحر الأحمر ونترك السرد لكتاب الله.
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ) .
زمان وزمان!!
في أزمان مضت اجتاحت العالم الإسلامي جماعات وعصابات مارست شتى صنوف الإبادة ضد المسلمين عامة وضد الشيعة خاصة وتفننت في تسوية إنجازات الحضارة بالأرض وخير شاهد على هذا ما فعله يوسف ابن أيوب بمصر وحضارتها وثقافتها بل ومساجدها ولم يكن هناك من يمكنه وقفه أو منعه من استكمال أعماله التخريبية!!.
أهرامات الجيزة تحولت إلى أحجار لبناء قلعة تقيه الموت وكتب القصر الفاطمي التي قارب عددها المليوني كتاب إما بيعت أو جرى استخدام جلودها لصناعة النعال وما تبقى منها تحول إلى وقود للأفران.
الذي لم يصدق ما ذكرناه عن تدمير صلاح الدين لحضارة مصر عليه وأهراماتها ومكتباتها عليه أن يرى بعينيه على الهواء مباشرة كيف يتفنن الآن أحفاده الدواعش في تدمير حضارة الشام والعراق وتسويتها بالتراب!!.
كان ولا زال رهان المعادين لنهوض الأمة الإسلامية قائما على الحيلولة بين أي عناصر أو قوى قادرة على إعادة إحياء هذه الأمة التي تكالب عليها (الغز) أيا كانت أعراقهم وفصائلهم، من التبلور في إطار متماسكيحفظ العرض والأرض ويقود مسيرة تقدم حقيقي وليس تقدما زائفا روج له البعض تقليدا للغرب في ملبسه ومطعمه.
في زمان مضى لم يكن هناك منظمات حقوق إنسان لا تقدر على غير التشهير بهؤلاء الهمج المتوحشين لكنها لا تستطيع منعهم من ارتكاب جرئمهم ومجازرهم!!.
لهم القدرة على ارتكاب المجازر ولنا حق سبهم وشتمهم على طريقة أوسعناهم شتما لكنهم فازوا بالإبل!!.
الجديد في واقعنا أننا أصبحنا نسمع عن المجازروحفلات الدمار الشامل التي يحييها برابرة الأمة وقت حدوثها (غالبا وليس دائما) لكننا لا نمتلك دوما قدرة الحيلولة دون وقوعها أو معاقبة مرتكبيها فورا، فهذا يحتاج إلى قوة يريد الغرب وحلفاؤه حرماننا منها حتى قيام الساعة!!.
بين الغرب البراجماتي والوهابي التدميري
لسنا مضطرين لإثبات رفض قبولنا للهيمنة الغربية على مقدرات أمتنا الإسلامية كمقدمة للقول بأن ما عانته هذه الأمة من ويلات على يد المنتمين للإسلام زورا وبهتانا بلغت أضعاف ما ألحقه بنا الغرب من دمار وقتل وخراب.
عندما دخل الإنجليز أو الفرنسيون إلى مصر لم يهدموا الأهرامات ولم يدمروا المكتبات بلجاءوا معهم بمكتبة ومطبعة!!.
جاءوا للهيمنة.. هذا صحيح لكنهم لم يفعلوا بنا ما فعله صلاح الدين ولا أردوجان، لذا تجد في الروايات تحديدا للعدو الأول للمهدي المنتظر وهو نهج السفياني الأموي من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان.
السفياني متحالف مع الغرب الإمبريالي ويعمل تحت قيادته ولولا  تلكالنسخة المزيفة من الإسلام التي تمكن من ترويجها وفرضها علينا لما تمكن الغرب من احتلال أراضينا والهيمنة على مقدراتنا وثرواتنا وتسخيرها لصالحه.
السفياني الصهيوهابي في أفكاره، الأموي في جرائمه وأفعاله ليس منتجا غربيا بل هو منتج (إسلامي) لم يزد دور الغرب عن رعايته وتوفير الظروف الملائمة لتمدده وانتشاره ثم استثماره ومن ثم فلا معنى لإلقاء كامل اللوم على الغرب والاستلقاء على حائط النكبة وصب اللعنات على من سهلوا لا من أسسوا وروجوا واستمتعوا بذبح الأبرياء وتدمير البنايات والحضارات!!.
