ننشر دراسة "المهدوية وحراكنا الثقافي" للدكتور أحمد راسم النفيس

تم النشر فى دراسات مع 0 تعليق منذ 4 اسابيع

/

في العام 1976 وضع الباحث البريطاني (ريتشارد دوكينز) نظرية ومصطلح "الميمي" أي (وحدة المعلومات الثقافية) حيث يرى دوكينز أن نظرية تشارلز دارون في تطور الأنواع والاصطفاء الطبيعي ليست قاصرة على الأحياء البيولوجية بل ان الأفكار والمعتقدات تخضع في تطورها لعملية تطور وارتقاء باعتماد فكرة التنوع والاصطفاء والانتخاب الطبيعي والتنافس وتطوير الأنواع .. وبحسب دوكينز فان الأفكار والمعتقدات والفنون وطرق اللباس وانشاء الأبنية والتصميم العمراني كلها مثل الكائنات الحية يمكن أن تنقرض أو تنمو وتتطور وتنجو وتحيا .. أي قد تتعرض لطفرات اما نحو الأسوأ او نحو الأفضل .. وفيما تكون الطفرات في عالم الأحياء في المورثات (الجينات) نتيجة تعرض لحدث بيولوجي أو كيميائي كبير، فان الطفرات على الأفكار والعقائد تنتج عند التعرض لأحداث اجتماعية وسياسية كبيرة. فإما أن تنجو الأفكار وتنهض وتقفز نحو مرحلة جديدة ولون جديد وفروع فكرية جديدة أو تعاني النكوص والتراجع والاندحار مخلية السبيل لأفكار أخرى مغايرة ..انه قانون الانتخاب الطبيعي واصطفاء الأفكار الميمي.
في كل خلية بيولوجية حية هناك برنامج وراثي يشرف على الانتحار الذاتي للخلية عند مرحلة عمرية معينة.. يشبه هذا البرنامج الديناميت أوالقنبلة الموقوتة البيولوجية فتنطلق بسببه عملية الشيخوخة البشرية أو تصفرّ أوراق الشجر في الخريف وتسقط وكذا الثقافات التي تخضع لنفس مصير البيولوجيا الخلوية أي أن في كل فكرة اجتماعية أو دين أو عقيدة أو ايديولوجيا، هناك قنبلة موقوتة ولغم تتسبب ملامسته بانفجار الفكرة والعقيدة مالم يتمكن العقلاء والمفكرون من ابطال مفعول القنبلة الايديولوجية فتزدهر الحياة في العقيدة أو الدين أو الفكرة ..وهكذا تتوالى الثقافات وتتنوع وتتهجن .. أو تنقرض.

