ننشر كتاب "نقض الوهابية" للدكتور أحمد راسم النفيس

تم النشر فى كتب مع 0 تعليق 29 / يوليو / 2016

/

(لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنا والسرقة بل هو عبادة للأصنام)

محمد بن عبد الوهاب

 

مقدمة لازمة:
قبل أكثر من ثلاثين عاما وعندما كنا في مراحل الشباب الأولى كان كتاب التوحيد الوهابي من بين ما قرأناه من كتب وكنت واحدا ممن انبهروا بما في هذا الكتاب من كلام كنا نظن أن ليس وراء ما فيه من (علم) مبلغا لأحد.
تغير كل هذا بعد أن اتسعت مداركنا وبدأنا في التعرف على مدارس الفكر الإسلامي الأخرى المحجوبة أو شبه المحجوبة عن الأنظار.
من أهم ما يميز الفكر الوهابي أنه يستولي عليك ولا يعطيك أي فرصة للتعرف على ما عند الآخرين المتهمين دوما بالانحراف والزيغ والشرك والوثنية وعبادة الأصنام.
أليس محمد بن عبد الوهاب هو صاحب القول المأثور (لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنا والسرقة بل هو عبادة للأصنام).
إنه أي الاعتقاد في الصالحين أسوأ من الزنا والسرقة!!!.
كنت أيضا واحدا ممن يظنون أن الوهابية لا فرصة لها في التوسع والانتشار في مصر وأنها أطروحة تجافي العقل والمنطق والذوق المصري العام المحب لأهل البيت والمتعلق بهم وبمقاماتهم ولكنني أعتقد الآن أن تكرار هذه المقولة هو أسوأ من تعاطي الحشيش والأفيون.
المثل العامي يقول (كثرة الدوي على الآذان أسوأ من السحر).
هذا إذا كان الأمر مجرد كلام والسلام ولكنه الآن أصبح فضائيات وشبكات للمعلومات ومليارات تنفق من أجل تحقيق الحلم الإمبراطوري الوهابي الذي أفسده المصريون بقيادة محمد علي باشا والي مصر عندما منعوا تقدم الوهابية وحاصروها في الجزيرة العربية.
مضى على هذا اليوم ما يقارب قرنين من الزمان ولكن الرغبة في التوسع والثأر لا زالت تلح على هؤلاء وأتباعهم من عبدة الدرهم والدينار.
الوهابية كانت ولا زالت تيارا تكفيريا ينظر إلى غيره من الناس نظرة احتقار واستعلاء وتكفير ويتحين الفرصة للانقضاض عليهم وقتلهم.
والتكفير الوهابي هو مجرد مبرر يسوقه هؤلاء لتبرير تلك الشهوة المرضية والكراهية العدوانية والشبق الدموي ومن ثم فلا بديل عن المواجهة الفكرية ليعقل من كان لديه قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
الواقع الراهن لا يسر عدوا ولا حبيبا فالفكر والسياسة والصحافة يهيمن عليها جماعة الديوك الرومي المنتفشين انتفاش الطاووس في حين أنهكتهم انفلونزا الطيور وأسقطت أغلب ريشهم ورغم كل هذا فهم منتفشون كالطاووس ويزأرون كالأسد وهم مصرون على الانفراد وحدهم بالساحة والقيام بكل المهمة رغم أنهم فشلوا في تحقيق أي شيء يذكر لهم.
أما الدين ويا حسرتا على الدين والعباد فهو عهدة جماعة كل واشكر المسماة بالمجلس الأعلى لتحسين الدخل على الطريقة الإسلامية التي لا تكف عن مصادرة كل الكتب التي تزعج الوهابيين ورغم أن نفحات المجلس المذكور لا بأس بها إلا أن جائزة الملك فيصل أدسم كما أنها ليست بالجنيه المصري المهدد بالانهيار!!.
ولا أراكم الله مكروها في دين أو وطن أو كرامة عزيزة عليكم.
دكتور أحمد راسم النفيس
المنصورة مصر
26 نوفمبر 2005.
Arasem99@yahoo.com

تعريـــــــف الوهابيــــــــة

إشكالية التعريف
يرفض الوهابيون إطلاق هذا الإسم عليهم ويصرون في المقابل على تسمية أنفسهم بالسلفيين أي أتباع السلف الصالح.
تحظى قضية التعريف بقدر كبير من الأهمية لأن أسماء الجماعات والفئات لا بد أن تعلل على عكس أسماء الأفراد التي لا تعلل!!.
لا يحتاج المرء لأن يكون جميلا ليحمل اسم جميل أو جملا ليحمل اسم الجمل ولا ليكون حسن الخلق والصفات ليحمل اسم حسن بخلاف أسماء الفئات التي يتعين أن تتطابق أو تتقارب مع العنوان الموضوع على اللافتة وإلا دخل الأمر في إطار الغش والخداع.
التعريف ينبغي أن يكون جامعا مانعا.
جامعا للصفات الأساسية التي تميز الكيان عن غيره من الكيانات وتكون حاسمة في تحديد معالم الكيان ومانعة للتشابه والتداخل الجوهري بينه وبين من ينافسه في نفس المجال.
السيارة على سبيل المثال هي مركبة لها أربع عجلات ومحرك يدفعها إلى الأمام ومن ثم لا يمكن وصفها بأنها شيء أسود اللون يتحرك إلى الأمام فهذا ليس تعريفا جامعا ولا مانعا لأن الحصان يمكن أن يكون أيضا أسود اللون ويتحرك إلى الأمام ويدور يمينا ويسارا.
يزداد الأمر تعقيدا عندما يزعم زاعم أنه أنه ينتمي للفرقة الوحيدة الناجية أو للجماعة الوحيدة التي فهمت الإسلام فهما صحيحا شاملا كاملا لا لشيء سوى اقتناعه وحماسه لما يؤمن به!!.
الآن يزعم الوهابيون أنهم وحدهم السائرون على نهج الحق والصدق نهج السلف الصالح وأنهم الفرقة الوحيدة الناجية من النار وأنهم الممثل الشرعي والوحيد للفرقة الوحيدة الناجية أهل السنة والجماعة ولذا فهم يبذلون أقصى جهد ممكن لشطب لقب الوهابية والاكتفاء بلقب السلفيين.
الوهابيون أو السلفيون يريدون في نفس الوقت احتكار الحق في تسمية الآخرين بما يحلو لهم من أسماء وصفات فهم تارة قبوريون وتارة أخرى رافضة.
الشيخ ابن باز مفتي السعودية يصف الشيعة بالرافضة فيقول: (ومن أخبثهم الإمامية الاثنا عشرية والنصيرية ويقال لهم الرافضة؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي لما أبى أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر وخالفوه ورفضوه) .
ورغم أن ما يقوله الشيخ المفتي لا يعدو كونه خرافة تافهة وتحريف سمج وسخيف لواقعة تاريخية لا تقود إلى هذا المعنى ولكن الإصرار على تحقير الشيعة وتلويث تاريخهم بالباطل يمنح الشيخ الجرأة على التطاول والتزوير وتحريف الكلم عن مواضعه.
لماذا يكون من حق الشيخ وأتباعه بناءا على واقعة مجتزأة عن سياقها أن يطلقوا لقب الرافضة على شيعة أهل البيت في حين لا يحق لنا وصف أتباع الحركة التي أطلقها محمد بن عبد الوهاب بالتحالف مع ابن سعود بدعم من الاستعمار البريطاني بالوهابية السعودية الهمفرية نسبة للمستر همفر ضابط المخابرات الإنجليزي الذي رعى محمد بن عبد الوهاب وعلمه قواعد الأدب والسلوك وفنون التعامل مع ملوك الفرنجة؟!.
تعريف السلفية
يقول الكاتب السلفي محمود عبد الحميد العسقلاني:
معنى كلمة السلفية: هي من كلمة سلف يُسلف بالضم سلفًا بفتحتين أي مضى والقوم السُّلاَّف المتقدمون. وسلف الرجل آباؤه المتقدمون.
والمراد بالمذهب السلفي ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأتباعهم وأئمة الدين ممن شُهد له بالإمامة وعُرف عظم شأنه في الدين، وتلقي الناس كلامهم خلفًا عن سلف كالأئمة الأربعة وسفيان الثوري، والليث بن سعد وابن المبارك، والنخعي، والبخاري، ومسلم، وسائر أصحاب السنن دون من رُمي ببدعة أو اشْتُهِرَ بلقب غير مرضي مثل الخوارج والروافض والمرجئة والجبرية والجهمية والمعتزلة فكل من التزم بعقائد وفقه هؤلاء الأئمة كان منسوبًا إليهم، وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان وكل من خالفهم فليس منهم وإن عاش بين أظهرهم وجمع بينهم نفس الزمان والمكان.
فيكون المراد بالسلف الصحابة -رضي الله عنهم- وقد تُوسِّعَ في هذا المصطلح فشمل من تبعهم بإحسان من التابعين وتابعيهم من أئمة الدين ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سواء كانوا من القرون الخيرية أو ممن جاء بعدهم .
أما الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق فيقول أن كلمة السلفية هي اختصار لتعريف مطول (لاحظ أن أي تعريف لا يمكن أن يكون مطولا وإلا صار شرحا) فالقول بأن فلانا سلفي يعني أنه ليس خارجياً مستحلاً دم المسلم بالمعصية، وليس رافضياً ممن يكفر الصحابة، وليس محرفاً متأولاً بالباطل ممن ينفي صفات الله ويحرف معانيها، وليس مشبهاً لله بخلقه وليس حلولياً أو اتحادياً ممن يقول بالوحدة أو الحلول، وليس صوفياً، وليس قبورياً ممن يعبد القبور لها ويقدم النذور، وليس مقلداً متعصباً ممن يلتزم قول إمام بعينه ولو علم أنه يخالف الآية والحديث.. فكلمة السلفي هي تعريف مختصر يختصر كل الاحترازات السابقة وليست السلفية بعد ذلك نسبة إلى إمام بعينه أو شيخ خاص، وإنما هي المنهج والطريق الذي سار فيه الصحابة والخلفاء الراشدون والأئمة المرضي عنهم والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما الشيخ صالح آل الشيخ فيقول:
المسلمون صنفان: سلفيون، وخلفيون. أما السلفيون: فهم أتباع السلف الصالح. والخلفيون: أتباع فهم الخلف، ويسمون بالمبتدعة إذ كل من لم يرتض طريقة السلف الصالح في العلم والعمل والفهم والفقه فهو خلفي مبتدع.
والسلف الصالح هم القرون المفضلة وفي مقدمتهم صحابة رسول الله الذين أثنى الله عليهم بقوله (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) الفتح: 29 الآية. وأثنى عليهم رسول الله بقوله: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وتتابعت أقوال الصحابة أنفسهم، والتابعين لهم بإحسانٍ على الثناء على مجموعهم، والإقتداء بمسالكهم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) وهذا أمر مجمع عليه بين أهل السنة، لا يخالف في ذلك منهم مخالف، وإذا كانوا على مثل هذا الفضل العظيم فلا غرو أن يتشرف المسلم بالانتساب إلى طرائقهم في فهم الكتاب والسنة، وعملهم بالنصوص.
وكانت كل فرقة ضالة من فرق الأمة تستدل لمرادها بآياتٍ وأحاديثٍ خلاف فهم السلف لها وتوسعوا في ذلك حتى كفر بعضهم بعضاً وضربوا كتاب الله بعضه ببعض، كل ذلك بفهمهم للنصوص حَسبَ ما تدعيه كل فرقة، فأصبحت كل الفرق الزائغة تقول: نأخذ بالكتاب والسنة، فالتبس الأمر على ضعيفي النظر، قليلي العلم والمخرج من هذه الدعاوى والأقوال الزائغة هو اتباع نهج خير القرون فما فهموه من النصوص هو الحق، وما لم يفهموه ولم يعملوا به فليس من الحق. وهكذا تابعوهم بإحسانٍ ممن تلقوا عن الصحابة الكرام فصار من انتسب إلى منهج هؤلاء الصحابة في فهم الكتاب والسنة، ومن أخذ بما صحت روايته عنهم مرفوعاً إلى النبي، ومن ترك الآراء العقلية والفهم المحدث صار سلفياً وصار من لم يكن كذلك خلفياً مبتدعاً.
من وجهة نظر محمود العسقلاني فالمراد بالسلف هم الصحابة والمصطلح يشمل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سواء كانوا من القرون الخيرية أو ممن جاء بعدهم.
أي أن البعد الزمني لا يشكل أساسا ثابتا من أسس المنهج السلفي والسلف الصالح هم السائرون على هذا النهج حتى ولو كانوا في القرن الخامس عشر الهجري!!.
أما المتعين اتباعهم فهم المذكورة أسمائهم في اللائحة السابقة ممن شُهد لهم بالعلم والإمامة وعُرف عظم شأنهم في الدين!!.
ولك أن تلاحظ أنه يقول شُهد وعُرف دون أن يقول من الذي شهد ومن الذي عرف؟!.
أليس من حقنا أن نعرف؟!.
يقول الإمام علي بن أبي طالب: فيا عجبا! وما لى لا أعجب من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون أثر نبى، ولا يقتدون بعمل وصى، ولا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب، يعملون في الشبهات، ويسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلهم في المهمات على آرائهم، كأن كل أمرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرىً ثقات، وأسباب محكمات.
ويقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً *انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً) .
من ناحية المبدأ فنحن لا نرفض أو نحكم باستحالة أن يكون أحد هؤلاء أو أغلبهم من الصالحين ولكننا نسأل عن المبرر الذي جعل من هؤلاء أئمة يهدون بأمر الله إلى صراطه المستقيم بل ويتعين اتباعهم والسير على نهجهم؟!.
نحن لا نتحدث عن تزكية شخص للزواج أو لوظيفة دنيوية ولكننا نتحدث عن تزكية شخص لمنصب الإمامة الدينية حيث يصبح ما يصدر عن هذا الشخص من مواقف وآراء دينا يقتدي به الناس وهو المنهج الذي يطرحه السلفيون باعتباره صحيح الدين والطريق الوحيد للنجاة يوم الهول الأعظم.
ورغم أن تعريف السلفية يعتمد على البعد الزمني المتمثل في الزعم القائل بخيرية القرون الثلاثة وأن هذه الخيرية المفترضة تجعل منهم مصدرا معتبرا للتلقي وهو ما يؤكد عليه الشيخ آل الشيخ إلا أن التعريف (العسقلاني) يبقي المجال مفتوحا للمزيد من الإضافات على لائحة أعلام الأمة وهداة الأئمة ممن (عُرف لهم الفضل وشُهد لهم بالعلم) وكل ما هو مطلوب أن يشهد هؤلاء لهؤلاء (ودوكهما لدولاهما حسب اللغة العامية) من غير أن نعرف من يشهد لمن!! أو من يوثق من!! والمهم هو وجود خاتم النسر السلفي أسفل شهادة التوثيق!!.
ورغم أن هذه الخيرية العمومية المفترضة لا تستثني أهل البيت الذين عاشوا في تلك الفترة وزكاهم القرآن في أكثر من آية وكذا رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن المنهج السلفي يتجاهلهم ولا يأتي لهم على ذكر بل ويصر على استثنائهم من أي نوع من التلقي أو التأسي!!.
لو صحت هذه الخيرية العمومية المنسوبة إلى القرون الثلاثة فهي لا تعد وصية بالاتباع خاصة وأن الاتباع يحتاج إلى تحديد ووضوح لمن يتعين اتباعه ومن يتعين اجتنابه.
لا بد أن نفرق بين معنى الثناء (حال وجوده) والوصية بالاتباع.
يمكن للمرء أن يثني على من يشاء من المحيطين به ولكن لا يمكن لنا أن نصدق أن هذا الثناء يجعل من المثنى عليهم شركاء في الإرث الشرعي مع الأبناء!!.
المدح والثناء لا يعني بالضرورة منح البعض ما لا يستحقه أو حرمان البعض الآخر مما يستحقه وتلك هي أم القضايا.
المصادر التي ذكرت رواية خير القرون قرني ثم الذين يلونهم هي نفسها التي ذكرت رواية غدير خم وغيرها من الروايات التي تنص على وجوب اتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام وجعلت منهم سفينة النجاة ومصابيح الهدى!!.
الوصية الواضحة بالاتباع تتمثل في الرواية التالية:
روى المحدثون والمفسرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال «يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي» وقد ورد الحديث بصيغ متعددة من بينها «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، أو ما بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما».
والحديث مروي في أغلب الصحاح (الترمذي والنسائي وتفسير ابن كثير) وغيرها من المصادر الحديثية المعتمدة.
لو صحت رواية (خير القرون) وهي ليست كذلك فهي لا توجب اتباعا ولا يمكن لها أن تجعل من شعب بأسره قادة للدين وأئمة للهدى حيث قارب عدد المسلمين يومها المليون نفسا.
وهناك ملاحظة بالغة الأهمية في التعريف (العسقلاني) للسلفية تتعلق بأسماء الأئمة المزعومين التي أوردها وهل هي لائحة حصرية أم أنها أسماء على سبيل المثال لا الحصر؟!.
يقول الرجل (عقائدهم) في حين بقي أهل السنة بلا عقيدة متفق عليها في الذات والصفات حتى جرى اختيار عقيدة الأشعري الذي ظهر في القرن الرابع الهجري ثم انفردت بالساحة بفضل الأيوبي صلاح الدين ثم جاء الوهابيون – عفوا السلفيون – وقاموا بتعميم عقيدة ابن تيميه الموغلة في التجسيدية!!.
أما (فهم الصحابة) للقرآن فهي دعوى تحتاج إلى دليل ونظر حيث تحكي لنا كتب السيرة والتاريخ والتفسير أن بعض كبار الصحابة كانوا يجهلون تفسير بعض كلمات القرآن وليس آياته كما هي قصة عمر بن الخطاب عندما قرأ آيات سورة عبس (أَنَّا صَبَبْنَا المَاءَ صَباًّ * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقاًّ * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَباًّ * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَباًّ * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ)  حيث يروي ابن كثير في تفسيره: رَوَى اِبْن جَرِير قَالَ: حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ حَدَّثَنَا حُمَيْد عَنْ أَنَس قَالَ: قَرَأَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ "عَبَسَ وَتَوَلَّى" فَلَمَّا أُتِيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَة "وَفَاكِهَة وَأَبًّا" قَالَ قَدْ عَرَفْنَا الْفَاكِهَة فَمَا الْأَبّ؟ فَقَالَ لَعَمْرك يَا اِبْن الْخَطَّاب إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّف: فَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح, وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر وَاحِد عَنْ أَنَس بِهِ وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِف شَكْله وَجِنْسه وَعَيْنه وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة يَعْلَم أَنَّهُ مِنْ نَبَات الْأَرْض لِقَوْلِهِ " فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِق غُلْبًا وَفَاكِهَة وَأَبًّا".
فكيف يقال إذا أن بوسعنا الركون إلى فهم الصحابة واعتباره مصدرا ثالثا من مصادر التشريع في حين أن الخليفة الثاني كان لا يعرف معنى كلمة أبا؟!.
¬¬¬¬¬¬

