ننشر دراسة"صدمة التاريخ العراق من الجمل إلى هولاكو"للدكتور أحمد راسم النفيس

تم النشر فى دراسات مع 0 تعليق منذ اسبوعين

/

نشر هذا البحث كفصل من كتاب (العراق صدمة التاريخ) الذي حرره السيد/ علي المؤمن.

"أن تفكر سياسيا بشكل صحيح هو أن تفكر تاريخيا أيضا بشكل صحيح".
لا شك أن أن كتابة التاريخ تختلف عن كتابة الدراما السينمائية حيث يمكن للكاتب أن يضخم أدوارا ويتجاهل أدورا أخرى لأنها تخدم خطه الدرامي.
أيضا فإن من يكتب عن التاريخ لا بد أن يكون ملما بالعناصر التي أسهمت في صناعة الحدث وتشكيل مسار التاريخ ومثلت مادته اللاصقة حتى ولو كان هذا جارحا لمشاعر البعض.
من دون أدنى شك فإن الصراع المذهبي كان واحدا من أهم العناصر التي شكلت التاريخ السياسي للمسلمين ولكنه لم يكن العنصر الأوحد حيث كانت للعوامل القبلية والمصلحية دورها الذي لا ينكر.
ورغم إدراكنا أن ليس هناك صراع مذهبي أو حتى ديني بالمعني الحرفي للكلمة, إذ يحتاج إثبات كون الصراع مذهبيا أو دينيا أن نثبت نقاء طرفي الصراع وأن كليهما كان يحارب دفاعا عن حزمة من العقائد والأفكار التي يؤمن بها في حين تنجلي قراءة التاريخ عن حقيقة هامة وهي أن تأسيس بعض العقائد والمذاهب كان تاليا لبدء الصراع أو حتى تاليا لحسم أهم جولاته.
الأمر لا يتعلق بنقاش بيزنطي حول البيضة والدجاجة وأيهما كان قبل الآخر بل هو نقاش واقعي يستجلي حقيقة ما حدث.
هل كان الخلاف حول الآراء والمذاهب هو السبب الذي قاد إلى الحرب والصراع أم أن رغبة البعض الجامحة في الاستيلاء على السلطة والثروة هو الذي جر الصراع ثم كان تكريس بعض الأفكار والعقائد وتنحية البعض الآخر استثمارا وتكريسا لمآلات الصراع؟!.
لا شك أن السؤال الثاني هو السؤال الصحيح.
من ناحية أخرى فقراءة تاريخ العرب والمسلمين تكشف عن حقيقة كانت وما زالت ثابتة وهي الصراع بين (السلطة المؤسَسَة) على القمع والقهر والانتزاع وكافة التنويعات الفكرية والمذهبية والاجتماعية التي تمارس اجتهادها الفكري وتجاهد لانتزاع حقها في اختيار ما تؤمن به من دون أن تتعرض للقهر والقمع والحرمان.
النتيجة أن العرب ما زالوا يصرون على العيش في عصر ما قبل الحداثة والمجتمع المدني وما زال البعض منهم يحن إلى يوم الجمل ليقاتل ثأرا (لشهيد) ظالم ومستبد سلب ونهب وتعاون مع الأعداء ليس حبا في معاوية ولكن بغضا في علي!!.
ما زال النظام العربي يقدس رموز القوة الباطشة بكل أنواعها ويرفض الاعتراف بقيمة شهداء المبدأ الأخلاقي المجرد ويراهم مجرد مجموعة من الحمقى الذين رفضوا القبول بالأمر الواقع وقدموا أنفسهم كضحايا لمبادئ غير واقعية وغير قابلة للتطبيق وما زال يفتش عن مناقب لمعاوية ابن أبي سفيان و(الحجاج بن يوسف الثقفي المفترى عليه؟!) .
يقول الدكتور برهان غليون: (لقد اقتصرت بنية المجتمعات ما قبل الحديثة على ثلاث طبقات أساسية، رجال الكنيسة، طبقة النبلاء ثم عامة الشعب الذين لم يكن لهم أي اعتبار سياسي. كانت المشكلة الرئيسية المطروحة على مثقفي القرن الثامن عشر الذين رافقوا تحلل هذا النظام الاجتماعي التقليدي وتطور البرجوازية كطبقة جديدة تطمح إلى إعادة بناء هذه المراتبية الجامدة وفتح المجال أمام طبقة سياسية حديثة، هي إعادة بناء السياسة على أسس، لا ترتبط بتكليف إلهي ولا بإرث عائلي بل بالمجتمع نفسه، تنبع منه وتصب فيه. ومن هذه النقطة سوف ننتقل تدريجيا من نظرية لا سلطة ممكنة إلا إلهية أو ملكية وراثية، إلى النظرية المناقضة تماما وهي لا سلطة شرعية إلا تلك التي تعبر عن السيادة الشعبية والإرادة الجمعية. وهذا هو أصل الانتقال نحو الحداثة السياسية) .
الكارثة الكبرى كانت ولا زالت: أن الشعب الذين لم يكن له أي اعتبار في الغرب أصبح الآن في مقدمة الصفوف يختار رؤساء الجمهورية والوزراء ويقدم الباحثين والعلماء في حين ما زال يجري تجييش عامة الشعب العربي ليرتدوا أحزمة ناسفة أو يقودوا سيارة مفخخة طلبا بثأر جاهلي لحاكم مستبد أو ثري مستأثر!!.
إنه الانتصار لشهداء القوة والثروة (؟!) في مقابل تحقير شهداء المبدأ الأخلاقي والزهد الرسالي واعتبارهم حمقى في زمن الواقعية الأموي البائد الذي اصبح الآن زمن الاعتدال العربي!!.
قانون السلطة الأموية
يذكر أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين أن معاوية ابن أبي سفيان بعد استلامه للسلطة خطب في النخيلة فقال:
ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها، ثم إنه انتبه فندم فقال: إلا هذه الامة فإنها وإنها....
إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك. وانما قاتلتكم لاتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وانتم كارهون. 
لم يكن معاوية بن أبي سفيان ينافح إذا عن مذهب يؤمن بصحته في مقابل مذهب آخر بل كان يريد السلطة وتوابعها ولا شيء سوى السلطة!!.
لم يحاول النظام الأموي الذي أقامه ابن ابي سفيان أن يؤسس لمذهب فقهي أو عقائدي وربما لم يتسع له الوقت لعمل هذا, لذا فقد اقتصرت خطته على منع الناس من الالتفاف حول أئمة أهل البيت من خلال إشاعة الخوف في نفس كل من يتشيع لهم وملاحقة رؤوس المعارضة وقطعها قبل أن تنضج لتشكل تيارا يمكن أن يهدد سلطته.
التأسيس السياسي للمذاهب
النموذج الآخر للسلطة التي تؤسس أو تكرس وجودا مذهبيا أو عقائديا يكون بديلا عن نهج أهل البيت هو النموذج العباسي الذي أنشأه المنصور الدوانيقي من خلال إجبار مالك بن أنس على كتابة (الموطأ) ثم فرضه على الناس ليكون مذهبا رسميا بديلا يقطع الطريق أمام راغبي اللجوء لأئمة أهل البيت.
ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة (أن أبا جعفر المنصور لما استقامت له الأمور واستولى على السلطان خرج حاجا إلى مكة وذلك سنة 148هـ فلما كان بمنىً أتاه الناس يسلمون عليه ويهنئونه بما أنعم الله عليه وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم وفقهائهم وعلمائهم ممن صاحبه وجامعه على طلب العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث فكان فيمن دخل عليه منهم مالك ابن أنس فقال له أبو جعفر يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا "؟!" فقال مالك: يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي ويلهمه الرشاد من القول ويعينه على خير الفعل, فقال أبو جعفر: رأيت أني أجلسك في هذا البيت فتكون من عمار بيت الله الحرام وأحمل الناس على علمك وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وافدهم ويرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق إن شاء الله وإنما العلم علم أهل المدينة وأنت أعلمهم فقال مالك: أمير المؤمنين أعلى عينا وأرشد رأيا وأعلم بما يأتي وما يذر وإن أذن لي أن أقول قلت, فقال أبو جعفر: نعم فحقيق أنت أن يسمع منك ويصدر عن رأيك فقال مالك: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق "أي الشيعة" قالوا قولا تعدوا فيه طورهم ورأيت أني خاطرت بقولي لأنهم أهل ناحية وأما أهل مكة فليس بها أحد وإنما العلم علم أهل المدينة كما قال الأمير وإن لكل قوم سلفا وأئمة فإن رأى أمير المؤمنين أعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل, فقال أبو جعفر: أما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا وإنما العلم علم أهل المدينة وقد علمنا أنك إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها, فقال مالك: فأعفني يعف الله عنك, فقال: أبو جعفر قد أعفاك أمير المؤمنين وأيم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه). ج2 ص170.
ثم يعيد ابن قتيبة تناول الواقعة بصيغة أخرى (وذكروا أنه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيام أبي جعفر فبعث إليها ابن عمه جعفر بن سليمان ليسكن هيجها وفتنها ويجدد بيعة أهلها فقدمها وهو يتوقد نارا على أهل الخلاف لهم فأظهر الغلظة والشدة وسطا بكل من ألحد في سلطانهم (وكأنه ألحد في الآلهة!!) وأشار إلى المنازعة لهم وأخذ الناس بالبيعة... وكان مالك لفيض علمه وورعه محسودا (؟!) من قبل الحاقدين والحاسدين فدسوا إلى جعفر بن سليمان من قال له أن مالكا يفتي الناس أن البيعة لا تحل ولا تلزمهم لأنهم مكرهين عليها وزعموا أنه يفتي بذلك أهل المدينة أجمعين لحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه", فعظم ذلك على جعفر بن سليمان واشتد الأمر عليه فدس لمالك من يتحقق من صحة الخبر فأفتاه بنفس الفتوى فقبض عليه جعفر بن سليمان وضربه سبعين سوطا وبلغ الخبر إلى أبي جعفر المنصور فعظم عليه الأمر وأرسل إلى مالك من يستدعيه إلى بغداد للقائه فاعتذر إليه مالك فكتب إليه أبو جعفر ليلتقي به في موسم الحج المقبل) ص177-178 (فلما وصل أبو جعفر إلى الحج وكان هذا عام 163 والتقى مالكا ورحب به وقربه إليه قال له والله الذي لا إله إلا هو يا أبا عبد الله ما أمرت بالذي كان ولا علمته قبل أن يكون ولا رضيته إذ بلغني قال مالك حمدت الله على كل حال ثم قال يا أبا عبد الله ما زال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم وإني أخالك أمانا لهم من عذاب الله وسطوته ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة فإنهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها قاتلهم الله أنى يؤفكون, قال مالك: ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء فوجدته أعلم الناس بالناس ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته أعلم الناس بما اُجتمع عليه, حافظا لما روى واعيا لما سمع, ثم قال يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ودون منه كتبا وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس وشواذ ابن مسعود واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله عنهم (الوسطية!!) لنحمل الناس على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار ونعهد إليهم ألا يخالفوها ولا يقضوا بسواها فقلت أصلح الله الأمير إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في علمهم رأينا فقال أبو جعفر يحملون عليه ونضرب على هاماتهم بالسيف ونقطع طي ظهورهم بالسياط فتعجل ذلك وضعها فسيأتيك ابني محمد المهدي العام المقبل ليسمعها منك فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله قال مالك ثم أمر لي بألف دينار عينا ذهبا وكسوة عظيمة وأمر لابني بألف دينار ثم انصرف مالك) ص 179.
