"الحسين" في الأدب العربي.. رمز الثورة في وجه كل "يزيد"

تم النشر فى ثقافة مع 0 تعليق منذ 10 أشهر

/

في الأنثروبولجيا تسمى "الأسطرة"، أن يبني المخيال الشعبي، كما يسميه العلم الحديث بناء ضخمًا فوق شخص أو حادثة، ومع مرور السنوات يتحول الشخص أو الحادث إلى أسطورة، وأسطورة باستخدام العلم الحديث لا تعني الكذب أو كونه خياليًا، وإنما تعني ما أضيف له من تصورات وتفسيرات.

وفي الأدب تسمى الصورة أو الرمز، أن نتجاوز الشخص أو الحادث نفسهما، فيصبحا مثالين منفصلين تقريبًا عن الشخص والحادث نفسيهما، تذكر الكلمة فيذكر المثل لا الشخص.

رجل في قلة من الأنصار، يمضي –بثبات- نحو هلاك محتوم، صابرًا مقدمًا في عزم، نسبه من أشرف الأنساب، سبط النبي، عليه السلام، وابن علي وفاطمة، رضي الله عنهما. هكذا كان الحسين مادة صالحة وبقوة لكلا الأمرين، الأسطرة والرمز، فكما بني فوق جسده، الذي تحوم الشكوك حول مكان وجوده، أو حول ما إذا كان جيش يزيد قد تركه في الأساس، مسجدان كبيران في بلدين مختلفين، كانت روحه مادة عظيمة صالحة لاستلهامها في صور مختلفة في الأدب العربي.

في حرب الشاعر المصري الراحل أمل دنقل ضد الاستبداد يستحضر كربلاء، ويبحث عن سبب ضياع الكلمة، وانتصار الطغيان الدائم، فيقول في "من أوراق أبو نواس":

كنت في كربلاء
قال لي الشيخ إن الحسين
مات من أجل شربة ماء
وتساءلت: كيف السيوف استباحت
بني الأكرمين؟
فأجاب الذي بصرته السماء:
إنه الذهب المتلألئ في كل عين
إن تكن كلمات الحسين
وسيوف الحسين
وجلال الحسين
سقطت دون أن تنقذ الحق
من ذهب الأمراء
أفتقدر أن تنقذ الحق ثرثرة الشعراء؟

أما الشاعر السوري الراحل نزار قباني، فقد كان الحسين وكربلاؤه حاضرين معه دائمًا، وهو الشاعر الذي كرس جزءًا ضخمًا من شعره لمواجهة الطغيان، ويظهر الحسين في شعر قباني في عدة صور، صورة الثائر الذي لا يأبه بقوة الطغيان، وصورة الطغيان نفسه، الذي لا يأبه بقداسة الثورة، حتى ولو قادها سبط النبي وابن علي وفاطمة، وصورة الشعوب التي تخذل أبطالها، وتتركهم نهشًا لجبناء استمدوا شجاعتهم من خذلان الجنود للثائرين.

فيقول في "آخر جندي يخرج من غرناطة":

ظلي معي
حتى يظل البحر محتفظًا بزرقته
ظلي معي فلربما يأتي الحسين
وفي عباءته الحمائم والمباخر والطيوب
ووراءه تمشي المآذن والربا
وجميع ثوار الجنوب

ويقول في "من قتل مدرس التاريخ":

من أين يأتينا الفرح
وكل طفل عندنا
تجري على ثيابه
دماء كربلاء

وبالطبع لم يغب الحسين عن شعراء العراق، هذا البلد الذي يشهد سنويًا احتفالًا بكائيًا مهيبًا، يجلد فيه الشيعة أنفسهم حتى تسيل دماؤهم، حزنًا على خذلان الحسين ثائرًا، والسكوت عنه شهيدًا، فيقول السياب في قصيدته "انتصر الحسين" التي يخاطب فيها يزيدًا بن معاوية:

ارم السماء بنظرة استهزاء
واجعل شرابك من دم الأشلاء
واسحق بظلك كل عرض ناصع
وأبح لنعلك أعظم الضعفاء
...
واسدر بغيك يا يزيد فقد ثوى
عنك الحسين ممزق الأشلاء

ولكنه، مع هذه الظلمة يرى أن الحسين انتصر، فيخاطب يزيدًا:

قم فاسمع اسمك وهو يغدو سبة
وانظر لمجدك وهو محض هباء
وانظر إلى الأجيال يأخذ مقبل
عن ذاهب ذكرى أبي الشهداء
كالمشعل الوهاج إلا أنها
نور الإله يجل عن إطفاء

وتحضر صورة الحسين الثائر الذي لا يردعه خوف، ولا يتراجع لنبوءة مشؤومة:

غير الحسين تصده عما انتوى
رؤيا فكفي يا ابنة الزهراء
من للضعاف إذا استفاقوا والتظت
عينا يزيد سوى فتى الهيجاء

وفي العامية المصرية يحضر الحسين بقوة، بخاصة مع الثورة المصرية التي شهدت تقدمًا وارتدادًا دارميين، خلال سنوات قليلة، ففي "إني رأيت اليوم"، من ديوان "المانيفيستو" للشاعر المصري الشاب مصطفى إبراهيم، التي تصور إحدى المواجهات التالية على ثورة 25 يناير، والمعروفة إعلاميًا بأحداث شارع "محمد محمود"، يقول إبراهيم:

إني رأيت اليوم.. الصورة من برة
وقلت الحسين لسة.. حيموت كمان مرة
إني رأيت اليوم.. فيما يرى الثائر
إن الحسين ملموم.. فوق جثته عساكر
بيدغدغوه بالشوم
كل أما ييجي يقوم
وإن البشر واقفة
تبكي بدال ما تحوش

وعن خذلان الأنصار يقول:

يا حسين هتيجى تموت لمين؟
ارجع..
كل اللي جاي عشانهم تِفدي وتناضل
راضيين يعيشوا عبيد
والمشهد الفاضل هتموت ف آخره وحيد

مات الحسين، نالت منه السهام والرماح، داست جسده الخيول فمزقته بحوافرها، ليس كراهية لهذا الجسد الذي فارقته الحياة، وإنما خوفًا من ثورة أطلقها، سعيًا لقتلها، ولكن الروح التي فارقت ذلك الجسد المضرج بالدماء حملت الثورة التي لن تموت، والتي يخشاها كل يزيد، ويصور الكاتب المصري الراحل عبدالرحمن الشرقاوي، الذي خصص مسرحيتين للحسين، بعنوان "الحسين ثائرًا"، و"الحسين شهيدًا"، يصور هذه الثورة التي لا تنطفئ، فيقول في "الحسين شهيدًا":

الحسين: فلتذكروني، لا بسفككم دماء الآخرين
بل فاذكروني بانتشال الحق من ظفر الضلال
بل فاذكروني بالنضال على الطريق
لكي يسود العدل فيما بينكم
فلتذكروني بالنضال
...

فإذا سكتم بعد ذاك على الخديعة
وارتضى الإنسان ذله
فأنا سأذبح من جديد
وأظل أقتل من جديد
وأظل أقتل كل يوم
ألف قتلة
سأظل أقتل كلما سكت الغيور
وكلما أغفا الصبور
سأظل أقتل كلما
رغمت أنوف في المذلة
ويظل يحكمكم يزيد ما
ويفعل ما يريد


محمد فايز جاد
نقلا عن بوابة الأهرام


660,264 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (0)



الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2017 - النفيس