ننشر دراسة "الإمام السجاد وتربيتنا الروحية"للدكتور أحمد راسم النفيس

تم النشر فى دراسات مع 0 تعليق منذ شهر

/

منذ أمد بعيد اختلط الحابل بالنابل حيث جرى تقاسم التصور الإسلامي (لينفرد) كل فريق بنصيب يزعم أنه صاحبه ومؤسسه حيث يدعي البعض أن مهمة التربية الروحية والأخلاقية للأمة قد سقطت في حجرهم وأصبحوا هم سادة هذا الفن وأساتذة هذا العلم.
لا نعفي الموالين لأهل بيت النبوة من مسئوليتهم عن تلك القسمة الضيزى لا لأنهم لم يقوموا بواجبهم من الأساس فالواقع يشهد أن مجالسهم عامرة بالذكر والدعاء والتقرب إلى الله، إلا أنهم ولسوء الحظ لا يجيدون تغليف بضاعتهم وتزيينها مثلما يفعل الآخرون ممن يزعمون لأنفسهم أنهم أهل الصناعة والفن.
الشيء المؤكد أن تعدد الأئمة عليهم السلام وتعاقب المراحل التي مروا بها يعني تنوع أدوارهم رغم توحد جوهر هذا الدور.
أحد أهم الوظائف التي اضطلع بها أئمة أهل البيت هي التربية الروحية للمسلمين والانتقال بهم من الإيمان الخشبي (كأنهم خشب مسندة) إلى إيمان القلب وتزكية الروح والارتقاء بها في مدارج الصعود قربا إلى الله عز وجل.
الانتقال من إيمان الشكل واللسان إلى إيمان المضمون والجنان ومن خضوع الجسد المتخشب اليابس الذي تهزه رياح الخارج إلى الخشوع المخبت الذي تهزه رجفات القلب ونبضه الواجف من خشية الله، حيث يقول الله تعالى في وصف هؤلاء وهؤلاء (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) .
(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .
(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) .
قسوة القلب تعني تبلد الضمير واستسهال ركوب المعاصي وممارسة الظلم حيث يتحول المجتمع إلى غابة يأكل فيها القوي الصغير بدلا من أن يصبح واحة للأمان ومضمارا لتحقيق العدل ومظهرا لتجلي الرحمة الإلهية التي أرادها الله لكل البشر (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).
الآن يجري تقديم التصور الإسلامي وكأنه نظرية سياسية تهدف حصرا للإمساك بالسلطة وقطع رقاب العباد وسبي النساء وتقنين السلب والنهب تحت عنوان (جني الغنائم وقطف ثمرات الجهاد) وليس كرؤية متكاملة للكون تهدف إلى ترقية الإنسان نحو الكمال وإعمار الكون كمصدر أساس للرخاء.
الآن أصبح صناعة وتقديم تصور يسمونه بالإسلامي أمرا متاحا على المشاع لكل من هب ودب وفات هؤلاء وهؤلاء قوله تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) .
الله أرسل رسله للناس بالبينات وما كان ليتركهم دون نظام يجمع شملهم ويحدد أدوارهم هو نظام الإمامة الذي افتتح بعلي بن أبي طالب عليه السلام ثم الحسن ثم الحسين وعلي بن الحسين، وما حال الفوضى والتيه الذي تعيشه البشرية الآن إلا ثمرة الإعراض عن هذا النظام الإلهي وهو ما منح أصحاب العاهات العقلية والأمراض النفسية الوقاحة الكافية للزعم أنهم قادة الأمة وأنهم أهدى من أئمة أهل البيت سبيلا.
لم يكن الدور الذي اضطلع بها إمامنا السجاد زين العابدين علي بن الحسين ع في توجيه المؤمنين نحو تهذيب القلوب وانتزاع القساوة منها ناجما عن حالة اضطرار سببه الحصار الأموي المحكم المفروض عليه بعد فاجعة كربلاء كما قد يتصور البعض بل لأن هذه الفاجعة كشفت عن حجم الخواء الروحي والانحطاط الأخلاقي الذي عانت منه أمتنا وما تزال حتى هذه اللحظة وأن المهمة التي تصدى لها إمامنا السجاد لا يمكن أن يتصدى لها أحد عدا أئمة أهل البيت بدءا بعلي بن أبي طالب ووصولا إلى المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ما أحوج الأمة الإسلامية من يومها وحتى الآن إلى من يقوم بتعبيد القلوب لرب العالمين فهي جوهر البعثة المحمدية (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، وليس مجرد إقامة دولة تمارس البطش والقهر وقطع الرقاب بعنوان تطبيق الشريعة ومبررها تلك المقولة المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (أمرت أن أقاتل الناس......).
أمة التزكية والتطهير وليست أمة السيف وقطع الرقاب!!.
عندما يصف الله تبارك وتعالة أمة عيسى عليه السلام بقوله (ثمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)، فلا يعني هذا أن صفة الرأفة والرحمة زائدة عن الحاجة كما صفة الرهبانية، وهي صفة يمكن أن تكون محمودة طالما بقيت في إطار الاعتدال الذي لا يكلف النفس الإنسانية فوق طاقتها وفوق قدرتها على المواصلة والاستمرار.
لو كانت صفة الرأفة والرحمة زائدة عن الحاجة لما مدح الله رسوله الكريم بوصفه (بالمؤمنين رءوف رحيم) ولما مدح خاصة أوليائه من أتباع رسولنا الكريم وحوارييه العظام بقوله (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الفتح 29.
أين هذه الرأفة والرحمة من التوحش الأموي والخوارجي الذي بلغ أوجه يوم فاجعة كربلاء حيث انتزعت الرحمة من نفوس أناس يدعون الإسلام ويزعمون التصاقهم بالسنة النبوية حيث ما تزال ذريتهم الوسخة تتفنن في الإشادة بهمجيتهم البربرية وترى فيها (حكمة يزيدية متعالية) حفاظا على وحدة الأمة ونظامها!!.
يقول تعالى (ألمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) .
ولأن فاجعة كربلاء شكلت نموذجا عمليا واضحا لا لبس فيه لحال التوحش وقسوة القلب السائدة يومها كانت الخطة التربوية التي اعتمدها الإمام السجاد بدءا من الدائرة المحيطة به وصولا لأبناء الأمة الإسلامية كلها تعتمد على تربية المؤمنين على الزهد في هذه الدنيا وزخرفها وزبرجها وتذكيرهم بقرب زوالها وأنها لا تفي بوعد ولا بعهد ولا تدوم على حال سواء وردت هذه الحقائق ضمن أدعيته عليه السلام أو في خطبه ومواعظه لمن حوله.
حرص الإمام على تنبيه البشرية إلى قصر عمر الدنيا وإلى أنها لا تعدو كونها معبر يمرون به في طريقهم نحو الأبدية مستندا لكلام سيد الزاهدين عيسى بن مريم عليه السلام.