من وجهة نظرنا فالفارق الجوهري بين التطور أو الإضمحلال البيولوجي وتطور الثقافات واصطفاء الأفكار أن الأول تلعب فيه الإرادة الإنسانية دورا محدودا أما في عالم الأفكار فالدور الذي تلعبه الإرادة الإنسانية في تنامي فكر معين أو انهياره وتداعيه جوهري وحيوي.
أيضا وخلافا لنظرية التطور والاصطفاء الطبيعي فنحن نعتقد بوجود القدرة الإلهية الخلاقة التي تلعب دورا رئيسا في توجيه مسارات التطور الفكري وتدفع بعض القوى نحو الانتحار والتفكك إما بسبب وجود عوامل التدمير الذاتي داخلها والتي تدفع هذه القوى دفعا في مسار انتحاري تصادمي يبدد شملها ويفتتها سواء سعت نحو هذا المسار بإرادتها أو جرى استدراجها بقوى خارجة عن إرادتها.
القدرة الإلهية يعبر عنها الآية الكريمة (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) الأنبياء 18، وقوله تعالى (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)، سبأ 48-49.
أما عن الحتمية التي تقود البعض في مسار نهايته التدمير الذاتي فيكشف عنها وصف الإمام علي بن أبي طالب للخوارج (كَلاَّ وَالله، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِينَ).
إنه قانون الدفع الإلهي (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
المهدوية والصراع الثقافي
في المقابل فإن الحركة المهدوية هي حركة سير تكاملي تقود البشرية بأسرها نحو الرقي والتقدم المعرفي والأخلاقي متكئة على الدعم والترشيد الإلهي حيث تتفاعل عوامل الاصطفاء داخلها مع عوامل الارتقاء خارجها لأن ما كان مرفوضا ومستهجنا من قبل القوى الاجتماعية المتنوعة يصبح مقبولا ومفهوما مع تواصل الترقي العقلي بالاستفادة من التجارب المتنوعة التي عركت العقل البشري ومنحته قدرة على الفهم والتقبل لم تكن متاحة في مراحل سابقة من التاريخ.
الآن تدور في عالمنا معارك فكرية كبرى تارة ضمن ما يفترض أنه منظومة حضارية واحدة تارة بين المكونات الثقافية الكبرى وتارة أخرى داخل هذه المكونات ناهيك عن الصراع بين المنظومات الحضارية الرئيسية في العالم ومثال ذلك الصراع بين العالم الإسلامي والحضارة الغربية المهيمنة على قسم كبير من العالم.
الآن هناك جدل بين المنظومتين الكبيرتين في عالمنا الإسلامي (الشيعة والسنة)، إلا أن الصخب الدائر بين الفريقين لا ينفي أن ثمة جدل وصدام أخطر وأهم داخل المنظومة السنية يمكن أن يحدد مصير هذه الكتلة البشرية الضخمة خلال العقود أو القرون القادمة.
لا شك أن الضفة الشيعية من العالم الإسلامي أصبحت أفضل أداءا من ذي قبل إلا أن تطور الأداء الشيعي الثقافي يبقى بطيئا وضعيفا ولا يتواءم مع احتياجات المرحلة ولا يقابل الهجمة الشرسة المضادة التي تصر على محو التشيع من الوجود ومن باب أولى ترى في انتظار الإمام المهدي نوعا من الخرافة.
الأداء الشيعي الثقافي يبقى خجولا ومتواضعا وفي بعض الأحيان يسعى البعض لتعويقه من الداخل ظنا منه أن الرهان على ما يسمى بالتقريب يفي بالغرض، في حين أثبتت التجارب أن المعاندين لا يضعون سقفا لطموحاتهم وأن التقريبيين هنا وهناك لا يحتلون مساحة كافية في الساحة وأن دورهم في التصدي للهجوم التكفيري كان دورا باهتا وهزيلا هذا لو سلمنا أن لهم دور.
يعرف القاصي والداني أن الهجمات التي شنت خلال الأعوام الماضية على ما يسمى بالتبشير الشيعي لم تكن مرتبطة ارتباطا حقيقيا بحراك شيعي من أي نوع بل بأجندات استخبارية تحركها أصابع وطنية أو إقليمية ودليل ذلك أن الحملات الكبرى قد توقفت وتراجعت برحيل الديكتاتور المخلوع ثم عادت أشد ضراوة كتمهيد لمحو سوريا بصورتها الحالية من الخارطة الدولية.
كيف يمكن لنا أن نزعم أننا نمهد للمهدي أمره وظهوره ودولته دون تعريف الرأي العام بالمهدوية ودون نشر الكتاب الذي يعرف الناس بمبدأ ولاية أهل البيت وبفضلهم اعتمادا على هؤلاء القاعدين التقريبيين غير أولي الضرر والذين رأيناهم في الناحية الأخرى عندما حمي الوطيس وعلا رهج الحملة المضادة التي قادها وباركها الشيخ القرضاوي بالتعاون والتنسيق مع الأجهزة الاستخبارية؟!.
في تلك الفترة لم نكن نتعرض للهجوم من قبل أجهزة المخلوع فقط بل كان هناك من يرى في نشاطنا الثقافي التعريفي كارثة على التشيع ينبغي إيقافها والحجر علينا وأن الرأي العام سيثور وينقلب علينا وللأسف فإن صاحب هذا الرأي كان من المتنفذين في ساحة العمل الثقافي الشيعي.

