فصل من كتاب (سليمان القانوني: الوجه الآخر للدولة العثمانية) للدكتور أحمد راسم النفيس

تم النشر فى كتب مع 0 تعليق 2 / أبريل / 2016

/

رسالة سليم خان لطومان باي
ثم إن السلطان أرسل في أخذ المطالعات التي جاءت على يد القصاد وكان في مضمون مطالعته إليه: من مقامنا السعيد إلى الأمير طومان باي أما بعد فإن الله تعالى قد أوحى إلي أن أملك الأرض والبلاد من المشرق إلى المغرب كما ملكها الإسكندر ذو القرنين ومن جملة المطالعة: إنك مملوك منباع مشترى ولا تصح لك ولاية وأنا ملك ابن ملك إلى عشرين جد وقد توليت الملك بعهد من الخليفة وقضاة الشرع وأني أخذت المملكة بالسيف بحكم الوفاة عن السلطان الغوري فاحمل لي خراج مصر في كل سنة كما كان يحمل لخلفاء بغداد، حتى قال: أنا خليفة الله في أرضه وأنا أولى منك بخدمة الحرمين الشريفين، وإن أردت أن تنجو من سطوة بأسنا فاضرب السكة في مصر باسمنا وكذلك الخطبة وتكون عنا نائبا في مصر ولك من غزة إلى مصر ولنا من الشام إلى الفرات وإن لم تدخل تحت طاعتنا وإلا أدخل إلى مصر وأقتل جميع من بها من الأتراك حتى أشق بطون الحوامل وأقتل الجنين الذي ببطنها من الأتراك، وفي آخر مطالعته وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا.
فلما قرئت هذه المطالعة على السلطان بكى وحصل له غاية الرعب. ص 125.
فلما أشيع بين الناس بما في مطالعة ابن عثمان اضطربت أحوال مصر فشرع الناس يعدون أماكن يختفون فيها وأشيع أن خاير بك نائب حلب الذي عصى ودخل تحت طاعة ابن عثمان أرسل إلى بعض الأمراء المقدمين وهو يرغبهم في الدخول تحت طاعة ابن عثمان وشرع يطنب في محاسنه وعدله وأنه إذا دخل مصر يبقي كل أحد من الأمراء على وظيفته ورزقه. 125.
العثماني الهمجي
وفي يوم الإثنين ثالث محرم دخل السلطان سليم شاه القاهرة في موكب حافل شق المدينة .. وليس له نظام يعرف غير أنه سيء الخلق سفاك للدماء شديد الغضب لا يراجع في القول وكان ينادي كل يوم في القاهرة بالأمان والاطمان والنهب والقتل عمال من جماعته ولا يسمعون له وحصل منه للناس الضرر الشامل ومما أشيع عنه أنه قال في بضع مجالسه بين أخصائه وهو بالشام:
إذا دخلت إلى مصر أحرقت بيوتها قاطبة وألعب في أهلها بالسيف فقيل تلطف به الخليفة حتى رجع عن ذلك ولو فعل ذلك ما كان يجد له من مانع من ذلك والله غالب على أمره. 150
فلما طفشت العثمانية في القاهرة صاروا يمسكون أولاد الناس من الطرقات ويقولون لهم أنتم جراكسة فيشهد الناس عندهم أنهم ما هم مماليك جراكسة فيقولون لهم اشتروا أنفسكم منا من القتل فيأخذون منهم حسبما يختارونه من المبلغ وصارت أهل مصر تحت أسرهم ثم صاروا الناس من عياق مصر يغمزون العثمانية على حواصل الخوندات والستات فينهبون ما فيها من القماش الفاخر فانفتحت للعثمانية كنوز الأرض بمصر من نهب قماش وسلاح وخيول وبغال وجوار وعبيد وغير ذلك من كل شيء فاخر وأشياء ما فرحوا بها قط في بلادهم ولا أستاذهم الكبير. 151
مجزرة عثمانية جديدة
ثم إن العثمانية طفشت في العوام والغلمان والزعران ولعبوا فيهم بالسيف وراح الصالح بالطالح فصارت جثثهم مرمية في الطرقات من باب زويلة إلى الرملة ومن الرملة إلى الصليبة إلى قناطر السباع إلى الناصرية إلى مصر العتيقة فكان مقدار من قتل في هذه الواقعة فوق العشرة آلاف نفس في مدة أربعة أيام.