يروي الشيخ المفيد في كتاب الأمالي:
عن أبي حمزة الثمالي رحمه الله عن علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام أنه قال يوما لاصحابه: إخواني! أوصيكم بدار الآخرة، ولا أوصيكم بدار الدنيا فإنكم عليها حريصون وبها متمسكون، أما بلغكم ما قال عيسى ابن مريم عليها السلام للحواريين؟ قال لهم: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها. وقال: أيكم يبني على موج البحر دارا؟ تلكم الدار الدنيا فلا تتخذوها قرارا.
كما ينبه أيضا لأهمية محاسبة الإنسان لذاته وإيقاظ النفس اللوامة لتقوم بمهمة الرقابة الذاتية والرواية للشيخ المفيد في الأمالي:
عن أبي حمزة الثمالي قال: كان علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام يقول: ابن آدم إنك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك وما كانت المحاسبة لها من همك، وما كان الخوف لك شعارا والحزن لك دثارا، إنك ميت ومبعوث موقوف بين يدي الله عزوجلفأعد جوابا.
إنها ذات الحكمة الإلهية التي احتضنتها مشكاة العلوم الربانية، مشكاة أهل بيت النبوة والتي امتد نورها من علي بن أبي طالب حتى حفيده السجاد عليه السلام حيث يروي الشريف الرضي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
عَنْ نَوْفٍ الْبَكَالِيِّ قَالَ رَأَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ فِرَاشِهِ فَنَظَرَ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لِي: يَا نَوْفُ أَرَاقِدٌ أَنْتَ أَمْ رَامِقٌ، فَقُلْتُ بَلْ رَامِقٌ، قَالَ:
يَا نَوْفُ طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً وَتُرَابَهَا فِرَاشاً وَمَاءَهَا طِيباً وَالْقُرْآنَ شِعَاراً وَالدُّعَاءَ دِثَاراً ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ يَا نَوْفُ إِنَّ دَاوُدَ عليه السلام قَامَ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ إِنَّهَا لَسَاعَةٌ لَا يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِيّاً أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ  ـ وَهِيَ الطُّنْبُورُ ـ أَوْ صَاحِبَ كَوْبَةٍ ـ وَ هِيَ الطَّبْلُ.
فالدثار، غطاء يتدفأ ويحتمي به المرء هوعند الإمام علي الدعاء إلى الله وعند زين العابدين هو الحزن والخشوع والخوف من الله عز وجل عندما يصبح الهم الأكبر للإنسان هو الوقوف بين يدي الله وتقديم إجابة شافية وقول ثابت ينجيه من هول المحشر (وقفوهم إنهم مسئولون)!!.
ما رواه أبو حمزة الثمالي عن الإمام السجاد عن محاسبة الإنسان لنفسه ووعظه لها وزجرها عن المعاصي هو ذاته كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في وصف من أحبهم الله من عباده ورضيهم أولياء له.
(عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ وَأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ وَارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ فَشَرِبَ نَهَلًا وَسَلَكَ سَبِيلًا جَدَداً قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ إِلَّا هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ وَسَلَكَ سَبِيلَهُ وَعَرَفَ مَنَارَهُ وَ قَطَعَ غِمَارَهُ وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا وَمِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ) .
لم يكن بنو أمية طواغيت هذه الأمة ليهدأ لهم بال دون أن يغمسوا كل من يمكن غمسه في مستنقع الجهل والشهوات وجر كل من يمكن جره إلى المشاركة في تضليل الأمة وحرف مسارها عن الصراط المستقيم ليصبح الكل سواء كالأنعام بل هم أضل وهو الخطر الذي وقعت مسئولية مواجهته على إمامنا السجاد البقية الباقية من نور آل محمد وسط تلك الظلمات المتراكمة بعضها فوق بعض.
يروي الشيخ المفيد رضوان الله عليه عن أبي حمزة الثمالي:
عن علي بن مهزيار، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة الثمالي قال: ما سمعت بأحد من الناس كان أزهد من علي بن الحسين عليهما السلام إلا ما بلغني عن علي بن بن أبي طالب صلوات الله عليه. ثم قال أبو حمزة: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا تكلم في الزهد، ووعظ أبكى من بحضرته. قال أبو حمزة: فقرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام علي بن الحسين عليهما السلام فكتبت ما فيها، وأتيته به، فعرضته عليه، فعرفه وصححه وكان فيها: بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله وإياكم كيد الظالمين، وبغي الحاسدين، وبطش الجبارين. أيها المؤمنون مصيبتكم الطواغيت من أهل الرغبة في الدنيا، المائلون إليها المفتونون بها المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غدا، فاحذروا ما حذركم الله منها، وازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها، ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، وبالله إن لكم مما فيها عليها دليلا من زينتها، وتصرف أيامها، وتغير انقلابها ومثلاتها، وتلاعبها بأهلها. إنها لترفع الخميل وتضع الشريف، وتورد النار أقواما غدا، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر للنبيه. إن الامور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مضلات الفتن، و حوادث البدع، وسنن الجور، وبوائق الزمان، وهيبة السلطان، ووسوسة الشيطان ليدرأ القلوب عن تنبهها، وتذهلها عن موجود الهدى، ومعرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله، وليس يعرف تصرف أيامها، وتقلب حالاتها، وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصمه الله، ونهج سبيل الرشد، وسلك سبيل القصد ممن استعان على ذلك بالزهد، فكرر التفكر، واتعظ بالعبر فازدجر، وزهد في عاجل بهجة الدنيا، فتجافى عن لذاتها، ورغب في دائم نعيم الآخرة، وسعى لها سعيها، وراقب الموت، وسئم الحياة مع القوم الظالمين، فعند ذلك نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة النظر فأبصر حوادث الفتن، وضلال البدع، وجور الملوك الظلمة. فقد لعمري استدبرتم الأمور الماضية في الايام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيها ما تستدلون به على تجنب الغواة وأهل البدع والبغي و الفساد في الارض بغير حق. فاستعينوا بالله، وارجعوا إلى طاعة الله، وطاعة من هو أولى بالطاعة ممن اتبع وأطيع. فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة، والقدوم على الله، والوقوف بين يديه. وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه، وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم. وما العلم بالله والعمل بطاعته إلا إلفان مؤتلفان، من عرف الله خافه، فحثه الخوف على العمل بطاعة الله. وإن أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه، وقد قال الله تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء". فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله، واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله، واغتنموا أيامها، واسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله، فإن ذلك أقل للتبعة، وأدنى من العذر، وأرجى للنجاة. فقدموا أمر الله وطاعته وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الامور كلها، ولا تقدموا الامور الواردة عليكم من الطواغيت، من فتن زهرة الدنيا بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الامر منكم. واعلموا أنكم ونحن عباد الله، يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا، وهو موقفكم ومسائلكم، فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسألة والعرض على رب العالمين، يومئذ لا تكلم نفس إلا بإذنه. واعلموا أن الله تعالى لا يصدق يومئذ كاذبا، ولا يكذب صادقا، ولا يرد عذر مستحق، ولا يعذر غير معذور، بل له الحجة على خلقه بالرسل وبالاوصياء بعد الرسل. فاتقوا الله عباد الله، واستقبلوا من إصلاح أنفسكم وطاعة الله وطاعة من تولونه فيها، لعل نادما قد ندم على ما قد فرط بالامس في جنب الله، وضيع من حقوق الله، فاستغفروا الله وتوبوا إليه، فإنه يقبل التوبة، ويعفو عن السيئة، ويعلم ما تفعلون. وإياكم وصحبة العاصين، ومعونة الظالمين، ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم، وتباعدوا من ساحتهم، واعلموا أنه من خالف أولياء الله، ودان بغير دين الله، واستبد بأمره دون أمر ولي في نار تلتهب، تأكل أبدانا قد غابت عنها أرواحها وغلبت عليها شقوتها، فهم موتى لا يجدون حر النار فاعتبروا يا أولي الابصار واحمدوا الله على ما هداكم، واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته، وسيرى الله عملكم ثم إليه تحشرون، فانتفعوا بالعظة، وتادبوا بآداب الصالحين.