وتمت الصفقة التي تردد مالك بن أنس في قبولها أول الأمر ويبدو أنه تلكأ في تنفيذ ما طلب منه عام 148 فكانت تلك (العلقة الساخنة) التي تلقاها الرجل حتى لا يعاود الإفتاء ببطلان الغصب والإكراه كون الغصب والإكراه أصلا راسخا من أصول حياة المسلمين السياسية بل ومن ثوابتهم القومية التي يصرون على الحفاظ عليها في مواجهة أي محاولة للمشاركة الشعبية أو للتدخل الأجنبي لتبقى لهم الريادة والسيادة على عقول الناس ومن أبى (ضربناه على هاماتهم بالسيوف وقطعنا طي ظهورهم بالسياط) التي عرفها مالك بنفسه عندما تلقى منها سبعون سوطا على ظهره وبعد أن رأى بأم عينيه كيف جلد بنو الحسن بن علي على رؤوسهم ووجوههم وحملوا إلى مطبق أبي جعفر السفاح ليقتلوا فيه واحدا تلو الآخر... هذه واحدة.
والثانية أن هذا المذهب أو المدرسة الفقهية التي أسسها مالك بن انس بعد أن تم (تهذيبه) بسبعين سوط وألفي دينار سيجري تعميمها بقوة السلطة في كافة الأرجاء (وسيحمل الناس على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار ونعهد إليهم ألا يخالفوها ولا يقضوا بسواها) وأن الهدف الأهم الذي سيحمل إليه هذا العلم هم (أهل العراق الذين لا يرضون علمنا ولا يرون في علمهم رأينا) وهم شيعة أهل البيت الذين تمردوا على سياسة التدجين العباسية وزالوا يتمردون على كل محاولات الإخضاع من يومها إلى يومنا هذا والعقاب معروف عند السفاح العباسي وهو السيوف والسياط ونعم الديمقراطية واحترام حرية الرأي والتسامح المذهبي الذي علمناه للعالم!!.
المذهبية والمؤسسة السلطوية
يتحدث العالم الآن عن الفصل بين المؤسسة الدينية والسياسية وهم قد حسموا هذا الجدل لصالح الفصل بينهما منذ أمد طويل في حين ما زال المسلمون حائرون تائهون لا يدرون ماذا يفعلون.
خلافنا الآن مع أتباع مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان وغيرهما من الفقهاء لا يدور حول تسفيه ما قدموه من اجتهادات فقهية وفكرية نفترض أنها ثمرة بحث وتأمل لا بأوامر من أي سلطة على وجه الأرض وإنما رفضا لفكرة إخضاع المؤسسة الدينية لنفوذ المؤسسة السياسية حتى ولو كان هذا الإخضاع من خلال إغداق المدح والثناء على هؤلاء الفقهاء.
الذي يمنح يمكنه أن يمنع والذي يغدق الثناء لا يفعل هذا عادة ابتغاء مرضاة الله بل لحاجة في نفسه ومن الممكن له أن يفعل العكس وهو قد فعل هذا بالفعل ليضرب هؤلاء بهؤلاء ليبقى هو في مأمن من كل ما يلحق به الأذى والضرر أو يهدد نفوذه وإجرامه في حق الناس.
لقد خسر المسلمون خسارة فادحة عندما قبلوا أو لم يصروا على رفض تدخل السلطة السياسية في شئون المؤسسة الدينية وأول الخاسرين من وجهة نظرنا هم أصحاب المذاهب المشمولون برعاية أفاعي السلطة في كل زمان ومكان.
أصحاب السلطة السياسية (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ)  هم جماعة الأفاعي التي تتلوى فتبدي ملمسا ناعما تارة وتارة أخرى تكشر عن أنيابها وتطلق سمها الزعاف في مواجهة من يلتوي على أمرها ورغباتها المرضية المتبدلة حسب اتجاه رياح المصالح ونزوات الانتقام والهيمنة.
الصراع المذهبي الذي شهده وما زال يشهده العالم الإسلامي لم ينشأ إذا بسبب تزاحم الأفكار وتدافعها وهو شأن طبيعي بل بسبب إصرار الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة في الغالب الأعم على التلاعب بالعقائد والأفكار وتقريب هؤلاء وإبعاد غيرهم وضرب هؤلاء بهؤلاء تطبيقا للمبدأ الاستكباري القديم قدم الأزل, مبدأ فرق تسد أو مبدأ divide and rule.
منذ هذه اللحظة بدأ التدخل السلطوي في الشأن المذهبي وبعد أن كان الحاكم الجائر مكتفيا بمنصب أمير المؤمنين كل المؤمنين تحول إلى حاكم باسم مذهب على حساب مذهب أو باسم عقيدة صحيحة مقابل ما يراه عقيدة فاسدة والهدف الحقيقي من وراء هذا التدخل الفظ هو إدراج قوة (الجماعة المذهبية) في إطار حزمة القوة التي يمارس من خلالها هذا الطاغية تسلطه على عباد الله.
تغيرت الأمور بعد ذلك مع تقلص مساحة السلطة المركزية التي يحظى بها هؤلاء المتسلطون إلا أن الناس نسوا أصل الحكاية وأصبح البعض منهم يعيش دور المناضل المذهبي دفاعا عن بعض المفردات المذهبية في حين أن الأمر كله لا يعدو كونه خدعة صنعها أفاعي السلطة وربما كانوا ينوون التخلي عنها بعد أدائها لدورها ولذا وجب التنويه!!.
الخلاف المذهبي والفكري أمر وارد ومحتمل ولم يكن في البدء سببا للصراع بل نتيجة من نتائجه أو محاولة لتكريس نتائج ولكنه الآن أصبح من وجهة نظر بعض البسطاء سببا وأصلا وتلك هي الخدعة الكبرى!!.
الفكر والسياسة
يمكن للفكر أن يصنع العجائب في دنيا السياسة ولا يمكن لأهل السياسة أن يصنعوا فكرا!!.
شتان بين صناعة الفكر وتزوير الفكر وهي خدعة لا يمكن لها أن تنطلي إلا على الغافلين المستغفلين خاصة إذا تعاون معهم تجار الدين المتلبسين زورا بلبوس الزهد والزاهدين.
ومع ذلك فلا شيء من هذا الدجل يمكن له ان يبقى أبد الآبدين.
قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب
قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد
لهذه الأسباب كان الشغل الدائم لأرباب السلطة هو محاربة حرية الرأي والاجتهاد والسعي الدءوب لقولبة الدين في نصوص فقهية جامدة لا يمكن تجاوزها أو التمرد عليها.
من ناحية الأخرى فإن الخطط السياسية لأئمة أهل البيت عليهم السلام لم تكن قاصرة على التعامل مع قضايا اللحظة الراهنة والأزمات التي يعالجونها والتصدي للمؤامرات التي تواجههم بل كانت لديهم رؤية مستقبلية تمتد إلى الأمام عديد القرون بطول الصراع المتوقع المرتقب.
إن أخطر ما يواجه أي خط عقائدي يتعرض لهذا الهجوم الشرس الذي تعرض له المؤمنون بنهج الولاية لأهل البيت هو فقدانه للقاعدة الجغرافية البشرية التي تحفظ وجوده في مواجهة العواصف والأعاصير التي تعرض لها والمرشحة للتزايد والتكرار.
الخطر الثاني هو حصر التواجد العقائدي والفكري في مساحة ومنطقة واحدة إذا ضربت ضرب الخط وجرى اقتلاعه من الجذور.
لا هذا ولا ذاك.
لذا ومنذ اليوم التالي لنهاية معركة (الجمل) التي دارت رحاها على تخوم البصرة كان قرار الإمام علي بالاستقرار في الكوفة حاضرة دولة الإمام وحاضنة خط التشيع والولاء لأهل البيت من يومها وحتى هذه اللحظة.
الكوفة عاصمة الدولة الإسلامية
يروي نصر ابن مزاحم المنقري في كتاب (صفين): لما قدم علي بن أبي طالب من البصرة إلى الكوفة يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة مضت من رجب سنة ست وثلاثين، وقد أعز الله نصره وأظهره علي عدوه ومعه أشراف الناس وأهل البصرة استقبله أهل الكوفة وفيهم قراؤهم وأشرافهم فدعوا له بالبركة وقالوا: يا أمير المؤمنين أين تنزل؟ أتنزل القصر؟ فقال: لا، ولكني أنزل الرحبة. فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال: " أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الإسلام فضلا ما لم تبدلوا وتغيروا. دعوتكم إلى الحق فأجبتم، وبدأتم بالمنكر فغيرتم. ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله في الأحكام والقسم. فأنتم أسوة من أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه. ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، والآخرة ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة. اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.
الحمد لله الذي نصر وليه، وخذل عدوه، وأعز الصادق المحق، وأذل الناكث المبطل. عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم، الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه، من المنتحلين المدعين المقابلين إلينا، يتفضلون بفضلنا، ويجاحدونا أمرنا، وينازعونا حقنا، ويدافعونا عنه. فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا. ألا إنه قد قعد عن نصرتي منكم رجال فأنا عليهم عاتب زار. فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا، ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة».
قال نصر ابن مزاحم: أتم الإمام علي الصلاة يوم دخل الكوفة، فلما كانت الجمعة وحضرت الصلاة صلى بهم وخطب خطبة.
المعنى أن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كان قد عقد العزم منذ دخوله الكوفة وربما قبل ذلك أن يقيم بها وأن يؤسس بها وجودا ثابتا لدولته وخطه.
لماذا الكوفة؟
يقول الإمام علي بن أبي طالب: كَأَنَّي بِكِ يَاكُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الاْدَيمِ الْعُكَاظِيِّ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِل، وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلاَزِلِ، وَإِنَّي لاَعْلَمُ أَنَّهُ مَاأَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلاَّ ابْتَلاَهُ اللهُ بِشَاغِل، وَرَمَاهُ بِقَاتِل !.
