ننشر دراسة"الفاطميون والتعددية الدينية"للدكتور أحمد راسم النفيس

تم النشر فى دراسات مع 2 تعليق منذ 3 اسابيع

/

مقدمة لازمة:
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) .
ارتأت قدرة الله وحسن تدبيره لهداية البشر أن يشع نورهليتراءى لخلقه (النور الإلهي) من بقعة مضيئة ومركز هداية، ذلك (البيت) الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا وتقربا إليه وطهرا.
أي بيت هو؟!.
الكعبة بيت الله الحرام الذي تهوى إليه قلوب المؤمنين حبا وشوقا فتتوجه إليها حجا وعمرة وقِبلة في الصلاة، أم البيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل فشع منه نور الهداية عبر النبوة وامتدادها الإمامة التي حكم الله وقدر أنها في الطاهرين من آل إبراهيم، آل محمد؟!.
هما مظهران لجوهر ونور إلهي يربط بين القلب مستقر الإيمان الإنساني وبيت الله الحرام مركز الإيمان ومقره وأهل بيت الله قلب الإيمان في تجسده البشري.
الباني في الحالتين واحد، إبراهيم أبو الأنبياء وامتداده إسماعيل عليه السلام الذي سرى من خلاله النور الإلهي معلنا عن وجوده النهائي الكامل ببعثة محمد بن عبد الله.
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) .
الأمن الذي طلبه إبراهيم لأمته ليسأمناماديا بل أمن من الضلال والانحراف عن سبيل الهدى والتفرق والضياع بين السبل (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)!!.
ليتحقق هذا الأمن كان من المحتم أن يبقى (البلد) ومركزه بذات الأيد الأمينة المؤسسة (ذريتي) التي أسكنها إبراهيم عليه السلام بواد غير ذي زرع ليحيطوا ببيته المحرم ولينفذوا المهمة الربانية الموكلة إليهم وهي الوقوف في وجه شياطين الإنس والجن الذين (أضللن كثيرا من الناس).
البيت وأهل البيت جعلهم الله مثابة لكل الناس أي مرجعا وأمنا من الضلال يفيئون إليهم وإن طالت رحلة التيه والضياع فباب الله كان ولا زال وسيبقى مفتوحا لكل من أرد العودة إلى صراطه المستقيم إلى أن تطلع الشمس من مغربها.
البيت وأهله أرادهم الله وجعلهم منارا لكل الناس شاء من شاء وأبى من أبى وإن لم يردهم أكابر مجرميها وسعوا لإطفاء نورهم وطمس دعوتهم (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
(أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ، وَامْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ).
(افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ وَلَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ وَلَا حِدَابُ أَرْضٍ يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ) .
الشاهد أن من يدينون بالإسلام سواء كانوا على دراية بحقيقة البيت وأهله أو كانت درايتهم ناقصة يدورون كلهم حول قطب الوجود ومهبط الوحي، بيت الله الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا وكل ينهل منه بقدر معرفته وقوة بصره وبصيرته.
ينهل البشر من فيض النور الإلهي المنبعث من بيت الله ومن أهل بيت الله كل حسب وسعه وقدرته والثابت أن قبضة واحدة من أثر النبي لها يمكن لها أن تغير الكثير والكثير نحو الأفضل.