السلفية ليست!!
أما تعريف الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق للسلفية فهو الأطرف من نوعه فهو يرى أن السلفية ليست كذا ولا كذا كما أنها لا يمكن أن تكون كذا أو كذا!!!.
الرجل يكذب مثله مثل الشيخ ابن باز الذي زعم أن اسم الرافضة جاء بسبب تلك الواقعة التي حدثت أثناء ثورة الشهيد العظيم زيد بن علي على الاستكبار الأموي أما الشيخ عبد الخالق فيزعم أن الشيعة هم الرافضة لأنهم يكفرون الصحابة من دون أن يأتي بدليل واحد على مدعاه.
ماذا لو ثبت أن الشيعة لا يكفرون الصحابة؟!.
هل سيدخلون في إطار الحظيرة السلفية؟!.
وفقا لكلام الشيخ ابن باز فالزيدية رفضوا تكفير الصحابة..
فهل يقبل السلفيون إدراج الشيعة الزيدية في لائحة أتباع المنهج السلفي؟!.
يقوم تعريف عبد الرحمن للسلفية على إلصاق لائحة من التهم والجرائم بغيرهم تنزه عنها السلفيون ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر تشبيه الله بخلقه في حين يعرف كل من لديه أدنى إلمام بما يقوله السلفيون أنهم تجسيديون من الوزن الثقيل.
إذا لم يكن إثبات صفة الوجه والرجل والساق والعينين للذات الإلهية هو التجسيد بعينه فليس هناك تجسيديون في هذه الدنيا إذا!!.
فما هو تعريف السلفية إذا؟!.
السلفية من وجهة نظر السيد عبد الرحمن هي السلفية (عرف الماء بعد الجهد بالماء) أو ما يقوله قادة هذا التيار بغض النظر عن موافقته لهذه المواصفات المدعاة من عدمها!!.
السلفية كما يدعي السيد عبد الرحمن ليست نسبة لإمام معين وهو كلام ينم عن استخفاف بعقول الناس إذ يكفي أن تقرأ أي كتاب من كتب القوم لترى أن أغلب ما يقولونه هو نقل عن ابن تيميه وابن القيم وابن عبد الوهاب وهم أئمتهم الذين (شُهد لهم وعُرف عنهم ولهم) والمعنى أن (المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلهم في المهمات على آرائهم، كأن كل أمرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرىً ثقات، وأسباب محكمات).
أما الأطرف من كل هذا فهو تعريف السلفية عند الشيخ عبد الخالق الذي يقول أن هذا التعريف اختصار لتعريف مطول وعندما يكون التعريف مطولا يفقد أهم خصائص التعريف وهو الاختصار ويتحول إلى وصف وشتان ما بين الوصف والتعريف!!.
يمكن أن تصف شيئا هلاميا أسود اللون يرتفع عن سطح الأرض عدة أمتار أو عدة سنتيمترات من دون أن تعرف حقيقة هذا الشيء.
وعلى سبيل المثال فالأطباء قد وصفوا مئات الأمراض ووصفوا بعض خصائصها والفروق بينها وبين غيرها دون أن يتمكنوا من تحديد سبب للكثير منها.
وبالتالي فالوصف ليس تعريفا على الإطلاق!!.
يمكنني وصف السلفية من خلال وصف مظهر مدعي الانتماء للسلف الذين يرتدون الجلباب والطاقية ويطلقون لحاهم على عواهنها ويتأبطون كتابا أثناء سيرهم في الطرقات ويسقطون بسم الله الرحمن الرحيم من سورة الفاتحة بعد أن صدر قرار من أبي هريرة بحذفها من القرآن كما أنهم يتميزون بنظرات الاحتقار التي يوزعونها على كل من عداهم إضافة إلى قص ما يتراوح ما بين خمسة إلى عشرة سنتيمترات من السروال لزوم إظهار التواضع لله رب العالمين (وهي قضية اجتهادية يسمح فيها للعقل أن يقوم بدور يتعلق بطول القَصَة وهل هي خمسة أو سبعة سنتيمترات)!!.
الشيء المؤكد أن هذا وصف لصورة قاتمة ولكنه ليس تعريفا بحال من الأحوال!!.