الشيء الثابت أن للأماكن قابليات كما للبشر ومن هنا فأصحاب المناهج الفكرية والأخلاقية دائما يتلمسون لدعواتهم تلك الأماكن التي تضم أناسا يمتلكون القدرة والقابلية لتحمل عبء الحفاظ على النهج وإدامته.
من هنا كان ذلك المدح والثناء اللذين حظيت بهما الكوفة من أئمة أهل البيت ومن هنا أيضا كان ذلك الصمود الأسطوري الذي قدمته الكوفة المكان والإنسان ولا يقلل من قيمته أن منحنى التضحية لم يكن دوما في القمة فتلك هي طبيعة الإنسان.
ينقل أيضا ابن أبي الحديد في شرح النهج: وقد جاء في فضل الكوفة عن أهل البيت عليهم السلام شئ كثير، نحو قول أمير المؤمنين عليه السلام: نعمت المدرة. وقوله عليه السلام: إنه يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفا، وجوههم على صورة القمر. وقوله عليه السلام: هذه مدينتنا ومحلتنا، ومقر شيعتنا وقول جعفر بن محمد عليه السلام: اللهم ارم من رماها، وعاد من عاداها . وقوله عليه السلام: تربة تحبنا ونحبها.
فأما ما هم به الملوك وأرباب السلطان فيها من السوء، ودفاع الله تعالى عنها، فكثير. قال المنصور لجعفر بن محمد عليهما السلام: إنى قد هممت أن أبعث إلى الكوفة من ينقض منازلها، ويجمر  نخلها، ويستصفى أموالها، ويقتل أهل الريبة منها، فأشر علي. فقال: يا أمير المؤمنين إن المرء ليقتدى بسلفه ولك أسلاف ثلاثة سليمان أعطى فشكر، وأيوب ابتلي فصبر، ويوسف قدر فغفر، فاقتد بأيهم شئت. فصمت قليلا، ثم قال: قد غفرت.
زياد بن سمية
روى أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزى في كتاب، المنتظم: أن زيادا لما حصبه أهل الكوفة، وهو يخطب على المنبر، قطع أيدي ثمانين منهم, ثم هم أن يخرب دورهم ويجمر نخلهم فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة، يعرضهم على البراءة من علي عليه السلام، وعلم أنهم سيمتنعون، فيحتج بذلك على استئصالهم، وإخراب بلدهم. قال عبد الرحمن بن السائب الانصاري: فإني لمع نفر من قومي، والناس يومئذ في أمر عظيم، إذ هومت تهويمة، فرأيت شيئا أقبل، طويل العنق، مثل عنق البعير أهدر أهدل، فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، بعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعا، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا، فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر، فقال: انصرفوا، فإن الأمير يقول لكم: إنى عنكم اليوم مشغول، وإذا بالطاعون قد ضربه، فكان يقول: إنى لأجد في النصف من جسدي حر النار حتى مات، فقال عبد الرحمن بن السائب: ما كان منتهيا عما أراد بنا حتى تناوله النقاد ذو الرقبه فأثبت الشق منه ضربة عظمت كما تناول ظلما صاحب الرحبة يعني عليا عليه السلام.
لم يكن زياد بن أبيه هو أول ولا آخر من حاول الانقضاض على أهل الكوفة واستباحة دمائهم وتدمير ممتلكاتهم وربما كان آخرهم طاغية العراق صدام حسين التكريتي ولكنهم جميعا تحققت فيهم نبوءة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه ما من جبار أراد الكوفة بسُوء إِلاَّ ابْتَلاَهُ اللهُ بِشَاغِل، وَرَمَاهُ بِقَاتِل!!.
ولكن هل قرأ أحد من هؤلاء تاريخ من سبقهم من الجبابرة الذين ذهبوا جميعا ضحية ظلمهم وإجرامهم وحاولوا أخذ العبرة والعظة منه؟!.
لا أظن! فهؤلاء لا ضمير لهم وكما يحكي القرآن فإن المنتمين إلى فصيلة الفراعنة لا يعتبرون ولا يتعظون (وَلَوْ تَرَى إِذْ وَقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
عبيد الله بن زياد
هلك زياد ابن سمية بعد أن أمعن في أهل الكوفة قتلا وسلبا وتقطيعا للأيدي وتسميلا للأعين وهاهو نجله غير المبجل عبيد الله بن زياد يعدد (مآثر) الوالد فيقول في حوار له مع هانئ بن عروة المرادي قبل قتله (يا هانئ أما تعلم أن أبي قدم هذا البلد فلم يترك أحدا من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حجر  وكان من حجر ما قد علمت ثم لم يزل يحسن صحبتك ثم كتب إلى أمير الكوفة إن حاجتي قبلك هانئ قال نعم قال فكان جزائي أن خبأت في بيتك رجلا ليقتلني قال ما فعلت...) .
هلك يزيد بن معاوية كما هو معلوم بعد أن قتل الحسين عليه السلام وبعد أن قام جيشه المشئوم باستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وقتل آلاف الصحابة وأبنائهم وهتك أعراض آلاف المسلمات ثم توجه هذا الجيش بقيادة مسلم بن عقبة نحو مكة وقام بهدم الكعبة وهي المهمة التي رفض ابن زياد أن يقوم بها مما تسبب في توتر العلاقة بينهما!!.
حاول يزيد أن يرسل عبيد الله بن زياد إلى المدينة للقيام بتأديب الثوار على ظلم بني أمية وغزو ابن الزبير المتحصن بالكعبة فرفض ابن مرجانة قائلا (لا أجمعهما للفاسق أبدا أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و أغزو البيت) .
انتهت رحلة الشقي يزيد بن معاوية أسابيع قليلة بعد قيامه بما لم يجرأ فرعون أو النمروز على القيام به فعاجله الله بحتف سريع وكان أن تفككت الدولة الأموية وانهارت واندلع النزاع بين الأشقاء الأمويين الأشقياء.
هلك يزيد وبلغ الخبر  إلى أهل البصرة فقام ابن زياد خطيبا فيهم قائلا (يا أهل البصرة انسبوني فو الله لتجدن مهاجري ومولدي وداري فيكم ولقد وليتكم وما أحصى مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ولقد أحصى اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفا وما تركت فيكم ذا ظنة أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم هذا (؟!) وإن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد توفي وقد اختلف أهل الشام وأنتم اليوم أكثر الناس عددا وأعرضه فناء وأغناه عن الناس وأوسعه بلادا فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم فأنا أول راض من رضيتموه وتابعِ فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم فما بكم إلى الناس حاجة وما يستغني الناس عنكم) فقام خطباء أهل البصرة فقالوا قد سمعنا مقالتك أيها الأمير وإنا والله ما نعلم أحدا هو أقوى عليها منك فهلم فلنبايعك فقال لا حاجة لي في ذلك فاختاروا لأنفسكم فأبوا عليه وأبى عليهم حتى كرر عليه ذلك ثلاث مرات فلما أبوا بسط يده فبايعوه ثم انصرفوا بعد البيعة وهم يقولون: لا يظن ابن مرجانة أنا ننقاد له في الجماعة والفرقة كذب والله ثم وثبوا عليه) .
ويروي الطبري أيضا أنهم (لما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بباب الدار وحيطانه ويقولون ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة فأقام عبيد الله بن زياد غير كثير حتى جعل سلطانه يضعف ويأمر بالأمر فلا يقضى ويرى الرأي فيرد عليه ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه و بينه) الطبري ص 507.
ثم ازدادت أوضاعه سوءا بظهور من يدعو لابن الزبير في قلب البصرة ولما أراد ابن زياد أن يلقي القبض عليه لم يتمكن من ذلك وأحس ابن مرجانة أن أيامه في السلطة قد انتهت فقرر أن يرحل وأخذ معه كل ما كان في بيت مال البصرة من أموال المسلمين قدرت بستة عشر مليونا فرق طائفة منها في بني أبيه وحمل الباقي معه و ترك الناس بعضهم يموج في بعض وخرج لم يعد وإن أردت الدقة فقد حاول العودة بعد ذلك فكان هلاكه وحتفه على يد الثوار الموالين لأهل بيت النبوة بقيادة إبراهيم بن الأشتر كما سيرد فيما بعد. الطبري ح5 ص 511.
جبار على حمار!!
خرج ابن زياد هاربا من البصرة إلى الشام فقال لمن معه إنه قد ثقل علي ركوب الإبل فوطئوا لي على ذات حافر فألقيت له قطيفة على حمار فركبه.. قال الراوي إنه ليسير أمامي إذ سكت سكتة فأطالها فقلت في نفسي هذا عبيد الله أمير العراق أمس نائما لأنغصن عليه نومه فدنوت منه فقلت أنائم أنت؟ قال لا قلت فما أسكتك قال كنت أحدث نفسي قلت أفلا أحدثك ما كنت تحدث به نفسك قال هات فو الله ما أراك تكيس ولا تصيب قال الراوي: قلت له كنت تقول ليتني لم أقتل الحسين!! قال وماذا؟؟ قلت تقول ليتني لم أكن قتلت من قتلت! قال وماذا؟ قلت كنت تقول ليتني لم أكن بنيت البيضاء! قال وماذا؟ قلت ليتني لم أكن استعملت الدهاقين! قال وماذا؟ قلت ليتني كنت أسخى مما كنت قال والله ما نطقت بصواب ولا سكت عن خطأ!! أما الحسين فإنه سار إلي يريد قتلي فاخترت قتله على أن يقتلني وأما البيضاء فإني اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي وأرسل يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها  فإن بقيت فلأهلي وإن هلكت لم آسى عليها مما لم أعنف فيه وأما استعمال الدهاقين فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة وزادان فروخ وقفا عند معاوية حتى ذكروا قشور الأرز فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف فخيرني معاوية بين الضمان والعزل فكرهت العزل فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج فتقدمت إليه أوغرت صدور قومه أو أغرمت عشيرته أضررت به و إن تركته تركت مال الله وأنا أعرف مكانه فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى بالأمانة وأهون في المطالبة منكم مع أني قد جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحدا و أما قولك في السخاء فوالله ما كان لي مال فأجود به عليكم و لو شئت لأخذت بعض مالكم فخصصت به بعضكم دون بعض و يقولون ما أسخاه و لكني عممتكم  وكان عندي أنفع لكم و أما قولكم ليتني لم أكن قتلت من قتلت فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملا هو أقرب إلى الله عندي من قتلي من قتلت من الخوارج و لكني سأخبرك بما حدثت به نفسي قلت ليتني كنت قاتلت أهل البصرة فقد أعطوني طاعتهم غير مكرهين وأيم الله لقد حرصت على ذلك ولكن بني زياد أتوني فقالوا إنك إذا قتلتهم فظهروا عليك لم يستبقوا منا أحدا وإن تركتهم تغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره فرفقت لهم فلم أقاتل وكنت أقول ليتني كنت أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم فأما إذا فاتت هاتان فليتني كنت أقدم الشام و لم يبرموا أمرا) الطبري ج5 ص 522-523.