الفاطميون وعطاؤهم للأمة الإسلامية
كان ما سبق مقدمة لازمة وإضاءة على الهداية الإلهية للبشرية وارتباطها ببيت الله الحرام مركز الهداية والإشعاع الإلهي في الكون وأن ثمة علاقة طردية بين مقدار ما ينهله الناس من هذا النور وما يفيضه الله عليهم من عطاء بغير حساب وأن الأمر لا يخضع لقانون (كل شيء أو لا شيء All or none) فكلما زاد الأخذ كلما كوفئ البشر بمزيد من العطاء الرباني.
عندما نلحظ ما قدمته الدولة الفاطمية من خير للبشرية بأجمعها وللمناطق التي حكموها بغض النظر عن التباينات العقديةفهذا الخير الذي حملوه معهم إنما هو أثر تلك القبضة النورانية من آثار النبي وأهل بيت النبي سلام الله عليهم.
ظلم الفاطميون ظلما هائلا من أعدائهم وظلموا أيضا من بعض أتباع أهل البيت الذين تجاهلوا سيرتهم وحاولوا النأي عن سيرتهم وبعض ذلك راجع لتأثرهم بالدعاية الكاذبة التي أطلقها من يبغضون أهل البيت وكل من سار على دربهم أيا كان توجههم زيديا أو إسماعيليا أو إماميا.
قبل اندلاع الأزمة الأخيرة في اليمن كنا نسمع إشادة بالزيدية وأنهم أقرب المذاهب الشيعية (لأهل السنة والجماعة) ولما وقعت الواقعة واشتعلت الحرب وأصبح استعادة الزيدية لمكانتهم ونفوذهم السياسي والاجتماعي المستحق أمر مطروحا انهالت التهم عليهم لا لشيء إلا لأن العدل ثقيل ولأن (الْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ وَأَضْيَقُهَا عند التَّنَاصُفِ).
اعتمدت الدولة الفاطمية مبدأ التسامح مع المذاهب الإسلامية الأخرىسواء منها ما كان مواليا لأهل البيت أو مذاهب العامة وهو ما ينفي نفيا قاطعا ما حاول أعداؤهم الترويج له من فرضهم لمذهبهم على سائر المسلمين.
يروي ابن خلدون في تاريخه:
رفع إلى الحاكم بأمر الله أنّ جماعة من الشيعة تعرّضوا لأهل السُنَّة في التراويح بالرجم، وفي الجنائز فكتب في ذلك سجلاً قرىء على المنبر بمصر كان فيه:
أمّا بعد فإن أمير المؤمنين يتلو عليكم آية من كتاب الله المبين {لا إكراه في الدين} [الآية].
مضى أمس بما فيه، وأتى اليوم بما يقتضيه. معاشر المسلمين نحن الأئمة، وأنتم الأمّة. لا يحلّ قتل من شهد الشهادتين ولا يحلّ عروة بين إثنين، تجمعها هذه الأخوّة، عصمَ الله بها من عصمْ، وحرّم لها ما حرّم، من كل محرّم، من دم ومال ومنكح، الصلاح والأصلح بين الناس أصلح، والفساد والإفساد من العبّاد يستقبح.
يطوى ما كان فيما مضى فلا يُنْشَر، ويعرض عما انقضى فلا يُذْكَر. ولا يقبل على ما مرّ وأدبر من إجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيام الخالية أيام آبائنا الأئمة المهتدين سلام الله عليهم أجمعين مهديهم بالله، وقائمهم بأمر الله، ومنصورهم بالله، ومعزّهم لدين الله، وهو إذ ذاك بالمهديّة والمنصوريّة، وأحوال القيروان تجري فيها ظاهرة غير خفيّة، ليست بمستورة عنهم ولا مطويّة.
يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، صلاة الخمس للدين بها جاءهم فيها يصلون، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون. يخمّس في التكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التكبير عليها المربّعون. يؤذّن بحيّ على خير العمل المؤذّنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذّنون. لا يسبّ أحد من السلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يوصف، والخالف فيهم بما خلف. لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاده وإلى الله ربّه ميعاده، عنده كتابه، وعليه حسابه.
ليكن عباد الله على مثل هذا عملكم منذ اليوم، لا يستعلي مسلم على مسلم بما اعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما اعتمده. من جميع ما نصّه أمير المؤمنين في سجلّه هذا، وبعد قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون } والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.
إنها (وثيقة الوحدة والتعاون) كتبها الحاكم بأمر الله وهي وثيقة لو أعلنت اليوم وطبقت لكانت كفيلة بقطع دابر السجالات والحروب الدائرة الآن بين المسلمين.
ويكفي العمل بتلك تلك العبارة التي وردت في آخر الوثيقة (لا يستعلي مسلم على مسلم بما اعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما اعتمده) لتنهي أي جدل عنيف بين الفريقين ما زال يعلو ويهبط إلى يومنا هذا.
ويكفي أيضا استشهاده بقوله تعالى (عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم) حجة عن الذين لا يكفون عن مجادلة غيرهم وتسفيه آرائهم وعقولهم من دون داع حقيقي لهذا الشقاق.
لا يعني أن يبقى المسلم الفقيه صامتا بل يعني أن عليه أن يختار متى يتكلم ومع من يتكلم وأن يوقن أن حساب الخلائق مرده إلى رب الخلائق ورحم الله امرئ قال خيرا فغنم أو سكت فسلم وسلم مع الناس أجمعين.
كما يهمنا أن نشير لأن الإشكال الواقع بين بعض عوام الشيعة وغيرهم من المسلمين المعتقدين بصلاة التراويح لم يكن ليحصل لولا أن هؤلاء كان بوسعهم أن يفعلوا ما يعتقدون صحته وصوابه في دولة الفاطميين التي يزعم المؤرخون المنحازون لأهوائهم أنها كانت تخير المسلمين السنة بين التشيع أو الذبح!!.
الفاطميون والتبشير الشيعي!!!
في الآونة الأخيرة جرى الترويج لمصطلح (التبشير الشيعي) وهو قطعا مصطلح مخابراتي يراد من وراء تعميمه تقديم حركة التشيع في صورة مؤامرة كبرى تسعى من وراءها إيران لتغيير خارطة العالم والاستحواذ على مساحة شاسعة من النفوذ السياسي خدمة (لأغراضها)!!.
الفاطميون حسب زعمهم حاولوا إجبار أهل مصر على التشيع لكنهم فشلوا!!، بينما يقول التاريخ أنهم لم يكونوا في وارد إجبار أحد لا على التشيع ولا على التسنن وأنهم تركوا للناس حرية الاختيار.
الذين يرغبون في التعرف على طبيعة الدعوة الفاطمية يمكنهم الرجوع إلى خطط المقريزيليدركوا أن الدعوة الإسماعيلية لم تكن دعوة شعبوية قائمة على حشد جماهير المؤيدين ورصهم للسير وراء الخليفة الفاطمي أو للهتاف باسمه كما أنه لم يكن متاحا لكل من رغب الدخول فيها أن يعلن انتماءه إليها بل كان من المتعين على من يرغب في الانضواء تحت لوائها أن يمر بعشرمراحل أو مراتب وأن يترقى فيها بخلاف التشيع الإمامي الذي ينبني على اعتقاد المرء وإقراره بعد شهادتي التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، بإمامة الأئمة الإثني عشر والتزام منهج أهل البيت الاعتقادي والفقهي.