ثم صارت العثمانية تكبس على المماليك الجراكسة في البيوت والحارات والجوامع والمدارس والمزارات وجامع الأزهر والحاكم وابن طولون ويقتلون من فيها من الجراكسة فقيل قبضوا على نحو 800 مملوك فضربوا رقابهم جميعا بين يدي ابن عثمان وقيل أن المشاعلي الذي كان هناك كان إذا ضرب أحدا من المماليك الجراكسة يعزل رؤوسهم وحدها ثم ينصب الحبال على الصواري ويعلق عليها تلك الرؤوس. 156
ولم تقاس أهل مصر شدة مثل هذه قط إلا ما كان في زمن البخت نصر البابلي لما أتى من بابل وزحف على البلاد بعساكره وهدم بيت المقدس ثم دخل مصر وأخربها عن آخرها. 157.
فلما هرب السلطان طومان باي وقتل من قتل من الأمراء والعسكر رجع السلطان سليم شاه إلى وطاقه الذي في الجزيرة الوسطى ونصب فيه صنجقين أحدهما أبيض والآخر أحمر وذلك إشارة منه لرفع السيف عن أهل المدينة. 157.
طرد المصريين من بيوتهم
وفي يوم الخميس عشرين من المحرم نادى السلطان سليم شاه في الصليبة وقناطر السباع بأن أصحاب الأملاك التي في الصليبة وجامع ابن طولون يخلون من بيوتهم فإن السلطان سليم شاه طالع إلى القلعة ليقيم بها وصار يكرر المناداة في كل يوم بذلك المعنى فخرجت الناس من بيوتهم على وجههم وانطلق فيهم جمرة نار وهجمت عليهم العثمانية في بيوتهم وسكنوا فيها في عدة أماكن من بيوت القاهرة حتى صارت الحارات والأزقة ما تنشق منهم وصاروا كالجراد المنتشر 160 من كثرتهم وصارت الناس تسد أبوابها وتضيقها مثل الخوخ حتى لا تدخل منها الخيول ولم يف ذلك شيئا وهدموا ما بنوه وسكنوا فيه. 161
ثم طلع السلطان سليم شاه إلى القلعة في موكب حافل من عساكره.
السلب والنهب
وفي أواخر هذا الشهر تشحطت الغلال من القاهرة وارتفع الخبز من الأسواق وسبب ذلك أن العثمانية لما دخلوا إلى القاهرة نهبوا المغل الذي كان في الشون وأطعموه لخيولهم  حتى لم يبق شيء في الشون ونهبوا القمح الذي كان بالطواحين واضطربت أحوال الناس قاطبة. 162
القذارة والانحطاط العثماني
ولما أقام ابن عثمان بالقلعة ربط الخيول من الحوش إلى باب القلعة إلى عند الإيوان الكبير وباب الجامع الذي بالقلعة وصار زبل الخيل هناك بالكيمان على الأرض وأخرب غالب الأماكن التي بالقلعة وفك رخامها ونزل به في مراكب يتوجهون به إلى اسطنبول. 162.
وفي هذه الأيام تزايد الأذى من عسكر ابن عثمان فكانوا يخرجون وقت صلاة الصبح ويتوجهون إلى الضياع التي حول الخانكاه فيحشون ما فيها من الزروع من البرسيم والفول فيطعمونه لخيولهم في كل يوم ثم صاروا يأخذون دجاج الفلاحين وأغنامهم وأوزهم حتى أبوابهم وخشب السقوف الذي هناك حتى أخربوا غالب ضياع الشرقية وسواحل البحر. 164.
وفي يوم الأربعاء رابع صفر قبض السلطان سليم شاه على جماعة من المماليك الجراكسة الذين كانوا قد ظهروا بالأمان وكانوا في الترسيم في الوكالة التي خلف مدرسة الغوري فرسم أن ينفوا إلى اسطنبول فأخرجوهم في القيود وأركبوهم على حمير وجمال ومنهم من هو ماش على قدميه وهو في زنجير وكانوا نحو سبعمائة مملوك فشقوا بهم القاهرة ثم توجهوا بهم إلى بولاق حيث أنزلوهم في المراكب وخشبوا منهم جماعة بقرامي خشب في أيديهم وسافروا بهم في البحر للإسكندرية ومن هناك إلى اسطنبول فصار لنسائهم وأولادهم ضجيج وبكاء. 165.