يحذر الإمام السجاد من يسمع نصيحته من المؤمنين من الخطر الحقيقي الذي يتهدد وجودهم وأصل إيمانهم (أيها المؤمنون مصيبتكم الطواغيت من أهل الرغبة في الدنيا، المائلون إليها المفتونون بها المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد).
(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُواْ الْأَلْبَابِ) .
كما يحذرهم من السقوط في فخ الشيطان والركون إلى ما يبثه من أوهام ووساوس تردي أصحاب الهوى (ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان) وهو مطابق لقوله تبارك وتعالى (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ)  وقوله تعالى (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) .
الزهد الذي يعنيه أئمة أهل البيت عليهم السلام ليس ذلك الزهد الذي يأخذ صاحبه بعيدا عن المجتمع ليحتمي بالعزلة تاركا الدنيا (لملاكها وأصحابها) بل هو الزهد الذي يعصم ويقي صاحبه من الشره والطمع في نيل ما في أيدي الناس على حساب حقوق المستضعفين المظلومين.
الزهد الحقيقي يمنع صاحبه من التحول إلى كلب يلهث على أعتاب الجزارين الذين لا هم لهم إلا ذبح الأبرياء وانتهاب أموالهم.
أن تعتزل الناس متفرغا للعبادة في صومعة فهذا أدنى درجات الزهد، أما الزهد الحقيقي أن ترى الدنيا ونعيمها وزينتها وزخرفها بين يديك ثم تختار ما عند الله لأنه أدوم وأبقى!!.
الزَّهَادَةُ–كما يعرفها الإمام علي- قِصَرُ الْأَمَلِ وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ، وليست ثيابا ممزقة وانعزالا عن الدنيا.(الْعَجْزُ آفَةٌ وَالصَّبْرُ شَجَاعَةٌ وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ وَنِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَى).


الصحيفة السجادية: مدرسة العقيدة والأخلاق
يتصور البعض أن الصحيفة السجادية مجرد كتاب للأدعية كان إمامنا علي بن الحسين زين العابدين سيد الساجدين يتعبد بها في خلوته مناجيا ربه (منقطعا عن الدنيا وهمومها مكرسا عزلته التي فرضها على نفسه في مرحلة ما بعد فاجعة استشهاد الإمام الحسين بن علي ع تاركا السياسة لأهلها فهم وحدهم العارفون بمداخلها ومخارجها!!) وهو كلام ينم عن جهل مدقع بالدين والسياسة!!.
منطق أعرج يسعى للإيحاء بأن ما لحق بأهل بيت النبوة من بلاء يرجع لمنازعتهم (الأمر أهله بني أمية أبناء الست مرجانة)!!.
لو كان هذا المنطق الأعوج صحيحا فليدلنا هؤلاء (الحكماء) عن السبب الذي لأجله صار مصادرة الصحيفة السجادية هدفا لبني أمية وأبناء مرجانة (رضي الله عنهم)؟؟!!.
جاء في سند الصحيفة السجادية عن متوكل بن هارون قال: لقيت يحيى بن زيد بن علي عليه السلام وهو متوجه إلى خراسان فسلمت عليه فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من الحج فسألني عن أهله وبني عمه بالمدينة، وأحفى السؤال عن جعفر بن محمد عليه السلام، فأخبرته بخبره وخبرهم، وحزنهم على أبيه زيد بن علي عليه السلام. فقال لي: قد كان عمي محمد بن علي (الباقر) أشار على أبي بترك الخروج، وعرفه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمد عليه السلام؟ قلت: نعم قال: فهل سمعته يذكر شيئا من أمري؟ قلت: نعم. قال: بم ذكرني؟خبرني. قلت: جعلت فداك ما أحب أن أستقبلك بما سمعته منه. فقال: أبالموت تخوفني؟ هات ما سمعته. فقلت سمعته يقول: إنك تقتل وتصلب كما قتل أبوك وصلب. "فتغير وجهه" وقال: "يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب"، يا متوكل إن الله عزوجل، أيد هذا الامر بنا، وجعل لنا العلم والسيف، فجُمعا لنا، وخص بني عمنا بالعلم وحده. فقلت: جعلت فداك إني رأيت الناس إلى ابن عمك جعفر عليه السلام أميل منهم إليك وإلى أبيك. فقال: إن عمي محمد بن علي، وابنه جعفرا عليهما السلام دعوا الناس إلى الحياة، ونحن دعوناهم إلى الموت. فقلت: يابن رسول الله أهم أعلم أم أنتم؟ فأطرق إلى الارض مليا ثم رفع رأسه. وقال: كلنا له علم غير أنهم يعلمون كلما نعلم، ولا نعلم كلما يعلمون. ثم قال لي: أكتبت من ابن عمي شيئا؟ قلت: نعم. قال: أرينه. فأخرجت إليه وجوها من العلم، وأخرجت له دعاء أملاه علي أبو عبد الله عليه السلام، وحدثني أن أباه محمد بن علي عليهما السلام أملاه عليه، وأخبره أنه من دعاء أبيه علي بن الحسين عليهما السلام من دعاء "الصحيفة الكاملة". فنظر فيه يحيى حتى أتى على آخره، وقال لي: أتأذن في نسخه؟ فقلت: يابن رسول الله أتستأذن فيما هو عنكم؟ فقال: أما لأخرجن إليك صحيفة من الدعاء الكامل، مما حفظه أبي عن أبيه، وإن أبي أوصاني بصونها، ومنعها غير أهلها. فقمت إليه، فقبلت رأسه، وقلت له: والله ياابن رسول الله إني لادين الله بحبكم وطاعتكم، وإني لارجو أن يسعدني في حياتي ومماتي بولايتكم. فرمى صحيفتي التي دفعتها إليه إلى غلام كان معه، وقال: اكتب هذا الدعاء بخط بين حسن، وأعرضه علي لعلي أحفظه، فإني كنت أطلبه من جعفر حفظه الله فيمنعنيه. قال المتوكل: فندمت على ما فعلت، ولم أدر ما أصنع، ولم يكن أبو عبد الله عليه السلام تقدم إلي ألا أدفعه إلى أحد. ثم دعا بعيبة فاستخرج منها صحيفة مقفلة مختومة، فنظر إلى الخاتم وقبله وبكى، ثم فضه وفتح القفل، ثم نشر الصحيفة ووضعها على عينه، وأمرها على وجهه. وقال: والله يا متوكل لولا ما ذكرت من قول ابن عمي إنني أقتل وأصلب لما دفعتها إليك، ولكنت بها ضنينا ولكني أعلم أن قوله حق، أخذه عن آبائه، وأنه سيصح، فخفت أن يقع مثل هذا العلم إلى بني أمية فيكتموه ويدخروه في خزائنهم لأنفسهم، فاقبضها واكفنيها وتربص بها، فإذا قضى الله من أمري وأمر هؤلاء القوم ما هو قاض، فهي أمانة لي عندك حتى توصلها إلى ابني عمي محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليهما السلام فإنهما القائمان في هذا الامر بعدي. قال المتوكل: فقبضت الصحيفة، فلما قتل يحيى بن زيد صرت إلى المدينة، فلقيت أبا عبد الله عليه السلام فحدثته الحديث عن يحيى، فبكى واشتد وجده به، وقال: رحم الله ابن عمي وألحقه بآبائه وأجداده، والله يا متوكل ما منعني من دفع الدعاء إليه إلا الذي خافه على صحيفة أبيه، وأين الصحيفة؟ فقلت: ها هي. ففتحها، قال: هذا والله خط عمي زيد، ودعاء جدي علي بن الحسين عليهما السلام، ثم قال لابنه: قم يا إسماعيل فأتني بالدعاء الذي أمرتك بحفظه وصونه.