التشيع الإسماعيلي يجمع بين المحتوى العقائدي والفقهي المتاح معرفته لكل من أراد والنهج التنظيمي الذي لا يتيح لكل من أراد أن ينضوي أو يضطلع بمهمة الدعوة أن يفعل ما يحلو له ومن ثم فالحديث عن إجبار المصريين أو غيرهم على التشيع الإسماعيلي لا يعدو كونه مجرد هراء يهرف به فقهاء الملوخية  والباذنجان الذين لا يكفون عن الإدلاء بآرائهم التافهة في القملة والنملة فضلا عن قواعد التقلية النقلية والعقلية قدس الأقداس في فن صناعة الملوخية!.
يروي المقريزي في اتعاظ الحنفا: سنة خمس وتسعين وثلثمائة
وأقبل الناس من النواحي والضياع فدخلوا في الدعوة وجعل لهم يوموللنساء يوم فكثر الازدحام ومات في الزحمة عدة‏.‏
كما يذكر المقريزي أيضا في الخطط: وتسارعالناس إلى الدخول في الدعوة فجلس لهم قاضي القضاة عبدالعزيز بن محمد بنالنعمان فقدموا من سائر النواحي والضياع فكان للرجال يوم الأحد وللنساء يومالأربعاء وللأشراف وذوي الأقدار يوم الثلاثاء وازدحم الناس على الدخول فيالدعوة فمات عدّة من الرجال والنساء‏.‏
لم يكن للفاطميين حاجة لإجبار (ملايين) المصريين على الدخول في دعوتهم عبر أساليب القمع والقهر كون هذا ينافي منهجهم في انتقاء المنتسبين إليهم والتدرج في تعليمهم أركان المعتقد.
كما أن انتشار المذهب الإسماعيلي شرقا وغربا عبر بث الدعاة الفاطميين في عقر دار المخالفين للتشيع سواء كان إماميا أم إسماعيليا ينفي تماما أن القهر والقمع كانا هما الوسيلة المؤدية لاعتناق التشيع الإسماعيلي.
مع فقهاء المخالفين
يروي المقريزي في كتابه (اتعاظ الحنفا) أخبار ورود فقيه المالكية الطرطوشي لزيارة الخليفة الفاطمي (الآمر بأحكام الله) سنة 516 هـ ما نصه:
وصل الفقيه أبو بكر محمد بن محمد الفهري الطرطوشي منالإسكندرية بالكتاب الذي حمله‏:‏ (سراج الملوك فأكرمه) الوزير (المأمون البطائحي) وأمر بإنزاله في المجلس المهيأللإخوة وتقدم برفع أدوية الكتاب وأوطئة الحساب وسلام الأمراء وعمل السماط وسارع إلىالبادهنج واستدعى بالفقيه‏.‏
فلما شاهده وقف ونزل عن المرتبة وجلس بين يديه ثم انصرف ومعه أخوالمأمون إلى مكان أعد له وحمل إليه ما يحتاج له وأمر مشارف الجوالي أن يحمل له فيكل يوم خمسة دنانير بمقتضى توقيع مقتضب فامتنع الفقيه وأبي أن يقبل غير الديناريناللذين كانا له في الأيام الأفضلية‏.‏
وصار المأمون يستدعيه في يومي راحته ويبالغ في كرامته ويقضيشفاعاته‏.‏
وكان السبب في حضوره أنه تكلم في الأيام الأفضلية  في أمور المواريثوما يأخذه أمناء الحكم من أموال الأيتام وهو ربع العشر وأمر توريث الابنة النصف فلميقبل ذلك ففاوض المأمون فيه وقال‏:‏ هذه قضية وجدتها وما أحدثتها وهي تسمى بالمذهبالدارج ويقال إن أمير الجيوش بدر الجمالي هو الذي استجدها وهي أن كل من مات يعمل في ميراثهعلى حكم مذهبه وقد مر على ذلك سنون وصار أمراً مشروعا فكيف يجوز تغييره‏.‏
فقال له الفقيه‏:‏ إذا علمت ما يخلصك من الله غيرها فلك أجرها‏.‏
فقال أنا نائب الخليفة ومذهبه ومذهب جميع الشيعة من الزيدي والإماميوالإسماعيلي أن الإرث جميعه للابنة خاصة بلا عصبة ولا بيت مال ويتمسكون بأنه منكتاب الله كما يتمسك غيرهم وأبو حنيفة رحمه الله يوافقهم في القضية‏.‏
فقال الفقيه‏:‏ أنا مع وجود العصبة فلا بد من عدتها‏.‏
فقال المأمون أنا لا أقدر أن أرد على الجماعة مذهبهم والخليفة لايرى به وينقضه على من أمر به بل أرى بشفاعة الفقيه أن أرد الجميع على رأى الدولةفيرجع كل أحد على حكم رأيه في مذهبه فيما يخلصه من الله ويبطل حكم بيت المال الذيلم يذكره الله في كتابه ولا أمر به الرسول عليه السلام‏.‏فأجاب إلى ذلك‏.‏
وأمر الوزير أن يكتب به وأن يكتب بتعويض أمناء الحكم عما يقتضونه منربع العشر بتقرير جار لهم في كل شهر من مال الديوان على المواريث الحشرية وأخذالفقيه في ذكر بقية حوائج أصحابه وكتب منه توقيع فرغت منه نسخ منها ما سير إلىالثغور وكبار الأعمال وشملته العلامة الآمرية وبعدها العلامة المأمونية‏.‏
ونسخته بعد البسملة‏:‏ خرج أمر أمير المؤمنين بإنشاء هذا المنشورعندما طالعه السيد الأجل المأمون أمير الجيوش ونعوته والدعاء وهو الخالصة أفعاله فيحياطة المسلمين وذو المقاصد المصروفة إلى النظر في مصالح الدنيا والدين والهمةالموقوفة على الترقي إلى درجات المتقين والعزائم الكافلة بتشديد أحوال الكافةأجمعين شيمة خصه الله بفضيلتها جبلة أسعد بجلالها وشريف مزيتها‏.‏
والله سبحانه يجعل آراءه للتوفيق مقارنة وأنحاء الميامن كافلةًضامنة من أمر المواريث وما أجراها عليه الحكام الدارجون بتغاير نظرهم وقرروه منتغيير عما كان يعهد بتغلب آرائهم وما دخل عليها منهم من الفساد والخروج بها عنالمعهود المعتاد وهو أن لكل دارج من الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين مذاهبهمواعتقاداتهم تحمل ما يترك من موجوده على حكم مذهبه في حياته والمشهور من اعتقادهإلى حين وفاته فيخلص لحرم ذوي التشيع الوارثات جميع موروثهم وهو المنهج القويم لقولالله سبحانه‏:‏‏"‏وأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏"‏‏.‏
ويحمل من سواهن على مذهب مخلفيهن ويشركهم بيت مال المسلمين فيموجودهم ويحمل إليه جزء من أموالهم التي أحلها الله لهن بعدهم عدولاً عن محجةالدولة وخروجاً عما جاء به العباد من الأئمة الذين نزل في بيتهم الكتاب والحكمة فهمقراء القرآن وموضحو غوامضه ومشكلاته بأوضح البيان وإليهم سلم المؤمنون وعلى هديهموإرشادهم يعول الموقنون فلم يرض أمير المؤمنين الاستمرار في ذلك على قاعدة واهيةالأصول بعيدة من التحقيق خالية من المحصول ولم ير إلا العود فيه إلى عادة آبائهالمطهرين وأسلافه العلماء المهديين صلوات الله عليهم أجمعين‏.‏