مشروع إعادة تدوير الخلافة العثمانية

في المقابل فالمنظومة السنية تتجاهل المهدوية وتحلم بالعودة مرة أخرى إلى (خلافة على منهاج النبوة) ولذا فهي تسعى جاهدة لتحقيق هذا الحلم من خلال ما يسمى بالحركات والجماعات الإسلامية ومن ضمنها جماعة الإخوان التي أعلنت عقب فوزها في الانتخابات النيابية الأخيرة أنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق هذا الحلم.
فقد نشرت جريدة المصري اليوم بتاريخ 30/12/2011 تصريحات على لسان مرشد الإخوان قال فيها: «إن الجماعة أصبحت قريبة من تحقيق غايتها العظمى التى حددها مؤسسها حسن البنا، بإقامة نظام حكم عادل رشيد بكل مؤسساته ومقوماته، يتضمن حكومة ثم خلافة راشدة وأستاذية العالم». وأضاف «بديع» فى رسالته الأسبوعية (حينما بدأت دعوة الإخوان تحاول إرشاد الأمة وإيقاظها من جديد، لتردها إلى مكانتها ورسالتها بعد طول تأخر وركود، حدد الإمام (البنا) فى رسالة المؤتمر السادس غايتين لجماعته: الأولى قريبة تظهر ثمرتها من أول يوم ينضم فيه الفرد إلى الجماعة، والثانية بعيدة لابد فيها من توظيف الأحداث وانتظار الزمن وحسن الإعداد وسبق التكوين، وتشمل الإصلاح الشامل الكامل لكل شؤون الحياة).
وتابع بديع: «لقد حدد الإمام (البنا) لتلك الغاية العظمى أهدافاً مرحلية ووسائل تفصيلية، تبدأ بإصلاح الفرد ثم بناء الأسرة ثم إقامة المجتمع ثم الحكومة فالخلافة الراشدة فأستاذية العالم. وربط بديع بين الغاية العظمى وثورات الربيع العربى، قائلاً: «فى هذا الربيع العربى كان إصرار الشعوب الثائرة على أهداف محددة واضحة، تجتمع عليها ولا تتنازل عنها، سبباً رئيسياً فى تحقيق هذه الأهداف برحيل الأنظمة الجائرة والتخلص من كل منظومة الفساد التى جثمت على بلادنا فأفسدتها وأخرتها ونهبت مواردها وأعاقت تقدمها، لكننا اليوم أصبحنا قريبين من تحقيق غاية عظمى بإقامة نظام حكم عادل رشيد بكل مؤسساته واتهم مرشد الجماعة «المناوئين والمعاندين» بمحاولة تعطيلهم وشغلهم بمعارك جانبية، بدعاوى براقة لتمزيق صفوف الأمة وذلك لتعطيل المسيرة وإجهاض الثورة وشغل الجماعة عن غاياتها العظمى وأهدافها المحددة . انتهى.
من البديهي أن وهم إعادة الخلافة الأموية أو العباسية وربما التركية الأردوجانية يستند إلى فكر وثقافة ولكنها بكل تأكيد ثقافة تقوم على اجترار واجتزاء نصوص تراثية لم يجر التحقق من صحتها ولا أسانيدها ومن باب أولى مدى مطابقتها للواقع والسياق التاريخي لأسطورة الخلافة التي ماتت وشبعت موتا منذ أكثر من ألف عام ربما بعد مائة عام من بدء الخلافة العباسية.
الركض وراء وهم إعادة الخلافة يتناقض من وجهة نظر هؤلاء مع المساعي الرامية للتقريب المذهبي بل ويتناقض مع مسعى توحيد الأمة الإسلامية من أجل تحقيق أهداف واحدة حتى ولو كان هذا الهدف هو مواجهة العدو الصهيوني الغاصب للقدس.
وبينما يصر فريق الممانعة والمقاومة الذي شاءت الأقدار أن تكون قيادته ذات توجه موال لخط أهل البيت لكنها لم تغلق الباب أمام الآخرين للانضمام بل سعت لذلك وقدمت الدعم اللا مشروط  لكافة قوى المقاومة دون شروط مذهبية يرى فريق الخلافة أن الفرصة سانحة لترتيب البيت بل وعلاقاته الدولية بصورة تتواءم مع هذا المشروع ثم البحث بعد ذلك عن حل لقضية فلسطين وسائر القضايا الكبرى للأمة حتى ولو كان هذا الحل على موائد الميسر الدولية.
من وجهة نظرنا فهذا هو التفسير الوحيد لانكفاء حركة حماس من دمشق وهو التفسير الوحيد للموقف البارد الذي تتخذه قيادة الإخوان من الجمهورية الإسلامية ومن حزب الله.