لم يكن قتل الإمام الحسين عليه السلام على يد جلاوذة بني أمية حدثا عاديا بل كان جريمة كبرى وصدمة للمجتمع بأسره وما كان من الممكن أن تمر هذه الجريمة الكونية البشعة من دون أن تستدعي ردود فعل من الشيعة فكانت ثورة التوابين وثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي وثورة زيد بن علي بن الحسين عليه وعلى آبائه السلام وهي الثورات التي عجلت بسقوط النظام الأموي بعد ثمانين عاما من قيامه.
لم يكن رد الفعل الأموي على هذه الثورات إلا مزيدا من القمع والقتل والحرمان واستخدام أساليب القسوة المفرطة والإبادة الجماعية من أجل إخضاع المسلمين والقضاء على بؤرة الرفض المتمركزة في الكوفة.
لم يكن عبيد الله بن زياد آخر السفاحين الأمويين الذين جرى تسليطهم على العراق فهناك الحجاج الثقفي السفاح المشهور الذي ما زال البعض يفاخر ببذاءاته وخطبه المعروفة في حق العراقيين.
الحجاج الثقفي
ذهب الحجاج واليا على العراق من قبل عبد الملك بن مروان بعد أن أنجز أقذر مهمة عرفها التاريخ الإنساني ألا وهي هدم الكعبة المشرفة واقتحام بيت الله الحرام الذي جعله الله للناس مثابة وأمنا.
قال ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ): ولما حصر الحجاج ابن الزبير نصب المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة، وكان عبد الملك ينكر ذلك أيام يزيد بن معاوية ثم أمر به.
فلما فرغ الحجاج من أمر ابن الزبير دخل مكة فبايعه أهلها لعبد الملك ابن مروان، وأمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة والدم، وسار إلى المدينة، وكان عبد الملك قد استعمله على مكة والمدينة، فلما قدم المدينة أقام بها شهراً أو شهرين فأساء إلى أهلها واستخف بهم وقال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان، وختم أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافاً بهم كما يفعل بأهل الذمة، منهم جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وسهل بن سعد، ثم عاد إلى مكة، فقال حين خرج منها: الحمد الله الذي أخرجني من أم نتن، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين وأحسدهم له على نعمة الله، والله لو ما كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعواداً يهودون بها ورمة قد بليت، يغلون منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبلغ جابر بن عبد الله قوله فقال: إن وراءه ما يسوءه، قد قال فرعون ما قال ثم أخذه الله بعد أن أنظره.
وهو نفس ما اشار إليه ابن جرير الطبري في تاريخه قال: وفي سنة أربع وسبعين عزل عبدالملك طارق بن عمرو عن المدينة واستعمل عليها الحجاج بن يوسف فقدمها فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبث بأهل المدينة ويتعنتهم وبنى بها مسجدا في بني سلمة فهو ينسب إليه واستخف فيها بأصحاب رسول الله فختم في أعناقهم فذكر محمد بن عمران بن أبي ذئب حدثه عمن رأى جابر بن عبدالله مختوما في يده وعن ابن أبي ذئب عن إسحاق بن يزيد أنه رأى انس بن مالك مختوما في عنقه يريد أن يذله بذلك قال ابن عمر وحدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال رأيت الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد فدعاه فقال ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان قال قد فعلت قال كذبت ثم أمر به فختم في عنقه برصاص .
كما قام الحجاج (والرواية لابن الأثير) بقتل عبد الله بن عمر حيث أمر بعض أصحابه فضرب ظهر قدمه بزج رمح مسموم فمات منها، وعاده الحجاج في مرضه فقال: من فعل بك هذا؟ قال: أنت لأنك أمرت بحمل السلاح في بلد لا يحل حمله فيه. وكان موته بعد ابن الزبير بثلاثة أشهر، وكان عمره سبعاً وثمانين سنة.
وإذا كان هذه هي الطريقة التي تعامل بها الحجاج مع أصحاب رسول الله فضلا عن رأيه في المدينة وأهلها (أم نتن، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين وأحسدهم له على نعمة الله) فكيف يكون رأيه في العراق وأهل العراق؟!.
الحجاج في الكوفة
ذهب الحجاج إلى الكوفة واليا عليها من قبل عبد الملك بن مروان وكان هذا سنة خمس وسبعين للهجرة فخطب فيهم خطبته الشهيرة التي ذكرها ابن جرير الطبري في تاريخه:
خرج الحجاج بن يوسف من المدينة حين أتاه كتاب عبدالملك بن مروان بولاية العراق بعد وفاة بشر بن مروان في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحرورية فبدأ بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال علي بالناس فحسبوه وأصحابه خارجة فهموا به حتى إذا اجتمع إليه الناس قام فكشف عن وجهه قال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني أما والله إني لأحمل الشر محمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله وإني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى
قد شمرت عن ساقها تشميرا
هذا أوان الشد فاشتدي زيم * قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزار على ظهر وضم
قد لفها الليل بعصلبي * أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
ليس أوان يكره الخلاط جاءت به والقلص الأعلاط
تهوي هوي سابق الغطاط
وإني والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين ولا يقعقع لي بالشنان ولقد فُررت عن ذكاء وجريت إلى الغاية القصوى إن أمير المؤمنين عبدالملك نشر كنانته ثم عجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا فوجهني إليكم فإنكم طالما أوضعتم في الفتن وسننتم سنن الغي أما والله لألحكم لحو العود
ولأعصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل إني والله لا أعد إلا وفيت ولا أخلق إلا فريت فإياي وهذه الجماعات وقيلا وقالا وما يقول وفيم أنتم وذاك والله لتستقيمن على سبل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه وأنهبت ماله ثم دخل منزله ولم يزد على ذلك .
روى ابن عبد ربه في العقد الفريد أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج في أسرى معركة الجماجم أن يعرضهم على السيف فمن أقر منهم بالكفر بخروجه علينا فخل سبيله ومن زعم أنه مؤمن فاضرب عنقه ففعل فلما عرضهم أتي بشيخ وشاب فقال للشاب أمؤمن أنت أم كافر قال بل كافر فقال الحجاج ولكن الشيخ لا يرضى بالكفر فقال له الشيخ أعن نفسي تخادعني يا حجاج والله لو كان شيء أعظم من الكفر لرضيت به فضحك الحجاج وخلى سبيلهما ثم قدم إليه رجل فقال له على دين من أنت قال على دين إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين فقال اضربوا عنقه ثم قدم آخر فقال له على دين من أنت قال على دين أبيك الشيخ يوسف فقال أما والله لقد كان صواما قواما خل عنه يا غلام فلما خلى سبيله انصرف إليه فقال له يا حجاج سألت صاحبي على دين من أنت فقال على دين إبراهيم حنيفا و ما كان من المشركين فأمرت به فقتل وسألتني على دين من أنت فقلت على دين أبيك الشيخ يوسف فقلت أما والله لقد كان صواما قواما فأمرت بتخلية سبيلي والله لو لم يكن لأبيك من السيئات إلا انه ولد مثلك لكفاه فأمر به فقتل ثم أتى بعمران بن عصام العنزي فقال عمران؟؟ قال نعم قال ألم أوفدك على أمير المؤمنين ولا يوفد مثلك قال بلى قال ألم أزوجك مارية بنت مسمع سيد قومها ولم تكن أهلا لها قال بلى قال فما حملك على الخروج علينا قال أخرجني بازان فأمر به فقتل ثم أتي بعامر الشعبي ومطرف بن عبد الله الشخير وسعيد بن جبير وكان الشعبي ومطرف يريان التورية وكان سعيد بن جبير لا يرى ذلك فلما قدم الشعبي قال أكافر أنت أم مؤمن قال أصلح الله الأمير نبا بنا المنزل وأجدب بنا الجناب واستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء قال الحجاج صدق والله ما بروا بخروجهم علينا ولا قووا خليا عنه ثم قدم إليه مطرف بن عبد الله فقال له أكافر أنت أم مؤمن قال أصلح الله الأمير إن من شق عصا الطاعة ونكث البيعة وفارق الجماعة وأخاف المسلمين لجدير بالكفر فقال صدق خليا عنه ثم أتي بسعيد بن جبير فقال له أنت سعيد بن جبير قال نعم قال لا بل شقي بن كسير قال أمي كانت أعلم باسمي منك قال شقيت وشقيت أمك قال الشقاء لأهل النار قال أكافر أنت أم مؤمن قال ما كفرت بالله منذ آمنت به قال اضربوا عنقه.
قال ولما بلغ عمر بن عبد العزيز موت الحجاج خر ساجدا وكان يدعو الله أن يكونه موته على فراشه ليكون عذابه أشد.
كما روى ابن عبد ربه أن عمر بن عبد العزيز قال لو جاءت كل أمة بمنافقيها و جئنا بالحجاج لفضلناهم.
كما عرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة و ثلاثين ألفا لم يجب على واحد منهم قتل ولا صلب.
وأراد الحجاج أن يحج فاستخلف محمدا ولده على أهل العراق المبتلى به وبصدام فقال يا أهل العراق إني أردت الحج وقد استخلفت عليكم ولدي محمدا وأوصيته فيكم بخلاف وصية رسول الله في الأنصار فإنه أوصى فيهم أن يقبل من محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم و إني أوصيته ألا يقبل من محسنكم وألا يتجاوز عن مسيئكم ألا وإنكم قائلون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا خوفي لا أحسن الله له الصحابة وأنا أعجل لكم الجواب فلا أحسن الله لكم الخلافة ثم نزل فلما كانت غداة الجمعة مات ابنه محمد وجاءه نعي أخيه محمد في اليمن ففرح أهل العراق وقالوا انقطع ظهر الحجاج وهيض جناحه فخرج فصعد المنبر ثم خطب الناس فقال: محمدان في يوم واحد!!! أما والله ما كنت أحب أنهما معي في الحياة الدنيا لما أرجو لهما من ثواب الآخرة؟؟!! ثم دخل ودخل الناس يعزونه ومعهم الفرزدق فقال يا فرزدق أما رثيت محمدا ومحمدا (!!) قال نعم أيها الأمير وأنشده خمسة أبيات لا يزيدون فلما خرج من عنده قال والله لو كلفني الحجاج بيتا سادسا لضرب عنقي قبل أن آتيه به ذلك أني دخلت و لم أهيئ شيئا!!.