وخرج أمره إلى السيد الأجل المأمون بالإيعاز إلى القاضي ثقة الملكالنائب في الحكم عنه بتحذيره والأمر له بتحذير جميع النواب في الأحكام بالمعزيةالقاهرة ومصر وسائر الأعمال دانيها وقاصيها قريبها ونائيها من الاستمرار على تلكالسنة المتجددة ورفض تلك القوانين التي كانت معتمدة واستئناف العمل في ذلك بما يراهالأئمة المطهرة وأسلافه الكرام البررة وإعادة جميع مواريث الناس على اختلاف طبقاتهمومذاهبهم إلى المعهود من رأي الدولة فيها والإفراج عنها برمتها لمستحقيها من غيراعتراض عليهم في قليلها ولا كثيرها وأن يضربوا عما تقدم صفحا ويطووا دونه كشحا منذتاريخ هذا التوقيع وفيما يأتي بعده مستمرا غير مستدرك لما فات ومضى ولا متعقب لماذهب وانقضى‏.‏
وليوف الأجل المأمون عضد الله به الدين بامتثال هذا المأموروالاعتمادعلى مضمون هذا المسطور وليحذر كلا من القضاة والنواب والمستخدمين فيالباب وسائر الأعمال من اعتراض موجود أحد ممن يسقط الوفاة وله وارث بالغ رشيد حاضرأو غائب ذكرا كان أو أنثى من سائر الناس على اختلاف الأديان بشيء من التأولات أوتعقب ورثته بنوع من أنواع التعقبات إلا ما أوجبته بينهم المحاكمات والقوانينالشرعيات الواجبات نظراً إلى مصالح الكافة ومدا لجناح العاطفة عليهم والرأفةومضاعفة للأنام وإبانةً عن شريف القصد إليهم والاهتمام‏.‏
فأما من يموت حشريا ولا وارث له حاضر ولا غائب فموجوده لبيت المالبأجمعه على الأوضاع السليمة والقوانين المعلومة القويمة إلا ما يستحقه خرج إن كانله أو دين عليه يثبت في جهته‏.‏
وإن سقط متوفى وله وارث غائب فليحفظ الحكام والمستخدمون على تركتهاحتياطاً حكميا وقانونا شرعيا مصوناً من الاصطلام محروساً من التفريط والاخترام فإنحضر وأثبت استحقاقه ذلك في مجلس الحكم بالباب على الأوضاع الشرعية الخالصة من الشبهوالارتياب طولع بذلك ليخرج الأمر بتسليمه إليه والإشهاد يقبضه عليه‏.‏
وكذلك نمى إلى حضرة أمير المؤمنين أن شهود الحكم بالباب وجميعالأعمال إذا شارف أحد منهم بيع شيء مما يجري في المواريث من الترك التي يتولاهاالحكام يأخذون ربع العشر من ثمن المبيع فيعود ذلك بالنقيصة في أموال الأيتاموالتعرض إلى الممنوع الحرام اصطلاحاً استمروا على فعله واعتماداً لم يجر الأمر فيهعلى حكمه فكره ذلك وأنكره‏.‏
واستفظعه وأكبره واقتضى حسن نظره في الفريقين ما خرج به أمره منتوفير مال الأيتام وتعويض من يباشر ذلك من الشهود جارياً يقام لكل منهم من الإنعاموأمر بوضع هذا الرسم وتعفيته وإبطاله وحسم مادته‏.‏
فليعتمد القاضي ثقة الملك ذلك بالباب وليصدر الإعلام إلى سائرالنواب سلوكاً لمحجة الدين وعملاً بأعمال الفائزين السعداء المتقين بعد تلاوة هذاالتوقيع في المسجدين الجامعين بالمعزية القاهرة المحروسة ومدينة مصر على رءوسالأشهاد ليتساوى في معرفة مضمونه كل قريب وبعيد وحاضر وباد ولتفرغ منه النسخ إلىجميع النواب عنه في الأعمال وليجلد في مجلس الحكم بعد ثبوته في ديواني المجلسوالخاص الآمري وحيث يثبت مثله إن شاء الله تعالى حجة مودعة في اليوم وما بعده‏.‏
وكتب لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة‏.‏
ثم حضر الفقيه أبو بكر لوداع الوزير وعرفه ما عزم عليه من إنشاءمسجد بظاهر الثغر على البحر فكتب إلى ابن حديد بموافقة الفقيه على موضع يتخيره وأنيبالغ في إتقانه وسرعة إنجازه وتكون النفقة عليه من مال ديوانه دون مال الدولة‏.‏
وتوجه فبنى المسجد المذكور على باب البحر‏.‏
وأما المسجد الذي بالمحجة فإن المؤتمن عند مقامه بالثغر بناه‏.‏
وذكر للمأمون أيضا أن واحات البهنسا ليس بها جمعة تقام فأمر ببناءجامع بها ففرغ منه وأقيم فيه خطيب وإمام وقومة ومؤذنون وأطلق لهم ما هي عادةأمثالهم‏.‏
وقيل إن الذي أنشأه المأمون في وزارته وفي أيام الأفضل أحد وأربعونمسجداً مع ما أمر بتجديده بعد وزارته بالقاهرة ومصر وأعمالهما ما يناهز مائتيمسجد‏.‏
الشاهد من تلك الرواية وجود حرية التمذهب والاعتقاد حتى أن فقيها مالكيا يختلف مع (المذهب الرسمي للدولة) يجادل عن صحة رؤيته ويطالب بتطبيق مذهبه على عموم الناس ولا ترى الدولة في ذلك تمردا ولا (ازدراء لللأديان) كما يفعل الآن من يرون أنفسهم متحضرين بل ويصل بهم الحال لملاحقة من يطالب بحرية الاعتقاد بتهم لا يقبلها عقل ولا عدل ولا منطق.
ليس فقط جاء الفقيه المالكي إلى الديوان وناقش بل طلب بناء مسجد لا أظنه مسجدا للشيعة الإسماعيلية أو الإمامية فأجيب لطلبه ولا زال المسجد قائما حتى الآن في مدينة الإسكندرية.
كان لفقهاء الإمامية وجودهم ومكانتهم في الدولة الفاطمية حيث يحكي المقريزي في اتعاظ الحنفا عن حضورهم ومشاركتهم في حل الأزمات التي تعرضت لها الدولة ومن ضمنها أزمة الخلافة بعد وفاة المستنصر بالله والنزاع بين النزارية والمستعلية:
وفي عام 516هـ  تنبه ذكر الطائفة النزارية وقرر بين يدي الخليفة بأن يسيررسولاً إلى صاحب ألموت بعد أن جمعت فقهاء الإسماعيلية والإمامية وهم متولي الدولة أبوالبركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة وجميع دعاة الإسماعيلية وأبو محمد بن آدم متولىدار العلم وأبو الثريا ابن مختار فقيه الإسماعيلية ورفيقه أبو الفخر والشريف ابنعقيل وشيوخ الشرفاء وقاضي القضاة وأولاد المستنصر وجماعة من بني عم الخليفة وأبوالحسن بن أبي أسامة كاتب الدست وجماعة من الأمراء وقال لهم المأمون‏:‏ ما لكم منالحجة في الرد على هؤلاء الخارجين على الإسماعيلية فقال كل منهم‏:‏ لم يكن لنزارإمامة ومن اعتقد هذا خرج عن المذهب وحل ووجب قتله وإن كان والده المستنصر نعته وليعهد المسلمين ونعت إخوته منهم أبو القاسم أحمد بولي عهد وذكر حسين بن محمد الموصليأن اليازوري لم يزل يسأل المستنصر إلى أن كتب اسمه على الدينار وهو ما مثاله‏:‏ضربت في دولة آل الهدى ومن آل طه وآل ياسين مستنصرا باللّه جل اسمه وعبده الناصرللدّين في سنة كذا ولم يقم بعد ذلك إلا دون الشهر فاستعيدت وأمر ألا تسطر‏.‏
كما يصف المقريزي في الخطط مناخ الحرية الفكرية والحوارات التي كانت تجري بين العلماء والفقهاء في هذا العصر قائلا:
وفيصفرسنة365هـ جلسعليّبنالنعمانالقاضيبجامعالقاهرةالمعروفبالجامعالأزهروأملىمختصرأبيهفيالفقهعنأهلالبيتويعرفهذاالمختصربالاقتصاروكانجمعًاعظيمًا‏.‏
ولماتولىيعقوببنكلسالوزارةللعزيزباللهنزار بنالمعز رتبفيدارهالعلماءمنالأدباءوالشعراءوالفقهاءوالمتكلمينوأجرىلجميعهمالأرزاقوألفكتابًافيالفقهونصبلهمجلسًاوهو يومالثلاثاءيجتمعفيهالفقهاءوجماعة منالمتكلمينوأهلالجدلوتجريبينهمالمناظراتوكانيجلسأيضًافييومالجمعةفيقرأمصنفاتهعلىالناسبنفسهويحضرعندهالقضاةوالفقهاءوالقراءوالنحاةوأصحابالحديثووجوهأهلالعلموالشهودفإذاانقضىالمجلسمنالقراءةقامالشعراءلإنشادمدائحهمفيهوجعلللفقهاءفيشهررمضانالأطعمةوألفكتابًافيالفقهيتضمنماسمعهمنالمعزلديناللّهومنابنهالعزيزباللّهوهو مبوبعلىأبوابالفقهيكونقدرهمثلنصفصحيحالبخاريّ،ملكتهووقفتعليهوهويشتملعلىفقهالطائفةالإسماعيليةوكانيجلسلقراءة هذاالكتابعلىالناسبنفسهوبينيديهخواصالناسوعوامّهموسائرالفقهاءوالقضاةوالأدباءوأفتىالناسبهودرّسوافيهبالجامعالعتيقوأجرىالعزيزباللّهلجماعةمنالفقهاءيحضرونمجلسالوزيرويلازمونهأرزاقًاتكفيهمفيكلّشهروأمرلهمببناءدارإلىجانبالجامعالأزهرفإذاكانيومالجمعةتحلقوافيهبعدالصلاةإلىأنتُصلّىصلاةالعصروكانلهممنمالالوزيرأيضًاصلةفيكلّسنةوعدّتهمخمسة وثلاثونرجلًاوخلععليهمالعزيز باللهفييومعيدالفطروحملهمعلىبغال‏.‏
الشاهد أيضا أن الفاطميين لم يأتوا إلى مصر ومعهم التشيع كما يزعم البعض فالولاء لأهل بيت النبوة كان فاشيا بها منذ دخول أهلها في الإسلام حيث يروي المقريزي أيضا في خططه:
قالأبوعمروالكنديّفيكتابالمواليعنعبداللهبنلهيعةأنهقال‏:‏قاليزيدبنأبيحبيب‏:‏نشأتبمصروهيعلويةفقلبتهاعثمانية‏.‏
ومازالتشيعةعليّبمصرإلىأنوردكتابالمتوكلعلىالله العباسي إلىمصريأمرفيهبإخراجآلأبيطالبمنمصرإلىالعراقفأخرجهمإسحاقبنيحيىالختليّأميرمصرفخرجوالعشرخلونمنرجبسنة236هـ وقدمواالعراقفأخرجواإلىالمدينةفيشوّالمنهاواستترمنكانبمصرعلىرأيالعلويةحتىأنيزيدبنعبداللهأميرمصرضربرجلًامنالجندفيشيءوجبعليهفأقسمعليهبحقالحسنوالحسينإلاعفاعنهفزادهثلاثيندرةورفعذلكصاحبالبريدإلىالمتوكلفوردالكتابعلىيزيدبضربذاكالجنديّمائةسوطفضُربهاوحُملبعدذلكإلىالعراقفيشوّالسنة243هـ وتتبعيزيدالروافضفحملهمإلىالعراقودلفيشعبانعلىرجليقاللهمحمدبنعليّبنالحسنبنعليّبنالحسينبنعليّبنأبيطالبأنهبويعلهفأحرقالموضعالذيكانبهوأخذفأقرّعلىجمعمنالناسبايعوهفضُرببعضهمبالسياطوأخرجالعلويهووجمعمنآلأبيطالبإلىالعراقفيشهررمضان‏.‏
وماتالمتوكلفيشوّالفقاممنبعدهابنهمحمدالمستنصرفوردكتابهإلىمصربأنلايقبلعلويّضيعةولايركبفرسًاولايسافرمنالفسطاطإلىطرفمنأطرافهاوأنيمنعوامناتخاذالعبيدإلاالعبدالواحدومنكانبينهوبينأحدمنالطالبيينخصومةمنسائرالناسقبلقولخصمهفيهولميطالبببينةوكتبإلىالعمالبذلكوماتالمستنصرفيربيعالآخروقامالمستعينفأخرجيزيدستةمنالطالبيينإلىالعراقفيرمضانسنة250هـ ثمأخرجثمانيةمنهمفيرجبسنة 251هـ.‏
وفيإمارةهارونبنخمارويهبنأحمدبنطولونأنكررجلمنأهلمصرأنيكونأحدخيّرًامنأهلالبيتفوثبتإليهالعامّةفضرببالسياطيومالجمعةفيجمادىالأولىسنة 285هـ‏.‏
الذي نخلص إليه مما سبق أن تشيع أهل مصر وموالاتهم لأهل بيت النبوة لم يحمله الفاطميون إليها في حقائبهم ولم يختف بالكلية بزوال دولتهم مثلما يحلو القول لبعض السفهاء ممن لم يقرأوا التاريخ أو قرأوه بعين حولاء ترى الولاء لأهل البيت عارا وترى طاعة غيرهم دينا يجري التقرب به إلى الله عز وجل.
الكتاب والمؤرخون الذين جعلوا همهم الأول وشغلهم الشاغل التشنيع على الفاطميينونسبة شتى صنوف المثالب لهم لم يدرجوا ضمن  تلك الأكاذيب تهمة إجبار الناس على التشيع وكما رأينا فقد ازدحم الناس على مجالس الدعوة حتى داس بعضهم بعضا بالأقدام وقتل منهم أحد عشر شخصا.
اليهود والنصارى في الدولة الفاطمية
يروي المقريزي في اتعاظ الحتفا نقلا عن ابن الأثير أن الخليفة الفاطمي العزيز بالله‏:‏ (قيل) إنه ولي عيسى بن نسطورس النصراني كتابتهواستناب بالشام يهوديا اسمه منشا إبراهيم بن القزاز فاعتز بهما النصارى واليهودوآذوا المسلمين فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في يد صورة عملوها من قراطيسفيها‏:‏ بالذي أعز اليهود بمنشا والنصارى بعيسى بن نسطورس وأذل المسلمين بك إلاكشفت ظلامتي‏وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز والرقعة بيدها فلما رآها أمربأخذها فإذا الصورة من قراطيس فعلم ما أريد بذلك فقبض عليهما وأخذ من عيسى بننسطورس ثلاثمائة ألف دينار ومن اليهودي شيئاً كثيراً‏.‏
والمعنى أن الانتماء لغير الإسلام لم يكن مانعا لليهود والنصارى من التعيين في الوظائف الرسمية رغم أن الطبائع الذاتية يمكن أن تحمل بعض هؤلاء على إساءة استخدام السلطة أو الانحياز لغير الحق إلا أن أحدا من هؤلاء لم يكن فوق مستوى المحاسبة كما يصور بعض الأغبياء الذين يعرضون مثل هذه الحوادث كدليل على تنكر الفاطميين للإسلام والدين.
الاحتفال بأعياد النصارى
ذكر المقريزي في الخطط ج2:
قال المسبحي‏:‏ في سن ثمان وثمانين وثلثمائة‏:‏ كان غطاس النصارىفضربت الخيام والمضارب والأشرعة في عدة مواضع على شاطئ النيل فنصبت أسرة للرئيس فهدابن إبراهيم النصراني كاتب الأستاذ برجوان وأوقدت له الشموع والمشاعل وحضر المغنونوالملهون وجلس مع أهله يشرب إلى أن كان وقت الغطاس فغطس وانصرف‏.‏
وقال‏:‏ في سنة خمس عشرة وأربعمائة وفي ليلة الأربعاء رابع ذيالقعدة كان غطاس النصارى فجرى الرسم من الناس في شراء الفواكه والضأن وغيره ونزلأمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم لقصر جده العزيز بالله بمصر لنظرالغطاس ومعه الحرم وضرب بدر الدولة الخادم الأسود متولي الشرطتين خيمة عند الجسر وجلس فيها وأمرالخليفة الظاهر لإعزاز دين الله بأن توقد المشاعل والنار في الليل فكان وقيدًاكثيرًا وحضر الرهبان والقسوس بالصلبان والنيران فقسسوا هناك طويلًا إلى أن غطسوا‏.‏
وقال ابن المأمون‏:‏ إنه كان من رسوم الدولة أنه يفرق على سائر أهلالدولة الترنج والنارنج والليمون المراكبي وأطنان القصب والسمك والبوري برسوم مقررةلكل واحد من أرباب السيوف والأقلام‏.‏