أئمة السلف؟!
ما بين الزعم بإمامة هؤلاء الأئمة الذين جرى انتقاؤهم بسبب إعجاب البعض بآرائهم خاصة آراء ابن تيميه الدموية التكفيرية وفتاواه المرضية بهدم قبر النبي الأكرم وإنكاره على من أراد زيارة قبره الطاهر يدور الفكر السلفي الوهابي صعودا وهبوطا والأمر لا يعدو كونه مجموعة من العقائد المنتقاة التي يكشف بعضها عن كراهية عميقة لأهل البيت عليهم السلام ولشيعتهم وبعد ذلك تكفير وازدراء لمجموع المسلمين واستهانة بهم!!.
السؤال التالي:
هل يمكن الاقتداء بهدي مئات الآلاف من البشر؟!.
هل كان الصحابة جميعا على رأي واحد وفقه واحد أم أن التاريخ وكتب الحديث يشهدان على عكس ذلك؟!.
يكفي أن نستعرض الحروب التي دارت بين الإمام علي عليه السلام ومعه عدد لا يستهان به من الصحابة من ناحية وأعدائه الذين كان من بينهم صحابة بل وكانت أم المؤمنين عائشة على رأس الجيش الذي حاربه يوم الجمل ومعها الصحابيان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام لنعرف أن السير نحو الشرق والغرب في نفس الوقت هو تكليف بالمستحيل والتكليف بالمستحيل لا يمكن أن يكون أمرا إلهيا بل هو ضحك على الذقون.
من ناحية أخرى فالآيات التي يستدل بها القوم على فضل الصحابة لا يمكن أن تكون متعلقة بتكليف شرعي.
خذ عندك الآية الكريمة التي تقول: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)  وسنكتشف على الفور أنها تتحدث عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وليس عن كل المهاجرين والأنصار كما أنها تتحدث عن الذين اتبعوهم بإحسان لا عن كل من تبعهم زمنيا.
لاحظ أن (من) هي للتبعيض أي أن بعض هؤلاء فقط هم السابقون الأولون والبعض الآخر لا يعدو كونه مهاجرا أو أنصاريا لا أكثر ولا أقل وليس له نصيب من السبق.
كما أن آيات سورة التوبة تحدثت عن طيف واسع من البشر أحاطوا برسول الله منهم المنافق والمخلص (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ * وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .
كما أن مفهوم الأعرابي هو مفهوم يحتاج إلى تدقيق وهل المقصود به كل بدو الصحراء أم أن كلمة الأعرابي هنا يقصد بها من تحكمت فيهم صفات البداوة وقسوة القلب حتى وإن كان من أهل الحضر؟!.
في ظننا أن المعنى الثاني هو المقصود وإلا لكان كل سكان الجزيرة العربية من المنافقين الذين مردوا على النفاق وهو ما لا يسهل قبوله أو الاقتناع به.
الآية الأخرى التي يتعلق القوم بها هي آية سورة الفتح: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) .
يفسر القوم كلمة (معه) هنا بأصحاب النبي في حين أنها ليست قاصرة عليهم بل هي ممتدة في كل من توفر فيه الشرط الوارد فيها (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) فمن كان على هذه الحالة فهو معه ومن لم يكن على هذه الحالة فلا يمكن أن يكون معه.
هل كان سمرة بن جندب على سبيل المثال شديدا على الكفار رحيما بالمؤمنين أم أنه قتل من المسلمين الآلاف ظلما وعدوان وجرأة على الله؟! ودونكم بعض مناقبه التي رواها المؤرخون.
روى ابن جرير الطبري في تاريخه قال: وولى زياد حين شخص من البصرة إلى الكوفة سمرة بن جندب فحدثني عمر قال حدثني إسحاق بن إدريس قال حدثني محمد بن سليم قال سألت أنس بن سيرين: هل كان سمرة قتل أحدا؟ قال وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب؟! استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا قال لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت!!.
وروى الطبري أيضا: عن أبي سوار العدوي قال قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا كلهم قد جمع القرآن!!.
وأقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فضربه بالحربة قال ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط في دمه فقال ما هذا قيل أصابته أوائل خيل الأمير قال إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا!!.
وفي سنة 53هـ مات زياد بن سمية وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد فأقر معاوية سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا ثم عزله فقال سمرة (رضي الله عنه؟!): لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا!!.
ويروي الطبري أيضا قال: حدثني عمر قال حدثني موسى بن إسماعيل قال حدثني سليمان بن مسلم العجلي قال سمعت أبي يقول مررت بالمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلي في المسجد فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية فمر أبو بكرة فقال يقول الله سبحانه قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى قال أبي فشهدت ذاك فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة قال وشهدته وأتي بناس كثير وأناس بين يديه فيقول للرجل ما دينك فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأني بريء من الحرورية فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة وعشرون.
المعية المحمدية هي معية الأفعال لا معية الرؤية والمشاهدة وإلا فقد رأى الكفار والمنافقون رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعوا منه ولكنهم بقوا على كفرهم ونفاقهم.
إنها نظرية جميلة وبراقة من ناحية الشكل ليس إلا ولكن هناك الكثير من العراقيل التي لا يمكن تجاوزها مهما كانت براعة الخطيب أو بلاغة الكاتب.
أول هذه العراقيل: أن الصحابة أنفسهم لم يدعوا وجوب اتباع كل تصرفاتهم والدليل على ذلك أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال (إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب, ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي وأني كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين يريد عمر وأبا عبيدة فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا.. وأما اللاتي تركتهن...).
وبالتالي فهو يرى أن بعض ما فعله يحتاج لمراجعة ومن ثم كيف يمكن القول بأن فهم الصحابي يعد نصا دينيا ملزما؟؟.
كما أن عمر بن الخطاب والعهدة على صحيح البخاري (رواية رقم 6442) أكد على هذا المعنى عندما قال: (بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترَّنَّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمَّت ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرَّها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرَّة أن يقتلا).
فكيف يقال إذا أن كل تصرفات الصحابة هي دين ينبغي على الإنسان إن يتعبد إلى الله بإتباعه؟!.
سلف وخلف؟!
المفارقة الأخرى تكمن في تقسيم المسلمين إلى سلف صالح وخلف مبتدع في حين أن المناهج العقائدية والفقهية التي يتبعها القوم كلها من صياغة هذا الخلف المبتدع؟!.
وعلى سبيل المثال وليس الحصر فالعقيدة الواسطية التي يعتنقها القوم هي من وضع ابن تيميه الحراني وهو من أبناء القرن الثامن الهجري وكذا ما كتبه تلميذه ابن القيم, فكيف نقبل هذا التقسيم الذي يعتبره القوم أساسا لمعتقدهم؟!.
النموذج الأبرز لخروج السلفيين عن منهجهم القائم على تفضيل السلف على الخلف المبتدعين هي قضية الذات والصفات.
فقد كان علماء السلف من أمثال مالك بن أنس (والعهدة على الشهرستاني في الملل والنحل) يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقا واحداً‏ وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل‏:‏ اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون‏:‏ هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها‏ صفات خبرية‏‏ ويقولون‏ عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء‏ فلا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى‏ ‏"‏الرحمن على العرش استوى"‏ ومثل قوله‏:‏ ‏"‏خلقت بيدي‏"‏ ومثل قوله‏ ‏"‏وجاء ربك"‏ ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه‏ لا شريك له وليس كمثله شيء وذلك قد أثبتناه يقيناً‏.‏
كان هذا هو رأي بعض علماء (السلف) - اتفقنا معه أم لم نتفق - وهو الرأي الذي لم يرق (للسلفيين) الذين فضلوا رأي (الخلفي) ابن تيميه الذي أثبت لله تبارك وتعالى تلك الصفات الخبرية على كيفية تجسيدية لا تترك مجالا للمناورة حيث يقول في عقيدته الواسطية في تفسير قوله تعالى (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) تضمَّنَتْ هاتان الآيات إثبات اليدين صفة حقيقية له سبحانه على ما يليق به، ولا يمكن حمل اليدين هنا على القدرة؛ فإن الأشياء جميعًا ـ حتى إبليس ـ خلقها الله بقدرته، فلا يبقى لآدم خصوصية يتميز بها. وفي حديث عبد الله بن عمرو: (إن الله عز وجل خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده).
ورغم أن أحدا من (السلف) قبل (الخلفي) ابن تيميه لم يلجأ إلى التمييز بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية إذ أن القرآن الكريم قد استخدم المصطلحين بمعنى واحد فالله هو رب السماوات والأرض حتى جاء هو وادعى إمكانية أن يكون ثمة إيمان بتوحيد الألوهية وشرك في الربوبية ليفتح لنفسه المجال ولتلميذه محمد بن عبد الوهاب من بعده لتكفير الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله لأنهم بزعمه يوحدون الألوهية ويشركون في الربوبية!!.
السلفية إذا لا تعدو كونها إطارا فضفاضا جرى من خلاله تمرير أفكار أغلبها من مبتدعات نجم أنجبه (وخلفه) لنا عصر المماليك, هو ابن تيميه وتابعه محمد ابن عبد الوهاب لا أكثر ولا أقل.
تحدثنا سابقا عن أهم مرتكزات الأطروحة السلفية واعتمادها حجية فهم وعمل الصحابة (السلف الصالح) وتقديمه على فهم (الخلف المبتدع) وكيف أنهم لم يلتزموا بهذا عند التطبيق حيث أن بعض هذه التصورات هي من مبتدعات هذا الخلف المذموم من وجهة نظرهم.
من بين مبتدعات الخلف التي أصبحت دينا وركنا ركينا من أركان الدين في التصور السلفي هو اعتبارهم أن أضرحة الأنبياء وأئمة أهل البيت هي أوثان ينبغي هدمها وتسويتها بالأرض.
إنها فتوى (الخلفي) ابن تيميه (التي لم يقل بها أحد من السلف) الذي قال في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) ما نصه: المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ولأحاديث أخر وليس في هذه المسألة خلاف!!.
يزعم ابن تيميه أنه لا يعرف خلافا بين (العلماء المعروفين) حول هذا الشأن من دون أن يحدد لنا من هم العلماء المعروفين, إلا أن إقامة هذه الأضرحة وبقائها ثلاثة عشر قرن من دون أن يتعرض لها أحد بهدم حتى جاءت الحركة الوهابية ومعها معاولها لتنفذ هذه الفتوى في القرن العشرين هو دليل قاطع على عكس هذا, وهي نفس الحجة التي احتج بها الشيخ القرضاوي على أصدقائه الطالبان من أجل إقناعهم بعدم هدم تماثيل بوذا لأن أحدا من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ممن ساهموا في فتح هذه البلدان لم يقم بهدمها ولا دعا إلى ذلك!!.
ورغم الفارق الجوهري بين النموذجين إلا أن المنطق الاستدلالي واحد في الحالتين خاصة وأن الحديث يدور عن سلف صالح وخلف مبتدع!!.
ورغم أن دفن رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده جرى بأمر منه وشهد على ذلك جمهور الصحابة المتبعين الذين لم يكن لهم حق الرفض والاعتراض إلا أن السلفيين يصرون على أن بقاء قبر النبي الأكرم محمدا صلى الله عليه وآله في هذه البقعة الطاهرة هو بدعة ينبغي إزالتها كما أفتى ابن تيميه من قبل وكما أفتى شيوخ الوهابية أتباعهم من تنظيم القاعدة في العراق بنسف ضريحي الإمامين الهادي والعسكري وهاهي فتوى الشيخ ابن جبرين الصادرة بتاريخ 7 فبراير 2007 حيث يقول: (فقد جاء الإسلام بتحريم البناء على القبور، وتحريم تجصيصها، والأمر بهدم البناء عليها والنهي عن البناء على القبور يقتضي تحريمها، وذلك لأنه ذريعة إلى عبادة الأموات، كما هو الواقع في كثير من البلاد الإسلامية التي وقع فيها الغلو في أصحاب القبور بسبب رفع تلك القبور والبناء عليها، وكثرة الكتابة عليها وزخرفتها فيعتقد الجاهل أن أولئك الأموات لهم فضل وشرف، مما يحمل الجهال على الطواف بتلك القبور والتمسح بتلك الأبنية واعتقاد أن أصحاب هذه الأضرحة من الأولياء والشهداء الذين لهم جاه عند الله والذين ينفعون من تعلق بهم، ويشفعون لمن دعاهم ، ويجيبونه ويعطونه سُؤلَه، وذلك بلا شك شرك في العبادة، وتعظيم لهؤلاء الأموات، فالواجب هدم تلك الأبنية حيث يقر أهلها بأن البناء محرم ولا يسوغ بقاءها الناحية الفنية والجمالية في البناء، ولا أنها تراث إسلامي، وأما وصفها بأنها عمارة إسلامية فليس بصحيح، ولا تسمى تراثاً إسلامياً فإن الشرع لا يقرها، والإسلام يأمر بإزالتها . والله أعلم.  
والطريف أن مسئولا أمنيا سابقا صرح أخيرا بأن هذا الفكر لا يمثل خطرا (ربما لأنه لم يسمع بما حدث مؤخرا في سامراء) بما يقطع بأن عبقريته الدينية لا تقل عن تلك الأمنية التي جعلت منه ضيفا ثابتا في الفضائيات العربية!!.
من خلال ما قدمناه من نماذج للفكر السلفي يمكننا أن نلاحظ أننا أمام مدرسة فكرية ليس لها حدود ولا معالم.
فهم يقسمون علماء الإسلام إلى سلف صالح وخلف مبتدع ثم يأخذون أغلب فتاواهم عن هذا الخلف المبتدع.
يزعمون أنهم مكلفون من السماء بحماية السنة والتمييز بين الصحيح والموضوع وأنهم وحدهم هم أهل هذا الفن!!.
ينتفضون غضبا ويعلنون الحرب إذا انتقدت رواية واردة في البخاري أو طعن أحد في عدالة الراوي إذا كانت الرواية تشكل أساسا لرؤيتهم العقدية أو الفقهية!!.
أما إذا كان الأمر متعلقا برؤية غيرهم عندها يصبح التمحيص والطعن في عدالة الراوي بأوهى الأسباب واجبا شرعيا بل وجزءا من التكليف الإلهي الذي حمله السلفيون وأهمله كل من عداهم من المسلمين الغافلين المتقاعسين عن حماية الشرع والدين!!.
يرفضون استخدام العقل كأداة لتمحيص الروايات التي تروق لهم من خلال مقارنتها بما جاء في القرآن الكريم وبغيرها من الروايات المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يزعمون أنهم وحدهم أهل الدراية والرواية؟!.
أما أسلوبهم المفضل في الدراية فيقوم على (ربما ولعل) تماما كما حدث مع رواية رضاع الكبير (لعله أراد أن تحلبه في كوب!) و(ربما كانت حالة خاصة!!) ودعك من النص القرآني الواضح والمحكم (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) والمهم هو إسكات المخالفين... والله أكبر وليخسأ الخاسئون!!.
أما عن الرواية التي يزعمون أنهم أحق بها وأهلها فلو صحت النظرية السلفية القائلة بتقسيم الناس إلى سلف صالح وخلف طالح فما هي الحاجة لإعادة النظر فيما أنجزه السلف من كتب زعموا أنهم جمعوا فيها الصحيح وطرحوا منها ما ليس بصحيح؟!.
إنهم يرون أن من حقهم أن يقولوا وليس لنا إلا الإذعان والتسليم وإلا انهالت علينا تهم التبديع والتفسيق!!.
لنمض معهم في عملية إعادة النظر في أحوال الرواة من خلال ما يسمى (كتب الرجال) التي ألفها الذهبي والرازي وغيرهم لنرى بوضوح أن هذه الكتب لا تختلف شيئا عن بيت العنكبوت وأن جهابذة السلف لم يتبعوا قاعدة محددة في نقد الرجال وأن الأهواء السياسية والعقائدية قد لعبت دورا بارزا في رفع أناس إلى مرتبة الأنبياء والصديقين والغض من منزلة الكثير من أهل الصدق والفضل وغمص حقوقهم!!.
التوثيق والتضعيف!!
يزعم القوم أنهم أهل السنن وأهل السند وأهل الحديث وتراهم يتأبطون كتبا, لا أدري كيف يميزون من خلالها بين الغث والثمين والخطأ والصواب؟!.
خذ عندك كتاب (ميزان الاعتدال) للذهبي حيث يتصور البعض أنه  قاموس للرجال وكل ما عليك هو فتحه لتميز بين الخطأ والصواب.
أبو الزناد نموذجا!!
إنه أحد الرواة الذين وثقهم البخاري في (صحيحه) ودونك بعض ما قاله عنه الذهبي:
عبد الله بن ذكوان، أبو الزناد الإمام الثبت قال ابن معين وغيره: ثقة حجة وروي عن أحمد بن حنبل قال كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث قال البخاري أصح أحاديث أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عنه. قال يحيى بن معين قال مالك: كان أبو الزناد كاتب هؤلاء - يعنى بنى أمية - وكان لا يرضاه. حدثنا ابن القاسم قال: سألت مالكا عمن يحدث بالحديث الذي قالوا إن الله خلق آدم على صورته، فأنكر ذلك مالك إنكارا شديدا ونهى أن يحدث به أحد. فقيل له إن أناسا من أهل العلم يتحدثون به؟ قال: من هم؟ قيل: ابن عجلان، عن أبي الزناد فقال لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء ولم يكن عالما ولم يزل أبو الزناد عاملا لهؤلاء حتى مات.
وهكذا يدور الحديث حول راوية البخاري أبي الزناد ما بين توثيق سفيان واتهام مالك بن أنس له لأنه كان عاملا لبني أمية وهو ما يكفي من وجهة نظره (ووجهة نظرنا) لإهدار وثاقته واتهامه في ذمته الدينية خاصة وأنه كان يزعم أن آدم قد خُلق على صورة الله (تعالى الله عما يقول أبو الزناد علوا كبيرا)!!.
لن نسترسل في سرد العجائب والمتناقضات التي أوردها الذهبي وغيره من أصحاب (قواميس الرجال) المتخمة بالأسماء (11 ألف اسم) فقط نريد أن نعرف كيف يمكن لهؤلاء الجهابذة أن يقوموا بإعادة تمحيص الأسانيد بمجرد الإطلاع على هذه الكتب من دون دراسة التاريخ ومن دون مرجعية الراسخين في العلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا؟!.
سنة العرباض بن سارية!!
أحد أهم المستندات السلفية هي رواية (العرباض بن سارية): القائلة (وعظنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏موعظة ‏ذرفت ‏ ‏منها العيون ‏‏ووجلت ‏منها القلوب فقلنا يا رسول الله... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين).
ورغم أن العرباض بن سارية يقول "وعظنا.. قلنا.. عليكم" إلا أن أحدا غيره لم يرو هذه الرواية, رغم أنه يتحدث بصيغة الجمع؟!.  
السؤال الآخر لماذا أعرض السلفيون وغيرهم عن خبر الغدير وحديث الثقلين (من كنت مولاه فعلي مولاه..) رغم أنه منقول بالتواتر حيث جاوز عدد من رواه من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله مائة صحابي؟؟.
السلفية جسد بلا رأس!!
إن أردت أن تكون سلفيا فكل ما هو مطلوب منك أن تقصر ثوبك ما بين الكعبين والركبتين وأن تطلق لحيتك على سجيتها وأن تردد بعض المقولات وأن تنتقي شيخا من بينهم تروق لك فتاواه!!.
إن كنت من هواة الكر والفر وركوب الخيل المسومة أو السيارات المفخخة (سلفية جهادية) فهناك الجماعة الإسلامية سابقا أو القاعدة حاليا أما إن كنت من هواة السكون والدعة والأنعام والحرث أو فشلت مشاريعك الجهادية فهناك السلفية (العلمية) وكل ما هو مطلوب منك هو اقتناء بعض الكتب وتمضية ما تبقى من العمر في صحبتها والاكتفاء بسب ولعن (أصحاب البدع والأهواء) فالقماش واسع وفضفاض ويلبي كل الرغبات والأذواق وستجد في كتب ابن تيميه الفتاوى من كل صنف!!.
يقدم موقع (أنا السلفية) بعض النصائح للمريدين من بينها:
ابتعد عن السياسة واشتغل بطلب العلم واقرأ كتاب, مدارك النظر في السياسة بين التطبيقات الشرعية والانفعالات الحماسية للشيخ عبد المالك رمضاني وكتاب (القطبية هي الفتنة فاعرفوها) للعدناني أثابه الله .
اخلع (البيعة البدعية الحزبية) من عنقك وقل: في عنقي بيعة واحدة لحكام هذه البلاد حفظهم الله لا أرتضي غيرها.
الحزبيون لا يعملون بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح- إلا فيما وافق أهوائهم- بل يحاولون أن يُنشئوا فهماً جديداً يناسب العصر باسم الوسطية وفقه التيسير وفقه الواقع, ونسوا أو تناسوا قولَ الإمامِ مالك رحمه الله: (لا يُصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلحَ أوله(.
تحريم التظاهرات: اعلم أن هناك أمورا كثيرة قد حدثت في زمننا هذا ليست من شرع الله في شيء، وإنما يتعلق بها أناس يجهل الكثير منهم أو يتجاهل نصوص الشرع، وآثار السلف في النهي عن المحدثات في الدين، ويعظم الخطب حينما تنسب هذه الأمور المحدثة إلى دين الله كما يفعله بعض الناس ممن يفتي في القنوات الفضائية مخالفين بذلك هدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ومن هذه الأمور المستحدثة في دين الله المظاهرات حيث أصبحت ظاهرة مشهودة في كثير من بلاد المسلمين وقد صدرت الفتاوى بتحريمها من قبل كبار أهل العلم وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
أما جماعتي الإخوان والتبليغ حسب فتوى ابن باز فهما داخلتان ضمن الفرق الاثنتين والسبعين المبشرة بجهنم وبئس المصير!!  كما أن الإخوان وفقا لفتوى الشيخ الألباني ليسوا من أهل السنة لأنهم يحاربون السنة!! .
السلفية إذا لا تعدو كونها (سلفيات) بعضها ينزع إلى التطرف والبعض الآخر نشأ في أحضان النظم الحاكمة التي كانت وما زالت ترى فيهم سلاحا ناجعا للوقوف في مواجهة دعوات الإصلاح الديني والسياسي بعد تصنيفها في خانة البدع (المظاهرات) والهدف هو تكريس الإقطاع السياسي والديني الذي يراه هؤلاء ضرورة للاستقرار والاستمرار.
ورغم أن الأحداث والتجارب أثبتت أن السلفية سلاح ذو حدين إلا أن ميزتها الكبرى التي أمنت لها البقاء والاستمرار حتى الآن تتمثل في أنها قلما استخدمت سلاحها ضد العدو الخارجي ويكفي أن نذكر أن مؤسس السلفية في مصر  وقف مع الإنجليز في خندق واحد ضد ثورة 1919 مطالبا بالعمل على تصحيح العقيدة ومنع السفور بدلا من مناهضة الاحتلال!!!.
السنة والبدعة
أصابنا الوهابيون بالصداع من كثرة حديثهم عن البدع والأهواء وضرورة محاربة أهل البدع وعلى رأسهم الشيعة بكل تأكيد.
حذر رسول الله مرارا وتكرارا من الابتداع في أمر الدين أي التعبد بالأهواء والآراء ومخالفة سنته أي طريقته ومنهجه التي رسمها بوضوح للأمة في حياته وبعد مماته.
يروي ابن ماجة: عن ‏ ‏عبد الله بن مسعود ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏إنما هما اثنتان الكلام والهدي فأحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي ‏ ‏محمد ‏ألا وإياكم ‏‏ومحدثات ‏الأمور فإن شر الأمور ‏ ‏محدثاتها ‏وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ألا إن ما هو آت قريب وإنما البعيد ما ليس بآت ألا أنما الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره ألا إن قتال المؤمن كفر وسبابه فسوق ولا يحل لمسلم أن ‏ ‏يهجر ‏ ‏أخاه فوق ثلاث ألا وإياكم والكذب فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل ولا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الصدق يهدي إلى ‏ ‏البر ‏ ‏وإن ‏ ‏البر ‏ ‏يهدي إلى الجنة وإنه يقال للصادق صدق ‏ ‏وبر ‏ ‏ويقال للكاذب كذب وفجر ألا وإن العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذابا.
البدعة إذا هي اختراع أو إضافة إلى العبادات لم يرد بها نص أو سنة ثابتة واردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله.
التمييز بين السنة والبدعة يحتاج إلى علم وفهم ودراية نعتقد جازمين أن الوهابيين أبعد ما يكونون عنها.
يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّلٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حبالِ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ: أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ، لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فيَصُدَّ عَنْهُ، وَذلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءَ! (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)؟ و (أَنَّى تُؤْفَكُونَ)! وَالْأَعْلاَمُ قَائِمَةٌ،وَالْأَيَاتُ وَاضِحَةٌ، وَالْمَنَارُ  مَنْصُوبَةٌ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ؟ وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ؟ وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ، وَ أَعَلَامُ الدَيْنِ! وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ! فأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ القُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ. أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَ سَلَّمَ: «إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيِّت، وَيَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَلَيْسَ بِبَال»، فَلاَ تَقُولُوا بِمَا لاَتَعْرِفُونَ، فَإنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيَما تُنْكِرُونَ، وَاعْذِرُوا مَنْ لاَ حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ ـ وَ أَنَا هُوَ ـ أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الْأَكْبَرِ! وَأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ! قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإَيمَانِ، وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَفَرَشْتُكُمُ المَعْرُوفَ مِنْ قَوْلي وَفِعْلي، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلاَقِ مِنْ نَفْسِي؟ فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيَما لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَلاَ تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ .
التمييز بين الخطأ والصواب وتجنب الوقوع في البدع يقتضي أولا الالتزام بنهج الحق وهو نهج الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله.
أما نهج أصحاب الأهواء فهو الطريق الأمثل للقوع في البدع وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أما أن يتبع المسلمون كل ناعق وآخرهم ناعق الفتنة الوهابية كما هو حالهم الآن فلا تسل عن حالهم فقائدهم قد (تَسَمَّى عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّلٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حبالِ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ: أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ، لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فيَصُدَّ عَنْهُ، وَذلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءَ).
الآن أصبح من يقود هؤلاء لهم صورة إنسان وقلب حيوان لا يميز بين الهدى والردى وهو مضطجع في عالم البدع وهو من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!!.
الوهابيون المعاصرون (سدنة البدع) يسقطون الآن (بسم الله الرحمن الرحيم) من الفاتحة!!.
لماذا لم يسأل هؤلاء المبتدعون أنفسهم كيف ولماذا يسقطونها وهي مكتوبة في كل المصاحف في أول كل سورة عدا سورة التوبة؟!.
أليس كتاب الله هو المصدر الأول والأساس للتشريع وهو الكتاب الذي لا ريب فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟!.
نعود إلى عالم الروايات لنكتشف من هو أسوتهم في تحريف القرآن وإسقاط البسملة من الصلاة ومن ثم من القرآن.
روى الحاكم في مستدركه:
[ 851 ] حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي أنبأ عبد المجيد بن عبد العزيز عن بن جريج أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك قال صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن وكبر حين يهوي ساجدا هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بعبد المجيد بن عبد العزيز وسائر الرواة متفق على عدالتهم وهو علة لحديث شعبة وغيره من قتادة على علو قدره يدلس ويأخذ عن كل أحد وإن كان قد أدخل في الصحيح حديث قتادة فإن في ضده شواهد أحدها ما ذكرناه ومنها.
[ 844 ] سألت أبا زكريا العنبري وحدثنا به عن أبي عبد الله ثنا أحمد بن حازم بن أبي عزرة ثنا علي بن حكيم أنبأ المعتمر بن سليمان عن مثنى بن الصباح عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه جبرائيل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

[ 845 ] حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصغاني ثنا معلى بن منصور وأخبرنا أبو قتيبة سالم بن الفضل الآدمي ثنا القاسم بن زكريا المقري ثنا الحسن بن الصباح البزار قالا ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضى الله تعالى عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

[ 846 ] حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ أنبأ محمد بن محمد بن سليمان ثنا رحيم بن اليتيم وأخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد بن إسحاق العدل ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا محمد بن عمرو الضرير قالا ثنا الوليد بن مسلم ثنا بن جريج ثنا عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضى الله تعالى عنهما قال كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم فإذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم علموا أن السورة قد انقضت ولم يذكر رحيم سعيد بن جبير هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

[ 847 ] حدثنا أبو أحمد محمد بن محمد بن الحسين الشيباني ثنا أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي بمصر ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن بن جريج عن بن أبي مليكة عن أم سلمة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين يقطعها حرفا حرفا هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

[ 848 ] حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني وأخبرني أبو محمد بن زياد العدل في أول كتاب التفسير ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ثنا أبو بكر بن إسحاق الصغاني ثنا خالد بن خداش ثنا عمر بن هارون عن بن جريج عن بن أبي مليكة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فعدها آية الحمد لله رب العالمين آيتين الرحمن الرحيم ثلاث آيات مالك يوم الدين أربع آيات وقال هكذا إياك نعبد وإياك نستعين وجمع خمس أصابعه عمر بن هارون أصل في السنة ولم يخرجاه وإنما أخرجته شاهدا.

[ 849 ] حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ثنا أبي وشعيب بن الليث قالا ثنا الليث بن سعد وأخبرنا أحمد بن سلمان ثنا محمد بن الهيثم ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا الليث بن سعد حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال كنت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين قال آمين وقال الناس آمين ويقول كلما سجد الله أكبر ويقول إذا سلم والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وشاهده.

[ 850 ] ما حدثنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق العدل ببغداد ثنا إبراهيم بن إسحاق بن السراج ثنا عقبة بن مكرم الضبي ثنا يونس بن بكير ثنا مسعر عن محمد بن قيس عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
عندما اجترأ معاوية ابن أبي سفيان على إسقاط الفاتحة اتهمه أصحاب النبي الذين طالما صلوا وراء نبيهم صلى الله عليه وآله بسرقة الصلاة!!.
فماذا نقول في سراق الصلاة المعاصرين الذين لا يكفون عن سب وشتم بقية المسلمين واتهامهم بشتى أنواع التهم البذيئة الفاجرة لا لشيء سوى رفضهم الانصياع لمنطقهم الساعي لتدمير الدين باسم الدين!!.
أما البدعة الأكبر التي أتت بها الوهابية بلا ريب فهي زعمهم الفاجر أن بناء الأضرحة على قبور الأنبياء والصالحين بدعة وكفر وشرك في حين تقبل المسلمون طيلة هذا التاريخ الممتد إلى ما قبل ظهور البدعة الوهابية هذه الحقيقة بالتسليم ولم يجترئ أحد على هذا الزعم الفاجر إلا ربيب المخابرات البريطانية وصديق الصهاينة محمد ابن عبد الوهاب!!.
فمن هو المبتدع إذا ومن هو لص الصلاة الذي يرائي الناس بصلاته وقراءته للقرآن بالألحان؟!. ‏ 

سلفية أم وهابية؟!
لم يكن محمد بن عبد الوهاب صاحب نظرية ولا رؤية فقهية يمكن جمعها في إطار محدد متعارف عليه بل كان حسب رأينا مجرد أداة من الأدوات التخريبية التي استخدمتها المخابرات البريطانية لضرب الإسلام في عقر داره وقد نجحت في هذا نجاحا مذهلا حتى الآن.
البريطانيون هم أساتذة الخبث والدهاء في الدنيا بأسرها وهم كانوا في نفس التوقيت يدفعون ببعض الحركات الهامشية لمشاغلة العالم الإسلامي من الأطراف من أجل تشتيت الانتباه عن هجومهم الرئيسي على قلب العالم الإسلامي من خلال رأس الحربة الوهابي.
في الأطراف دفع الإنجليز بالبهائية والقاديانية لعلمهم أن هذه الحركات محكوم عليها بالفشل الأبدي والموت السريري لطرحها المتصادم مع أساسيات الدين الإسلامي خاصة ذلك الطرح المتعلق بإعادة فتح باب نزول الوحي.
لا زال البعض يصاب بحالة من التشنج كلما سمع كلمة بهائية أو قاديانية والمهم أنهم نجحوا في تشتيت انتباه المسلمين عن الهجوم الرئيسي القابع في بيوتنا جميعا الآن وبلا استثناء.
إنه الهجوم الوهابي الذي يهدف إلى تفريغ الإسلام من كل مضمانينه الرئيسية وأهمها تقديس مقام النبوة واحترامها وفتح الباب للتلاعب بنصوص الدين والأهم من هذا تأسيس حركة معادية لتراث النبي تسعى لمحو كل تراث النبوة من فوق الأرض باعتبار أن كل هذه أحجار تعبد من دون الله وصولا إلى هدم الكعبة التي هي أيضا أحجار مقدسة ولكنها تقصد ولا تعبد من دون الله.
ليست وهابية ولا سلفية بل همفرية صليبية إنجليزية متحالفة تحالفا أبديا مع الصهيونية ونهاية أحدهما تعني نهاية الآخر.