فقام إسماعيل: فأخرج صحيفة كأنها الصحيفة التي دفعها إلي يحيى بن زيد: فقبلها أبو عبد الله، ووضعها على عينه، وقال: هذا خط أبي، وإملاء جدي عليهما السلام بمشهد مني. فقلت: يابن رسول الله إن رأيت أن أعرضها مع صحيفة زيد ويحيى؟ فأذن لي في ذلك، وقال: قد رأيتك لذلك أهلا. فنظرت وإذا هما أمر واحد، ولم أجد حرفا منها يخالف ما في الصحيفة الاخرى. ثم استأذنت أبا عبد الله عليه السلام في دفع الصحيفة إلى ابني عبد الله بن الحسن. فقال: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها" نعم ادفعها إليهما. فلما نهضت للقائمها، قال لي: مكانك. ثم وجه إلى محمد وإبراهيم فجاءا. فقال: هذا ميراث ابن عمكما يحيى من أبيه، قد خصكما به دون إخوته، ونحن مشترطون عليكما فيه شرطا. فقالا: رحمك الله، قل فقولك المقبول. فقال: لا تخرجا بهذه الصحيفة من المدينة. قالا: ولم ذاك؟ قال: إن ابن عمكما خاف عليها أمرا أخافه أنا عليكما. قالا: إنما خاف عليها حين علم أنه يقتل. فقال أبو عبد الله عليه السلام: وأنتما فلا تأمنا، فو الله إني لاعلم إنكما ستخرجان كما خرج، وستقتلان كما قتل. فقاما وهما يقولان: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلما خرجا، قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا متوكل كيف قال لك يحيى بن زيد بن علي إن عمي محمد بن علي وابنه جعفرا دعوا الناس إلى الحياة ودعوناهم إلى الموت؟ قلت: نعم أصلحك الله، قد قال لي ابن عمك يحيى ذلك. فقال يرحم الله يحيى إن أبي حدثني، عن أبيه عن جده علي عليهم السلام " أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذته نعسة، وهو على منبره، فرأى في منامه رجالا ينزون على منبره نزو القردة، يردون الناس على أعقابهم القهقري، فاستوى رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا والحزن يعرف في وجهه، فأتاه جبرئيل عليه السلام بهذه الآية "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فيما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا"  يعني بني أمية. فقال: يا جبرئيل أعلى عهدي يكونون وفي زمني؟ قال: لا، ولكن تدور رحى الاسلام من مهاجرك، فتلبث بذلك عشرا، ثم تدور رحى الاسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك، فتلبث بذلك خمسا، ثم لابد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها، ثم ملك الفراعنة. قال: وأنزل الله تعالى في ذلك "إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر" تملكها بنو أمية ليس فيها ليلة القدر. قال: فأطلع الله عزوجل نبيه عليه السلام أن بني أمية تملك سلطان هذه الامة، وملكها طول هذه المدة، فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن الله تعالى بزوال ملكهم، وهم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت وبغضنا، أخبر الله نبيه بما يلقى أهل بيت محمد وأهل مودتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم. قال: وأنزل الله تعالى فيهم "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار" ونعمة الله "محمد وأهل بيته" حبهم إيمان يدخل الجنة، وبغضهم كفر ونفاق يدخل النار. فأسر رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك إلى علي وأهل بيته. قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: "ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد، ليدفع ظلما أو ينعش حقا، إلا اصطلمته البلية، وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا" .
شكلت أدعية الصحيفة السجادية بوابة العروج إلى السماء لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهي أيضا كانت وثيقة مدونة ودستورا للتصور الإسلامي سعى بنو أمية لمحوه ومنع وصوله للناس كما هو ثابت ومدون في الرواية السابقة ومن ثم فإن ما يتوهمه البعض من أن الإمام السجاد اختار الطريق السهل عندما (قرر ترك السياسة) ينم عن سذاجة وقلة دراية بطبيعة الصراع بين الحق والباطل وأن حزب الشيطان لم يكن ليرضى بأقل من طمس النور المحمدي وإطفائه سواء كان في صورة فقه أو أدعية أو مجرد وصايا تبدو وكأنها وصايا أخلاقية بحتة لا علاقة لها بما يسمونه سياسة!!.
تقودنا القراءة المتأنية لهذا السفر الجليل لاستنتاج أن الصحيفة السجادية تمثل دستورا للتصور الإسلامي المتكامل الذي يتعين على كل مسلم أن يستعين به كي يتمكن من فهم القرآن واستيعابه والاهتداء به بدلا من السير العشوائي على غير بصيرة (بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير).
الإمامة والتصور الإسلامي
يحتاج المسلم إلى تصور تتكامل فيه عناصر الإيمان المتعددة بدءا من الاعتقاد في الألوهية والنبوة والإمامة ورؤية الكون والمجتمع والعبادة والعمل الصالح فضلا عن منظومة الأخلاق في بعدها الواقعي بدلا من التشدق المتواصل بأخلاق نظرية بحتة لم يطبقها المسلمون ولا يبدو أنهم ينوون تطبيقها!!.
الإمامة هي أحد أهم ركائز هذا التصور بعد توحيد الألوهية والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وهو ما يبدو واضحا في منظومة الأدعية الربانية التي احتوتها الصحيفة.