الاحتفال بخميس العهد‏:‏ ويسميه أهل مصر من العامة‏:‏ خميس العدس ويعمله نصارىمصر قبل الفصح بثلاثة أيام ويتهادون فيه وكان من جملة رسوم الدولة الفاطمية في خميسالعدس (تقاليد الدولة) ضرب خمسمائة دينار ذهبًا عشرة آلاف خروبة وتفرقتها على جميع أرباب الرسوم كماتقدم‏.‏
القضاء على الفاطميين وصعود النموذج الداعشي
الآن وبعد كل هذه القرون ما زال الوهابيون يثيرون الجدل رفضا لتهنئة المسيحيين بأعيادهم استنادا للفتاوى التي أصدرها مشايخ الفتنة من قبل وما زالوا مصرين عليها، كما أن الدولة المصرية لا تشارك الأقباط احتفالهم بأي من أعيادهم باستثناء عيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام وهو أمر محدث لم يكن له وجود قبل أقل من عقدين من الزمان.
الدولة المصرية المعاصرة لا توزع الحلوى بهذه المناسبة أو غيرها ولا تعطي الناس منحا للتوسيع على الناس وإضافة لمزيد من البهجة على نفوسهم.
لا يكف الوهابيون الذين تسعى النظم الحاكمة لاسترضائهم عبر حرمان الناس من أبسط حقوقهم الإنسانية – خاصة الشيعة- مثل حق الاعتقاد فما بالك بحق البهجة ومشاركة الآخرين في أفراحهم عن إثارة الرعب وتوزيع الفزع بين الناس بالتساوي وهذا هو النوع الوحيد من العدل الذي يؤمن به هؤلاء الهمج.
مشاركة الآخر في البهجة بالأعياد لا تعني بحال تطابقا عقائديا بل تعني تشاركا إنسانيا فالإنسان السوي الباقي على إنسانيته يفرح لفرح الآخرين فكلنا نعيش على أرض واحدة نعمرها بالسعي والعمل.
أحال صلاح الدين الأيوبي مصر كلها إلى أنقاض وركام واستدعى النموذج الداعشي الذي يتساءل الناس الآن في حيرة كيف ومن أين جاء، دون أن يساعدهم أحد على فهم هذا التحول الكارثي وكيف حلت الكراهية والرغبة الجامحة في القتل وإبادة الآخر محل هذا التسامح وكيف تحولت مصر من مركز للحضارة والتسامح لمصدر رئيس ينطلق منه الإرهاب والتدعش والتوحش؟!.
يصف باحث سعودي (مبتهج) هذه الكارثة بقوله:
"واختفى في ذلك العصر (الأيوبي) الاحتفال الرسمي بمواسم النصارى وأعيادهم حيث كان الفاطميون يشاركونهم أعيادهم فاختفت هذه المشاركة الرسمية من الدولة حيث كان الفاطميون يضربون في هذا العيد خراريب من ذهب ويفرقونها على أرباب الدولة برسم التبرك بها فبطل ذلك في دولة صلاح الدين إلا أن عدم المشاركة الرسمية لا يعني اختفاؤها من الحياة الاجتماعية إذ أن أهلها ظلوا يحتفلون بها" .
أما المؤرخ المصري الدكتور عبد المنعم ماجد فيقول:
أما حقيقة موقف المصريين من إنهاء الخلافة الفاطمية فقد كان له وقع ألم وأسى بحيث أن تغري بردي يقول: إن نفوس المصريين كادت تزهق لانتهاء دولة الفاطميين ولا ريب فهذه الخلافة الفاطمية كان قد أحبها المصريون لأنها جعلت من مصر دولة مستقلة استقلالا تاما لا يحكمها ولاة معينون من بغداد أو من دمشق كما كان الحال من قبل فنبهت بذلك إلى مركز مصر في دار الإسلام ولم ينس المصريون أن الفاطميين جاءوا للجهاد وأنهم قاموا بدور هام في الدفاع عن الإسلام بصد البيزنطيين اليونان الذين بدأوا الحروب الصليبية كما كانت الخلافة الفاطمية تعتمد في دواوينها على المصريين سواء كانوا من المسلمين أو القبط الذين تولوا أعلى مناصبها بما فيها الوزارة.
وأخيرا فإن الخلافة الفاطمية في مصر كانت أعيادا متواصلة مما لا يعرف له مثيل من قبل ليس فقط للمسلمين من أهلها وإنما أيضا للقبط بحيث أنها في أعياد القبط كانت تطلق المأكولات والملابس والأموال للموظفين القبط والمسلمين ليكون الابتهاج عاما وأنها كانت تقوم بسك دنانير خاصة بها كما كانت تفعل في أعياد المسلمين لذلك اعتبرها المصريون دولتهم حتى أن معظم المؤرخين أجمعوا على تسميتها دولة المصريين.
من ناحية أخرى كان سقوط الخلافة الفاطمية يعني عند المصريين أن مركز بلادهم قد ضعف بعودتها ولاية تابعة للعباسيين وخضوعهم لجنس أجنبي عنهم وهم الغز أي الترك حيث ألف ابن الجوزي المؤرخ العراقي المتعصب كتابا سماه (النصر على مصر) وكان سقوط مصر يعني الخضوع لصلاح الدين الكردي المستبد الذي استبعد في وزارته رجال مصر وأخرجهم من الوظائف والجيش وأنزل رجاله في بيوتهم وهم أيضا بإخراج القبط من الدواوين لولا خوفه من توقف دولاب العمل وكذلك قدروا أن عصر الرخاء قد زال بزوال الفاطميين لأن أموال مصر وخيراتها تخرج للترك الغرباء في مصر والشام وأحسوا باختفاء العملة الذهبية والفضية من التداول منذ مجيء صلاح الدين وظهر بدلا منها عملة رديئة هي الفلوس وهي من النحاس المخلوط بالفضة فكان العثور على دينار ذهب أحمر أشبه ببشارة من الجنة مع أن الفلوس كانت تعتبر زمن الفاطميين عملة غير قانونية .
مما سبق يتبين لنا أن الدولة الفاطمية شكلت نموذجا للتعايش بين أبناء الأديان والمذاهب المختلفة ضمن دولة تجمع ولا تفرق بين أبنائها لأسباب واهية وهو النموذج الداعشي الذي أسسه صلاح الدين الأيوبي على خطى أسلافه العباسيين والأمويين.
لم تبدأ مصيبة المسلمين مع الإرهاب مع ظهور داعش كما يعتقد البعض فالمصيبة أعظم وأقدم من هذا والسبب الأساس لهذا البلاء هو الكراهية والرفض لكل ما يمت لأهل البيت بسبب أو ارتباط سواء كان التشيع إسماعيليا أو إماميا أو حتى زيديا كان يوصف حتى الأمس القريب بأنه الأقرب (لأهل السنة والجماعة).
أقرب!!
ليكن الأقرب أو حتى الأشد قربا لكنه ليس مسموحا له الإمساك بأي سلطة!!.
لا زالت العنصرية (الإسلامية) ونعني بها تلك الحالة المرضية التي تتلبس أدعياء الانتساب إلى الإسلام البعيدين كل البعد عن قيمه ومبادئه تحكم وتتحكم فيهم.
القرآن يقول لا تقتل وهم يقتلون كل من خالفهم فرديا وجماعيا دون خوف أو وجل.
القرآن يقول (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
بينما هم ينفذون حملات السخرية والغمز واللمز وينفقون عليها المليارات لنفي الشيعة من الإسلام بل ويدفعون مئات المليارات لترامب ونتنياهو لمحاربة الشيعة وإبادتهم!!.
وإلى أن يعود للعرب عوازب أحلامهم ستستمر أحوالهم في التدهور من سيء إلى سيء.
دكتور أحمد راسم النفيس
‏18‏/07‏/2017
‏الثلاثاء‏، 24‏ شوال‏، 1438
هاتف منزل 0020502244839
نقال 00201223913029