نظرية الصلح الآمن مع الغرب وإسرائيل

لا عجب إذا أن يتبنى بعض (الإسلاميون) أو كلهم نظرية (الصلح الآمن مع الروم) في مواجهة (عدو واحد مشترك) هو الشيعة باعتبار أن هذا هو السبيل الوحيد لاستعادة الخلافة الراشدة.
يقول واضع النظرية (ابن عبد الله وهو اسم مستعار بالطبع ولعله ابن سبأ المعاصر!!) المنشورة على منتدى جماعة الإخوان في مصر:
في المرتكز الثاني لنظرية حلول عصر الصلح الآمن الإسلامي الغربي الذي يبحث في الثورات العربية والذي نشرناه قبل أشهر حددنا قناعات أربعة ترسخت بعد انتصار الثورة في تونس ومصر خصوصا تلك المتعلقة بأهمية التيارات الإسلامية في إنجاح الثورات وقدرتها على إدارة الثورة واتساع قاعدتها الشعبية وأنها ليست بالبعبع الذي كان يخوف به الحكام الجبريون أجزاء من شعوبهم ويخوف بهم الغرب من نجاح الثورات التي ستؤدي الى سيطرة الإسلاميين. ولذا أفردنا مرتكزا كان تسلسله الثامن بين مرتكزات النظرية ثبتنا فيه وأقررنا أن الشعوب الثائرة سائرة بإتجاه أن يكون للإسلام المعتدل الدور الكبير في قيادتها وذكرنا أسماء بعينها تطابقت الوقائع مع ما تحقق فكانت جزء من الأسماء القائدة فقد ذكرنا راشد الغنوشي وذكرنا توكل كرمان وذكرنا عصام العريان وهاهي الشعوب تختارهم وهاهو الغرب يقبلهم بل يكرمهم في بعض الأحيان ويحتفي بهم فلله الحمد من قبل ومن بعد. يبقى على هذه الحركات الحاكمة الآن أن تكون عند مستوى مسئولياتها وتعطي مثالا حسنا لخيار القوي الأمين .خلال نشر النظرية قبل أشهر كان الكثير يشكك في قدرة الإسلاميين للوصول للحكم من قبل منافسيهم. فضلا عن تشكيك البعض حتى من الإسلاميين أنفسهم أن الغرب لن يسمح بذلك أو أنه سيضع العراقيل لوصولهم للحكم لكن ما ذكرناه حينها كان مبشرا وكان يقينا نحمله يتماشى مع السياق العام للنظرية بزوال الحكم الجبري وعودة العدل للأرض ونهاية للتسلط الصفوي على بعض أراضي المسلمين وحاجة الغرب للمسلمين في هذه المرحلة . وقد تم هذا والحمد لله ونحن نرى وصول الإسلاميين في تونس بقيادة النهضة ووصول الإسلاميين في المغرب بقيادة العدالة والتنمية وكذلك وصول واكتساح الحرية والعدالة للحكم في انتخابات مصر  .
تستند النظرية الخرافة لما رواه (الشافعي السلمي) في كتاب (عقد الدرر في أخبار المهي المنتظر) ونصه:
وعن ذي مخبر، رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أخي النجاشي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "تصالحون الروم صلحاً آمناً، حتى تغزون أنتم وهم عدوا من ورائهم، فتنصرون وتغنمون وتنصرفون، حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيقول قائل من الروم: غلب الصليب، ويقول قاتل من المسلمين: بل الله غالب. فيتداولانها بينهم، فيثور المسلم إلى صليبهم فيقتلونه، ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله عز وجل تلك العصابة من المسلمين بالشهادة، فتقول الروم لصاحب الروم: كفيناك حد العرب، فيغدرون، ويجتمعون للملحمة، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً".
أخرجه الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه.
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وأخرجه الإمام أبو داود، في سننه.
وأخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي، في البعث والنشور.
ورواه الإمام أبو عبد الله نعيم بن حماد، في كتاب الفتن.