وفي هذا الشهر أشيع أن السلطان طومان باي أرسل يقول إلى ابن عثمان: إن كنت تروم أن أجعل الخطبة والسكة باسمك وأكون أنا نائبا عنك بمصر وأحمل لك خراج مصر فارحل عن مصر أنت وعساكرك إلى الصالحية ونصون دماء المسلمين بيننا ولا تدخل في خطية أهل مصر من كبار وصغار وشيوخ وصبيان ونساء وإن كنت ما ترضى بذلك فاخرج ولاقيني في بر الجيزة ويعطي الله النصر لمن يشاء منا.
ولما وقف سليم شاه على الرسالة أرسل إليه القضاة الأربعة وخلف الخليفة وكتب بحضرتهم صورة حلف إلى السلطان طومان باي فتوجهوا إلى الصعيد. 166.
إعدامات جماعية
وفي يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول رسم السلطان سليم شاه بأن الأمراء الذين كانوا في القلعة في الترسيم بأن يحضروا بين يديه في الوطاق الذي ببركة الحبش فنزلوا بهم من القلعة ومثلوا بين يديه فوبخهم بالكلام ثم أمر بضرب أعناقهم أجمعين فضربت أعناقهم بالوطاق يوم السبت سادس ربيع الأول وصارت أجسادهم مرمية على الأرض تنهشهم الكلاب بالنهار والذئاب والضباع بالليل. 169
وكانت هذه الكاينة من أعظم الكواين في حق الأمراء وقد ظهروا بالأمان من ابن عثمان ثم غدرهم وقتلهم فكان لا يثق أحد له بأمان وليس له قول أو فعل. 170
مزيد من الخراب والدمار
وفي شهر ربيع الأول شرع ابن عثمان في فك رخام القلعة في قاعة البيسرية والدهيشة وقاعة البحرة والقرص الكبير وفك العواميد السماقي التي كانت بالإيوان الكبير.
ثم صار يحيى بن نُكار يركب ويأخذ معه جماعة من المرخمين فيهجمون قاعات الناس ويأخذون ما فيها من الرخام السماقي والزرزوري والملون فأخربوا عدة قاعات من أوقاف المسلمين وبيوت الأمراء قاطبة حتى القاعات التي في بولاق وقاعة الشهابي وقاعات المباشرين والتجار وأولاد الناس ثم أخذوا الكتب النفيسة التي في المدرسة المحمودية والمؤيدية والصرغتمشية فوضعوا أيديهم عليها ولم يعرفوا الحلال والحرام في ذلك. 179.
أسر الصناع وإخراجهم من مصر
وفي يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخر رسم الدفتردار بإخراج طائفة من اليهود إلى اسطنبول وفي عقب ذلك خرجت طائفة من البنائين والمهندسين والنجارين والحجارين والحدادين والمرخمين والمبلطين وفيهم من مسلمين ونصارى حتى طائفة من الفعلة بسبب المدرسة التي قصد ابن عثمان ينشئها باسطنبول مثل مدرسة السلطان الغوري. 182.
وفي يوم السبت ثامن عشر أخرج إلى اسطنبول طائفة أخرى من نواب القضاة والشهود ومنهم القاضي شمس الدين الحليبي أحد نواب الشافعية الذي قاسى من العثمانية غاية البهدلة وأنزلوه المركب رغم أنفه وخرج أيضا جماعة من القضاة وجماعة من تجار الشرب والوراقين ومن تجار الباسطية ومن تجار خان الخليلي وغيرهم من الأعيان ومشاهير الناس وهذه الواقعة من أبشع الوقائع المنكرة التي لم يقع لأهل مصر مثلها وهذا عبارة على أنه أسر المسلمين ونفاهم إلى اسطنبول. 183.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشر جمادى الأولى سنة 923 هـ خرج أمير المؤمنين المتوكل على الله قاصدا اسطنبول فحصل للناس على فقد أمير المؤمنين من مصر غاية الأسف وقالوا انقطعت الخلافة من مصر وصارت باسطنبول. 185.


428,340 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (0)



الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2017 - النفيس