 

 

لائحة مؤلفات الدكتور أحمد راسم النفيس
1- الطريق إلى مذهب أهل البيت.
2- رحلتي مع الشيعة والتشيع في مصر.
3- على خطى الحسين.
4- المهدي المنتظر ومعركة تحرير القدس.
5- الشيعة والثورة (ما بعد استشهاد الإمام الحسين).
6- الجمل وفقه الطابور الخامس.
7- التحكيم: قراءة في الفقه التاريخي للأمة الإسلامية.
8- الجماعات الإسلامية – محاولة استمساخ الأمة الإسلامية. طبع
9- الإخوان المسلمون: شعب الله المختار.
10- المصريون والتشيع الممنوع.
11- شرح دعاء السَحَر لأبي حمزة الثمالي.
12- علي بن أبي طالب و أخلاقيات السياسة.
13- المسلمون و الآخر.
14- رسالة من أب لابنه (رسالة تربوية) مخطوط
15- علي بن أبي طالب و العدالة الاجتماعية (مؤتمر الإمام علي بن أبي طالب طهران مارس 2001).
16- الزهراء سيدة نساء العالمين.
17- الشيعة والثورة الجزء الثاني.
18- الشيعة في العراق.
19- مقالات في الفكر والدين والسياسة.
20- القرضاوي (وكيل الله أم وكيل بني أمية؟؟!!) ردا على كتابه تاريخنا المفترى عليه.
21- الشيعة والتشيع لأهل البيت. طبع: مكتبة الشروق الدولية 2006
22- الإرهاب لا يمكن أن يكون شيعيا.
23- عندما يحكم العبيد.
24- نقض الوهابية.
25- النبوة في نهج البلاغة.
26- مأساة الحج والأماكن المقدسة.
27- أماكننا المقدسة.. المدنسة.
28- الإمام علي بن أبي طالب مفسرا للقرآن.
29- بيت العنكبوت.
30- بين علي بن أبي طالب ومعاوية.
31- التاريخ السياسي للرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله.
32- الحاكم بأمر الله.
33- الفاطميون والقدس.
34- الدولة العثمانية: الوجه الآخر.
35- المهدي المنتظر وفلسفة التاريخ.
36- الداعشية الجزئية والشاملة.
37- مصر وآل سعود: الحب المستحيل.
38- مأساة الحج والأماكن المقدسة.
39- المسلمون والإصلاح الديني.
40- عقيدة التوحيد في مدرسة أهل البيت: رؤية معاصرة.
41- العراق: صدمة التاريخ.
42- فقه التغيير- دراسة مقارنة بين السيد محمد باقر الحكيم و سيد قطب. مقال منشور في مجلة المنهاج.
43- الشهيد الصدر و دينامية الصراع الاجتماعي (مؤتمر الذكرى العشرين لاستشهاد السيد محمد باقر الصدر طهران يناير 2001).
44- هل حقا أن ابن خلدون هو أول من أسس علم الاجتماع والعمران؟؟.
بالإضافة إلى عشرات المقالات السياسية و الدراسات الفكرية المنشورة في جريدة القاهرة القاهرية و مجلة البداية وجريدة نهضة مصر وصوت الأمة فضلا عن المقالات العلمية المنشورة بمجلة العربي الكويتية وآخرها (ساعة الأعمار) نوفمبر 2003 (أبناؤنا قاماتهم وقوامهم) مايو 2003 السكر المر يناير 2004 (مشكلة تأخر البلوغ عند المراهقين).
www.elnafis.net
arasem99@hotmail.com