الإمامة الربانية إمامة أهل البيت عليهم السلام هي النبأ العظيم الذي اختلف فيه المختلفون وتنازع فيه المتنازعون وهي التي واجهت بني أمية بإمامة الحسين بن علي عليه السلام يوم كربلاء وورثها الإمام السجاد عليه السلام فقام بحقها ودعا الناس إليها ووقف وسط الظلمات مذكرا بها!!.
كيف يقال إذا أنه عليه السلام قرر الابتعاد عما يسمونه سياسة منشغلا بالعبادة والزهد، بينما هو لم يتوان لحظة واحدة عن تذكير الأمة بها وبمقام أئمة أهل البيت حتى وإن كان هذا التذكير ضمن خطاب موجه لله عز وجل اسمه (الدعاء).
دعاؤه يوم الفطر:
فها أنا ذا عبدك مستجير بكرم وجهك، وعز جلالك، ومتوجه إليك، ومتوسل إليك، ومقرب إليك بنبيك صلى الله عليه وآله أحب خلقك إليك، وأكرمهم لديك، وأولاهم بك وأطوعهم لك، وأعظمهم منك منزلة، وعندك مكانا، وبعترته صلى الله عليهم الهداة المهديين الذين افترضت طاعتهم وأمرت بمودتهموجعلتهم ولاة الامر بعد نبيك صلى الله عليه وآله، يا مذل كل جبار، ويا معز كل ذليل، قد بلغ مجهودي فهب لي نفسي الساعة الساعة برحمتك. اللهم لا قوة لي على سخطك، ولا صبر لي على عذابك، ولا غنى لي عن رحمتك، تجد من تعذب غيري، ولا أجد من يرحمني غيرك، ولا قوة لي على البلاء، ولا طاقة لي على الجهد. أسألك بحق نبيك محمد صلى الله عليه وآلهوأتوسل إليك بالائمة عليهم السلام الذين اخترتهم لسرك، وأطلعتهم على خفيك، واخترتهم بعلمك، وطهرتهم وأخلصتهم واصطفيتهم وأصفيتهم وجعلتهم هداة مهديين، وائتمنتهم على وحيك، وعصمتهم عن معاصيك ورضيتهم لخلقك، وخصصتهم بعلمك، واجتبيتهم وحبوتهم وجعلتهم حججا على خلقك، وأمرت بطاعتهم على من برأت وأتوسل إليك في موقفي اليوم أن تجعلني من خيار وفدك. اللهم صل على محمد وآل محمد وارحم صراخي واعترافي بذنبي وتضرعي، وارحم طرحي رحلي بفنائك، وارحم مسيري إليك يا أكرم من سئل، يا عظيما يرجى لكل عظيم اغفر لي ذنبي العظيم فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا العظيم.
دعاؤه يوم الأضحى ويوم الجمعة
اللهم فصل على محمد وآل محمد، ولا تخيب اليوم ذلك من رجائي، ويا من لا يحفيهسائل ولا ينقصه نائل، فإني لم آتك ثقة مني بعمل صالح قدمته، ولا شفاعة مخلوق رجوته، إلا شفاعة محمد وأهل بيته عليه وعليهم سلامك، أتيتك مقرا بالجرم والاساءة إلى نفسي، أتيتك أرجو عظيم عفوك الذي عفوت به عن الخاطئين، ثم لم يمنعك طول عكوفهم على عظيم الجرم أن عدت عليهم بالرحمة والمغفرة. فيامن رحمته واسعة وعفوه عظيم، يا عظيم يا عظيم، يا كريم يا كريم، صل على محمد وآل محمد، وعد علي برحمتك وتعطف علي بفضلك، وتوسع علي بمغفرتك. اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها وأنت المقدر لذلك، لا يغالب أمرك، ولا يجاوز المحتوم من تدبيرك، كيفشئت وأنى شئت ولما أنت أعلم به غير متهم على خلقك، ولا لارادتك، حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا، وكتابك منبوذا وفرائضك محرفة عن جهات إشراعك وسنن نبيك متروكة. اللهم العن أعداءهم من الاولين والآخرين، ومن رضي بفعالهم وأشياعهم وأتباعهم. اللهم صل على محمد وآل محمد إنك حميد مجيد، كصلواتك وبركاتك وتحياتك على أصفيائك إبراهيم وآل إبراهيم، وعجل الفرج والروحوالنصرة والتمكين والتأييد لهم. اللهم واجعلني من أهل التوحيد والايمان بك، والتصديق برسولك والائمة الذين حتمت طاعتهم ممن يجري ذلك به وعلى يديه آمين يا رب العالمين.
لسنا بحاجة لحصر ما ورد في أدعية الإمام السجاد عليه السلام من ذكر وتأكيد لحقيقة الإمامة فالأمر يتجاوز مجرد الدعاء وطلب الحاجات من الله فالإمام يبين ويؤكد دورهم وضرورة الالتزام بنهجهم ويلعن من ناوأهم وسعى لإقصائهم وإطفاء نور الله عز وجل.
لم تكن أدعية الإمام السجاد إذا هروبا من الدنيا أو من مواجهة الطواغيت بل إعلانا للتحدي استدعى من هؤلاء الأبالسة العمل الدؤوب لمصادرة هذا السفر الإلهي ومحوه من الوجود.


الصحيفة السجادية: مفاتيح البر والحكمة
التصور الإسلامي الصحيح في بعده العملي هو البر باعتبار أن فعل الخير واجتناب الإثم هو الطريقة المثلى وهو خلق الإسلام الكامل الذي يتعين على كل مسلم أن يتخلق به.
يقول تعالى في محكم كتابه: (لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ) البقرة 177.
ويقول سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) البقرة 189.
التصور الإسلامي الصحيح يشمل رؤية المسلم للكون والمجتمع والعلاقة بين الأفراد وتطور الجماعة المؤمنة والمعايير الصحيحة للصواب والخطأ في إطار منظومة العدالة الإلهية التي تقود الإنسان وتوجه مسيرته فعلا للخير ونبذا للشر وتقربا إلى الله عز وجل بكل ما يرضيه وتجنب ما يغضبه على العباد ويستدعي حلول نقمته.
معنى البر:
يقول الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: البَر خلاف البحر وتصور منه التوسع فاشتق منه البِر، أي: التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو: {إنه هو البر الرحيم} [الطور/28]، وإلى العبد تارة، فيقال: بر العبد ربه، أي: توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. والبر ضربان:
ضرب في الاعتقاد.
وضرب في الأعمال، وقد اشتمل عليه قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} [البقرة/177] وعلى هذا ما روي (أنه سئل عليه الصلاة والسلام عن البر، فتلا هذه الآية) حتى فرغ منها ثم سأله أيضا فتلاها، ثم سأله فتلاها، وقال: (وإذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك).