 

 

2 شوال 1426- 4-11-2005
منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحديث عن الوهابية أصبح مرادفا للحديث عن التطرف والإرهاب.
الوهابية ببركة الثراء المادي الذي ترفل فيه لم تكتف بالانتشار والتمدد في شرق العالم وغربه, بل وأصبحت معنية بملاحقة منتقديها وإسكاتهم في عقر دارهم حتى ولو كان الأمر متعلقا بمفتي مصر الشيخ الدكتور/ علي جمعة حيث قامت جريدة الرياض السعودية بالرد عليه قبل عام تقريبا من الآن عندما أفتى بجواز الصلاة في المساجد التي يوجد بها أضرحة حيث (أرجع سبب تحريم الوهابية الصلاة في هذه المساجد إلى خروجهم على الخلافة العثمانية!!! وأن الوهابيين جعلوا من بناء الخليفة العثماني للمساجد على القبور حجة لتكفيره، ومن ثم الخروج عليه مضيفا أنهم خرجوا على الدولة العثمانية، وتعاونوا مع الإنجليز والفرنساوية).
كما وصف كاتب المقال لغة الشيخ علي جمعة (بالمتدنية، والعامية الساخرة، التي كان يجب أن ينأى بمقامه ونفسه عنها)!!.
إنه رد تأديبي سعودي وهابي لمفتي الديار المصرية!!.
وبعيدا عن وصلة التأديب الشرعي للمفتي المصري والنفي العربي السعودي الرسمي التقليدي لواقعة التعاون الوهابي البريطاني فنحن نعتقد اعتقادا راسخا تؤيده الوقائع التاريخية أن ما نشاهده أمام أعيننا من تعاون ومودة سعودية غربية لم تبدأ فجأة يوم التدخل الفرنسي العسكري لإخراج جهيمان العتيبي من الحرم المكي كما أنه كان حدثا داخل السياق يوم التدخل الأمريكي لإخراج صدام حسين من الكويت حماية للنظام السعودي والأمر لا يمكن أن يكون مجرد حملة دعايات كاذبة أطلقها الحاقدون الحاسدون ومن بينهم الشيخ علي جمعة لتشويه الوهابية!!.
لو طال الزمان بالوهابيين في السلطة ودامت لهم الأموال فسنسمع من يزعم أن تلك الوقائع التي ذكرناها وعايشناها كانت جزءا من حملة علاقات عامة مشبوهة لتشويه الصورة الوهابية وأن عبد الوهاب كان مؤسسا لحركة دينية إسلامية تدعو للتسامح ونبذ العنف مثل المهاتما غاندي إلا أن هذا كان هندوسيا أما الشيخ فكان داعية التوحيد الذي هو حق الله على العبيد!!!!.
الجرأة التي دفعت كاتب الرد لوصف كلام المفتي المصري بأنه (يفتقر إلى الدقة التاريخية إلى درجة التدليس وأن الوهابية كانت هي الأساس الذي قامت عليه وحدة هذه البلاد وأن العثمانيين لم يكونوا مسيطرين على منطقة نجد، ولم يكن ذلك الحيز الجغرافي من الوطن العربي داخلا ضمن نفوذها العسكري أو السياسي أو الاقتصادي بل كانت هذه المنطقة عبارة عن إمارات ومراكز قوى مستقلة، حتى جاء الإمام محمد بن عبد الوهاب وتحالف مع الإمام محمد بن سعود، وأخضعا المنطقة لسلطة الدولة السعودية الأولى، ثم توسعت هذه الدولة حتى خرجت من النطاق النجدي وشملت أغلب أرجاء الجزيرة العربية) تحتاج إلى وقفة تأمل في مجمل الخطاب الإسلامي العربي المعتمد دوما على التلفيق والتزوير وتجاهل الحقائق.
والأهم من هذا أن استعانة كاتب المقال التأديبي (التربوي) بالكاتب العربي المغربي النهضوي القومي محمد عابد الجابري الذي يرى في نشأة الوهابية (بداية تاريخ النهضة العربية الحديثة، فلا نهضة مع الخرافة، ولا رجاء في تطور من يؤمنون بالخوارق والكرامات ويعتمدون على التواكل ويتجاهلون العمل) تكشف عن بؤس وتعاسة الحالة الفكرية العربية الإسلامية التي جرى تطويعها من خلال الرغائب والرهائب والسعي وراء لقمة العيش عفوا أعني وراء لقمة البقلاوة.
المفكر الجابري (العقلاني) يرى ألا (نهضة مع الخرافة ولا تطور لمن يؤمنون بالخوارق والكرامات) وكأن نهضة الأمة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال التعايش مع من يروجون للتكفير والقتل والإرهاب بينما يروج الآخرون لكرامات وفيوضات ومعجزات الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
العرب جلهم يؤمنون بالشيء ونقيضه ويحرمون الشيء عليك ويبيحونه لأنفسهم والفارق الجوهري بين كرامات أولياء الله الصالحين الحقيقيين خاصة أهل بيت العصمة والنبوة والتي جرى تكفير المسلمين وذبحهم بسببها وكرامات (الإمام عبد الوهاب) أن الأولى هي صناعة وطنية حقيقية جرى اعتبارها بدعة (وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) بينما جرى اعتبار الكرامات الوهابية الملفقة بدعة حسنة يثاب فاعلها في الدنيا والآخرة حتى ولو كان مفكرا عبقريا قوميا أو ماركسيا سابقا تاب وأناب وعاد إلى حضن إسلام ابن عبد الوهاب!!.
الوهابيون يكذبون كما يتنفسون
هب أن ما زعمه الوهابي المعاصر من (أن الوهابية كانت هي الأساس الذي قامت عليه وحدة هذه البلاد وأن العثمانيين لم يكونوا مسيطرين على منطقة نجد، ولم يكن ذلك الحيز الجغرافي من الوطن العربي داخلا ضمن نفوذها العسكري أو السياسي أو الاقتصادي بل كانت هذه المنطقة عبارة عن إمارات ومراكز قوى مستقلة، حتى جاء الإمام محمد بن عبد الوهاب وتحالف مع الإمام محمد بن سعود، وأخضعا المنطقة لسلطة الدولة السعودية الأولى، ثم توسعت هذه الدولة حتى خرجت من النطاق النجدي وشملت أغلب أرجاء الجزيرة العربية) كان صحيحا وهو ليس بصحيح!! فلماذا حاربت جحافل الوهابية الخلافة العثمانية وهاجمت المناطق التي كانت داخلة تحت سلطة هذه الدولة وهو أمر ليس موضع خلاف ولا جدال؟؟!!.
إن كان حقا ما يزعمون فمن الذي منحهم الحق في محاربة الخلافة العثمانية والتمدد ناحية مكة والمدينة غربا والعراق شرقا والشام شمالا رغم أنهم يحرمون الآن الخروج على أولياء أمور المسلمين؟!.
أما تمددهم ناحية الغرب وانتزاعهم للأماكن المقدسة من السلطة العثمانية فمشهور ومتواتر ومتفق عليه حيث يذكر مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر الحنبلي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أحداث 1221 هـ ص 139 ما نصه:
(فلما خرج سعود من الدرعية قاصداً مكة أرسل فرَّاج بن شرعان العتيبي  ورجالا معه… وذكر لهم أن يمنعوا الحجاج التي تأتي من جهة الشام واسطنبول ونواحيهما ، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه وأميره عبد الله العظم باشا الشام فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم وأن يرجع إلى أوطانه)
ويقول مفتخراً (ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب (أي بلاد المغرب العربي كله) وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم.
إنها نفس الواقعة التي ذكرها أمين الريحاني مؤرخ النظام السعودي الوهابي في كتابه (تاريخ نجد) حيث ينقل نص الرسالة التي أرسلها (سعود) إلى السلطان سليم الثالث: من سعود إلى سليم: أما بعد فقد دخلت مكة في الرابع من محرم سنة 1218 وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد ما هدمت ما هناك من أشباه الوثنية وألغيت الضرائب إلا ما كان منها حقا وثبت القاضي الذي وليته أنت طبقا للشرع فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء بالمحمل والطبول والزمور إلى هذا البلد المقدس فإن ذلك ليس من الدين في شيء وعليك رحمة الله وبركاته.
أي أن سعودا (رضي الله عنه؟!) كان مقرا بسلطة الخليفة العثماني حتى تلك اللحظة حتى أنه لم يقم بخلع القضاة الذين عينهم هذا الخليفة أي أنه نازع الخليفة في سلطته  رغم أن القوم يروون ويؤكدون أن (من جاءكم ليفرق جمعكم وأنتم على قلب رجل واحد فاضربوه بالسيف كائنا من كان)!!.
أما عن هجماتهم على شتى بقاع العالم الإسلامي الداخلة آنئذ في سلطة الدولة العثمانية فدونك ما ورد في كتاب (حاضر العالم الإسلامي) تأليف الأمير شكيب أرسلان ولوثردوب استودارت (حيث قامت جحافل الوهابية بغزو مدينة كربلاء فذبحوا قسما من أهلها ونهبوا المشهد الحسيني وحازوا كل ما فيه من تحف ونفائس تأتي إليه من زوار العجم ولم يثقل ذلك على ضمائرهم لأنهم ينظرون إلى كل من يعظم القبور نظرهم إلى الكافر).
ومتى كان لدى هؤلاء ضمير؟؟ وهم يكررون الآن تلك الجرائم في النجف وكربلاء بنفس الضمير المستريح؟؟!!.
(وحدثت فتنة بين الشريف غالب وأخيه عبد المعين بسبب النزاع على إمارة مكة فتغلب غالب على أخيه واستعان عبد المعين بابن سعود فزحف إلى الحجاز وهزم الشريف غالب واجتاح الطائف وتقدم إلى مكة فدخلها وهدم أضرحة الأولياء ورفع التحف والنفائس التي كانت مودعة في الحرم الشريف ثم أعادوا الكرة مرة أخرى فعادوا إلى الحجاز عام 1805 ودخلوا الحرمين وهدموا قبور الأولياء ونهبوا ما في الحرم الشريف من الجواهر والتحف وباعوها بالمزاد العلني وأذابوا قناديل الفضة والشمعدانات والآنية الفضية كلها ووزعوا أثمانها على حامية المدينة ثم توجهوا صوب مشهد الإمام علي عليه السلام في العراق وكبسوه بياتا فأحس بهم الخفراء فأيقظوا أهل البلد فثاروا بهم ودفعوهم عنهم وامتد الصريخ إلى الأعراب الذين حول النجف فجدوا في أثر الوهابيين فكسروهم وانقلبوا صوب السماوة وكان الأمير سعود بن عبد العزيز رجلا ماهرا في السياسة فرأى أنه ما دام مقاوما للسلطة العثمانية فلا بد أن يصافي أعداءها فتودد إلى شركة الهند الإنجليزية وإلى العجم وأمر جماعته بالحفاظ على قافلة الحج الفارسي).
أما عن تبريرهم للتمرد على (أولياء الأمور) من سلاطين بني عثمان وهو الأمر الذي حاول القوم نفيه من الأساس فلنستمع إلى أحد المنظرين الوهابيين المعاصري وهو الدكتور (عبد الله بن محمد العجلان) في كتابه (حركة التجديد والإصلاح في نجد في العصر الحديث) وهو يحاول البحث عن مخرج من هذا المأزق فيقول: (ولما بدأت حركة الإصلاح والتجديد في نجد لم تعرها الخلافة العثمانية أي اهتمام بل تركتها تتصارع مع قوى المعارضة الداخلية دون تدخل يذكر حتى وصل مد الدعوة إلى الحرمين الشريفين وسواحل البحر الأحمر وأطراف الشام والعراق وأعلنت مبادئ الدعوة في مواسم الحج بدأت الدولة العثمانية تنظر إليها بخطورة للدوافع الآتية:
1- اعتبار حركة الإصلاح والتجديد في نجد حركة سياسية غير مشروعة في ظل خلافة إسلامية قائمة ونذير خطر بتصدع الخلافة وتقطيع أوصالها.
2-  إن واجب الخلافة العثمانية نصرة أتباعها في المنطقة الذين ظلوا فيها على السمع والطاعة وتعرضوا للأذى في سبيل دينهم والسمع والطاعة لدولة الخلافة.
3- أن الدين يقتضي القضاء على تلك الفئات الخارجة عن الطاعة المفرقة لجماعة المسلمين وإمامهم والمنكرة لما هم عليه من عقائد.
ثم يقول ما نصه حرفيا (ومع أنني تتبعت رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومؤلفاته لرغبتي الشديدة في معرفة منهجه السياسي في الحكم ورده على ما أثارته المعارضة الخارجية (أي الدولة العثمانية) ضد دعوته من أنها حركة انفصالية غير مشروعة عن خلافة إسلامية قائمة مع ما أعرفه من عقيدة أهل السنة والجماعة من وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين برهم وفاجرهم ووجوب طاعتهم ما لم يأمروا بمعصية وتحريم الخروج عليهم ...
ومع كل ذلك لم أعثر على أي كلام للشيخ في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد يرد فيه على هذه المقولة أو يشرح وجهة نظره في هذا الأمر) ص 128-130.
الجواب الحقيقي معروف ولا حاجة لأي من الوهابيين أن يتعبوا أنفسهم في البحث عن مثل هذا الجواب!!.
إنها شهوة السلطة التي اجتمع إليها شهوة تكفير المسلمين فضلا عن الشبق الوهابي الدموي.