البحث في دهاليز الروايات عن سفياني فرد ما زال البعض ينتظر ظهوره من الوادي اليابس ليدمر بلاد الشام وينشر الرعب والقتل في العراق ويصطدم مع الخراساني يكشف عن عدم استيعاب ما جرى في ساحة الصراع بين المهدوية والسفيانية طيلة ستة أعوام مضت ومن باب أولى طيلة قرون خلت تسيد فيها الخط السفياني.
أن يصر البعض على انتظار سفياني جديد غير هؤلاء فهذا يعني أنه لا يدرك عظمة من يقفون الآن في مواجهة كتيبة القردة والخنازير وعبد الطاغوت الذين يتصدرهم آل سعود وأردوجانوهو ما يشبه إلى حد ما من قال فيهم رب العزة (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) .
هل ما زلتم تبحثون عمن هو أكثر توحشا ودناءة وانحطاطا من هؤلاء الأوباش؟!.
يصف الإمام علي بن أبي طالب ع مشهد دخول موسى عليه السلام على فرعونفي هيئة متواضعة لا تعبر عن التحولات الهائلة في الموازين التي كانت توشك أن تغير المشهد الكوني منذ تلك اللحظة فيقول: وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ (عليه السلام) عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْكِهِ وَدَوَامَ عِزِّهِ فَقَالَ أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ وَبَقَاءَ الْمُلْكِ وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَ الذُّلِّ فَهَلَّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَمَغَارِسَ الْجِنَانِوَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَوُحُوشَ الْأَرَضِينَ لَفَعَلَ وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَبَطَلَ الْجَزَاءُوَاضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ وَلَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنًى وَخَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَالْأَسْمَاعَ أَذًى وَلَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ وَعِزَّةٍ لَا تُضَامُ وَمُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الِاعْتِبَارِ وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ وَلَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ وَالِاسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ وَالِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَالِاخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ الْمَثُوبَةُ وَالْجَزَاءُ أَجْزَلَ.
التماثل واضح بين النموذجين، نموذج المواجهة بين رجال اللهوالسفياني حيثيقلل البعض من شأنهم ويراهم مجرد مقاتلين تقليديين ونموذج المواجهة بين موسى ع وفرعون حيث لم يكن لموسى نبي الله أدوات مبهرة تخطف أبصار المتابعين ولذا وصفه فرعون (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ)، ولا يمكن أن تخطئه عين المتأمل البصير!!.
اللَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ (وأولياءه) أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنًى وَخَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَالْأَسْمَاعَ أَذًى.....
الله سبحانه وتعالى لم يجعل أولياءه كما أنبيائه منذ البدء، أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ وَعِزَّةٍ لَا تُضَامُ وَمُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لأن ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الِاعْتِبَارِ وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ وَلَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً.
أولياء الله الممهدون صنفان (إِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً) قد يبقى هكذا حتى عصر الظهور أو (ظَاهِراً مَشْهُوراً) وهم العلامات والمقدمات وفي كلٍ خير لا يعرف قدره إلا الله تبارك وتعالى وكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولَئِكَ ، أُولَئِكَ وَ اللَّهِ الْأَقَلُّونَ عَدَداً وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْراً يَحْفَظُ اللَّهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ).
هكذا نرى مشهد تحرك الفاعلين الرئيسيين في مسرح الظهور حيث تصعد هذه القوى صعودا صعبا كؤودا ويستصغرهم من يراقب المشهد من الأعداء وحتى بعض الأولياء إلا أن انتباه الأعداء لخطرهم أسرع من انتباه الأولياء الشغوفين بعلمهم ومعارفهم ممن يرون لأنفسهم حق الترقي والصعود أو من يعتقدون أن هؤلاء السابقين السابقين لا يتميزون عنهم بشيء إضافي إلا أن الله سبحانه وتعالى أعلم حيث يجعل رسالته.
تشابهت الأجسام وتقاربت العلوم إلا أن الله وحده هو عالم السر وأخفى وهو وحده من يعلم خاصة أوليائه ويصطنعهم لنفسه ويرشدهم إلى حيث تلتقي المسارات ويجمعهم لشر يوم لبني أمية كما يجمع قزع الخريف.
(فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ) .
السؤال هو: أين كان صناع التاريخ الذي عناهم أمير المؤمنين عليه السلام بكلامه هذا؟!.