فإن الآية متضمنة للاعتقاد والأعمال الفرائض والنوافل وبر الوالدين التوسع في الإحسان إليهما وضده العقوق قال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} [الممتحنة/8]، ويستعمل البر في الصدق لكونه بعض الخير المتوسع فيه، يقال: بر في قوله، وبر في يمينه، وقول الشاعر:
أكون مكان البر منه ودونه ** وأجعل مالي دونه وأوامره
ويقال: بر أباه فهو بار وبر مثل: صائف وصيف، وطائف وطيف وعلى ذلك قوله تعالى: {وبرا بوالدتي} [مريم/32]. وبر في يمينه فهو بار، وأبررته، وبرت يميني، وحج مبرور أي: مقبول، وجمع البار: أبرار وبررة، قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} [الانفطار/13]، وقال: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} [المطففين/18]، وقال في صفة الملائكة: {كرام بررة} [عبس/16].
فبررة خص بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من أبرار فإنه جمع بر، وأبرار جمع بار، وبر أبلغ من بار، كما أن عدلا أبلغ من عادل. انتهى.
تحدثت الآية عن البِر بمعناه الجامع الشامل بدءا بالاعتقاد وانتهاء بالأفعال.
فبر الاعتقاد هو الإيمان بالله سبحانه إيمانا صحيحا والتسليم بوحدانيته وأحديته وأنه سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى 11.
يلي ذلك ويكمله الإيمان باليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.
الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بحكمة الله تبارك وتعالى الماثلة في خلق الإنسان وإرسال الرسل والأنبياء إليهم يحملون الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد 25.
الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بالعدل الإلهي كحتمية يتعين أن ينتهي إليها المصير الإنساني مهما تصور الطغاة والمتجبرون أن بوسعهم الإفلات بما ارتكبوا من جرم من العدالة!!.
ثم تتدرج الآية الكريمة في بيان معنى البر وشموله للإنفاق في سبيل الله والعبادة على وجهها الصحيح وحفظ العهود والمواثيق التي ألزم المؤمنون أنفسهم بها أو ألزمهم الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين بحفظها بل وجعل من الوفاء بها صفة من صفات الإيمان والبر ثم التزام الصبر والثبات سواء كان في مواجهة المحن والبلاء أو في مواجهة الظالمين المعتدين (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) الرعد 25.
أما آية البر الثانية فترسم للمسلمين آداب الطريق وتحضهم على أن يأتوا البيوت من أبوابها والبيوت هنا بيوت العلم والحكمة وكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (نَحْنُ الشِّعَارُ وَالأصْحَابُ، وَالْخَزَنَةُ وَالأبْوَابُ، وَلاَ تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلاَّ مِنْ أَبْوَابِهَا، فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً).
الحكمة
وإذا كان البر هو العنوان الجامع للعمل الصالح في الإسلام فالحكمة هي الدليل الذي يستدل به المسلم ويميز به بين البر والخير من ناحية والإثم والشر من ناحية أخرى.
الحكمة هي إصابة الحق بالعلم والعقل وهي قرين الوحي الإلهي الذي يمكن لكل متبع للرسالة أن يطلع عليه ويتلوه حتى ولو لم يحكمه.
الحكمة هي منة من الله يهبها للأصفياء من عباده (يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) البقرة 269.
الحكمة كما يقول الراغب الأصفهاني: إصابة الحق بالعلم والعقل. حكمة الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام, أماالحكمة الإنسانية فهي معرفة الموجودات وفعل الخيرات.
وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله عز وجل: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} [لقمان/12]، ونبه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل أن الله تعالى حكيم، فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: {أليس الله بأحكم الحاكمين} [التين/8]، وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة، نحو: {آلر تلك آيات الكتاب الحكيم} [يونس/1]، وعلى ذلك قال: {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر *** حكمة بالغة} [القمر/4 - 5]، وقيل: معنى الحكيم المحكم نحو: {أحكمت آياته} [هود/1]، وكلاهما صحيح، فإنه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان جميعا، والحكم أعم من الحكمة، فكل حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة، فإن الحكم أن يقضي بشيء على شيء، فيقول: هو كذا أو ليس بكذا، قال صلى الله عليه وسلم: (إن من الشعر لحكمة) أي: قضية صادقة وقال صلى الله عليه وسلم: (الصمت حكم وقليل فاعله)، وقيل: فهم حقائق القرآن، وذلك إشارة إلى أبعاضها التي تختص بأولي العزم من الرسل، ويكون سائر الأنبياء تبعا لهم في ذلك وقوله عز وجل (يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) [المائدة/44]، فمن الحكمة المختصة بالأنبياء أو من الحكم قوله عز وجل: {آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران/7]، فالمحكم: ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى.
يمكننا القول أن هذا السفر الجليل قد أودعت به الكثير من كنوز الحكمة التي ورثها أئمة أهل البيت كابرا عن كابر وهي مفاتيح البر وفعل الخير ومصابيح الهداية بعد أن من الله على البشرية ببعثة محمد صلى الله عليه وآله (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)  فكان أن اخْتَارَ محمدا(مِنْ شَجَرَةِ الأنْبِيَاءِ، وَمِشْكَاةِ الضِّيَاءِ، وَذُؤَابَةِ الْعَلْيَاءِ، وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ، وَمَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ، وَيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ) .
الحكمة هي فهم محكم وبناء معرفي من خلال منطق محكم متناسق تتراص أجزاؤه ولا تتنافر فيما بينها إذ أن تنافرها يؤدي حتما لانعدام تماسكها وعدم قدرتها على النهوض ولو افترضنا جدلا أن هذا البناء الفوضوي قد أفلح في النهوض مؤقتا فلا بد أن ينهار عاجلا أو آجلا مهما حاول المستفيدون من هذا البناء المسخ إبقاءه قيد الحياة والحيلولة دون تفسخه الحتمي.
عقل بلا علم رباني هو فلسفة إنسانية محضة ولا يمكن أن تكون دينا، وعلم ديني لا يستند إلى العقل هو عبادة للرجال واتباع لهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
تبدأ عملية تناسق البناء من وضع الأساس المحكم والراسخ وهذا هو معنى قوله تعالى في سورة التوبة (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ* لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) 109-110.
ولأن الخالق والمشرع الأعلى واحد أحد لا شريك له ولا ند له ولا ضد له إذ (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)  (إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)  ولولا هذه الوحدانية لفسد الكون وما كان للقول بحكمة الخلق معنى ولا مجال!!.
ولأن النبي شخص واحد هو الإمام المبين وهو حجة الله على خلقه ولأن الحجة على الخلائق لا بد أن يكون واحد دهره وفريد عصره فكان أن اصطفى الله تبارك وتعالى أنبياءه وفضلهم على العالمين وآتاهم الحكمة وفصل الخطاب (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً) النساء 54.
ولأن المهمة الموكلة للأنبياء هي البلاغ (وما على الرسول إلا البلاغ المبين)  يتلو ذلك مهمة بناء التصورات وبناء المجتمع المسلم بناء محكما قائما على فهم محكم وتطبيق أخلاقي محكم.
كان لا بد بنص القرآن الكريم أن يتلو محمدا صلى الله عليه وآله إمامٌمنه, شاهدا على أمته من طينته ومن عترته أهل بيته (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ)....(إِمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) .