57,189 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (2)

د أحمد راسم النفيسشكرا أستاذ صفاء على تعليقكم الجميل
منذ اسبوعين

صفاء الخطيبسلام عليكم استاذنا الفاضل
كلام رائع، لكن لايدركه الا من تفضل الله عليه بالعقل الناضج
في اواسط تسعينيات القرن الماضي، وعندما نشر المرحوم الدكتور حسن الأمين كتابه القيم عن صلاح
الدين الأيوبي كنت وقتها في دمشق، قرأت كتابه الرائع، وشدني إليه بأسلوبه باستخراج الحقائق
المغيبة.

بعد فترة وجيزة بدأت الصحف نشر ردود اساتذة الجامعات العربية على الكتاب ومؤلفه، قرأت ثلاثة
منها.

ما أثار استغرابي واستيائي هو انني لم اقرأ في إجابات هؤلاء الأساتذة الموجهين سوى السباب
والشتائم للدكتور حسن الامين وللشيعة وتجريحهم وتجريمهم، ولم اقرأ أي رد منطقي او أي مناقشة
علمية في كتاباتهم.

هذا هو العقل العربي الذي لا يرضى بغير الاقصاء والسحق للآخر من أمة الاسلام لمجرد الاختلاف!
وفي المقابل تراهم يستعملون كل ماورد في القاموس العربي من كلمات الرحمة والرأفة والكرم مع
أعداء الأمة بعناوين ما انزل لله بها من سلطان.

فكيف ترجو أُمَّةً حُكامُها وكتّابُها وموجهيهاعلى هذه الشاكلة !!

أعانك الله وسدد خطاك .
أخوك صفاء الخطيب
الولايات المتحدة
منذ اسبوعين


الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2017 - النفيس