هل كانوا نائمين في بيوتهم أم أنهم كان يعدون ويهيئون الأرض لاستقبال يعسوب الدين، وكما قلت من قبل فالعلة الأساس التي اصابت العالم الإسلامي بالعطب والدمار هو إمعان قوى الشر والإجرام في التنكيل بهؤلاء وأمثالهم من رجال الله وتشتيتهم والحيلولة بينهم وبين التجمع المصدر الأساس للقوة والمنعة؟!.
الله تبارك وتعالى (سيجمعهم) والجمع هنا يعني استحضار هذه الذخائر المودعة في علم الغيب والتي ما كان لها أن تؤدي دورها وتقوم بواجبها لولا من سبقهم ممن مهد للحق وعرف الناس به وقارع الباطل وأفسد مكائد الأعداء وأبطل شرورهم.
(افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ وَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ وَلَا حِدَابُ أَرْضٍ يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ وَايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَالتَّمْكِينِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ).
مما يؤسف له أننا نحن المسلمين نعاني من عقدة الماضوية لا بمعناها القيمي لكن بمعناها الشخصي فالرموز عندنا يمكن ألا تحظى بما تستحق من رعاية ومساندة (دعك من التكريم) إلا بعد موتهم وموت منافسيهم على طريقة (لألفينك بعد الموت تندبني "وتُكَرِمَني" وفي حياتي ما زودتني زادا)!!!.
ما نصفه ليس بعيدا عن تاريخ الأنبياء وما قصة يوسف ع منا ببعيد.
المعنى الذي نقصده أن إصرار البعض على رمي الكرة بعيدا عن ملعب الأحداث الجارية لا يستند بالضرورة إلى بصيرة أطلت من رؤوس البعض وعمي عنها الآخرون بل إلى مزاج نفسي وانطباع شخصي (وما ابرؤ نفسي)!!.
المهدوية وقانون الدفع الإلهي
الخطأ الذي وقع فيه أولئك الذين حصروا رؤيتهم لمشهد الظهور في العلامات مما دفع بعض الدجاجلة لمحاولة سرقة بعضها مثل مدعي اليمانية الذي يزعم أنه أول المهديين ويدعو الناس لبيعته، أنهم لم يربطوا بما يكفي بين المهدوية وحركة الدفع ومواجهة الطغيان داخل الأمة الإسلامية مما دفع البعض لاعتبار الحراك المهدوي حالة مستقلة قائمة بذاتها ومنفصلة عما عاشته الأمة من قبل.
ألا تكون يمانيا ولا خراسانيا فأنت لست مهدويا أو أنت شخص هامشي  لا وزن لك، هكذا يبسط لنا البعض المسألة!!.
قانون الدفع يقسم الكون إلى قسمين: مفسدون ومناوئون لهؤلاء المفسدين (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) .
في الآيات السابقة كان المناوئون لجالوت أتباعا لنبي الله داود أي أنهم من عباد الله الصالحين، إلآ أن تعطيل آلة الفساد يمكن أن يحدث بسبب اصطدامها مع آلة فساد أخرى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) .
دفع الباطل وإفشال خططه يمكن أن يحدث بسبب اصطدامه مع جماعة مشابهة، إلآ أن المهمة تبقى في أساسها مهمة أهل الحق وهم رجال الله الممهدون للظهور المهدوي.
المعنى أن الحراك الممهد لم يبدأ مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران ولا قبل هذا بفترة محددة بل بدأ منذ بعث محمد بن عبد الله رحمة للعالمين وكان ما كان من أحداث ومآس تعرضت لها الأمة.
النبوءة والمتنبأ به!!
لم يكن النبي الأكرم محمد ص، وآله عليهم السلام يطلقون كلامهم في فراغ مطلق حتى وإن لم يُفهم كلامهم على الوجه الصحيح من قبل المستهدفين بالخطاب!!.
كم توجع الإمام علي عليه السلام ممن لا يعون ولا يفهمون ما يعظهم به عليه السلام حيث يقول ع (وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عَلِيٌّ يَكْذِبُ قَاتَلَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ أَعَلَى اللَّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ كَلَّا وَاللَّهِ لَكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا وَ لَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا وَيْلُ أُمِّهِ كَيْلًا بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)!!.