كيف نفهم الإسلام؟؟.
سؤال يتعين أن نجيب عليه قبل أن نناقش الشيخ عبد الوهاب شخصيا في أطروحاته إذ ليس كل ما يبرق ذهبا!!.
انقسم المسلمون قديما وحديثا إلى فريقين:
الفريق الأول وهم شيعة أهل البيت الذين يأخذون ويعملون بالحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي يوصي بأخذ أحكام الدين من خلال مصدرين هما (كتاب الله وأهل البيت) والرواية مشهورة وموجودة في كتب الفريقين والمعنى الذي استفاده الشيعة من هذا هو ولاية أهل البيت عليهم السلام وأنهم من يقتدى بهم ويتعلم منهم الفقه والعقيدة والقرآن.
الفريق الثاني (أهل السنة والجماعة) وهم يقولون أن الرسول لم يكن يعني شيئا عندما قال ما قال وبالتالي فليس هناك طبقة أو أسرة أو أهل بيت للنبي يتعين الاقتداء بهم أو الأخذ بهديهم!!.
هل التزم الفريق الثاني هذا المبدأ: (نفي تزكية الرسول لأهل البيت) وبالتالي نفي تزكيته لأهل أي بيت أو أي شخص من عوام المسلمين واعتباره ثقلا معادلا للكتاب؟؟!!.
الجواب لا وألف لا.
المطلع على أدبيات (أهل السنة) يرى بوضوح أنها تقوم هي الأخرى على مبدأ التزكية ولكنها تزكية ذاتية من صنع أيديهم.
فهم وحدهم ووسائل إعلامهم وأبواقهم وخطباؤهم من يملك حق التزكية بصورة حصرية مع أن الله تبارك وتعالى يقول (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) النساء 49.
ما نود قوله هنا أنه ليس من العدل ولا من الإنصاف ولا حتى من أدب الاختلاف أن تحكم بكفر غيرك بناء على سبب تبيحه لنفسك!!.
ولأن أمر الأمة قديما حديثا كان بيد الحكومات الظالمة وأدواتها الإعلامية ومن بينهم وضاع الأحاديث فمن المنطقي أن يجري تزكية قيادات مغايرة لقيادة أهل البيت ومنحهم ألقاب الإمامة والعصمة والحصانة والقيادة والتفاني في مدحهم والحديث عن كراماتهم المزيفة والمزعومة في حين يعد الحديث عن أئمة أهل البيت وفضلهم كفرا وغلوا بل وضلال مبين.
إنهم إذا لا يقومون بنفي التزكية بصورة مطلقة وسنرى بأم أعيننا كيف أن أجهزة الدعاية الوهابية تحاول أن تختلق لهذا الرجل نسبا لرسول الله وكأنه كان من (أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) ولا أدري كيف يمكن لصاحب عقل أو ضمير أن يصدق أن محمد بن عبد الوهاب قد أصبح إماما للأمة لمجرد أنه كان من ولد إسماعيل وأن نسبه يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وآله في (إلياس بن مضر) بينما يحرم أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله المباشرين (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) من مثل هذا الشرف ويعد القول بإمامتهم شركا وكفرا مبيحا للدم أو كما قال ابن عبد الوهاب.
محمد بن عبد الوهاب من أهل البيت!!!
يقول (منصور بن جدعان) في سيرة ابن عبد الوهاب والمصدر (منتديات خالد الفيصل)
http://www.khaled-alfaisal.com/vb/showthread.php?t=501
هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . أما والدة الشيخ محمد رحمه الله ؛ فهي بنت محمد بن عزاز بن المشرفي الوهيبي التميمي ، فهي من عشيرته الأدنين . انظر : علماء نجد خلال ستة قرون للبسام (1/26 ) .
فيقال : ( المشرفي ) نسبة إلى جده مشرف وأسرته آل مشرف ، ويقال: الوهيبي ) نسبة إلى جده وهيب جد الوهبية ، والوهبية يجتمعون في محمد بن علوي بن وهيب ، و هم بطن كبير من حنظلة ، و حنظلة بيت من بيوت بني تميم الأربعة الكبار . ويقال : ( التميمي ) نسبة إلى تميم أبي القبيلة الشهيرة ، والتي ورد فيها ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب العتق (3/122 ) وفي كتاب المغازي (5/115- 116 ) ومسلم في فضائل الصحابة برقم ( 198 ) عن أبي هريرة واللفظ هنا لمسلم : عن أبي زرعة قال : قال أبو هريرة : لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( هم أشد أمتي على الدجال ) ، قال : وجاءت صدقاتهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذه صدقات قومنا ) ، قال وكانت سبية منهم عند عائشة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعتقيها ؛ فإنها من ولد إسماعيل.
ثم يقول الرجل ) و يتضح من سرد نسب الشيخ المتقدم أنه يلتقي مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في إلياس بن مضر .!!!!
ولا يفوت كاتب السيرة الوهابية أن يضيف إليها تلك البهارات التقليدية التي اشتهرت بها كل السير الذاتية لشيوخ الحركة الوهابية من أنه المقصود دون غيره بالحديث (النبوي) الشريف باعتباره مجدد القرن وكل قرن وهي الرواية التي نقلها أبو داود عن أبي هريرة ونقلها عنه ابن كثير في الفتن والملاحم (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) تفرد به أبو داود ثم قال عبد الرحمن بن شريح لم يتحر شراحيل يعني أنه موقوف عليه ثم قال ابن كثير وقد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث ص 39. إنها ليست حديثا نبويا من الأساس كما أنها فتحت باب الدعاوى الواسعة لكل من أراد الزعامة والرياسة خاصة أن أحدا لا يعرف أين تقع هذه الرأس المئوية وهل هي وفقا للتقويم الهجري أم وفقا للتقويم الميلادي؟؟ وغيرها من الأسئلة التي لم نسمع لها يوما إجابة مقنعة من جماعة أتباع مجدد القرن.
كما أن أتباع الشيخ المستندين لهذه الرواية الواهية في إثبات زعامة زعيمهم وإمامهم مطالبون وإثباتا لصحة منهجهم أن يدلونا على مجدد القرن التالي وما بعد التالي لإمام الأمة الوهابي المجدد وإلا اعتبرنا أن الأمر كله لا يعدو كونه مجرد هراء.
وهو كذلك بالفعل.
ولاية وولاية!!
الغاضبون من ولاية أهل البيت التي جاءت بها عشرات الأحاديث والروايات الأقوى سندا ومتنا من تلك التلفيقات الوهابية الإخوانية والتي أقاموا عليها ولاية بديلة يقرون من حيث لا يشعرون أن الإمامة والولاية هي ركن ركين من أركان الدين وهم عندما تحدثوا عن إمام اسمه محمد بن عبد الوهاب أسندوا إليه كل تلك الفضائل والكرامات فهو من وجهة نظرهم مبعوث العناية الإلهية حيث يقول صاحب التعريف الذي تحدثنا عنه سابقا (لقد أذن الله سبحانه وتعالى بظهور دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني الهجري بعد أن أطبقت الجهالة على الأرض و خيمت الظلمات على البلاد وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين وانطمس نور الإسلام وخفي منار الحق والهدى وذهب الصالحون من أهل العلم فلم يبق سوى قلة قليلة لا يملكون من الأمر شيئاً واختفت السنة وظهرت البدعة وترأس أهل الضلال والأهواء وأضحى الدين غريباً والباطل قريباً حتى لكأن الناظر إلى تلك الحقبة السوداء المدلهمة ليقطع الأمل في الإصلاح و يصاب بيأس قاتل في أية محاولة تهدف إلى ذلك . للمزيد من أخبار هذه الحقبة راجع كتاب عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1/48 105 ) ولكن الله عز وجل قضى بحفظ دينه وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكان من رحمته تبارك وتعالى بهذه الأمة أن يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه انظر الحديث في صحيح سنن أبي داود برقم (3606 ) في كتاب الملاحم . فكان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بتوفيق الله عز وجل هو مجدد القرن الثاني عشر الهجري وهو أمر في حكم المتفق عليه انظر من قال من العلماء بهذا في كتاب  عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي (1/19 21 ) .
البعثة الوهابية والبعثة النبوية!!.
يمكنك أيها القارئ العزيز أن تقارن بين هذه البلاغات الواردة في حق شيخ الوهابية ووصف أحوال الناس قبل أن يبعث الله محمد بن عبد الوهاب ليكمل ما بدأه محمد بن عبد الله عفوا قبل أن  (يأذن الله سبحانه وتعالى بظهور دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني الهجري.. وكان من رحمته تبارك وتعالى بهذه الأمة أن يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ... هكذا بالحرف الواحد) وبين وصف الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لحال الناس قبل البعثة النبوية المشرفة خطبة 94 نهج البلاغة:     
(بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَة، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَة، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الأهواء، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيِّةُ الْجَهْلاَءُ حَيَارَى فِي زَلْزَال مَنَ الأمر، وَبَلاَء مِنَ الْجَهْلِ، فَبَالَغَ (صلى الله عليه وآله) فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ).
إنها إذا (بعثة محمد بن عبد الوهاب) ولن نقول نبوة محمد بن عبد الوهاب الذي جاء رحمة للعالمين والتي أكملت وأتمت ما بدأه خاتم الأنبياء والمرسلين.
أما الدليل على صحة هذه الخوارق والكرامات فهو محمد بن عبد الوهاب نفسه والسائرين على نهجه من دون العالمين تماما كثعلبنا العربي العظيم ثعالة الذي شهد له ذنبه الكريم!!.

الفارق الجوهري بين الشيعة وخصومهم أن الشيعة يؤسسون بناءهم على أساس متين بينما يؤسس الآخرون بنيانهم على أساس الهوى والإعجاب أي على شفا جرف هار (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  التوبة) 109-110

الغلو الوهابي والغلو الشيعي
يمكن للقارئ الكريم أن يذهب بنفسه إلى المواقع الوهابية المتخصصة في سب ولعن وتكفير الشيعة ليقرأ حيثيات الحكم بتكفيرهم (بسبب غلوهم في الأئمة) ويمكن له بعد شيء من التأمل أن يدرك أن هذا الغلو المزعوم هو غلو نظري بحت.
القوم يزعمون أن الشيعة (غلاة وكفرة) لأنهم يعتقدون أن أئمة أهل البيت لهم اطلاع على بعض أسرار الكون كما أن الله عز وجل منحهم ولاية تكوينية كتلك التي أعطاها ليوسف عليه السلام عندما قال (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا).
من ناحية أخرى وعندما نقرأ رسائل الشيخ عبد الوهاب صاحب كل تلك الصفات المذكورة آنفا سنرى أن مضمون الخطاب (الاعتدالي) للرجل يرتكز على أنه لم يكفر إلا من يراه مستحقا للتكفير ولم يقتل إلا من يحب أن يرى لون دمه الأحمر وتلك أمنية غالية لمجدد قرن الشيطان ينبغي الانحناء أمامها وتلبيتها على الفور!!.
ولا أدري أي نوعي الغلو أخطر من الآخر.
هل المغالاة في احترام وتقديس أئمة أهل البيت وهو من وجهة نظر الوهابية (انحراف عقائدي) أم الغلو الذي أدى وما زال يؤدي إلى تلك الأنهار الجارية من دماء المسلمين المحكومين بقانون التكفير الذي سنه عبد الوهاب؟؟.
(الغلو) في أهل البيت هو (غلو) تصوري بحت وهو لم يدفع هؤلاء لاستباحة دماء المسلمين ولا أموالهم بل على العكس من هذا أدى لاستباحة دمائهم من قبل الطغاة والظلمة على مدى التاريخ في حين أن الغلو الوهابي هو غلو دموي استئصالي لا دليل عليه ولا برهان من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وآله وكفى بالمرء جرما قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق!!.
سؤال يتعين على أصحاب العقول أن يجيبوا عليه بدلا من أن يكرروا على مسامعنا تلك الخرافات والترهات القائلة أن الوهابية حركة إصلاحية دعت إلى نبذ الشرك والوثنية والخرافات وأن الوهابية الأصلية ليست حركة تكفيرية وأن هؤلاء التكفيريين هم أناس منحرفون عن صراط الشيخ المستقيم!!!.
إنه نفس المنطق الذي يكرره المنتمون لجماعة الإخوان المسلمين عندما يزعمون أن إمام الجماعة المؤسس كان رمزا للحكمة والتعقل والدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة وهو ما يتناقض مع ما هو ثابت ومدون في ملفات الإخوان التاريخية من أنه أول من فتح ملف سفك الدماء في مصر المحروسة.
ترى ما هو سبب المأزق الذي يعيشه المسلمون الآن؟؟
هل هو الغلو الشيعي في أئمة أهل البيت وزيارة قبور الأئمة والتبرك بها؟؟ أم أنها تلك الحالة الدموية الوهابية التي دعت البعض لوصف العالم العربي بأنه منطقة موبوءة؟؟!!
أين انتهت بنا مسيرة الإصلاح (الوهابي- الجابري) التي أزاحت (الخرافة) وجاءت إلينا بالعلم والثقافة كما يزعمون؟؟!!.
هل يحتاج الأمر أن نعيد على مسامع القارئ الكريم ما فعله بنا الطالبانيون والبن لادنيون والجهاديون السلفيون وغيرهم ممن تربوا في محاضن تلك الثقافة التكفيرية وكيف وأين انتهت بنا مسيرة محاولة (إحياء العقيدة الصحيحة والقضاء على الأخرى الفاسدة)؟؟!!.
إنه السؤال الذي لا يرغب أحد في طرحه ومن ثم الإجابة عليه!!.
الحركات الإصلاحية تنطلق عادة من محاولة الإجابة على سؤال محدد.
لماذا تخلفنا ولماذا تقدم الآخرون؟؟.
كان من الممكن لهؤلاء وغيرهم أن يقوموا بقراءة التاريخ ليتعرفوا على الأسباب الحقيقية لضعف المسلمين وتخلفهم وتفرقهم خاصة في تلك اللحظات الحرجة التي حدث فيها الصدام بين العالمين الإسلامي والغربي عندما ظن أغلب هؤلاء أن بوسعهم إعادة تاريخ ولى وانقضى من خلال إطلاق دعوة دينية تؤسس لإقامة خلافة جديدة على أنقاض الخلافة العثمانية التي كانت تلفظ في تلك الأيام أنفاسها الأخيرة فكانت تلك الدعوات والحركات السياسية في الجوهر والأساس والتي تلفعت بالشعار الديني تماما كما فعل العباسيون عندما قدموا نظرية (التشيع العباسي) وراياته السوداء والذي كان مجرد شعار يلوكه الساسة المنافقون عندما تدهمهم الحوادث والخطوب ثم تم نسيانه تماما ولا أحد يدري الآن ماذا يعني هذا الشعار.
إذا فالقضية كانت في نظر هؤلاء خلافة جديدة يسعى القوم لإقامتها ولأن الخلافة الجديدة ينبغي أن تكون (إسلامية) ولأن ثمة حاجة ملحة لإسباغ (الشرعية) على البغاة الجدد ودعمهم في معركة انتزاع السلطة من البغاة القدامى فلا بد من توفير شيئين:
الأول: نزع الشرعية عن البغاة القدامى وهم كانوا في ذلك الوقت سلاطين بني عثمان.
الثاني: التشدق بشعارات إسلامية تحفز همم المقاتلين في (سبيل الله) وتريح ضمائرهم أثناء عمليات القتل والتدمير التي سيقومون بها (نصرة للدين في مواجهة الشرك والمشركين).
الوهابية حركة إصلاح ديني أم حركة سياسية
يقول (لوثر دوب ستودارد) في كتابه حاضر العالم الإسلامي وهو الكتاب الذي صدر في بداية القرن الماضي وتحت عنوان (اليقظة الإسلامية):
في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ ومن التدني والانحطاط أعمق دركة... وأما الدين فقد عشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية سجفا من الخرافات وقشور الصوفية وخلت المساجد من أرباب الصلوات.. وفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته إذا بصوت يدوي من صحراء شبه الجزيرة مهد الإسلام يوقظ المؤمنين ويدعوهم إلى الإصلاح وهو صوت المصلح الشهير محمد بن عبد الوهاب (1700-1787) الذي أشعل نار الوهابية فاشتعلت واتقدت واندلعت ألسنتها إلى كل أنحاء العالم الإسلامي الذي أخذ يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة مجد الإسلام القديم ولما مات سنة 1787 خلفه ابن سعود فكان خير خليفة للمصلح السعودي الكبير الذي أخضع نجدا ثم أخذ يستعد لعمل أكبر ألا وهو إخضاع جميع العالم الإسلامي ونشر الإصلاح فيه فجعل نصب عينه تحرير الأماكن المقدسة فكر على الحجاز في صدر القرن التاسع عشر بمقاتليه المشتعلين حماسة دينية وكان له ما أراد من الاستيلاء على الأماكن المقدسة حيث لم يستطع الأتراك الصمود في وجه الوهابيين وهم في نظرهم أهل الارتداد والجحود ومغتصبو الخلافة اغتصابا من العرب وبينما كان ابن سعود يعد العدة لفتح سوريا وكان العالم يخيل إليه أن الوهابيين سيتدفقون على الشرق تدفقا ويصنعون ما شاءه الله من الإصلاح في العالم الإسلامي... غير أن ذلك لم يكن حيث أستصرخ الأتراك محمد علي والي مصر واستكفاه أمر القضاء عليهم فسرعان ما أجاب نداء السلطان وما هي إلا مدة قصيرة حتى استرد الأماكن المقدسة ورُدَ الوهابيون على أعقابهم فانقلبوا إلى الصحراء فاختفت الإمبراطورية الوهابية للحال اختفاء السراب وأرخي الستار على الدور السياسي الوهابي بيد أن خاتمة الدور السياسي كان فاتحة الدور الديني فقد ظلت نجد بؤرة تشتعل فيها نيران الغيرة الدينية). ا.هـ
حاضر العالم الإسلامي ج1 ص259-263.
هذه هي وجهة نظر الأمريكي ستودارد التي سجلها أوائل القرن العشرين وربما قبل أن تتمكن الوهابية من الاستيلاء ثانية على الأماكن المقدسة لتبقى عهدتها حتى الآن.
إنها صفحة مطمورة من تاريخ تلك الحركة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها خوفا من العقاب حتى ولو كان شيخنا علي جمعة مفتي الديار المصرية الذي ما إن اقترب منها حتى تلقى تلك الركلة الجزائية الوهابية.
إذا فالحركة الوهابية ومنذ نشأتها كانت تسعى لتأسيس تلك الإمبراطورية وإخضاع العالم الإسلامي كله حتى أن ابن سعود كان يتأهب لغزو سوريا لولا أن (الله قيض له) محمد علي باشا حاكم مصر ليقضي على ذلك الحلم الوهم وينتهي الأمر بالوهابية لتصبح مجرد دولة كغيرها من دول العالم العربي ولكننا على كل حال ما زلنا نعتقد أن تلك الأحلام الإمبراطورية ما تزال مخزونة في العقل الوهابي الذي يسعى عبر ميليشياته الدعوية والجهادية وقنواته الفضائية ورشاواه المليونية لتحقيق ما فشل في تحقيقه في القرن التاسع عشر.
إنها أحلام إمبراطورية ولكن بأدوات ميليشياوية!!!.
ثم يكرر لوثر دوب ستودارد نفس القصة في الفصل الذي كتبه عن (الجامعة الإسلامية) مؤرخا لبدء ظهورها (باستيلاء ابن سعود على الأماكن المقدسة معتبرا أنها الخطوة الأولى في سبيل فتح العالم الإسلامي قاطبة فتحا إصلاحيا دينيا تتلوه الوحدة السياسية العامة بين جميع الممالك الإسلامية ولكن لما سقطت الوهابية دون مبتغاها العظيم أخذ الاضطراب السياسي على أثر ذلك يشتد في العالم الإسلامي بصورة واسعة) ص 291 ج1.
ويسجل المؤلف الأمريكي حقيقة بالغة الأهمية وهي أن هذا الاضطراب (كان في الواقع منبعثا عن الروح الوهابية ويعد باعتبار الحقيقة والغاية نعيا على الممالك الإسلامية انحطاطها السياسي وعلى الحكام والأمراء فقدانهم الهيبة والسلطان فلهذا لم يكن الوجل من الغرب أو العداء له هو الباعث على انتشار الاضطراب الإسلامي في أول عهده لأن أوربا لم تكن في ذلك الوقت قد حاولت فتحا كبيرا في العالم الإسلامي سوى استخلاصها بعض الأصقاع من تركيا الأوربية وجزائر الهند وأما هو الفتوح العظمى فلم يكن قد ظهر بعد, غير أن أشباحه كانت تقترب شيئا فشيئا) ص292.
إن هذا الكلام يشير إلى حقيقة بالغة الأهمية يجري الآن تجاهلها وهي أن هذه الحركات بخطئها وصوابها لم تنشأ كردة فعل على الاحتلال والتغريب كما يردد البعض الآن بلا وعي بل هي حركات مدفوعة بدوافع ذاتية لم يكن التصدي للخطر الغربي والغزو الأجنبي يومها من بين تلك الأسباب والدوافع.
إنها نفس الدوافع الذاتية التي أدت إلى انقلاب العباسيين على الأمويين ثم استيلاء الأتراك العثمانيين على السلطة وتأسيسهم لدولة الخلافة العثمانية.
ومن هنا يصبح من الضروري أن نميز تمييزا دقيقا بين الحركات التحررية الجهادية التي ظهرت في هذا الوقت والتي يمكن أن تظهر في أي وقت سواء رفعت الشعار الديني أو الوطني وتلك الحركات السياسية التي تهدف للاستيلاء على السلطة حتى ولو رفعت الشعار الديني ويبقى في النهاية أن السلطة هي الهدف والشعار الديني هو المطية لتحقيق هذا الهدف.
إنهم أولئك الذين طلبوا الدنيا بعمل الآخرة مهما تلفعوا بالشعارات أو صلوا وصاموا وعلى رأس هؤلاء بكل تأكيد المنتمين للحركة الوهابية.