مقتل كميل بن زياد على يد الحجاج:
يروي ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية في أخبار عام 82هـ خبر استشهاد كميل بن زياد ابن نهيك بن خيثم النخعي الكوفي أحد أصحاب علي بن أبي طالب ع على يد سفاح بني أمية الحجاج الثقفي‏.‏
قال: روى كميل بن زياد عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي هريرة وشهد مع علي صفين، وكان شجاعاً فاتكاً، وزاهداً عابداً، قتله الحجاج في هذه السنة، وقد عاش مائة سنة صبراً بين يديه‏:‏ وإنما نقم الحجاج عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه‏.‏ فلما أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه، فقال له الحجاج‏:‏ أو مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص‏؟‏ ثم أمر فضربت عنقه، قالوا‏:‏ وشتم الحجاج علياً في غضون ذلك ونال منه فصلى عليه كُميل، فقال له الحجاج‏:‏ والله لأبعثن إليك من يبغض علياً أكثر مما تحبه أنت (لاحظ!) فأرسل إليه ابن أدهم وكان من أهل حمص، ويقال أبا الجهم بن كنانة فضرب عنقه.
قال ابن كثير: وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين وله الأثر المشهور عن علي بن أبي طالب الذي أوله (القلوب أوعية فخيرها أوعاها) وهو طويل قد رواه جماعة من الحفاظ الثقات وفيه مواعظ وكلام حسن رضي الله عن قائله‏.‏ ‏البداية والنهاية ج/ص‏:‏ 9/58‏.
أما ابن الأثير فيروي في تاريخه الكامل: أن الحجاج دعا بكميل بن زياد فقال له‏:‏ أنت المقتص من أمير المؤمنين عثمان قد كنت أحب أن أجد عليك سبيلًا‏ قال‏:‏ على أينا أنت أشد غضبًا عليه حين أقاد من نفسه أم علي حين عفوت عنه ثم قال‏:‏ أيها الرجل من ثقيف لا تصرف علي أنيابك ولا تكشر علي كالذئب والله ما بقي من عمري إلا ظمء الحمار اقض ما أنت قاضٍ فإن الموعد الله وبعد القتل الحساب‏.‏ قال الحجاج‏:‏ فإن الحجة عليك‏ قال‏:‏ ذلك إذا كان القضاء إليك‏ فأمر به فقتل وكان خصيصًا بأمير المؤمنين‏.‏
ثورة زيد الشهيد
كانت ثورة الشهيد العظيم زيد بن علي بن الحسين عام إحدى وعشرين ومائة للهجرة قبل أعوام قليلة من نهاية العصر الأموي البغيض.
لا شك أن الظلم الأموي لم يكن قاصرا على الجانب السياسي بل امتد إلى السلب والنهب من قبل الطبقة الحاكمة يقابله على الناحية الأخرى اللحرمان الذي عانت مته الملايين المسلمة.
بدأت الأحداث بعزل خالد بن عبد الله القسري من ولاية الكوفة وتولية يوسف بن عمر الثقفي عليها من قبل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي ويبدو أن حرص الخليفة الأموي على جمع المال كان وراء هذا العزل فقد روى ابن جرير الطبري في جزئه السابع ص 154 (كان خالد يخطب فيقول إنكم تزعمون أني أغلي أسعاركم فعلى من يغليها لعنة الله و كان هشام كتب إلى خالد لا تبيعن من الغلات شيئا حتى تباع غلات أمير المؤمنين حتى بلغت كيلجة (مكيال عندهم) درهما و يبدو أن هشاما كان مولعا بجمع الأموال وأن العراق في عهد خالد القسري قد شهد طفرة اقتصادية نتيجة بعض المشاريع و الأنهار التي شقها خالد مما أدى إلى انتعاش غير مسبوق حيث يروي أيضا ابن جرير الطبري ص 151 (وكان سبب ذلك أنه اعتقد بالعراق أموالا وحفر أنهارا حتى بلغت غلته عشرين مليونا منها نهر خالد وكان يغل خمسة آلاف ألف وباجوى وبرمان والمبارك والجامع وكورة سابور و الصلح) حتى أن بعض أصحابه قالوا (إني أحسب أن هذا الرجل قد تخلى منه إن قريشا لا تحتمل هذا ونحوه وهم أهل حسد وهذا يظهر ما يظهر!! فقلت له يوما أيها الأمير إن الناس رموك بأبصارهم وهي قريش وليس بينك وبينهم إل "أي حلف" وهم يجدون منك بدا وأنت لا تجد منهم بدا فأنشدك الله إلا ما كتبت إلى هشام تخبره عن أموالك وتعرض عليه منها ما أحب فما أقدرك على أن تتخذ مثلها وهو لا يستفسدك فلعمري لأن يذهب بعض ويبقى بعض خير من أن تذهب كلها!! وما كان يستحسن أن تأخذها كلها) الطبري ج 7 ص 152.
خلع خالد بن عبد الله القسري وصودرت أمواله ويبدو أن هشام بن عبد الملك قد انتابته لوثة البحث عن المال أو لعله وجد فيها فرصة ليشفي حقده من أهل البيت عليهم السلام فأرسل في استدعاء زيد بن علي رضوان الله عليه و جماعة من بني هاشم للتحقيق معهم حول الادعاء المنسوب إليهم على لسان يزيد بن خالد بن عبد الله القسري أو على لسان خالد نفسه كما جاء في رواية أخرى فقال له زيد (أنشدك الله و الرحم أن تبعث بي إلى يوسف بن عمر قال و ما الذي تخاف منه قال أخاف أن يعتدي علي قال له هشام ليس ذلك له و دعا هشام كاتبه فكتب إلى يوسف بن عمر أما بعد فإذا قدم عليم فلان و فلان فاجمع بينهم و بين يزيد بن خالد القسري فإن هم أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إلي و إن هم أنكروا فسله البينة فإن هو لم يقم البينة فاستحلفهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما استودعهم يزيد بن خالد القسري وديعة و لا له قبلهم شيء ثم خل سبيلهم فقالوا لهشام إنا نخاف أن يتعدى كتابك و يطول علينا قال كلا أنا باعث معكم رجلا من الحرس يأخذه بذلك حتى يعجل الفراغ فسرح بهم إلى يوسف و احتبس أيوب بن سلمة لأن أخواله من بني أمية فلم يؤخذ بشيء من ذلك القرف) تاريخ الطبري ج7 ص 161
إنها حالة من التكدير الأمني و الإهانة المتعمدة التي تشبه ما تفعله تلك (الأجهزة) حين تأخذ من تريد تحطيم معنوياتهم من كرام الناس من بيوتهم و ترسلهم كما يقول التعبير الدارج (كعب داير) و لك أن تتخيل معاناة هؤلاء الكرام و هم يُرحلون من المدينة المنورة جنوبا إلى دمشق شمالا ثم إلى العراق شرقا على وسائل المواصلات البدائية ليسألوا و يحلفوا و يستجوبوا عن بضعة آلاف من الدراهم و من الذي سيسألهم؟؟ إنهم لصوص الأمة و سارقيها الذين اغتصبوا إرادتها و نهبوا خيراتها إنه ذلك الخليفة الأموي  الجشع و المستبد الذي أطاح بأميره على الكوفة حسدا و طمعا و هو الذي كان يأمره ألا يبيع غلات العراق حتى يبيع هو محاصيله بالسعر الذي يريده!!! كم هي مؤسفة و مزرية تلك الحالة التي مرت بها الأمة و أهل بيت النبوة رضوان الله عليهم أجمعين.
أما تاريخ اليعقوبي ج2 ص 325 فيزيد الأمور وضوحا في روايته عن ملابسات تلك الرحلة المفروضة على الشهيد زيد بن علي بن الحسين رضوان الله عليه (أن زيدا رضوان الله عليه قال لهشام لا توجهني إلى عبد ثقيف يتلاعب بي فقال لا بد من إشخاصك إليه !! ثم قال له هشام بلغني أنك تؤهل نفسك للخلافة (و لعل هذا هو سر الاستدعاء !!) و أنت ابن أمة قال ويلك و هل يضعني مكان أمي؟؟ و الله لقد كان اسحق ابن حرة و إسماعيل ابن أمة فاختص الله عز و جل ولد إسماعيل فجعل منهم العرب فما زال كذلك ينمي حتى كان منهم رسول الله ثم قال اتق الله يا هشام فقال أو مثلك يأمرني بتقوى الله قال نعم إنه ليس أحد دون أن  لا يأمر بها و لا أحد دون أن يسمعها فأخرجه مع رسل من قبله فلما خرج قال و الله إني لأعلم أنه ما أحب الحياة أحد قط إلا ذل.
أما ابن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة في جزئه الثالث ص 316 فيضيف رواية أخرى و لكنها مكملة لتلك الرواية السابقة و هي (فلما قعد زيد بين يدي هشام و حدثه حلف له على شيء فقال هشام لا أصدقك فقال زيد إن الله لا يرفع أحدا عن أن يرضى بالله و لم يضع أحدا عن أن يرضى بذلك منه قال له هشام إنه بلغني أنك تذكر الخلافة و تتمناها و لست هناك لأنك ابن أمة فقال زيد إن لك جوابا قال تكلم قال إنه ليس أولى بالله و لا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه و هو إسماعيل بن إبراهيم و هو ابن أمة قد اختاره الله لنبوته و أخرج منه خير البشر فقال هشام فما يصنع أخوك البقرة فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه ثم قال سماه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الباقر و تسميه أنت البقرة لشد ما اختلفتما لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنة و ترد النار فقال هشام خذوا بيد هذا الأحمق المائق فأخرجوه فأخذ الغلمان بيده فأقاموه فقال هشام احملوا هذا الخائن الأهوج إلى عامله فقال زيد لئن حملتني إليه لا أجتمع أنا و أنت حيين و ليموتن الأعجل منا فأخرج زيد و أشخص إلى المدينة و معه نفر يسرونه حتى طردوه عن حدود الشام فلما فارقوه عدل إلى العراق و دخل إلى الكوفة و بايع لنفسه فأعطاه البيعة أكثر أهلها.
و كتب هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر (وفقا للرواية المرتبطة بخالد بن عبد الله القسري) إذا قدم عليك زيد بن علي فاجمع بينه و بين خالد بن عبد الله القسري و لا يقيمن قبلك ساعة واحدة فإني رأيته رجلا حلو اللسان شديد البيان خليقا بتمويه الكلام و أهل العراق أسرع شيء إلى مثله.