ولأن كل حكمة حكم وليس كل حكم حكمة لذا كانت كارثة المسلمين العظمى حينما فصلوا بين الحكم والحكمة واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير ولذا كانت الكثير من تطبيقاتهم الواقعية والشرعية أبعد ما تكون عن الحكمة الإلهية القرآنية والحكمة النبوية التطبيقية!!.
تمثلت كارثة المسلمين في إعراضهم عن طاعة الإمام المنصوب من الله عز وجل والمكلف باستكمال البناء الذي أرسى دعائمه الأنبياء والمرسلون وخاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتمييز بين المفاهيم الأصيلة وتلك الدخيلة والمزيفة والأهم من هذا تحويل هذه المفاهيم من تصورات نظرية هائمة في الفضاء إلى تطبيقات عملية راسخة في أرض الواقع من خلال اعتماد الحكمة الإلهية التي اختص الله بها أولياءه من آل إبراهيم وآل محمد (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة).
أهل البيت معدن الحكمة
ما زال القوم يكابرون ويصرون على نفي الحاجة لولاية أهل البيت معتمدين في مكابرتهم على جماعة الحكماء المزيفين الذين جاء بهم الحظ والقرعة وقامت أجهزة الدعاية والإعلام بإسباغ صفات القداسة الربانية عليهم من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
ولأن القوم يزعمون أنهم (أهل سنة) فهم يضربون بالنص القرآني عرض الحائط ولا يستندون إليه إلا من أجل تمرير ما يحتاجون إلى تمريره ومن ثم فهم يتجاهلون النص القرآني الذي يحذر من التزكية المذمومة للنفس أو يقرءونه بصيغة أنا رغم أنه جاء بصيغة نحن.
يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) .
(فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) .
لا يكف القوم عن تزكية أنفسهم ولا يكتفون برفع حكمائهم المزيفين إلى مرتبة لا يستحقونها بل يصرون على نفي التزكية الإلهية لأهل البيت الذين زكاهم الله في كتابه فكان أن أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
رؤية السجاد للمجتمع المسلم
كان الإمام علي بن الحسين عليه السلام يندب ويبكي ويتفجع على ما آلت إليه أحوال المسلمين إذا تلا هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" ويقول:
اللهم ارفعني في أعلى درجات هذه الندبة وأعني بعزم الإرادة، وهبني حسن المستعقب من نفسي، وخذني منها حتى تتجرد خواطر الدنيا عن قلبي من برد خشيتي منك وارزقني قلبا ولسانا يتجاريان في ذم الدنيا، وحسن التجافي منها حتى لا أقول إلا صدقت وأرني مصاديق إجابتك بحسن توفيقك حتى أكون في كل حال حيث أردت......
وقد أغرق في ذم الدنيا الأدلاء على طرق النجاة من كل عالم، فبكت العيون شجن القلوب فيها دما، ثم درست تلك المعالم، فتنكرت الآثار، وجعلت في برهة من محن الدنيا، وتفرق ورثة الحكمة وبقيت فردا كقرن الأعضب وحيدا، أقول فلا أجد سميعا، وأتوجع فلا أجد مشتكى. وكيف تجلدي وفي القلب مني لوعة لا أطيقها وحتى متى أتذكر حلاوة مذاق الدنيا، وعذوبة مشارب أيامها، وأقتفى آثار المريدين، وأتنسم أرواح الماضين مع سبقهم إلى الغل والفساد، وتخلفي عنهم في فضالة طرق الدنيا منقطعا من الأخلاء؟! فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى وخانني الصبر حتى كأني أول ممتحن أتذكر معارف الدنيا وفراق الأحبة. فلو رجعت تلك الليالي كعهدهارأت أهلها في صورة لا تروقها فمن أخص بمعاتبتي؟ ومن أرشد بندبتي؟ ومن أبكي، ومن أدع؟ أشجو بهلكة الأموات، أم بسوء خلف الأحياء؟! وكل يبعث حزني ويستأثر بعبراتي، ومن يسعدني فأبكي وقد سلبت القلوب لبها، ورقا الدمع؟! وحق للداء أن يذوب على طول مجانبة الأطباء وكيف بهم وقد خالفوا الأمرين وسبقهم زمان الهادين ووكلوا إلى أنفسهم يتنسكون في الضلالات في دياجير الظلمات؟! حيارى وليل القوم داج,نجومه طوامس لا تجري, بطئ خفوقها وقد انتحلت طوائف من هذه الأمة بعد مفارقتها أئمة الدين، والشجرة النبوية إخلاص الديانة، وأخذوا أنفسهم في مخائل الرهبانية، وتغالوا في العلوم ووصفوا الإسلام بأحسن صفاتهم وتحلوا بأحسن السنة، حتى إذا طال عليهم الأمد، وبعدت عليهم الشقة وامتحنوا بمحن الصادقين، رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى وعلم النجاة، يتفسحون تحتأعباء الديانة تفسح حاشية الإبل تحت أوراق البزل. ولا يحرز السبق الرزاح وإن جرت ولا يبلغ الغايات إلا سبوقها وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجوا بمتشابه القرآن. فتأولوه بآرائهم، واتهموا مأثور الخبر مما استحسنوا، يقتحمون في أغمار الشبهات، ودياجير الظلمات، بغير قبس نور من الكتاب، ولا أثرة علم من مظان العلم بتخدير مثبطين زعموا أنهم على الرشد من غيهم. وإلى من يفزع خلف هذه الأمة، وقد درست أعلام الملة، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف؟! يكفر بعضهم بعضا والله تعالى يقول "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات". .......
فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكمة إلا أهل الكتاب، وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة؟! هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وبرأهم من الآفات، وافترض مودتهم في الكتاب! هم العروة الوثقى وهم معدن التقى وخير حبال العالمين وثيقهافصل على محمد وآل محمد، وحقق رجائي لك، وكذب خوفي منك وكن لي عند أحسن ظني بك يا أكرم الأكرمين، وأيدني بالعصمة، وأنطق لساني بالحكمة، واجعلني ممن يندم على ما ضيعه في أمسه. اللهم إن الغني من استغنى عن خلقك بك، فصل على محمد وآل محمد وأغنني يا رب عن خلقك، واجعلني ممن لا يبسط كفه إلا إليك .
تظهر هذه الفقرة التي اقتبسناها من دعائه عليه السلام رؤية أئمة أهل البيت عليهم السلام لطبيعة وتطور المجتمع المسلم في مرحلة ما بعد النبوة وهو ما يناقض تلك النغمة السائدة عن القداسة والعصمة المطلقة لهذه الأجيال وروعة القرون الثلاثة الأولى التي لا يدانيها روعة من وجهة نظر المدرسة الرسمية المتحكمة في عقل الأمة الإسلامية.