الوهابية وتكفير المسلمين:
بعد أن تكلمنا عن البعد السياسي للحركة الوهابية سنرى بوضوح أن الحركة الوهابية هي حركة تكفيرية تحكم على كل من لا يلتزم بالمانيفستو الوهابي المسمى كتاب التوحيد بالكفر والخروج من ربقة الإسلام وأن هذا التكفير كان جزءا من عملية ترتيب وتحزيب المسلمين إلى فريقين فريق موال هو حزب السلطة أو الدولة الوهابية القادمة وفريق معاد يتعين إخضاعه وتأديبه بالحديد والنار تحت وطأة الاتهام بالكفر والمروق من الملة الإسلامية بعد أن أصبحت العقيدة الوهابية عقيدة الحركة ثم تحولت لتصبح عقيدة الدولة!!.
العقيدة الإسلامية من الأساس قامت على إثبات صفة الإسلام لكل من نطق بالشهادتين وهي صفة لا يحق لكائن من كان أن ينزعها عن صاحبها إلا أن يقوم هو بإعلان الكفر.
التكفير الديني الوهابي هو المقابل (الإسلامي) لعقيدة الحرمان الديني الكنسي ذلك السلاح الذي استخدمه الباباوات لإسكات الأصوات المعارضة لسياسات الكنيسة الحاكمة وليس للدين المسيحي نفسه.
العقيدة لا ينقضها إلا عقيدة مقابلة ولا يمكن القبول أبدا بأن العقيدة تنقضها الذنوب والآثام التي يرتكبها المنتسبون إلى الدين.
كما أن التاريخ الإسلامي في أدواره السابقة لم يعرف أبدا ما يمكن وصفه بالتكفير المؤسساتي وباستثناء هبات الخوارج الذين مارسوا دورهم دوما كحركة معارضة فإن الحالة الوهابية التي تحولت إلى دولة مثلت خروجا على تلك القاعدة.
إننا نؤكد أولا على هذه المعاني قبل التطرق لمناقشة المانيفستو الوهابي تفصيليا لنثبت منذ البدء ألا حق لهؤلاء من الأساس في محاكمة غيرهم من الناحية العقائدية فما بالك إذا كانت المحاكمة قد أنشئت من الأساس على قواعد فاسدة جملة وتفصيلا.

أساس التكفير الوهابي؟؟!!.
رغم أن المنافقين في ضلالهم وبغيهم وعتوهم ومحاربتهم للإسلام من داخله هم من دون أدنى شك في الدرك الأسفل من النار ومع ذلك لم يصدر الرسول أمرا بإخراجهم من الملة أو طردهم من حظيرة الإسلام.
إذا أعلن شخص ما إسلامه أصبح له كل أحكام الإسلام وعليه كل هذه الأحكام بما فيها قانون العقوبات الإسلامي الذي يجرم القتل فيقتل القاتل بجريمته لا بسبب ردته ويعاقب السارق والزاني ومن يقذف الأبرياء بجريمته لا بردته ويقاتل البغاة المتمردين على الدولة المسلمة بسبب بغيهم وعدوانهم لا بسبب كفرهم.
الحديث عن الجوانب العقائدية والسلوكية هو الآخر حديث ذو شجون وعلى سبيل المثال فإن الله تبارك وتعالى يقول (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف 110. والشرك المعني هنا هو ما يقابل إخلاص العبادة لله الواحد القهار والتوجه له وحده بالعبادة والطلب والسؤال ولكنه لا يقابل الكفر والجحود أو الخروج من الملة الإسلامية.
الشرك في العبادة لا يعني الكفر ولكنه يعني نفي الإخلاص ويعني عدم صدق النية ولكنه لا يعني أبدا نفي صفة الإسلام على من وقع في هذا المحظور.
كثير من المسلمين يجعلون عبادتهم رياء واستعراضا وكلها أمور وأخطاء محلها القلب فضلا عن أنه لا مجال للجزم بأن هذا أو ذاك هو من المرائين ثم اتهامهم  من باب أولى بأنهم من الكفار المشركين.
الآية الكريمة تطالب (المسلمين) من حملة الصفة بإخلاص العبادة لله رب العالمين ولكنها لا تعطي بحال من الأحوال مبررا لنزع الصفة عن أولئك الذين افتقدوا هذا الإخلاص كما أنها لا تعطي لكائنا من كان حق الحكم على قلوب العباد ومدى إخلاصهم لله في عبادتهم فهو سبحانه وحده من (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).
القرآن الكريم كان واضحا وحاسما في قطعه السبيل على من يسعون لإقامة محاكم للتفتيش عن النوايا والبحث عما في داخل الصدور ومن ثم إصدار الأحكام على هذا بالكفر وعلى غيره بالشرك الأصغر أو الأكبر حسب زعمهم.
الله تبارك وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء (94).
كما أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان أكثر وضوحا عندما حذر من شق الصدور بحثا عن أدلة وبراهين تثبت تلك الجريمة المفترضة والحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في البخاري (عن ‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏قال: ‏‏بعث ‏ ‏علي بن أبي طالب ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من ‏ ‏اليمن ‏ ‏بذهيبة ‏ ‏في أديم ‏ ‏مقروظ ‏ فقسمها بين أربعة نفر بين ‏ ‏عيينة بن بدر ‏ ‏وأقرع بن حابس ‏ ‏وزيد الخيل ‏ ‏والرابع إما ‏ ‏علقمة ‏ ‏وإما ‏ ‏عامر بن الطفيل ‏ ‏فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال فبلغ ذلك النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء قال فقام رجل ‏ ‏غائر ‏ ‏العينين مشرف الوجنتين ‏ ‏ناشز ‏ ‏الجبهة ‏ ‏كث ‏ ‏اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال يا رسول الله اتق الله قال ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله قال ثم ولى الرجل قال ‏ ‏خالد بن الوليد ‏ ‏يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لا لعله أن يكون ‏ ‏يصلي فقال ‏ ‏خالد ‏ ‏وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إني لم أومر أن ‏ ‏أنقب ‏ ‏عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم).
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يؤمر بشق بطون الناس ولا قلوبهم رغم أن كثيرا من المصلين هم بالفعل ممن يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فمن الذي منح ابن عبد الوهاب أو غيره مثل هذا الحق؟؟!!.
الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين وانهزموا يوم أحد كان من بينهم من (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) ومع ذلك فلم يكفرهم أحد أو يتهمهم بالشرك رغم أن القرآن وصفهم بأنهم أقرب للكفر منهم للإيمان.
(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ* وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) آل عمران (166- 167)
أما على مستوى الذنوب التي يرتكبها العباد من حملة صفة الإسلام فإنها لا تتيح لكائن من كان أن يحكم عليهم بإخراجهم من الملة ودونكم ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عندما خاطب الخوارج الحمقى بقوله:
فإنْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلِّلونُ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله)بِضَلاَلِي، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي، وَتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوِبي! سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ البَراءةِ وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ.
وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) رَجَمَ الزَّانِيَ [الْـمُحْصَنَ] ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ، وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ، وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الُْمحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ; فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بِذُنُوبِهمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللهِ فِيهمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الاِْسْلاَمِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ. ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ، وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ!.
إي والله إنهم شرار الناس ومن رمى بهم الشيطان من أراد هدم الإسلام والقضاء عليه من داخله ولا شك أن هدف الشيطان الأول هو نقض عرى الإسلام عروةً عروة وبث الفرقة وإعلان الحرب بين أبناء أمة لا إله إلا الله.
الكلام الوارد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقطع الطريق على ذلك الصنف من الخوارج من أصحاب بدعة تكفير أهل الذنوب والمعاصي وهو ما يبدو مختلفا للوهلة الأولى عن بدعة التكفير الوهابي (الأخير زمانه) الذي جاء بما لم يأت به الأوائل من تكفير المخالفين لما ورد في المانيفستو الوهابي المسمى بكتاب التوحيد.
إلا أن الناظر المدقق سرعان ما يكتشف الخدعة الوهابية الكبرى وأن الأمر كله لا يختلف في قليل ولا كثير عما فعله من خاطبهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
تمثلت الخدعة الوهابية في ذلك التدرج بدءا من التأكيد على أهمية الاعتقاد بوحدانية الله عز وجل وكأن التوحيد هو عمل مستقل وقائم بذاته عن منظومة العقيدة الإسلامية أو كأنه اكتشاف جديد يسمع عنه المسلمون لأول مرة ثم الحديث عن وجوب نفي الشرك عن الأعمال العبادية التي يقوم بها المسلم ثم النص على أن بعض الأعمال دون بعض هي من الأمور التي توقع في الشرك ثم اعتبار من يقوم بهذه الأعمال كافرا وخارجا من الملة وأخيرا إعلان الحرب عليه ثم استباحة دمه تطبيقا للمانيفستو الوهابي التكفيري المسمى بكتاب التوحيد.

الوحدانية والأحدية:
الغريب أن الشيخ عبد الوهاب في كتابه المسمى بالتوحيد لم يستشهد ولو لمرة واحدة بسورة الإخلاص وهي السورة التي تعدل ثلث القرآن كما هو مشهور (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
إنها تعدل ثلث القرآن لأنها جمعت في سطر واحد منظومة العقيدة الإسلامية حيث يفسرها الشيخ الطوسي في كتابه (التبيان في تفسير القرآن):
وهذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله أن يقول لجميع المكلفين (هو الله) الذي تحق له العبادة (أحد) ومعناه واحد فقوله (هو) كناية عن اسم الرب لأنهم قالوا ما ربك؟ قال هو الله أحد وقوله (الله) ابتداء وخبره (أحد) وأصل (أحد) وحد فقلبت الواو همزة وقد جاء وحد على الأصل وحقيقة الوحد شئ لا ينقسم في نفسه أو معنى صفته فإذا أطلق أحد من غير تقدم موصوف فهو واحد نفسه فإذا جرى على موصوف فهو أحد في معنى صفته فإذا قيل الجزء الذي لا يتجزأ واحد فهو واحد في معنى صفته وإذا وصف تعالى بأنه أحد فمعناه أنه المختص بصفات لا يشاركه فيها غيره من كونه قديما وقادرا لنفسه وعالما وحيا وموجودا كذلك وأنه تحق له العبادة لا تجوز لأحد سواه ولا يجوز أن يكون (أحد) هذه هي التي تقع في النفي لأنها أعم العام على الجملة أحد والتفصيل فلا يصلح ذلك في الإيجاب كقولك ما في الدار أحد أي ما فيها واحد فقط ولا أكثر ، ويستحيل هذا في الإيجاب وفى قوله (الله أحد) دليل فساد مذهب المجسمة لان الجسم ليس بأحد إذ هو أجزاء كثيرة وقد دل الله بهذا القول على أنه أحد فصح أنه ليس بجسم.
والمعنى الذي نستخلصه من هذه السورة العظيمة التي اشتملت على التوحيد الإلهي الحقيقي هو أن الله تبارك وتعالى واحد أحد إذ أن كل أحد واحد وليس كل واحد أحد.
إنها أحدية الذات والصفات فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وبينما يثبت الوهابيون للخالق عز وجل صفات جسدية تنافي الأحدية الإلهية, حيث يقول في معرض تفسيره لحديث رسول الله ص (من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله - إثبات الصفات، خلافاً للأشعرية)!!! ص 4 أي أنه يثبت لله سبحانه صفة الوجه face.
الوجه ليس مجرد صفة بل هو (جزء) من الرأس أي أنه سبحانه وتعالى عما يقول الوهابيون علوا كبيرا له رأس والوجه هو الجزء الأمامي من الرأس كما أن الوهابيين يثبتون لله عز وجل صفات جسدية أخرى لا تقتصر على هذه الصفة مثل الأذنين واليدين والرجلين!!!!.
أي أن الله تبارك وتعالى في التصور الوهابي كائن يتكون من أجزاء وهو على شاكلة المخلوقات!!! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.
ولكي نزداد فهما للمسألة ننقل خطبة إمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام وهي أول خطبة نقلها الشريف الرضي في نهج البلاغة.
الحَمْدُ للهِ الَّذَي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلاِ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، ولاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُمجْتَهِدُونَ، الَّذِي لاَ يُدْركُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ. فَطَرَ الخَلائِقَ بِقُدْرَتِهَ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ.
أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإخلاص لَهُ، وَكَمَالُ الإخلاص لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ: «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ: «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنُهُ.
كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم، مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شيء لا بِمُزَايَلَة، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ والآلة، بَصِيرٌ إذْ لاَ مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ وَلاَ يَسْتوْحِشُ لِفَقْدِهِ.
أَنْشَأَ الخَلْقَ إنْشَاءً، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً، بِلاَ رَوِيَّة أَجَالَهَا، وَلاَ تَجْرِبَة اسْتَفَادَهَا، وَلاَ حَرَكَة أَحْدَثَهَا، وَلاَ هَمَامَةِ نَفْس اضطَرَبَ فِيهَا.
الدين يقوم أولا على معرفة أن الله تبارك وتعالى هو الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى وله صفات الكمال والجلال والجمال ولا تكتمل هذه المعرفة إلا بالإيمان بما جاء به رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإعلان الخضوع والخشوع له سبحانه ولا يكتمل هذا التصديق والإيمان إلا بإفراده سبحانه وتعالى بالألوهية وشهادة ألا لا إله إلا الله ولا يكتمل الإيمان بالله إلا بإخلاص العبادة له دون سواه من دون شرك ولا رياء ولا يكتمل الإخلاص إلا بنفي صفات المخلوقين عن الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وهي بدهية عقلية إيمانية لشهادة كل موصوف أنه غير الصفة وشهادة كل صفة من صفات المخلوقين أنها غير الموصوفين.
فلا يقال كما يزعم الأشاعرة أن الله تبارك وتعالى عالم بعلم أو حي بحياة إذ أن الحياة والعلم صفات غير الحي فالإنسان حي بحياة ممنوحة له من خالقه وعالم بعلم اكتسبه بالتعلم وكلها صفات يمكن أن تزول عن الإنسان المخلوق فلا تفقده صفة الإنسانية فيقال مات فلان بعد أن صعدت روحه إلى بارئها ويقال عالم وجاهل إلى آخر تلك الصفات البشرية الاكتسابية التي توجد في شخص ولا توجد في غيره وتوجد في الشخص نفسه ثم تزول إلى آخر ما هو معلوم من الصفات الإنسانية.
الشيخ عبد الوهاب سيرا على نهج شيخه ابن تيميه غير راض على المعتقد الأشعري لأنه اكتفى بإثبات سبع صفات نفسية زائدة عن الذات الإلهية أي (سبع آلهة مع الله) بينما يريد هو جريا على نهجه التيموي أن يضيف إلى تلك الصفات النفسية الزائدة صفات أخرى جسدية مثل الوجه واليدين ومن لا يصدقنا فليرجع إلى تلك المسألة في كتب القوم والتي لا يخفف من بشاعتها تلك الإضافة الاحترازية (وجه ولكن ليس كوجوه المخلوقات!! رجل ولكن ليس كأرجل المخلوقات!!! يدين ولكن ليست كأيدي المخلوقات!!!) إلى آخر تلك الخرافات والترهات التي لا تختلف في شيء عن العقائد الوثنية البدائية.
الإمام علي بن أبي طالب الذي جحد الوهابيون وغيرهم إمامته يتدرج في تعليم الناس التوحيد الحقيقي وفقا للتسلسل الآتي:
أولا: بالإقرار بأن للكون إلها (أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ) وهو ما يعتقده أغلب البشر من المسلمين وأهل الديانات الأخرى وربما ممن لا يؤمنون بدين معين ولكنهم يؤمنون بوجود إله خالق من دون اتفاق على تحديد صفته.
ثانيا: ما يترتب على المعرفة وهو الإيمان والتصديق (وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ).
ثالثا: ما يترتب على التصديق وهو الشهادتين لا إله إلا الله (وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ).
رابعا: وأخيرا يأتي الإخلاص المترتب على التوحيد (وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الاِْخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ) سواء كان الأمر متعلقا بنفي الشريك أو نفي الشبيه.
الوهابية.. تكفير مستهدف
خطوة..... خطوة
على عكس المنهج العلوي التوحيدي الذي هو امتداد بكل تأكيد للنهج المحمدي النبوي يأتي النهج الوهابي أي التكفير السياسي الذي يستهدف المسلمين الذين لا يؤمنون بالولاية السياسية للسلطة الوهابية.
الخطوة الأولى:
تتمثل في إقناع الناس أن صفة المسلم الموحد لا تنطبق على كل من قال لا إله إلا الله بل أن الاعتراف الوهابي بإسلام غيرهم متوقف على عدة شروط (مراغمة لقوله تعالى: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا...) حيث يقول (إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله) أنه ترك الشرك ليس قولها باللسان بل هناك شروط (أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: (لا إله إلا الله) وتبين لك خطأ المغرورين) ومن بين هذه الشروط ما جاء (في حديث عتبان). ص 4 التوحيد.
متى كان الإقرار بالشهادتين وإعلان الدخول في الإسلام بحاجة لاعتراف أو قبول من أحد من البشر كائنا من كان؟؟!!.
ومتى كان القبول والإقرار بشهادة لا إله إلا الله متوقفا على شرط أو شروط كما زعم ويزعم الخوارج القدامى والمعاصرون؟؟!!.
إنها كارثة بل ومؤامرة بل وفتنة أخلاقية وسياسية ودينية كان من المحتم والضروري على المسلمين أن يستنفروا جهودهم لإجهاضها ورفضها ولكن أي مسلمين؟؟ في زمن عز فيه الرجال أو كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ! حُلُومُ الأطْفَالِ، وَعُقُولُ رَبّاتِ الحِجَال).ِ 
إنه نفس المنطق الذي اعتمده سيد قطب في تكفيرياته المسمى (معالم في الطريق) عندما ميز بين ما أسماه "الوجود الاعتقادي والوجود الشرعي" لإعلان الشهادتين واعتبر أن شهادة أن لا إله إلا الله لا توجد فعلا ولا تعتبر موجودة شرعا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودا حقيقيا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلما أو غير مسلم حيث يقول:
(والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام على مدار التاريخ البشري هي قاعدة شهادة أن لا إله إلا الله أي إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية إفراده بها اعتقادا في الضمير و عبادة في الشرائع وشريعة في واقع الحياة فشهادة أن لا إله إلا الله لا توجد فعلا ولا تعتبر موجودة شرعا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودا حقيقيا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلما أو غير مسلم) ص-55 الفصل نفسه.
إنه نفس المنطق الوهابي الذي يضع شروطا على قبول إعلان لا إله إلا الله من دون أن نعرف من الذي منح الشيخ عبد الوهاب هذا الحق ولماذا لا يعتبر هذا الادعاء ضربا بالغ الخطورة من ضروب الغلو والانحراف في حين يعتبر القوم أن التمسك بولاية أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كفرا ومروقا وخروجا من الملة؟؟!!.
عفوا أيها السادة!!! فقد نسيت أن نسب الشيخ يلتقي مع نسب الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند إلياس بن مضر مثلما يلتقي نسبه مع بني أمية عند عبد مناف ولذا فهم أقرب إليه من فاطمة وعلي ومن ثم (فالأقربون أولى بالمعروف)!!.
ويا أمة ضحكت من جهلها وغبائها الأمم!!.
الخطوة التكفيرية الثانية!!
الرياء شرك أصغر!!
ورغم ما ذكرناه سابقا من أن الرياء يعني نفي الإخلاص لله تبارك وتعالى ولكنه لا يعني بحال من الأحوال نفيا للإسلام أو إثباتا للخروج من حظيرة الإيمان ولو كان الأمر كذلك لأعلن رسول الله صلى الله عليه وآله أن المنافقين خارجون من الملة وأصدر قرارا بحرمانهم وتجريدهم من صفة الإسلام رغم أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم وبالتالي فالتحذير من الرياء هو مطالبة بتصحيح النية لله تبارك وتعالى خوفا على صاحب العمل من فقدان الأجر والثواب فيأتي يوم القيامة ليفاجأ بضياع كل شيء (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) الفرقان (23)
ورغم أن الرياء بالفعل هو نوع من الشرك القلبي الخفي الذي يتعين على المسلم أن يتنزه عنه في عمله وعبادته إلا أنه ليس كفرا ولا يخرج صاحبه من الملة إلا أن صاحبنا قد أدخله فيما يسمى بنواقض التوحيد تمهيدا لما هو آت من البلاء والهراء!!!.
حيث يقول تحت عنوان تفسير التوحيد ما يلي ص10 تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وقول الله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب)  الآية وقوله: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآءُ مما تعبدون * إلا الذي فطرني) الآية. وقوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) الآية. وقوله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله) الآية.
ثم يقول ص 11 آية الإسراء، بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
ومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لادعائهم إياهم.
ومنها قول الخليل (عليه السلام) للكفار: (إنني برآء مما تعبدون * إلا الذي فطرني) فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون).
ومنها: آية البقرة: في الكفار الذين قال الله فيهم: (وما هم بخارجين من النار) ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف لمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟!.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) وهذا من أعظم ما يبيِّن معنى (لا إله إلا الله) فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، وياله من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع.
ثم يفسر لنا في كتابه المهلهل الذي أصبح دستورا لأمة جاهلة مهلهلة معنى عبادة الصالحين فيقول:
(أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين قال تعالى: ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ). وفي (الصحيح) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: (وقالوا لا تذرُنَّ  آلهتكم ولا تذرُنَّ  وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً ) قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عبدت). وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) [أخرجاه]. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو).
ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاً. فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده، تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
الثانية: معرفة أول شرك حدث على وجه الأرض أنه بشبهة الصالحين.
الثالثة: أول شيء غيّر به دين الأنبياء، وما سبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم.
الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، فالأول: محبة الصالحين، والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئاً أرادوا به خيراً، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد.
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدعة سبب الكفر.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه.
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.
الثانية عشرة: معرفة: النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.
الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه، فهو الكفر المبيح للدم والمال.
الخامسة عشرة: التصريح أنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده.
العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء.
ثم يقول تحت عنوان ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده.. في (الصحيح) عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها في أرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله).
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين، فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما عنها قالت: (لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال ـ وهو كذلك ـ : ((لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً، [أخرجاه].
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك).
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن ـ وهو في السياق ـ من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبْنَ مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجداً، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد) [رواه أبو حاتم في صحيحه].
فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجداً يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك.
الثالثة: العبرة في مبالغته صلى الله عليه وسلم في ذلك. كيف بيّن لهم هذا أولاً، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
السابعة: أن مراده صلى الله عليه وسلم تحذيره إيانا عن قبره.
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجداً.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجداً وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
ثم قال ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله فقد روى مالك في (الموطأ): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: (أفرءيتم اللات والعزى) قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. [رواه أهل السنن].
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان.
الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: وهي من أهمها – معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
التاسعة: لعنه زَوَّارَات القبور.
العاشرة: لعنه من أسرجها.
ثم قال تحت عنوان: حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم  ) الآية.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.
وعن علي بن الحسين: أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم). [رواه في المختارة]. انتهى.