منذ بدء الحديث عن المهدي القادم ولو بعد حينٍ، كانت قضية الإصلاح والتغيير مطروحة، ليس للمناقشة وإنما للعمل والبذل ولم يكن طرحها لإفراغ ذمة المخاطبين وإلقاء العبء على القادم بعد أكثر من ألف عام وإنما لتعبيد طريقه وتمهيد الأرض لمجيئه ليلقى أنصار الحق مكتملي العدد والعدة، والعدة هنا ليس وقفا على السلاح وإنما ارتقاء بالفهم وتمحيصا للنفوس وتهيئة لها لتحمل تبعات مرحلة ما أصعبها.. وما أروعها.
(اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولَئِكَ، أُولَئِكَ وَاللَّهِ الْأَقَلُّونَ عَدَداً وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْراً يَحْفَظُ اللَّهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ.
المعنى أن عملية التمهيد للمشهد الأروع والأعظم في التاريخ بدأت منذ نزول القرآن ومنذ نطق رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار بتلك النبوءات فاستوعبها أناس وعمي عن رؤيتها آخرون ألهتهم الحياة الدنيا وزخرفها وفرحوا بها وحولوا كيان الإسلام إلى كيان سلطوي لا بقاء فيه إلا للأقوى والأكثر قدرة على الكذب والتزييف لا مكان فيها للمستضعفين الذين جاء الإسلام لتحريرهم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). القصص 5.
المشهد الآن عسكري أم صراع شامل؟!.
لن أزعم كما يزعم البعض ممن يدعون لأنفسهم قدرة رسم خارطة كاملة شاملة لعلامات الظهور ولشخوصها البارزة فالأمر يشبه إلى حد كبير خطة العمليات العسكرية التي تضعها القيادة العامة وتعطي للقيادات العاملة تحت إمرتها كل حسب حاجته.
الصيحة وهي من العلامات التي نطق بها كتاب الله عز وجل:
(وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ) .
يروي الشافعي السلمي في عقد الدرر: عن محمد بن علي، عليهما السلام، قال: الصوت في شهر رمضان، في ليلة جمعة، فاسمعوا وأطيعوا، وفي آخر النهار صوت الملعون إبليس، ينادي: ألا إن فلاناً قد قُتل مظلوماً. يشكك الناس ويفتنهم، فكم في ذلك اليوم من شاك متحير، فإذا سمعتم الصوت في رمضان - يعني الأول - فلا تشكوا أنه صوت جبريل، وعلامة ذلك أنه ينادي باسم المهدي واسم أبيه.
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال: إذا نادى مناد من السماء، إن الحق في آل محمدٍ، فعند ذلك يظهر المهدي.
وعن الزهري، قال: إذا التقى السفياني والمهدي للقتال يومئذ يسمع صوت من السماء: ألا إن أولياء الله أَصحاب فلان. يعني المهدي.
الصيحة والنداء (أن الحق في آل محمد) وهما بمعنى واحد تأتي بمثابة إعلان ومجاهرة وتحد في مواجهة طواغيت الأرض أعداء آل محمد وهو ما لم يكن متاحا لشيعة أهل البيت ومواليهم طيلة قرون خلت، كما أنها تأتي كنداء من السماء عبر الأقمار الصناعية تصل إلى كل مكان تصل إليه موجات البث.
نحن هنا لا نتحدث عن دور الإعلام والفضائيات وحدها حيث نعدها جزءا وركنا هاما من حراك فكري وثقافي تتميز به مرحلة التحضير للظهور، حراك يخترق حجب التعتيم المفروض على مدرسة أهل البيت عامة وعلى القضية المهدوية بصورة خاصة.
لا (مانع) لدينا أن تأخذ الصيحة شكل النداء المباشر من السماء رغم أن ممانعتنا أو عدمها لن تغير شيئا في الواقع، إلا أن النداء السماوي لا يلزم أن يكون بهذه الصورة فالأمر جاء من رب السماء والأرض ونفذه أهل الأرض استجابة لربهم وسواء كان الناطق (أن الحق في آل محمد) وأن (أولياء الله هم شيعة علي) شخص أو عدة أشخاص أو منظومة نذروا أنفسهم لإبلاغ رسالات الله (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)، فالنتيجة واحدة، بل أن إيصال الرسالة للمرسل إليهم بلسان بشري هو القانون الحاكم لخط الرسالات السماوية.