الثناء على الصحابة والتابعين
ولأن كلامه عليه السلام يخرج من معدن الحكمة ومن مشكاة النبوة وهو ميزان الاعتدال الذي لا يحيف ولا يبخس الناس أشياءهم ولا يحرمهم من حقوقهم وحتى لا يتوهم الموالون أو المعادون أن أئمة أهل البيت وشيعتهم هم ممن يخرجهم ما لحق بهم من ظلم من الحق ويبعدهم عن الإنصاف نراه عليه السلام يدعو ويصلي على أصحاب النبي وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين فيقول:
اللهم وأتباع الرسل ومصدقوهم من أهل الأرض بالغيب عند معارضة المعاندين لهم بالتكذيب، والاشتياق إلى المرسلين بحقائق الإيمان، في كل دهر وزمان، أرسلت فيه رسولا وأقمت لأهله دليلا، من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله من أئمة الهدى، وقادة أهل التقى على جميعهم السلام، فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان.
اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحابة, والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواجوالأولاد في إظهار كلمته وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذا تعلقوا بعروته وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم. اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين "يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم، ومضوا على شاكلتهم لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم، والائتمام بهداية منارهم، مكانفين وموازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم. اللهم وصل على التابعين من يومنا هذا إلى يوم الدين، وعلى أزواجهم، وعلى ذرياتهم، وعلى من أطاعك منهم، صلاة تعصمهم بها من معصيتك، وتفسح لهم في رياض جنتك، وتمنعهم بها من كيد الشيطان، وتعينهم بها على ما استعانوك عليه من بر، وتقيهم طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير، وتبعثهم بها على اعتقاد حسن الرجاء لك، والطمع فيما عندك، وترك التهمة فيما تحويه أيدي العباد، لتردهم إلى الرغبة إليك والرهبة منك، وتزهدهم في سعة العاجل وتحبب إليهم العمل للآجل، والاستعداد لما بعد الموت وتهون عليهم كل كرب يحل بهم يوم خروج الأنفس من أبدانها وتعافيهم مما تقع به الفتنة من محذوراتها، وكبة النار وطول الخلود فيها، وتصيرهم إلى أمن من مقيل المتقين .
المجتمع المسلم هو بناء تراكمي بشري مادته وأحجاره المؤمنون الصادقون ومادته اللاصقة هي الإيمان والحب والرحمة والتكافل بين عباد الله الصالحين الذين (يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلاَيَةِ وَيَتَلاَقَوْنَ بالْـمَحَبَّةِ وَيَتَسَاقَوْنَ بِكَأْس رَوِيَّة وَيَصْدُرُونَ بِرِيَّة لاَ تَشُوبُهُمُ الرِّيبَةُ وَلاَ تُسْرِعُ فِيهِمْ الْغِيبَةُ عَلَى ذلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلاَقَهُمْ فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ).
حتى أولئك الذين يستخدمون الأحجار في بنائهم يحرصون على فرزها وتمييز الحجارة الصالحة من الفاسدة فضلا عن عنايتهم باستخدام مادة لاصقة متينة وقوية غير مزيفة.
هنا تأتي أهمية الفرز والتمييز وكشف أوجه الخلل والانحراف سواء كان خللا في مواد البناء أو فسادا في التصميم والتصورات والتخلص منها قل أن تخرب البنيان كله وتجعله دكا أو قاعا صفصفا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا. 
لذا تبدو أهمية ممارسة المسلمين للنقد الذاتي وتصحيح الأخطاء ونبذ الممارسات الفاسدة التي أضرت بالبناء الاجتماعي والأخلاقي والسياسي للأمة وأحلتنا دار البوار دون أن يتجاوز هذا النقد ليصبح سبا وشتما أو هدما عشوائيا لعناصر الخير وإلحاقها بعناصر الشر والفساد.
السب والشتم العشوائي كارثة تورث المجتمع العداوة والبغضاء وهو جرم لا يقل سوءا عن جريمة التواطؤ والصمت على الجرائم والأخطاء وجعل المفسدين والمصلحين والخيرين والأشرار سواء  محياهم ومماتهم, ساء ما يحكمون (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) ص28.
ضد الفقر والظلم
الدعامة الثانية من دعائم تماسك المجتمع المسلم هي التراحم والتكافل ورعاية حقوق الفقراء والمحرومين, أولئك الذين قعدت بهم قدراتهم عن تحصيل ما يكفيهم من الرزق وقد أكد القرآن الكريم على هذا المبدأ كركيزة وأساس من أساسيات البر والخير (وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) رغم أن الجهاد والتضحية في سبيل الله يمكن أن يكون أكبر أجرا وأعظم فضلا.
لذا نرى إمامنا السجاد يؤكد على ذم الفقر وضرورة تحقيق الكفاية لأبناء الأمة المسلمة فيقول سلام الله عليه: (اللهم لا طاقة لي بالجهد، ولا صبر لي على البلاء ولا قوة لي على الفقر فلا تحظر علي رزقي ولا تكلني إلى خلقك بل تفرد بحاجتي وتول كفايتي، وانظر إلي، وانظر لي في جميع أموري، فإنك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها ولم أقم ما فيه مصلحتها، وإن وكلتني إلى خلقك تجهموني وإن ألجأتني إلى قرابتي حرموني وإن أعطوا,أعطوا قليلا نكدا ومنوا علي طويلا وذموا كثيرا فبفضلك اللهم فأغنني وبعظمتك فأنعشني وبسعتك فابسط يدي و بما عندك فاكفني) .
ثم يؤكد هذا المعنى مرة أخرى فيقول:
(يا ولي المؤمنين: اللهم إنه لا علم لي بموضع رزقي وإنما أطلبه بخطرات تخطر على قلبي فأجول في طلبه في البلدان وأنا مما أحاول وأطالب كالحيران لا أدري في سهل أو في جبل أو في أرض أو في سماء أو في بحر أو في بر وعلى يدي من هو ومن قبل من وقد علمت أن علم ذلك كله عندك وأن أسبابه بيدك وأنت الذي تقسمه بلطفك وتسببه برحمتك فاجعل رزقك لي واسعا ومطلبه سهلا ومأخذه قريبا ولا تعنني بطلب ما لم تقدر لي فيه رزقا، فإنك غني عن عذابي وأنا إلى رحمتك فقير، فجد علي بفضلك يا مولاي إنك ذو فضل عظيم).
كانت هذه لمحات من التصور الإسلامي في مدرسة الصحيفة السجادية, تلك المدرسة التي يتعلم فيها المسلم الكتاب والحكمة واستخدام العقل استخداما صحيحا فضلا عما امتلأت به من دروس الأخلاق والنظرة الشاملة للكون والمجتمع والبشر.
خلاصة البحث
ليس صحيحا ما يوحي به البعض من أن الإمام السجاد كان معتزلا منعزلا لا يجد أمامه دورا سوى التفرغ للعبادة وترك الدنيا لأهل الدنيا.
الصحيح أنه قام بدور الإمام المعلم الذي صدع بالحق وعلم الناس الحق عبر الدعاء وعبر القيام بدوره في دفع الأمة نحو تطهير النفس والسمو بها إلى حيث أراد الله عز وجل إلى أعلى عليين.

دكتور أحمد راسم النفيس
‏09‏/03‏/2017
‏الخميس‏، 11‏ جمادى الثانية‏، 1438هـ.


80,256 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (0)



الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2018 - النفيس