قصة أصنام قوم نوح:
يزعم الشيخ أن سبب كفر بني آدم هو الغلو في الأنبياء والصالحين وكأنه أراد أن يقول أن هؤلاء سبب كل بلاء وأصل العلة والداء.
أما دليله القاطع الذي لا يقبل التأويل (؟!) فهي تلك الأسطورة التي رواها البخاري وغيره في مسانيدهم عن تلك الأصنام التي عبدها قوم نوح وهي قصة تفتقر إلى سند أو دليل ولا يمكن اعتبارها سندا إلا على سبيل الاستدلال وتقريب الأفهام.
وسواء كانت هذه الأصنام والتماثيل مصنوعة على صورة قوم صالحين أو طالحين أو حتى من نسج الخيال فإنها في النهاية أصنام وآلهة تعبد من دون الله وما هي علاقة أمة لا إله إلا الله بعبادة الأصنام؟؟.
القصة المفترضة كما رواها البخاري وغيره قالت أن الأمر كان متعلقا منذ البدء بأصنام صنعت على صورة هؤلاء المشار إليهم وكان أن عكف القوم عليها إلا أن ابن القيم تلميذ ابن تيميه أضاف إليها كلمة قبورهم من عنده لزوم الشحن العقائدي واستثارة همم الغوغاء فقال (لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم) وهو ما يتفق مع ما ذكرناه من قبل من منهج التكفير المتدرج خطوة.. خطوة ليتمكن من عقول جمهورنا الجاهل الذي لا يدقق فيما يقال له ولا يلاحظ أن الأمر في البداية كان متعلقا بأصنام وأن كلمة قبور قد أضيفت بعد ذلك لزوم استغفال الجماهير المغفلة والتي لا تدري من أمر دينها شيئا!!!.
ومن ثم فالأمر كله لا يعنينا في قليل أو كثير.
كما أنه لا وجه للمقارنة بين أمة التوحيد أمة لا إله إلا الله وبين عبدة الأصنام الذين بعث الله نبيه نوح إليهم ليخرجهم من عبادة الأوثان إلى عبادة الله الواحد القهار ولا مجال على الإطلاق للمقارنة بين أمة محمد من أهل الإجابة وأمة نوح من أهل المعاندة والعصيان الذين انتهى بهم الأمر إلى الغرق والهلاك إلا إذا كان الشيخ عبد الوهاب يرى نفسه نبي التوحيد الجديد وتلك هي الطامة الكبرى.
لم يخبرنا محمد بن عبد الوهاب مبعوث العناية الإلهية البريطانية إلى الأمة الإسلامية عن وجه التشابه بين قوم نوح يوم أن أرسله الله إليهم وحال المسلمين يوم أن أرسله المستر همفر إلينا وهل كان قوم نوح قبل نوح يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون في المساجد ويصومون شهر رمضان ويحجون إلى بيت الله الحرام أم أنهم كانوا كفارا لا يؤمنون بدين وينكرون بعثة نوح عليه السلام من الأساس؟!.
لو كان كفر قوم نوح (قبل نوح) بسبب غلوهم في الأنبياء والصالحين كما يزعم محمد بن عبد الوهاب فلماذا لم يطالبهم نبي الله نوح عليه السلام بترك الغلو كما خاطب القرآن الكريم النصارى بقوله (لا تغلوا في دينكم غير الحق)؟؟!!.
اقرأ معي كلام الله تبارك وتعالى المتضمن لخطاب نبي الله نوح عليه السلام لقومه.
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ) .
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) .
كفر قوم نوح كما كفر الذين من قبلهم وكما كفر الذين جاءوا من بعدهم بسبب تحقير الأنبياء والصالحين والحط من مكانهم والعدوان عليهم لا بسبب الغلو في شأنهم كما يزعم الوهابيون.
لا شك أن المنهج الوهابي يقوم من الأساس على مجموعة من المغالطات اللفظية وتنحية القرآن والعترة الطاهرة من ساحة الحوار ومن أهم تلك المغالطات هو تكرار استخدام كلمة (قوم نوح) لدرجة أن ضحية التضليل الوهابي لا يعرف ماذا يقصد ابن عبد الوهاب على وجه التحديد وهل يقصد من آمن بنوح أو من أُرسل إليهم نوح؟!.
لو قلنا (قوم محمد) لتبادر إلى الذهن على الفور أولئك المؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله أما لو قلنا (قريش) لفهم السامع أن المقصود هم كفار قريش مثل أبي جهل وأبي لهب.
الإكثار من استخدام مصطلح (قوم نوح) يهدف إلى خداع السامع الذي سيتصور أن الأمر يتعلق بمن آمن بنوح عليه السلام ولكنه ويا للحسرة والندامة غلا في الصالحين والغلو في الصالحين هو السبب الوحيد للكفر كما يسعى ابن عبد الوهاب لإقناعنا!!.
مرة أخرى نقول ونؤكد على أن قصة أصنام قوم نوح (الكافرون به) لا تعنينا نحن المسلمون في شيء لأنها تتعلق بأناس منكرون لنبوة نبي الله المبعوث لهدايتهم إلى عبادته وحده لا شريك له.

الغلو في الإسلام
الإسلام هو ثالث وخاتم الديانات التوحيدية الكبرى التي عرفتها البشرية بعد اليهودية والمسيحية.
الآفة الكبرى التي ضربت بني إسرائيل هي بغضهم وكرههم لأنبياء الله وقتلهم النبيين بغير حق والغريب أن محمد بن عبد الوهاب مبعوث العناية البريطانية الهمفرية الذي يزعم أن الغلو في الصالحين هو أصل الكفر والضلال لم يذكر حرفا واحدا عن جريمة قتل الأنبياء والصالحين التي استمرأها اليهود قتلة الأنبياء ومن سار على نهجهم من قتلة أهل بيت النبوة أو عن جريمة الحسد المرضي الذي دفع هؤلاء وهؤلاء لإنكار نبوة الأنبياء وإمامة الأئمة ومازالوا يحذروننا من الغلو الذي هو سبب وقوع البشرية بأسرها في الكفر كما يزعم الرجل وأتباعه الذين يتكاثرون الآن تكاثر البعوض.
من البديهي أن من يقدمون على ارتكاب هذا النوع من الجرائم هم أبعد ما يكونون عن الغلو الذي هو مبالغة في التقدير والتقييم يدفع الغلاة لإخراج من يعشقون ويحبون من دائرة البشرية فيحلقون بهم إلى ما فوق الإنسانية ويمنحونهم بعض أو كل صفات الألوهية وهذا هو حال النصارى الذي رفعوا عيسى عليه السلام من مرتبة البشر المخلوق إلى مرتبة الألوهية!!.
يقول تعالى (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) .
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) .
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) .
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) .
وحدهم البلهاء هم الذين يصدقون أن جريمة بني إسرائيل الوحيدة تمثلت في غلوهم في الأنبياء والصالحين في حين يحكي القرآن عنهم العجب العجاب في تعاملهم مع أنبيائهم (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُـكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ) .
الحقد والحسد اللذين يقودان إلى البغي كانا السبب وراء كفر اليهود بنبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) .
أما النصارى فهم النقيض المطلق لليهود وهم الذين أخرجوا نبي الله عيسى بن مريم من دائرة البشرية وأسبغوا عليه صفات الألوهية وزعموا أنه ابن الله ولذا يخاطبهم القرآن محذرا ومنبها لهم من هذا الخطأ الفادح.
يقول تعالى:
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً* لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا) .
(مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) . 
لو كان الغلو في نبينا محمد صلى الله عليه وآله هو الخطر الأوحد الذي يهدد المسلمين الموحدين بالخروج من حظيرة الإيمان والدخول في دائرة الشرك لاكتفى القرآن بالتحذير منه ولم يحذر مما هو أخطر منه وهو إيذاء النبي صلى الله عليه وآله والانتقاص من شأنه.
وبينما يؤكد القرآن على بشريته لكننا لا نرى نصوصا قرآنية تحذر من الغلو فيه أو نقله من مرتبة البشرية إلى مرتبة الألوهية نظرا لاختلاف طبيعة من آمنوا به عمن آمنوا بعيسى عليه السلام.
في معرض التأكيد على بشريته يقول سبحانه:
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) .
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ) .
السبب الأساس الذي حال بين كثير من الأمم والجماعات وبين الإيمان والانقياد للرسل هو بشريتهم واستنكار الكفار الغوغاء لإمكانية أن يبعث الله تبارك وتعالى بشرا رسولا وهذه سورة الإسراء تحكي لنا عن هذا الحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين المنكرين من قومه:
(وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً* وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلاَّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً) .
وهناك ما ورد في سورة التغابن: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) .
أما في سورة إبراهيم فيحكي لنا القرآن عن الحوار الذي دار بين الأنبياء والمنكرين لرسالتهم: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ) .
وهناك ذلك الحوار الذي دار بين نبي الله صالح عليه السلام وقومه المكذبين (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) .
قد يرد البعض بأن هذا كان حالهم قبل الدخول في الدين وأنهم بعد ذلك انتقلوا من إنكار النبوة بسبب بشرية النبي إلى الغلو فيه وتأليهه وهو منطق لا ينهض على ساقين لأن الداخلين في الدين هم صنفان لا ثالث لهما.
الفريق الأول هو المؤمنون الخلص الذين يتبعون أثر نبيهم ويتعلمون منه ويصدرون عن أمره ونهيه والفريق الثاني هم المنافقون الذين دخلوا في الدين ظاهرا وبقوا على كفرهم في الحقيقة أي أنهم عادوا إلى أصل معتقدهم القائم على إنكار النبوة وبغض النبي وبث الشكوك في صدقه والتآمر عليه وعلى المؤمنين الخلص.
انتقل بغض المكذبين لنبي الله من حال الإنكار الجلي إلى موقف التربص والإنكار الخفي الذي يحاول التخفي والتنكر وراء أستار التقوى والورع ليواصل حربه الضروس من الداخل بعد أن عجز عن مواصلة القتال وجها لوجه.