فلما قدم زيد رضوان الله عليه إلى الكوفة دخل إلى يوسف فقال لم أشخصتني من عند أمير المؤمنين؟ فقال يوسف ذكر خالد بن عبد الله أن له عندك ستمائة ألف درهم فأحضر خالد و عليه حديد ثقيل فقال له يوسف هذا زيد بن علي فاذكر مالك عنده فقال خالد والله الذي لا إله إلا هو ما لي عنده شيء قليل و لا كثير ولا أردتم بإحضاره إلا ظلمه و هناك رواية أخرى لابن جرير الطبري أن يوسف الثقفي قال لزيد رضوان الله عليه (زعم خالد أنه أودعك مالا قال أنى يودعني مالا و هو يشتم آبائي على منبره فأرسل إلى خالد فأحضر فقال له هذا زيد قد زعمت أنك أودعته مالا و قد أنكر فنظر خالد في وجههما ثم قال أتريد أن تجمع مع إثمك في إثما في هذا و كيف أودعه مالا و أنا اشتمه و أشتم آباءه على المنبر فشتمه يوسف ثم رده إلى محبسه) الطبري ج 7 ص 166 ثم قال له يوسف إن أمير المؤمنين أمرني أن أخرجك من الكوفة ساعة قدومك قال زيد فأستريح ثلاثا ثم أخرج قال ما إلى ذلك من سبيل قال فيومي هذا قال و لا ساعة واحدة فأخرجه مع رسل من قبله فتمثل بقول الشاعر:
منخرق الخفين يشكو الوجى        تنكبه أطراف مرد حداد
ِ
شرده الخوف و أزرى به             كذلك من يكره حر الجلادِ

قد كان في الموت راحة له   و الموت حتم في رقاب العبادِ

فلما صار رسل يوسف بالعذيب انصرفوا و انكفأ زيد راجعا إلى الكوفة فاجتمع إليه من بها من الشيعة.
و أيا كانت الأسباب الحقيقية وراء ذهاب زيد رضوان الله عليه إلى العراق ليبدأ منه حركته الثورية التي مثلت إحدى الضربات الرئيسية التي عجلت بانهيار ذلك النظام الساقط أخلاقيا منذ بدايته فإن تلك المحاورات تكشف عن جهل و غباء و جبروت و تعنت ذلك الطاغية الأموي الذي ظن أن الدنيا يمكن أن تدوم له هو و بنو أبيه فاستكثروا من الكبر و الغرور و الاستخفاف بفضلاء الأمة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و مارسوا في حقهم السب و الشتم و الإهانة و التحقير فضلا عن الحرمان من الحقوق المالية و العدالة الاجتماعية ثم هو يضيف جريمة كبرى إلى لائحة جرائمه بسبه للإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين شقيق الشهيد زيد فيسميه ذلك التافه المغرور بالبقرة و يجيبه زيد الشهيد بقوله (سماه رسول الله الباقر- أي الذي يبقر العلوم و يتبحر فيها- و تسميه أنت البقرة !! لشد ما تخالفتما في الدنيا و الآخرة).
بدأت وفود الشيعة في الاجتماع حول زيد بن علي بن الحسين و كالعادة في مثل هذه المواقف أقبل إليه الناصحون المعتدلون يحضونه على عدم الخروج على بني أمية و يذكرونه بما لحق بجده الحسين بن علي عليه السلام حيث قال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك و لم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك إلى ما يدعونك إليه فإنهم لا يفون لك) فلم يقبل منه ذلك و رجع.
قال أبو مخنف فأقبلت الشيعة لما رجع الكوفة يختلفون إليه و يبايعون له حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل فأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا إلا أنه قد كان منها بالبصرة نحو شهرين ثم أقبل إلى الكوفة فأقام بها و تزوج منها.
إلى أي شيء كان يدعو رضوان الله عليه؟؟.
قال ابن جرير الطبري كانت بيعته التي يبايع عليها الناس (إنا ندعوكم إلى كتاب وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين و قسم هذا الفيء بين أهله بالسواء و رد الظالمين و إقفال المجمّر (أي إبقاء الجنود في الثغور فترة طويلة) و نصرنا أهل البيت على من نصب لنا و جهل حقنا). فيقول أتبايعون على ذلك؟؟ فإذا قالوا نعم وضع يده على يد المبايع ثم يقول عليك عهد الله و ميثاقه و ذمته و ذمة رسوله لتفين ببيعتي و لتقاتلن عدوي و لتنصحن في السر و العلانية فإذا قال نعم مسح يده على يده ثم قال اللهم اشهد فمكث بذلك بضعة شهرا فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالتهيؤ و الاستعداد فشاع أمره بين الناس.
كما يروي الطبري أن ابن عمه داود بن علي عزم عليه أن لا يخرج فقال (يا داود إن بني أمية قد عتوا و قست قلوبهم).
إذا فالدافع المحرك للتحرك الزيدي كان مجموعة من المبادئ الرسالية السامية و هي:
1- جهاد الظالمين.
2- الدفع عن المستضعفين.
3- إعطاء المحرومين.
4- نصرة أهل البيت و الدفاع عن وجودهم و كرامتهم التي استمرأ شياطين بني أمية اغتيالها و انتهاكها.
لم يحقق التحرك الزيدي الهدف من وراءه ولكنه من دون أدنى شك كان عنصرا حاسما عجل بسقوط هذه الدولة الفرعونية التي انتسبت للإسلام والإسلام منها ومن كل من كان على شاكلتها براء إلى يوم الدين.
استشهد زيد بن علي وقام طاغية بني أمية المكلف بقمع أهل العراق آنئذ يوسف بن عمر الثقفي بصلبه عريانا, قال أبو مخنف أنه مكث مصلوبا إلى أيام الوليد بن يزيد فلما ظهر يحيى بن زيد كتب الوليد إلى يوسف (أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فاحرقه وانسفه في اليم نسفا والسلام فأمر يوسف عند ذلك خراش بن حوشي فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار ثم جعله في قواصر ثم حمله في سفينة ثم ذراه في الفرات). مقاتل الطالبيين ص 144.
ثم صعد يوسف بن عمر منبر الكوفة خطيبا فقال (يا أهل المدرة الخبيثة  إني والله ما تقرن بي الصعبة ولا يقعقع لي بالشنآن ولا أخوف بالذنب هيهات حبيت بالساعد الأشد أبشروا يا أهل الكوفة بالصغار والهوان لا عطاء لكم عندنا ولا رزق ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم وأحرمكم أموالكم أما والله ما علوت منبري إلا أسمعتكم ما تكرهون عليه فإنكم أهل بغي وخلاف ما منكم إلا من حارب الله ورسوله إلا حكيم بن شريك المحاربي ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم ولو أذن لقتلت مقاتلتكم وسبيت ذراريكم) الطبري ج7 ص 191.
العراق في العهد العباسي
لم يكن نصيب العراق من القمع والإبادة والتجويع في العهد العباسي أقل منه في العهد الأموي.
المنصور وسياسة الأرض المحروقة
يروي ابن جرير الطبري في أحداث 146 أي بعد انتهاء حركة النفس الزكية قال (وفي هذه السنة عزل المنصور عن البصرة سلم بن قتيبة وولاها محمد بن سليمان بن علي) أما السبب فيتلخص في أن شارون العباسيين أبو جعفر المنصور (كتب إلى سلم بن قتيبة لما ولاه البصرة أما بعد فاهدم دور من خرج مع إبراهيم واعقر نخلهم فكتب إليه (سلم) بأي ذلك أبدأ؟؟ بالدور أم بالنخل؟؟ فكتب إليه أبو جعفر أما بعد فقد كتبت إليك آمرك بإفساد تمرهم فكتبت تستأذنني في أية تبدأ به بالبرني أم بالشهريز وعزله وولى محمد بن سليمان فقدم فعاث) الطبري ج7 ص 656.
ثم ننتقل خمسين عاما إلى الأمام لنرى كيف وأين أصبحت أوضاع المسلمين في ظل الاستئثار العباسي بالسلطة والثروة!!.
ثورة أبي السرايا
اندلعت ثورة أبي السرايا سنة 199 هـ في مواجهة العباسيين وكان خليفتهم يومئذ هو المأمون العباسي.
ذكر المؤرخون (الطبري وأبو الفرج الأصفهاني) والرواية لأبي الفرج قال: كان سبب خروج محمد بن إبراهيم بن إسماعيل وهو ابن طباطبا بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأبي السرايا أن نصر بن شبيب كان قدم حاجا وكان متشيعا حسن المذهب وكان ينزل الجزيرة فلما ورد المدينة سأل عن بقايا أهل البيت ومن له ذكر منهم فذكر له علي بن عبيد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ومحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم ابن الحسن بن الحسن فأما علي بن عبيد الله فانه كان مشغولا بالعبادة لا يصل إليه أحد ولا يأذن له وأما عبد الله بن موسى فكان مطلوبا خائفا لا يلقاه أحد وأما محمد بن إبراهيم فانه كان يقارب الناس ويكلمهم في هذا الشأن فأتاه نصر بن شبيب فدخل إليه وذاكره مقتل أهل بيته وغصب الناس إياهم حقوقهم وقال حتى متى توطئون بالخسف وتهتضم شيعتكم وينزى على حقكم؟ وأكثر من القول في هذا المعنى إلى أن أجابه محمد بن إبراهيم وواعده لقاءه بالجزيرة وانصرف الحاج ثم خرج محمد بن إبراهيم إلى الجزيرة ومعه نفر من أصحابه وشيعته حتى قدم على نصر بن شبيب للموعد فجمع إليه نصر أهله وعشيرته وعرض ذلك عليهم فأجابه بعضهم وامتنع عليه بعض وحدث الخلاف فيما بينهم وفشل نصر بن شبيب في إقناعهم فتخلى عن مساندة محمد بن إبراهيم الذي قفل راجعا إلى الحجاز فلقي في طريقه أبا السرايا السري بن منصور أحد بني ربيعة بن ذهل بن شيبان وكان قد خالف السلطان ونابذه وعاث في نواحي السواد ومعه غلمان له فيهم أبو الشوك وسيار وأبو الهرماس وكان علوي الرأي ذا مذهب في التشيع فدعاه إلى نفسه فأجابه وسر بذلك وتواعدا على اللقاء بالكوفة وتوجه محمد بن إبراهيم إلى الكوفة يسأل عن أخبار الناس ويتأهب لأمره ويدعو من يثق به إلى ما يريد حتى اجتمع له بشر كثير.
الجوع يضرب المسلمين!!:
فبينما هو أي محمد يمشي في بعض طريق الكوفة إذ نظر إلى عجوز تتبع أحمال الرطب فتلتقط ما يسقط منها فتجمعه في كساءها الرث فسألها عما تصنع بذلك فقالت إني امرأة لا رجل لي يقوم بمؤنتي ولي بنات لا يعدن على أنفسهن بشيء فأنا أتتبع هذا من الطريق وأتقوته أنا وولدي فبكى بكاء شديدا وقال  أنت والله وأشباهك تخرجوني غدا حتى يسفك دمي ونفذت بصيرته في الخروج.