كما أننا نزعم أن التدخل الإلهي بهذه الصورة المباشرة يكاد أن يكون ممتنعا لقوله تعالى (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) الشعراء 4.
ولو كان نزول الكف المدلاة من السماء أو سماع الصيحةمن وراء السحب أمرا واردا بهذه الصورة لقال عز من قائل (سننزل عليهم من السماء آية...) ولم يعلق الأمر على المشيئة ولا سبقها بإن وهي تعني قلة الاحتمال والحدوث.
الذي نؤمن به أن معجزة الإسلام الكبرى هي العقل وهذا لا ينفي وجود المعجزات الحسية التي لم تكن تهدف لإقناع الجموع بصحة الوحي والمعتقد بل الوصول إلى نهاية شوط الاحتجاج مع المعاندين وإثبات أن سبب إعراضهم عن الإيمان لا يرتبط بنقص الحجة والدليل بل لعناد أصلي كامن فيهم لا يجدي معه لا منطق ولا دليل ولا حتى معجزة خارقة للمألوف.
المعنى الذي نريد الوصول إليه أن أهل العناد لا تنفع معهم الحجج والآيات ورغم أنهم يقرون بالإمام المهدي عليه السلام في كتبهم وكما قال تعالى (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة 145-146.
المعاندون لأصل الدعوة الإسلامية أقل سوءا من معاندي الإمام المهدي عليه السلام خاصة وأهل بيت النبوة عامة لأن الأولين لم يكونوا يحسبون أنهم على شيءولا كانوا يزعمون أنهم وحدهم الفرقة الناجية وكل من عداهم في النار كما يفعل المتأخرون (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) الأعراف، وقوله تعالى (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) المؤمنون، وقوله سبحانه (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) المجادلة.
الصيحة أوالنداء الذي يسبق ظهور الإمام المهدي عليه السلام موجه في الأساس للغالبية العظمى من المرتابين والمترددين ممن عميت عليهم الحقائق وجرى تضليلهم عن الصراط (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ، فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ) القصص، وهو نداء كما تبين الآيات يسبق الظهور المبارك ويأتي في توقيت يكون تضعضع قوى أعداء الإمام عليه السلام واضحا وباديا للعيان (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ).
عندها سيكون للنداء أثر كبير في استجلاب هؤلاء المترددين نحو معسكر الحق ممن وصفتهم الرواية (فكم في ذلك اليوم من شاك متحير)وهو ما تشير إليه أيضا الآية الكريمة (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ).
قد يشكل البعض على هذه الرؤية قائلا أن هذا الحال مختص بيوم القيامة وردنا أن ما ورد في القرآن من آيات تنتظم ضمن قانون العدالة الإلهية الشاملة التي تنطبق على أحوال الدنيا كما تنطبق على أحوال وأهوال يوم القيامة والأمر لا يعدو كونه تفصيلا لأوجه العلاقة الإشكالية بين المستكبرين والمستضعفين وليس بين س و ص باعتبارها علاقة ثنائية بحتة.
لدينا إذا معسكران متواجهان يمهدان للمواجهة الفاصلة.
معسكران لكل منهما امتدادات وتحالفات.
معسكر الباطل الذي يقوده الشيطان الرجيم مستخدما كل أدوات الخيانة والغدر والتضليل، إلا أنه تكون على أساس الغش وهو قابل للتفكك والانهيار في أي لحظة خاصة إذا بلغت الأزمة شدتها وساعتها ستتبخر وعود الدعم والنصرة وهو ما بدأت معالمه في الاتضاح الآن.
أما المعسكر المقابل فهو معسكر الإمام عليه السلام والوفاء والإخلاص شرط بقائه الأهم، فإن لم يتوفر فلا نصر ولا ظهور.
في رأينا أن الصيحة والنداء يشكلان المعركة في بعدها الإعلامي والسياسي.
يروي الشيخ المفيد عن أبي جعفر محمد بن علي ع: خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هى راية هدى لانه يدعو إلى صاحبكم فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكل مسلم، وإذا خرج اليمانى فانهض إليه، فإن رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لانه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم.ثم قال لي: إن ذهاب ملك بني فلان كقصع الفخار وكرجل كانت في يده فخارة وهو يمشي إذ سقطت من يده وهو ساه عنها فأنكسرت، فقال حين سقطت: هاه - شبه الفزع - فذهاب ملكهم هكذا أغفل ما كانوا عن ذهابه.