بين المهدوية والخلافة
المنهج الخطة الزمان المكان والقائد الرمز
لا يحتاج المرء لبذل جهد خارق لإدراك الفارق الجوهري بين مشروعين، المهدوي والخلفيتي الذي يتبلور الآن في مشروع الصلح الشامل مع الغرب (الروم) وأدواته في المنطقة ومن ضمنها من دون أدنى شك (إسرائيل).
ينطلق (الإسلاميون) في مشروعهم هذا من خطة براجماتية لا نرى لها ارتباطا بهذا الخط التنبؤي أو السياق المهدوي الذي وردت فيه الرواية إلا أن الدور الذي يقوم به أنصار نظرية الصلح الآمن مع أمريكا التي يظنونها (الروم) والذين يرون أن حاجة الغرب إليهم لمواجهة إيران والشيعة يعد حاسما في تحقيقهم للانتصار على أعدائهم المشتركين مع الغرب والصهاينة.
ورغم أن كلمة (الروم) لا تعني أمريكا أو الغرب بأي حال بل تعني (بلاد الأناضول) أو تركيا فإن الحاجة لتبرير وتقديم نظرية تسوق الأمة نحو حتفها باسم الدين أملت هذه القفزة على الحقيقة والواقع واللغة والسياق.
وبينما يشهد التاريخ أن مشروع الخلافة جرب بالفعل في أرض الواقع ليس لقرن واحد بل لمدة أربعة عشر قرن من الزمان وكانت أهم سماته التخبط والانتقال العشوائي من مرحلة لأخرى دون منار هدى ولا علم يرى باستثناء القوة القاهرة التي مكنت البعض من تنصيب خليفة يرمز إلى فكرة يراها القوم ثابتة وهي أن ولاية الأمر ليست ولا يمكن أن تكون لآل محمد.
ولأن ولاية الأمر لا يمكن أن تكون لآل محمد فلا مانع عندهم أن تكون لمن غلب وركب وسماه الناس أميرا للمؤمنين ولا مانع أيضا من التحالف مع الصهاينة والأمريكان من أجل مواجهة (الاحتلال الصفوي لبلاد المسلمين) وتحديدا بلاد الإخوان المسلمين!!.
أمويون عباسيون سلاجقة.....
لا يهم فالفتاوى جاهزة لتبرير وتمرير تداول سلطة تعتمد على شرعية دينية زائفة أما السلطة الزمنية فهي للسلاجقة تارة والعبيد المماليك تارة أخرى.
أخيرا وفي أوائل القرن الميلادي العشرين سقطت تلك الغلالة الشرعية الزائفة وبدلا من أن يثوب القوم إلى رشدهم إذا بهم يعاودون الكرة بحثا عن غلالة شرعية أكثر زيفا والمثير للسخرية أن عملية البحث تجري هذه المرة بالتعاون والتنسيق مع جون ماكين وجون كيري وجيمي كارتر وبإرشاد مباشر من جيفري فيلتمان رضي الله عنه وأرضاه!!.
كيف صدق هؤلاء الحمقى أن الغرب الذي حارب كل الإمبراطوريات المنافسة ليبقى متربعا وحده على عرش العالم يمكن له أن يساعدهم في إنجاز حلمهم الوهم ليوجد لنفسه منافسا مهيمنا على منابع النفط والطاقة وخطوط المواصلات الرئيسية في العالم والأهم من هذا أن هذا المنافس المحتمل يدعي لنفسه أستاذية الدنيا؟!.
الأهم من هذا أن هذا (الصلح الآمن) بين (الإسلام المعتدل) والغرب قد جرب منذ قرون ثم جرب وجرب ولم يخرج المعتدلون من هذا التحالف بغير الخيبة والخذلان المبين.
لم يقصر الغرب (الروم) في جر (طغاة العرب) لمقاتلة (عدو واحد) (مدغدغا عقولهم التي لا تختلف عن عقول الضفادع) كلما احتاج لمقاتلين مرتزقة يحاربون نيابة عنه سواء لمحاربة الروم (الترك العثمانيين) أو لمحاربة (الروس) والآن لمحاربة الشيعة وإيران وفي كل مرة لم يكن يحتاج لأكثر من الإشادة باعتدالهم وعقلهم وحكمة شيوخ القبائل ليسوق الآلاف لحتفهم أو لمعتقلاتهم!!.
إنها إذا (أحلام وعقول الضفادع) التي لا تحتاج لأكثر من بركة ضحلة من المياه تمارس القفز والنقيق فيها وتزعم أن العالم بأسره يشيد بصفائها وعذوبة مائها الرقراق خاصة عمهم جيمي كارتر الذي جاء بنفسه إلى مصر وتأكد من حب الشعب لهم!!.