وأقبل أبو السرايا لموعده على طريق البر حتى ورد عين التمر في فوارس معه حتى ورد إلى نينوى فجاء إلى قبر الحسين قال نصر بن مزاحم فحدثني رجل من أهل المدائن قال: إني لعند قبر الحسين في تلك الليلة وكانت ليلة ذات ريح ورعد ومطر إذا بفرسان قد أقبلوا فترجلوا إلى القبر فسلموا وأطال رجل منهم الزيارة ثم جعل يتمثل أبيات منصور ابن الزبرقان النمري:
نفسي فداء الحسين يوم عدا * إلى المنايا عدوا ولا قافل
ذاك يوم أنحى بشفرته * على سنام الإسلام والكاهل
كأنما أنت تعجبين ألا * ينزل بالقوم نقمة العاجل
لا يعجل الله إن عجلت وما * ربك عما ترين بالغافل
مظلومة والنبي والدها * تدير أرجاء مقلة جافل
ألا مساعير يغضبون لها * بسلة البيض والقنا الذابل
قال: فأقبل أبو السرايا علي فقال: ممن الرجل؟ فقلت من أهل المدائن فقال سبحان الله يحن الولي إلى وليه كما تحن الناقة إلى حوارها يا شيخ إن هذا موقف يكثر لك عند الله شكره ويعظم أجره ثم وثب فقال من كان هاهنا من الزيدية فليقم إلي فوثبت إليه جماعات من الناس فدنوا منه فخطبهم خطبة طويلة ذكر فيها أهل البيت وفضلهم وما خصوا به وذكر فعل الأمة بهم وظلمهم لهم وذكر الحسين بن علي فقال: أيها الناس هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه فما يقعدكم عمن أدركتموه ولحقتموه؟ وهو غدا خارج طالب بثأره وحقه وتراث آبائه وإقامة دين الله وما يمنعكم من نصرته ومؤازرته؟ إنني خارج من وجهي هذا إلى الكوفة للقيام بأمر الله والذب عن دينه والنصر لأهل بيته فمن كان له نية في ذلك فليلحق بي ثم مضى من فوره عائدا إلى الكوفة ومعه أصحابه.
وخرج محمد بن إبراهيم في اليوم الذي واعد فيه أبا السرايا للاجتماع بالكوفة وأظهر نفسه وبرز إلى ظهر الكوفة ومعه علي بن عبيد الله بن الحسين ابن علي بن الحسين وأهل الكوفة منبثون مثل الجراد إلا أنهم على غير نظام وليس لهم سلاح إلا العصي والسكاكين والآجر فلم يزل محمد بن إبراهيم ومن معه ينتظرون أبا السرايا ويتوقعونه فلا يرون له أثرا حتى يئسوا منه وشتمه بعضهم ولاموا محمد بن إبراهيم على الاستعانة به واغتم محمد بن إبراهيم بتأخره فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم من نحو الجرف علمان أصفران وخيل فتنادى الناس بالبشارة فكبروا ونظروا فإذا هو أبو السرايا ومن معه فأقبل على محمد بن إبراهيم وانكب عليه وعانقه ثم قال له يا ابن رسول الله ما يقيمك هاهنا؟ ادخل البلد فما يمنعك منه أحد فدخل هو وخطب الناس ودعاهم  إلى البيعة إلى الرضا من آل محمد والدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسيرة بحكم الكتاب فبايعه جميع الناس في موضع بالكوفة يعرف بقصر الضرتين.
مثلت ثورة أبي السرايا التي استمرت بضع سنوات زلزالا كاد أن يقضي على دولة بني العباس فقد خرج من سلطانهم البصرة والكوفة ومناطق من العراق ومكة حتى أن مندوب أبي السرايا هو الذي أقام الحج للناس في تلك الفترة ناهيك عن الكلفة البشرية الباهظة لإخماد هذه الثورة التي أشعلها الظلم الاجتماعي عامة والظلم الواقع على أهل البيت خاصة وهي فضلا عن ذلك أظهرت عمق الولاء لأهل البيت في نفوس المسلمين وتألمهم لكل ما لحق بهم من ظلم واضطهاد ولذا اقتضت ضرورات السياسة الوقتية أن يدعي المأمون العباسي التشيع لأهل البيت وأن يعطي منصب ولي العهد لإمام ذلك الزمان علي بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه السلام ومع أننا نقول (أنه ادعى) وأن الأمر كان إعلانا تكتيكيا إلا أن من الصعوبة بمكان إثبات أن الأمر كان مجرد ادعاء وليس قناعة بفضل أهل البيت ومكانتهم بدءا من إمام الحق علي بن أبي طالب عليه السلام ووصولا إلى إمام الزمان وقتها علي بن موسى الرضا فالكثير من المسلمين عاشوا دائما هذه الحالة من الانفصام بين قناعاتهم العقلية وواقعهم السياسي الذي يدفعهم لاتخاذ موقف مناقض لتلك القناعات العقلية وهناك أخير حالة الحسد التي تملكت الكثير منهم ودفعتهم إلى بغض أهل البيت عليهم السلام وإقصائهم بل وحتى التنكيل بهم وعلى كل حال فسرعان ما قام المأمون العباسي بتغيير موقفه وقتل الإمام بالسم كما هو ثابت من دفاتر تاريخنا المسموم.
المتوكل العباسي: 232-247 هجرية:
تدميره لضريح الإمام الحسين عليه السلام.
إنه جعفر ابن هارون الرشيد وكان كما يقول أبو الفرج الأصفهاني "شديد الوطأة على آل أبي طالب غليظا على جماعتهم مهتما بأمورهم شديد الغيظ والحقد عليهم وسوء الظن والتهمة لهم واتفق له أن عبيد الله ابن يحيى بن خاقان وزيره يسئ الرأي فيهم فحسن له القبيح في معاملتهم فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله وكان من ذلك أن كرب قبر الحسين "انظر أيضا تاريخ الطبري ج9 ص 185" (أي قام بهدمه وحرثه) وعفى آثاره ووضع على سائر الطرق مسالح له (أي نقاط حراسة مسلحة) لا يجدون أحدا زاره إلا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة فحدثني أحمد بن الجعد الوشاء وقد شاهد ذلك قال: كان السبب في كرب قبر الحسين أن بعض المغنيات كانت تبعث بجواريها إليه قبل الخلافة يغنين له إذا شرب فلما وليها بعث إلى تلك المغنية فعرف أنها غائبة وكانت قد زارت قبر الحسين وبلغها خبره فأسرعت الرجوع وبعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها فقال لها: أين كنتم؟ قالت: خرجت مولاتي إلى الحج وأخرجتنا معها وكان ذلك في شعبان، فقال: إلى أين حججتم في شعبان؟ قالت: إلى قبر الحسين فاستطار غضبا وأمر بمولاتها فحبست واستصفى أملاكها وبعث برجل من أصحابه يقال له: الديزج وكان يهوديا فأسلم إلى قبر الحسين وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب كل ما حوله فمضى ذلك وخرب ما حوله وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مائتي جريب فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد فأحضر قوما من اليهود فكربوه وأجرى الماء حوله ووكل به مسالح بين كل مسلحتين ميل لا يزوره زائر إلا أخذوه ووجهوا به إليه فحدثني محمد بن الحسين الأشناني قال بعُد عهدي بالزيارة في تلك الأيام خوفا ثم عملت على المخاطرة بنفسي فيها وساعدني رجل من العطارين على ذلك فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية وخرجنا منها نصف الليل فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا حتى أتينا القبر فخفي علينا فجعلنا نشمه ونتحرى جهته حتى أتيناه وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه وأحرق وأجري الماء عليه فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق فزررناه وأكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها قط كشيء من الطيب فقلت للعطار الذي كان معي: أي رائحة هذه؟ فقال: لا والله ما شممت مثلها كشيء من العطر فودعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدة مواضع فلما قتل المتوكل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس ومنع الناس من البر بهم وكان لا يبلغه أن أحدا بر أحدا منهم بشيء وان قل إلا أنهكه عقوبة وأثقله غرما حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ثم يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر إلى أن قتل المتوكل فعطف المنتصر عليهم وأحسن إليهم  ووجه بمال فرقه فيهم وكان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادة مذهبه طعنا عليه ونصرة لفعله.
إنه المتوكل على الشيطان الذي لم يترك جريمة من الجرائم إلا وارتكبها وقد جاءوا به صبيا وألبسوه ملابس الخلافة فقال لهم وصيف (أما تتقون الله تولون مثل هذا الخلافة وهو لا يجوز معه الصلاة) الطبري 9-154 وافتتح عهده الميمون بالقبض على وزير أبيه المعتصم محمد بن عبد الملك الزيات وتعذيبه حتى الموت (بنفس الأساليب التي اخترعها هذا الزيات لتأديبه المخالفين) لأنه رآه يوما غلاما مخنثا فقام بتأديبه وحلاقة شعره بأمر أخيه الواثق فاحتملها الخليفة الجديد في نفسه حتى جاءته الخلافة لينتقم منه.
كما قام بقتل العديد من وزرائه وأعوانه بعد تعذيبهم بوسائل تعذيب في غاية القسوة والبشاعة كما انه قام بالتنكيل بالنصارى ولم يسلم أحد من أذاه وشره حتى انه أسرف في الإهانة والتنكيل بابنه المنتصر فكان أن دبر قتله بالتعاون مع الخدم الأتراك الذين يعملون في قصره.
كرهه لأهل البيت وللشيعة.
روى ابن جرير الطبري عن مروان بن أبي الجنوب أبي السمط أنه قال (أنشدت المتوكل شعرا وذكرت فيه الرافضة فعقد لي على البحرين واليمامة وخلع علي أربع خلع في دار العامة ونثر على رأسي أربعة آلاف دينار وأمر ابنه المنتصر بلقطها لي ولا أمس منها شيء فجمعاها فانصرفت بها). الطبري 9-230.
البويهيون في بغداد
دخل البويهيون إلى بغداد في جمادى الثاني 334هـ/945م، ومنذ فأصبحت الخلافة العباسية تحت سيطرة الأسرة البويهية حتى دخول السلاجقة بغداد وسيطرتهم بدورهم على الخلافة سنة 447هـ.
يقول ابن الأثير في الكامل: لم يبق للعباسيين من الأمر شيء وقد كانوا يراجعون ويؤخذ أمرهم فيما يفعل والحرمة قائمة بعض الشيء فلما كان أيام معز الدولة زال ذلك جميعه بحيث أن الخليفة لم يبق له وزير إنما كان له كاتب يدبر إقطاعه وإخراجاته لا غير وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من يريد‏.‏
وكان الديلم يعتقدون أن العباسيين قد غصبوا الخلافة فلم يكن عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة حتى أن معز الدولة استشار جماعة من خواص أصحابه في إخراج الخلافة من العباسيين والبيعة للمعز لدين الله العلوي أو لغيره من العلويين فكلهم أشار عليه بذلك ما عدا بعض خواصه فإنه قال‏:‏ ليس هذا برأي فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من يعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته فلو أمرهم بقتلك لفعلوه فأعرض عن هذا الأمر.