اليماني رجل (رجال) دعوة وهم متواجدون على الساحة قبل وأثناء الاشتباك ودورهم الأهم سيبقى ويستمر بعد انتهاء الحاجة لحمل السلاح.
مسرح الأحداث!!
يذكر العلامة السيد محسن الأمين في (أعيان الشيعة):
خروج السفياني والخراساني واليماني وخسف بالبيداء وقد استفاضت الروايات في أن السفياني من المحتوم الذي لا بد منه وانه لا يكون قائم الا بسفياني ونحو ذلك.
اختلاف رمحين بالشام ورجفة بها وخسف بحرستاواقبال قوم من المغرب إليها، غيبة الشيخ بالاسناد عن أمير المؤمنين ع إذا اختلف رمحانبالشام فهو آية من آيات الله تعالى قيل ثم مه قال ثم رجفة تكون بالشاميهلك فيها مائة ألف يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذابا على الكافرين فإذاكان ذلك فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب والرايات الصفر تقبل منالمغرب حتى تحل بالشام فإذا كان ذلك فانتظروا خسفا بقرية من قرى الشاميقال لها حرستا فإذا كان ذلك فانتظروا ابن آكلة الأكباد بوادي اليابس.

غيبة النعماني مثله: الا أنه قال لم تنجل الا عن آية من آيات الله قيل وماهي يا أمير المؤمنين قال رجفة تكون بالشام يقتل فيها أكثر من مائة ألفوقال البراذين الشهب المحذوقة وزاد بعد قوله تحل بالشام وذلك عند الجزعالأكبر والموت الأحمر وبعد قوله حرستا فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكبادمن الوادي اليابس حتى يستوي على منبر دمشق فإذا كان ذلك فانتظرواخروج المهدي.
كما روى النعماني بسنده عن أمير المؤمنين ع انتظروا الفرج من
ثلاث اختلاف أهل الشام بينهم والرايات السود من خراسان والفزعة فيشهر رمضان الحديث.
وبسنده عن الباقر ع لا يظهر القائم حتىيشمل الشام فتنة يطلبون المخرج منها فلا يجدونه.....
تحدد الروايات مسرحا معينا للأحداث التي تسبق ظهور المهدوي المنتظر عليه السلام نراه متطابقا مع ما يسمى بالهلال الشيعيالرابط بين الشام والعراق (لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ) ، فضلا عن الروايات الأخرى التي تتحدث عن الشام عامة وعن معركة قرقيسيا (البصيرة) في دير الزور السورية الواقعة الآن تحت احتلال تنظيم داعش.
نلاحظ أيضا أن الخراساني هو القائد الاستراتيجي لهذه المعارك التي تدور الآن من ضواحي كوفان التي لامس حدودها التنظيمات الإرهابية الوهابية بعد اجتياح الموصل عام 2014 وصولا إلى الشام.
تلك هي المعركة الأساس التي ستقرر نتائجها مصير قلب العالم الإسلامي ومقدساته حتى نهاية التاريخ.
الحديث أن اليماني (أهدى الرايات) لا يعني أنه يقع في مقابلالخراساني بل يعني أن المعركة التي يخوضها رجال الله رجالات المهدي المنتظر هي معركة حق وبصيرة وليست أبدا معركة علو وتسلط كما في الجبهة المقابلة حيث التسلط والعلو في الأرض والقضاء على من يأمرون الناس بالقسط هو الهدف والغاية.
أن يكون التمهيد المهدوي ذو جناحين سياسي ودعوي فهو كما قال تبارك وتعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد 25.
اليماني يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم!!.
لا شك أن أول صيحة ونداء أن (الحق في آل محمد) أطلقها آية الله الخميني قبل 38 عاما عندما أعلن ثورة الشعب الإيراني حيث ما يزال ذلك النداء وأصدائه يتردد في أرجاء الكون ثم جاء من ينقله للناس كافة وهو ما أقض مضاجع الاستكبار العالمي وأطار النوم من أعينهم، كما أن مفاعيل هذا النداء لا تقل أهمية عن السلاح والحروب التي خاضها رجال الله من أجل تعبيد الطريق لصاحب الأمر والزمان.