على الناحية الأخرى نرى أن الخط المهدوي يستند إلى دعائم فكرية وتاريخية راسخة ليس فيها مجال للتخبط والتخمين أو الرهان على فرص انتهازية من ذلك النوع الذي أتاحه ما يسمى بالربيع العربي بعد أن قرر الأمريكان إعادة استخدام نفس القوى التي استخدمها من قبل في هدم الإمبراطورية العثمانية ثم أعاد توظيفها في هدم الإمبراطورية السوفييتية دون أن يمنحهم أي مكافأة على ما قدموه من خدمات بل أبقاهم دوما في حالة ترقب وانتظار لما يجود به عليهم الغرب المسيطر على شئون العالم (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا).
منذ البدء كان لشيعة أهل البيت موقفهم الثابت انتظارا للمهدي من آل محمد وما يرتبه هذا الموقف من رؤية للأحداث التي مر بها عالمنا الإسلامي وهو موقف لم يكن يحتاج لربيع عربي ولا خريف أمريكي بل هو موقف مشيد على دعائم راسخة واضحة منذ البدء.
يروي ابن أبي الحديد في شرح النهج قال أبو الفرج الأصفهاني: عن سفيان بن أبى ليلى، قال: أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية، فوجدته بفناء داره، وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين قال وعليك السلام ياسفيان ونزلت فعقلت راحلتي ثم أتيته فجلست إليه فقال: كيف قلت يا سفيان؟ قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين! فقال: لم جرى هذا منك إلينا؟ قلت: أنت والله بأبي وأمي أذللت رقابنا حيث أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الامر إلى اللعين ابن آكلة الاكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك، فقد جمع الله عليك أمر الناس. فقال: ياسفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "لا تذهب الليالي والايام حتى يجتمع أمر هذه الامة على رجل واسع السرم ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع لا ينظر الله إليه ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر ولا في الارض ناصر" وأنه لمعاوية وإني عرفت أن الله بالغ أمره. ثم أذن المؤذن، فقمنا على حالب نحلب ناقته، فتناول الاناء، فشرب قائما، ثم سقاني، وخرجنا نمشي إلى المسجد، فقال لي: ما جاء بك يا سفيان؟ قلت حبكم والذى بعث محمدا بالهدى ودين الحق! قال: فابشر يا سفيان، فانى سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتى كهاتين -يعنى السبابتين أو كهاتين يعنى السبابة والوسطى- إحداهما تفضل على الاخرى أبشر يا سفيان، فإن الدنيا تسع البر والفاجر، حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله.
قرون طويلة من الانتظار عاشها المؤمنون بولاية آل محمد وتعاقب فيها أجيال انتظارا لليوم الموعود وفي تلك الفترة تواصل التطور الفكري نحو الأمام وتواصلت عملية الاصطفاء على مستوى الفكر وعلى مستوى حملة الفكر فالبشرية حتما تتجه نحو النضوج وتتسع آفاقها العقلية ويتحسن أداؤها العقلي حتى ولو كان هذا التطور بطيئا ويحتاج إلى صبر ورسوخ الجبال.
الإيمان بولاية أهل بيت النبوة والالتزام بنهجهم ليس بالأمر اليسير (إِنَّ أَمْرَنا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لاَ يَحْتَمِلُهُ إِلاَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلاِيمَانِ، وَلاَ يَعِي حَدِيثَنَا إِلاَّ صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَأَحْلاَمٌ رَزِينَةٌ) فما بالك بالسعي الدءوب إقامة دولتهم دولة الحق التي تملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا.
منذ قرابة أربعة عشر قرن تأوه الإمام علي بن أبي طالب شوقا لرؤية رجال الله حملة الجبال لا لأن أحدا منهم لم يكن موجودا آنئذ فهم دوما موجودون ولكن ربما كان عددهم لا يكفي للقيام بالمهمة كاملة كما أن الظروف المحيطة لم تكن لتساعدهم على أداء دورهم في تغيير العالم بأسره.
تأوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حسرة وشوقا لرؤية هذه النخبة المصطفاة من رجال الله رجال العلم والإيمان والجهاد الزاهدين في الدنيا (الاَْقَلُّونَ عَدَداً، وَالاَْعْظَمُونَ قَدْراً، يَحْفَظُ اللهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلاَنُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَان أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْـمَحَلِّ الاَْعْلَى أُولئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ، آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ).
إنه الانتخاب الإلهي للصفوة المعدة القادرة على قهر الصعاب متسلحة بروح اليقين ممن لم تقتصر معارفهم على ظواهر العلم  وقشوره وزينته فكان أن أدركوا حقيقة البصيرة وكان أن استلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون فترجم هذا العلم سلوكا وزهدا ومواقف رسالية تميز بين الحق والباطل والصواب والخطأ وكان أن نجاهم الله من الفخاخ والحفر التي نصبها المحتالون الكبار.
لم يكن هذا التطور والاصطفاء ليحصل بين عشية وضحاها ولا في قرن واحد من الزمان بل استغرق قرونا وححقبا من الزمان تقلب فيه القادة الأدعياء الجاهلون وقلبوا معهم أمتهم من كارثة إلى كارثة ومن خسران إلى دمار و(بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ).
منذ أربعة عشر قرن وعملية الاصطفاء الفكري والذاتي يتواصل تهيئة للمجتمع بأسره وتهيئة للنخبة المختارة للاضطلاع بدورها وصولا لليوم الموعود.
يروي النعماني في كتاب (الغيبة) عن أبي عبد الله:
"أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون، ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه ولا شحناؤه بدنه، ولا يمدح بنا معلنا، ولا يخاصم بنا قاليا، ولا يجالس لنا عايبا، ولا يحدث لنا ثالبا، ولا يحب لنا مبغضا، ولا يبغض لنا محبا، فقلت فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون؟ فقال: فيهم التمييز وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل، يأتي عليهم سنون تفنيهم، وسيف يقتلهم، واختلاف يبددهم، إنما شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفه وإن مات جوعا، قلت جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة؟ فقال: أطلبهم في أطراف الارض، أولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن ماتوا لم يشهدوا أولئك الذين في أموالهم يتواسون وفي قبورهم يتزاورون، ولا تختلف أهواؤهم، وإن اختلفت بهم البلدان " 