في العصر البويهي ازدهرت الروح الأدبية وعضدوا مدرسة بغداد التي كان قد اضمحل شأنها في أثناء تدهور الخلافة، وحفروا الجداول وهيأوا للملاحة حتى مدينة شيراز، فأزالوا بذلك خطر الفيضانات الموسمية (الدورية) التي كانت تغمر المناطق كما شيد عز الدولة مستشفى فخماً وفتح عدة كليات في بغداد.
أما من الناحية المذهبية فلم يطرأ تغيير جوهري في هذا المجال رغم تشيع البويهيين، إذ ظلت فارس مقاطعة سنية.
وبقي التشيع محصورا بين رجال الفكر والعلم، إذ إن البويهيين لم يحاولوا فرض التشيع كمذهب رسمي، ولم يدفعوا السكان إلى الالتزام به، كما بقيت سلطة تعيين القضاة بيد الخلفاء العباسيين والشاهد أن البويهيين كانوا يجعلون الاعتبارات السياسية فوق الاعتبارات المذهبية .
التتار وسقوط الخلافة العباسية
كان السقوط النهائي لدولة بني العباس المسماة بالخلافة العباسية وفي رواية بالخلافة الإسلامية سنة 656هـ  حيث ملك هولاكو بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله عبد الله في سادس صفر وانقرضت بمهلكه دولة بني العباس من بغداد.
حاول البعض عبر أجهزة إعلامهم الخبيثة أن يحملوا الشيعة المسئولية عن هذا السقوط المحتوم زاعمين أنهم سلموا بغداد للتتار عبر الوزير العلقمي متجاهلين الأسباب الحقيقية لهذا السقوط وأن الخليفة العباسي نفسه هو من دعا التتار لإنقاذه من خوارزم شاه حيث يروي المقريزي في كتاب السلوك (وفي سنة 622هـ مات الخليفة الناصر لدين الله أحمد بن المستضيئ بأمر الله الحسن بن المستنجد بالله يوسف في ثاني شوال ومولده في العاشر من شهر رجب سنة 553 هـ وله في الخلافة سبع وأربعون سنة وكانت أمه أم ولد يقال لها زمرد وقيل نرجس وكان شهماً أبي النفس حازماً متيقظاً صاحب فكر صائب ودهاء ومكر وكان مهيباً وله أصحاب أخبار بالعراق وفي الأطراف يطالعونه بجزئيات الأمور وكلياتها فكان لا يخفى عليه أكثر أحوال رعيته حتى أن أهل العراق يخاف الرجل منهم أن يتحدث مع امرأته لما يظن أن ذلك يطلع عليه الخليفة فيعاقب عليه وعمل شخص دعوة ببغداد وغسل يده قبل أضيافه فعلم الخليفة بذلك من أصحاب أخباره فكتب في الجواب‏:‏ سوء أدب من صاحب البلد وفضول من كاتب المطالعة‏.‏
وكان رديء السيرة في رعيته ظالماً عسوفاً خرب العراق في أيامه وتفرق أهله في البلاد فأخذ أملاكهم وأموالهم وكان يحب جمع المال ويباشر الأمور بنفسه ويركب بين الناس ويجتمع بهم مع سفكه للدماء وفعله للأشياء المتضادة‏:‏ فيغتصب الأموال ويتصدق وشغف برمي الطير بالبندق ولبس سراويلات الفتوة وحمل أهل الأمصار على ذلك وعمل سالم بن نصر الله بن واصل الحموي في ذلك رسالة بديعة وصنف الناصر لدين الله كتاباً في مروياته سماه روح العارفين وأعده للفقهاء بمصر والشام وله شعر وفي خلافته خرب التتر بلاد المشرق حتى وصلوا إلى همذان وكان هو السبب في ذلك فإنه كتب إليهم بالعبور إلى البلاد خوفاً من السلطان علاء الدين محمد بن خوارزم شاه لما هم بالاستيلاء على بغداد وأن يجعلها دار ملكه كما كانت السلجوقية ولم يمت الخليفة الناصر لدين الله حتى عمي وقيل كان يبصر بإحدى عينيه وقام من بعده في الخلافة ابنه الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد يوم مات أبوه وعمره ما ينيف على خمسين سنة وكان يقول من يفتح دكانه العصر متى يستفتح‏ ولما ولي (الظاهر ولاية دكان الخلافة!!) أظهر العدل وأزال عدة مظالم وأطلق أهل السجون وظهر للناس وكان من قبله من الخلفاء لا يظهرون إلا نادراً‏.
إنه نفس ما ذكره ابن خلدون في تاريخه (وفي سنة 622هـ توفي أبو العباس أحمد الناصر بن المستضيئ لسبع وأربعين سنة من خلافته وكانت حاله مختلفة في الجد واللعب وكان متفننا في العلوم ويقال أنه الذي أطمع التتار في ملك العراق لما كان بينه وبين خوارزم شاه من الفتنة وكان كثيرا ما ينشغل برمي البندق واللعب بالحمام ويلبس سراويل الفتوة شأن العيارين من أهل بغداد وكان ذلك دليلا على هرم الدولة وذهاب الملك عن أهلها بذهاب ملاكها).
أما عن أوضاع الدولة نفسها بعد هذا المستضيئ فيقول عنها ابن خلدون (لم يزل الخليفة المستنصر ببغداد في النطاق الذي بقي لهم بعد استبداد أهل النواحي وتملك التتار سائر البلاد وتغلبوا على ملوك النواحي ودولهم أجمعين ثم زاحموهم في هذا النطاق وملكوا أكثره ثم توفي المستنصر سنة 641 وبويع بالخلافة ابنه عبد الله المستعصم).
لا حاجة بنا في هذا المقام لسرد الكثير مما توفر لدينا من الأدلة على براءة الوزير ابن العلقمي من هذه الاتهامات الملفقة التي لا مبرر لها إلا التحامل على الشيعة وهو الخط الثابت في السياسة العربية القائمة على النزعات وأهواء النفس أكثر من اعتمادها على القيم والأخلاق والمبادئ أو حتى على حسابات المكسب والنفع.
العراق تحت الحكم العثماني
اتخذ الصراع على امتلاك العراق صورا وأشكالا شتى من بينها المذهبي والقومي والآن الصراع على النفط.
تصاعدت أهمية العراق في الصراع الدائر بين المسلمين على خلفية مذهبية خاصة بعد ظهور الدولة العثمانية التي قدمت نفسها كحام ومدافع رئيسي عن (أهل السنة) وبروز التنافس الحاد بينها وبين الدولة الصفوية التي رفعت راية التشيع لأهل البيت وتمركزت في بلاد فارس في تماس مباشر مع الأتراك العثمانيين.
حكم الأتراك العثمانيون العراق منذ العام 1532 حتى العام 1918 وتميزت هذه الفترة بنشوب الحروب بين العثمانيين والصفويين الذين حكموا العراق عدة مرات بدءا من 1508 م، عندما دخل اسماعيل شاه مدينة بغداد على رأس جنوده التركمان ثم اندحر الصفويون بقيادة اسماعيل من قبل السلطان سليم الاول بعد معركة جالديران عام 1514 ثم استعاد الشاه طهماسب الاول ابن اسماعيل، بغداد في 1529 وفي عام 1533 شن السلطان العثماني سليمان الاول ابن سليم حملة حيث استولى على بغداد من الحاكم الصفوي محمد سلطان خان ثم أصبحت المدينة ضمن الامبراطورية العثمانية عدا فترة قصيرة حيث اعاد الصفويون احتلالها من 1623 الى 1638 مـ.
أنهت معاهدة قصر شيرين ( وتسمى ايضا معاهدة زوهاب) لسنة 1639 حربا استمرت 150 عاما بين العثمانيين والصفويين ورسمت حدودا بين الامبراطوريتين بقيت عمليا دونما تغيير الى العهد الحديث.
ورثت الدولة العراقية الحديثة إرثا ثقيلا بسبب ذلك الصراع الدامي الذي استمر قرابة 150 عاما من أهمها من دون أدنى شك قانون الجنسية العراقي الصادر في العام 1924 الذي منح الجنسية العراقية حصرا لكل من كان (عام 1924 من الجنسية العثمانية وساكنا في العراق عادة فيعد حائزا للجنسية العراقية ابتداء من التاريخ المذكور) في حين استثنى هذا القانون أصحاب التبعية الصفوية.‏
ولا شك أن هذه المادة تعد نموذجا للتمييز الطائفي بين أبناء البلد الواحد على أساس الموقف السياسي والمذهبي حيث استغلها سيء الذكر صدام حسين أداة من أجل تنفيذ التهجير القسري لمئات الآلاف من شيعة العراق من العرب الأقحاح.

المسلمون بين الحضارة والدولة.
مما يؤسف له أن الأقلية الحاكمة والمسيطرة كانت وما زالت ترى أن الدولة هي أحد مؤسساتها التابعة وليست مؤسسة تعبر عن إرادة المجموع وتحفظ حقوقهم وأول هذه الحقوق هو حق الاختيار الديني والمذهبي وتفسح المجال أمامهم للإنتاج والإبداع ودفع الأمة بأسرها نحو الحضارة والرقي والازدهار.
يتحدثون الآن عن صناديق الانتخابات ولكنهم لا يريدون سوى انتخابات شكلية تشكل غطاء لبقاء استئثارهم بالسلطة والثروة وهذا هو سبب رفضهم لديموقراطية العراق الجديد وسعيهم الانتحاري لتدميرها بكل ما أوتوا من أموال ومفخخات.
تلك هي آفة العرب والمسلمين الكبرى التي دمرتهم وأشغلتهم بحروبهم الداخلية لينتهي بهم الأمر صرعى نظام عالمي قادر ومتجبر لا يقيم وزنا لغير القوة في حين تستمر الطبقة المهيمنة على مصائر العالم الإسلامي في محاولة فرض نفس المعادلة التاريخية القديمة الفاشلة والمهترئة والتي تمنع تداول الفكر والثروة وأخيرا تبقي السلطة في إطار التداول الداخلي بين هذه القوى المتحالفة الآن مع الغرب الإمبريالي.
تغيرت الأساليب والآليات ويبقى المضمون واحدا!!.
هل يمكن لهذه المعادلة أن تستمر أبد الآبدين أو حتى لعقد أو عقدين آخرين؟!.
لا أظن فقد تغيرت المعادلات خاصة معادلات الداخل وأصبح بقاء الحال من المحال.
دكتور أحمد راسم النفيس
‏24‏/06‏/2008
‏20‏-جمادى الثانية‏-1429هـ


52,140 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (0)



الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2018 - النفيس