لماذا اليماني وليس اليَمني؟!.
قطعا لا نسعى للتقليل من دور أهل اليمن في التمهيد، إلآ أن هذه التسمية تتقاطع مع صفة شخصية لأحد الممهدين.
يروي صاحب عقد الدرر عن إبراهيم جعفر محمد بن علي، عليهما السلام، قال: يخرج شاب من بني هاشم، بكفه اليمنى خال، من خراسان، برايات سود، بين يديه شعيب بن صالح، يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم. وأخرجه الحافظ أبو عبد الله نعيم بن حماد.
ربما كانت علامة جسدية وليست جغرافية، رغم أن رواية أخرى تجعل هذه العلامة الجسدية في كفه اليسرى والرواية عن عقد الدرر للشافعي السلمي:
عن أبي قبيل، عن أبي رومان، عن علي عليه السلام، قال: يلتقي السفياني ذا الرايات السود، فيهم شاب من بني هاشم، في كفه اليسرى خال، وعلى مقدمته رجل من بني تميم، يقال له شعيب بن صالح (التميمي) بباب إصطخر، فتكون بينهم ملحمة عظيمة، وتظهر الرايات السود، وتهرب خيل السفياني، فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه.
أخرجه الحافظ أبو عبد الله نعيم بن حماد، في كتاب الفتن.

انشقاق خطير في المعسكر السفياني!!
يروي الشيخ المفيد في كتاب الغيبة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام:عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: " يقوم القائم(عليه السلام) في وتر من السنين: تسع، واحدة، ثلاث، خمس.  ثم قال: إذا اختلفت بنو امية وذهب ملكهم، ثم يملك بنو العباس، فلا يزالون في عنفوان من الملك وغضارة من العيش حتى يختلفوا فيما بينهم، فإذا اختلفوا ذهب ملكهم، واختلف أهل المشرق وأهل المغرب، نعم وأهل القبلة.
وعنه أيضا: إذا اختلفت بنو فلان فيما بينهم، فعند ذلك فانتظروا الفرج، وليس فرجكم إلا في اختلاف بني فلان، فإذا أختلفوا فتوقعوا الصيحة في شهر رمضان وخروج القائم(عليه السلام)، إن الله يفعل ما يشاء، ولن يخرج القائم ولا ترون ما تحبون حتى يختلف بنو فلان فيما بينهم، فإذا كان كذلك طمع الناس فيهم واختلفت الكلمة، وخرج السفياني.
كما يروي أيضا عن أبي عبد الله ع: لقائم آل محمد غيبتان إحداهما أطول من الاخرى؟ فقال: نعم ولا يكون ذلك حتى يختلف سيف بني فلان وتضيق الحلقة، ويظهر السفيانى ويشتد البلاء، ويشمل الناس موت وقتل يلجأون فيه إلى حرم الله وحرم رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ".
مما سبق يتبين لناالتزامن بين الأحداث التي تقع ضمن تلك الجبهات المشتعلة التي أشرنا إليها.
• فتنة هائلة في بلاد الشام أشعلها المعسكر السفياني ظنا منه أنها ستمكنه من القضاء على المعسكر المهدوي.
• تفاعلات الفتنة داخل المعسكر السفياني التي تقود لتفتته وانقسامه مما يعطي مزيدا من القوة والزخم للمعسكر المهدوي بل وأدت إلى طمع الناس فيهم وتشجعهم على خلع طاعتهم والتمرد عليهم.
• الدور الرئيس للخراساني القائد الاستراتيجي للقوى المهدوية في مواجهة المعسكر السفياني وهزيمته.
• الدور الرئيس لليماني داعية الحق والرشد في إعلان أن الحق في آل محمد في مواجهة حملات التضليل السفياني التي تزعم أن الحق لا يمكن أن يكون في آل محمد!!.
هذا هو سياق الأحداث وفقا للروايات المنقول أغلبها عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وهو ذات السياق الوارد في آيات سورة القصص والتي تحدثنا عن تأويلها فيما سبق والتي تبدأ بالنداء (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) إلى قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ)من الآية 62-67.
دكتور أحمد راسم النفيس
مصر
‏25‏/01‏/2017
‏الأربعاء‏، 27‏ ربيع الثاني‏، 1438


173,118 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (0)



الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2017 - النفيس