وفي رواية أخرى يؤكد الإمام الصادق جعفر بن محمد على مفهوم السير نحو التكامل فيقول سلام الله عليه لبعض أصحابه:
(كلا، إنكم مؤمنون ولكن لا تكملون إيمانكم حتى يخرج قائمنا فعندها يجمع الله أحلامكم فتكونون مؤمنين كاملين، ولو لم يكن في الارض مؤمنين كاملين إذا لرفعنا الله إليه وأنكرتم وأنكرتكم الارض وأنكرتم وأنكرتكم السماء بل والذي نفسي بيده إن في الارض في أطرافها مؤمنين ما قدر الدنيا كلها عندهم تعدل جناح بعوضة).
ولا شك أن كلمة الإمام (يجمع الله أحلامكم فتكونون مؤمنين كاملين) تكشف عن أهمية التطور الفكري والعقلي لأصحاب الإمام وتهيئة المناخ الإجتماعي لاستقبال المخلص المنتظر.
أخيرا نقول:
أن تطور حركة التمهيد والممهدين نحو التكامل والاصطفاء الفكري هو حقيقة وضرورة يقع واجب القيام بها على أصحاب القرار في عالمنا الإسلامي وأن العمل الثقافي والفكري التعريفي ضرورة لازمة للتمهيد لا يجوز التقاعس عنها ولا التلهي بها بمشاريع بديلة قد يرى البعض ضرورتها ولكننا لا نرى أولويتها.
دكتور أحمد راسم النفيس
2-7-2012
المنصورة مصر


13,530 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (0)



الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2018 - النفيس