المعركة مع رسول الله
حارب رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وحورب من فريقين الفريق الأول هم الكفار المعلنون بعدائهم له ولدعوته والفريق الثاني هم المنافقون المندسون بين صفوف المسلمين.
يقول الإمام علي بن أبي طالب: وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): "إِنِّي لاَ أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلاَ مُشْرِكاً أَمَّا الْمُؤمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللهُ بِإِيمَانِهِ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللهُ بِشِرْكِهِ،لكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مَنَافِقِ الْجَنَانِ، عَالِمِ اللِّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ،وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ" .
لم نسمع أن أسلوب المنافقين في حربهم على رسول الله وعلى الإسلام قام على أساس الغلو فيه!!.
إنها أكذوبة سمجة لا يصدقها إلا جاهل أو غبي أو شقي!!.
وما أكثر هؤلاء وهؤلاء بين المنتمين إلى أمتنا قديما وحديثا.
لنقرأ ما جاء في كتاب الله عن هؤلاء الذين آذوا رسول الله ونزلت آيات القرآن تفضحهم وتدينهم وتعريهم ورغم ذلك ما زلنا نسمع كثيرا من الحمقى والمغفلين يرددون كلاما لا يفقهون منه حرفا واحدا عن الغلو في مقام النبي ويزعمون أن هذا الغلو هو مصدر البلاء وأصل العلة والداء!!.
يقول تعالى في سورة التوبة: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيـْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ) .
(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا) .
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) .
كان هذا عرضا لحال بعض المسلمين في تعاملهم مع رسول الله وما ورد في القرآن من تحذير وتهديد لهم بحرب من الله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير كل هذا بسبب سوء أدبهم وتعاملهم الفظ مع مقام النبوة الرفيع.
كانت قلوب القوم تحترق بغضا وحسدا لرسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله لعلو مكانته ورفعة شأنه فتدفعهم دفعا لارتكاب الحماقة تلو الحماقة والبذاءة تلو البذاءة في حقه صلاة الله وسلامه عليه.
أين هذا من غلو النصارى في عيسى بن مريم؟؟.
هل نزل قرآن يحض النصارى على احترام نبي يرونه إلها أم نزل قرآن يتلى يحض المسلمين على التأدب في حضرة نبيهم ويزجرهم عن رفع صوتهم على صوته أو البدء بالتحدث قبل ان يبدأهم هو عليه افضل الصلاة وأتم السلام؟!.
لماذا لم يسأل أولئك الذين يرددون كلاما ببغائيا لا يعرفون له أصلا ولا معنى عن الغلو في شخص النبي ذلك الغلو الذي يخرج صاحبه من الملة عن السبب وراء تكرار الأمر الإلهي للمسلمين باحترام نبيهم وتوقيره بدلا من أن يطالبهم بإسباغ المزيد من صفات البشرية على ذاته الطاهرة؟!.
يقول تعالى:
(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) .
أما من الناحية الواقعية فقد بذلت جماعة المنافقين التي أبطنت الكفر وأصرت على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وآله كل ما في وسعها من جهد بعد استلامها السلطة خاصة في الحقبة الأموية وبذلت أقصى ما يمكنها للحط من مقام النبوة من خلال اختلاق الروايات التي تجعل من خاتم الأنبياء بشرا عاديا يصيب ويخطئ ويرتكب المعاصي ويقدم المشورة الخاطئة للناس فتتسبب في إلحاق الأذى والخسارة بهم وغيرها وغيرها من الإساءات التي لا تمحى في حق النبي وأهل بيته الطاهرين.
أي حمق وفجور هذا الذي يبيح لهؤلاء أن يقولوا أن سبب ضلال البشرية وكفرها هو الغلو في الصالحين وليس الحط من شأنهم وإنكار مقامهم عند الله ثم الإقدام على قتلهم من دون شفقة ولا رحمة كما فعل أشباه البشر ممن ساروا على درب أسلافهم من بني إسرائيل حذو القذة بالقذة؟!.
ما هو الفارق الجوهري بين هؤلاء وبني إسرائيل الذين نسبوا إلى أنبيائهم السكر والمعاصي والفجور بالمحارم أقله من حيث المبدأ لا من حيث التفصيل؟!.
لقد امتلأت كتب القوم بالكثير والكثير مما يمكن إدراجه بسهولة ويسر تحت لائحة الحط من شأن النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله ولا أظن أن المسلمين كانوا بحاجة إلى مزيد من الانتقاص من مقام النبوة قبل أن يطلع علينا محمد بن عبد الوهاب من حيث يطلع قرن الشيطان ليطالب بمزيد من تخفيض مقام النبوة وكأن ما قام به أسلافه لم يكن ليكفي ويفي بالمطلوب أو يحقق الهدف الموضوع من قبل قيادة عموم المنافقين المعادين لنبي الرحمة وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
يقول مسلم في كتابه المسمى بالصحيح: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي.
- (2361) حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي وأبو كامل الجحدري. وتقاربا في اللفظ. وهذا حديث قتيبة. قالا: حدثنا أبو عوانة عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه. قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل. فقال "ما يصنع هؤلاء؟" فقالوا: يلقحونه. يجعلون الذكر في الأنثى فيتلقح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أظن يغني ذلك شيئا" قال فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه. فإني إنما ظننت ظنا. فلا تؤاخذوني بالظن. ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به. فإني لن أكذب على الله عز وجل".
140 - (2362) حدثنا عبدالله بن الرومي اليمامي وعباس بن عبدالعظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري. قالوا: حدثنا النضر بن محمد. حدثنا عكرمة ابن عمار حدثنا أبو النجاشي حدثني رافع بن خديج قال: قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وهم يأبرون النخل. يقولون يلقحون النخل. فقال "ما تصنعون؟". قالوا: كنا نصنعه. قال "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا" فتركوه. فنفضت أو فنقصت. قال فذكروا ذلك له فقال "إنما أنا بشر. إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشيء من رأي. فإنما أن بشر" قال عكرمة: أو نحو هذا. قال المعقري: فنفضت. ولم يشك.
141 - (2363) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد. كلاهما عن الأسود بن عامر. قال أبو بكر: حدثنا الأسود بن عامر. حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وعن ثابت، عن أنس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون. فقال "لو لم تفعلوا لصلح" قال فخرج شيصا. فمر بهم فقال "ما لنخلكم؟" قالوا: قلت كذا وكذا. قال "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
إنها البشرية في أسوأ صورها عندما يتدخل شخص فيما لا يعنيه ولا يفقه فيه فيقدم للناس مشورة دنيوية خائبة لا لشيء إلا ليقول لهم في النهاية لا تكترثوا لما قد أقدمه لكم من مشورة في الأيام الآتية ما لم تكن مختومة بخاتم الفتوى الدينية.
هل يتفق درس المشورة الفاشلة بتأبير النخل مع ما يتعين على كل مسلم أن يتعلمه من الحكمة والقصد وأن لا يفتي إلا بعلم؟!.
الجواب معلوم ولا يحتاج إلى بيان وقد أوردنا الآيات التالية من سورة الإسراء لنبين للناس أن الفتوى بغير علم منافية للحكمة الإلهية التي جاء رسول الله يعلمها للأمة الإسلامية وللبشرية بأسرها.
يقول تعالى:
(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا) .
الرسول يهذي!!
بعض تلك الأعاجيب كانت من صنع الكذابين ومزوري الأحاديث مثل أسطورة تأبير النخل التي أصبحت دستورا لمن يرغبون في تنحية الدين جانبا باعتبار أنكم أعلم بشئون دنياكم!!.
ممن؟!.
من رسولنا الذي قال عنه رب العزة: (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) .
البعض الآخر من الروايات تندرج في إطار التحذير والإنذار الذي أشرنا إليه آنفا من الوقوع في جريمة إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله.
من بين تلك الجرائم كانت واقعة التطاول على مقام النبوة عشية موته صلى الله عليه وآله وهي الواقعة التي ذكرها رواة الأحاديث.
يقول مسلم في مسنده:
(1637) حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد (واللفظ لسعيد). قالوا: حدثنا سفيان عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير. قال: قال ابن عباس: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلت: يا ابن عباس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه. فقال (ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي) فتنازعوا. وما ينبغي عند نبي تنازع. وقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه. قال (دعوني. فالذي أنا فيه خير. أوصيكم ثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم). قال: وسكت عن الثالثة. أو قال فأنسيتها.
قال أبو إسحاق إبراهيم: حدثنا الحسن بن بشر قال: حدثنا سفيان، بهذا الحديث.
21 - (1637) حدثنا إسحاق بن إبراهيم. أخبرنا وكيع عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أنه قال: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم جعل تسيل دموعه. حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا) فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يهجر.
22 - (1637) وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد (قال عبد: أخبرنا. وقال ابن رافع: حدثنا عبدالرزاق). أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر ابن الخطاب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم (هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده). فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع. وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت. فاختصموا. فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قوموا).
قال عبيدالله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم.
القصة الأولى تبين أن القوم يعتقدون أن النبي محمد الذي هو خير الخلق وأعلم أهل الأرض من الأولين والاخرين الذي اصطفاه الله على العالمين هو من وجهة نظرهم مجرد ناقل رسائل من السماء إلى الأرض وكان مجرد (أذن) كما حكى رب العزة على لسان المنافقين قبل أن يرد عليهم في سورة التوبة (قُلْ أُذُنُ خَيـْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ)!!.
الواقعة الثانية التي حال فيها القوم بين رسولنا وبين كتابة وصيته لعلمهم بانها لن تتوافق مع أهوائهم ولا مانع لدى القوم من اتهام رسول الله بأنه يهجر أو يهذي بكلام غير مفهوم!!.
هل رأيت احتراما وتقديسا من أمة لنبيها يفوق هذا التقديس والاحترام؟!.
عمر بن الخطاب وتأليه النبي؟!
الجرأة على الحق والحقيقة وحالة الغفلة والذهول التي اعترت كثيرا من المسلمين جعلتهم يصدقون ادعاءات ذلك الأعرابي الجلف عن الغلو في النبي محمد وينساقون وراءه إلى هاوية سحيقة في الدنيا واخرى أكثر عمقا في الآخرة.
(فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً * كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) .
لنرجع إلى ما فعله عمر بن الخطاب يوم صلح الحديبية لنتأمل في الكلمات التي قالها والنقل عن ابن القيم في زاد المعاد.
فبينا هُم كذلك، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده قَدْ خَرَج من أسفل مكة حتى رَمَى بنفسه بين ظُهورِ المُسلمين، فقال سهيل‏:‏ هذا يا محمدُ أول ما أقاضيكَ عليه أن تَرُدَّهُ إلىَّ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنَّا لم نقضِ الكتابَ بعد‏)‏، فقال‏:‏ فواللهِ إذاً لا أُصَالحك على شىء أبداً، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فَأَجِزْهُ لى)‏، قال‏:‏ ما أنا بمجيزه لك‏ قال‏:‏ ‏(‏بلى فافعل)‏، قال‏:‏ ما أنا بفاعل‏.‏ قال مِكرز‏:‏ بلى قد أجزناه‏.‏ فقال أبو جندل‏:‏ يا معشرَ المسلمين؛ أُرَدُّ إلى المشركين، وقد جِئتُ مسلماً، ألا ترون ما لقيتُ ‏؟‏ وكان قد عُذِّبَ في اللهِ عذاباً شديداً، قال عُمَرُ بنُ الخطاب‏:‏ واللهِ ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذ‏.‏ فأتيتُ النبى صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ يا رسولَ الله؛ ألستَ نبى الله حقاً ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بلى)‏، قلتُ‏:‏ ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بلى)‏، فقلتُ‏:‏ علامَ نُعطى الدَّنيَّةَ في ديننا إذاً، ونَرْجِعَ ولما يَحْكُم اللهُ بيننا وبينَ أعدائنا ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إنِّى رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ نَاصِرِى، وَلَسْتُ أعْصِيهِ)‏، قلتُ‏:‏ أوَ لستَ كنتَ تُحدثنا أنَّا سنأتى البيتَ ونطوفُ به ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَام)‏‏؟‏، قلتُ‏:‏ لا‏.‏ قالَ‏:‏ ‏(‏فإنَّكَ آتيهِ ومُطَّوِّفٌ به‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فأتيتُ أبا بكر، فقلتُ له كما قلتُ لِرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، وردَّ علىَّ أبو بكر كما ردَّ علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، وزاد‏:‏ فاستَمْسِك بِغَرْزِهِ حَتَّى تَمُوتَ، فواللهِ إنَّه لَعَلى الحَقِّ‏.‏ قال عُمر‏:‏ فعملت لذلك أعمالاً‏.‏ فلمَّا فرغ مِن قضية الكتاب، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قُومُوا فَانْحَرُوا، ثم احْلِقُوا‏)‏ فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رجلٌ واحد حتى قال ذلك ثلاثَ مرات، فلما لم يَقُمْ مِنْهم أحد، قام فدخل على أُمِّ سلمة، فذكر لها مَا لَقِىَ مِنَ الناس، فقالت أُمُّ سلمة‏:‏ يا رسُول الله؛ أَتُحِبُّ ذلك ‏؟‏ اخرُجْ ثم لا تكلِّم أحداً منهم كلمة حتى تَنْحَرَ بُدْنَك، وتدعو حَالِقَكَ فيحلقَكَ، فقام، فخرج، فلم يُكَلِّمْ أحداً منهم حتى فعل ذلك‏:‏ نحر بُدنة، ودعا حَالِقه فحلقه، فلما رأى الناسُ ذلك، قامُوا فنحروا، وجعل بعضُهم يَحْلِقُ بعضاً، حتى كادَ بعضُهم يقتُلُ بعضاً غماً.
هل كان المسلمون بعد كل هذا البلاء والغباء في حاجة لأن يتعلموا دينهم مرة أخرى من جلف بدوي من أجلاف العرب يقول لهم: أن هذه الإهانات التي اعتدتم على إلحاقها بمقام النبوة لا تكفي أنها تعد تأليها له وعليكم ان تعيدوه مرة إلى المكانة التي يستحقها ولا يصح له أن يتجاوزها باعتباره مجرد مبلغ رسائل من السماء أو (طارش) كما يقولون وان عصاه التي يتوكأ عليها هي أنفع للبشرية من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله؟!.
إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
(وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء) .
أعداء الأنبياء
أثبتنا سابقا مدى خطأ وفجور ما أطلقه محمد بن عبد الوهاب عندما ادعى أن أصل الكفر والشرك هو الغلو في الصالحين وها نحن ننتقل إلى الحديث عن أسوأ وأخبث أعداء الدين ألا وهم أعداء الأنبياء.
يقول تعالى:
(قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) .
ويقول سبحانه:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً *  أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) .
حتى لو صح ما يدعيه الوهابيون من غلو البعض في الأنبياء غلوا يخرجهم من صحيح الاعتقاد فما هو المبرر لغض الطرف عما هو أخطر من الغلو ألا وهو معاداة الأنبياء دعوة وشخصا؟!.
ليس هناك فارق على الإطلاق بين معاداة الأنبياء شخصا ومعاداة دعوتهم لأن الله تبارك وتعالى هو من اصطفاهم وفضلهم على سائر الخلق وأرسلهم رحمة للعالمين.
التذرع بالاعتبارات القبلية أو الشخصية لتبرير العدوان على مقام النبوة والانتقاص منها أمر غير مقبول على الإطلاق خاصة بعد نزول الوحي على الرسول والنبي ومنذ تلك اللحظة يصبح نصب العداء لأي من رسل الله إعلان بالحرب والعداء لله رب العالمين خالق الأكوان ومنشئها ومعيدها في الحياة الأخرى ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
التفرقة المنهي عنها ليست بين الرسل كما يزعم بعض المفسرين بل هي بين الله ورسله وهي تفرقة تهدف كما يبدو واضحا جليا من النص القرآني إلى ترك بعض التكاليف والواجبات المتعين أداؤها نحو الرسل لأن الأمر ثقيل على هذه النفوس المريضة بداء النفاق المهلك والمميت لكل من ابتلي به.
لا مجال للتسوية بين الرسل والأنبياء إلا في أصل الإيمان أي وجوب الإيمان بهم جميعا (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) .
أما ما عدا ذلك فلدينا النص القرآني الواضح: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) .
المصداق الأبرز للتسوية الواجبة في أصل الطاعة بين الله ورسوله تتمثل في قوله تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) .
أما النموذج المعاكس فيتمثل فيما نقلناه عن مسلم سابقا بقوله (باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي).
إننا أمام واقعة تزوير خطيرة للغاية لحقائق الدين ومحاولة بائسة للحط من مقام الأنبياء عليهم السلام والزعم بأن دور أنبياء الله العظام يقتصر على إبلاغ الوحي بطريقة أقرب ما تكون إلى نشرات الأخبار التي تبثها الإذاعات أما في الفترة الفاصلة بين النشرتين فالنبي والرسول بشر عادي لا يتميز عن سائر البشر في شيء فإذا أمر أو نهى عن شيء يتعين سؤاله عن طبيعة هذا الأمر وهل هو أمر ديني أم أمر بشري فإن كان دينيا التزم به المؤمنون وإن كان أمرا دنيويا فأنتم أعلم بشئون دنياكم!!.
أما الأخطر من هذا فهو أن أي رسول ينتهي دوره ودور أهل بيته بعد رحيله عن هذه الدنيا حيث لم تعد هناك أخبار ترد من السماء ومن ثم تصبح الأمة كالأغنام التي ترعاها ذئاب بني أمية وبني العباس وبني عبد الوهاب!!.
ولأن البث السماوي الإخباري قد توقف ولم تعد هناك ثمة حاجة إليه بعد أن استلم الأمر والنهي من هم (أعلم بشئون دنيانا) بمعنى أن كل الرءوس قد تساوت ولم يعد هناك ثمة فارق بين بني أمية وبني هاشم بل أصبح الفضل لبني أمية على بني هاشم (خبراء السلب والنهب والإجرام لأنهم أعلم بشئون دنيانا ودنياهم) وأصبح من حق الأعلم بشئون الدنيا أن يقوم بتأديب الخارجين على قانون الدنيا وأن يحتز رأسه ورأس كل من ينضم إليه في كربلاء وغير كربلاء حتى ولو كان رمزا من رموز الدين وعلما من أعلام بيت النبوة وخامس أصحاب الكساء.
لماذا كل هذا؟!.
لأن (التوحيد) فقط هو حق الله على العبيد...
والتوحيد الوهابي هو حق الله فقط (لاحظ الخبث والدهاء)!!.
لا يتحدث (التوحيد الوهابي) عن حقوق المصطفى وأهل بيته ولو من قبيل ذر الرماد في العيون!!.
هكذا أراد واضع (التوحيد الوهابي) أن يجعل الدين ركنا واحدا هو لا إله إلا الله وأن يخفف أو يخفض من قيمة الركن الثاني للشهادة وهو محمد رسول الله والتهويل علينا من خلال الزعم الفاجر بأن الغلو في الصالحين هو السبب الأساس لكفر البشرية!!.
قد يتوهم البعض أن الهدف من وراء قصر مفهوم الدين على (لا إله إلا الله) هو الحرص على ما يسميه هؤلاء الدجالون بجناب التوحيد!.
إلا أن مواصلة السير وراء فريق الدجل الوهابي حتى النهاية (على طريقة خليك وراء الكذاب لحد باب الدار) يكشف أن ضرب الركن الثاني من شهادة التوحيد سيسهل ضرب الركن الأول وتقديم إله جديد للأمة الإسلامية له ساقين وقدمين وخمس أصابع, إله يجري عليه التحول تارة إلى صورة قمر وتارة إلى صورة بشر عادي له ساقين يكشف عنهما وله شريعة هلامية مطاطة يمكن توظيفها في خدمة المخابرات البريطانية وتسهيل إقامة الدولة الصهيونية وصولا إلى شن الحرب على شيعة محمد وآل محمد الذين يرفضون الإيمان بإله من صنع المخابرات الأنجلوسكسونية!!.
إله يغفر ذنوب القتلة الجماعيين ومنتهكي الأعراض من ملوك الدنيا الذن سادوا وتسيدوا لأنهم (أعلم بشئون دنياهم) والأسوأ من هذا أنه ومن خلال نظرية خلق الأعمال والجبر هو من يقتل ويسرق وو.. ودور هؤلاء لا يعدو كونه (الكسب) فقط لا غير!!.
نعود مرة أخرى لآية سورة النساء وهي الآية التي تثبت استحالة القبول بهذه القسمة الضيزى وأن التفرقة بين الله ورسله أي التحقير من شأن ومكانة الأنبياء والزعم بأن هذا التحقير يهدف للحفاظ على عقيدة توحيد الألوهية خالصة نقية لا تشوبها شائبة هو زعم فاجر ومضلل وأن من يفرق في أصل الطاعة بين الله ورسوله كافر بالله العظيم ومنكر لإرادته وحكمته المطلقة في اختيار واصطفاء الرسل.
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) .
الزعم بأن اللجوء إلى النبي وأهل بيته والتبرك بهم وبآثارهم (كفر بالله وإنكار لأنه وحده هو الخالق الرازق) هو زعم فاسد لأن الخالق الرازق هو ذاته عالم السر وأخفى وهو سبحانه من اصطفى الأنبياء وآل الأنبياء وآتاهم ملكا عظيما!!.
الله يزكي ويصطفي ويرفع من يشاء درجات ودرجات, وهم يرفضون تزكيته واصطفاءه ويرشحون أناسا من عند أنفسهم ويصنعون أئمة للدين على قياس أهوائهم الفاسدة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا) .    
عندما يرد هؤلاء أمر الله وإعلانه بتزكية من اصطفاه من عباده البررة ويجعلون من رموز الاعوجاج والانحراف عن صراط الله المستقيم أئمة للدين يزيحون من خلالهم الأئمة الحقيقيين حتى يصبح هؤلاء الأئمة المزعومين أصناما وطواغيت معبودة من دون الله بل ويراد من خلال تقديسها وإسباغ صفات الكمال عليها الصد عن سبيل الله وتحريف الكلم عن مواضعه ولا يغير من الحقيقة شيئا أن يكون هؤلاء من السابقين أو المجاهدين أو حتى من الذين كانوا يوما ما على اطلاع ومعرفة باسم الله الأعظم كهذا الذي وصفه الحق تبارك وتعالى.
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) .
الغاضبون الساخطون على المتمسكين بمبدأ التزكية الإلهية يهولون عليهم بأنهم يرون في فلان وعلان الذين جرى الغلو فيهم ومنحهم ما لا يستحقون من الرتب والمكانة طواغيت وأصناما تعبد من دون الله وهم في نفس الوقت و(للجرأة والوقاحة) يزعمون أننا نحن المسلمون نجعل من رسول الله وأهل بيته أصناما ومصدرا للشرك والكفر بل ويتمادى هذا الدجال المسمى محمد ابن عبد الوهاب في إفكه وغيه ويزعم أن المسلمين يعبدون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم.
الذين عُبدوا من دون الله هم الذين تصدوا وقبلوا بتسنم مكانة لا يستحقونها فأحلوا الحرام وحرموا الحلال فصاروا بذلك هم الجبت والطاغوت ثم تمادوا في غيهم وضلالهم فزعموا أن التمسك بهدي من زكاه الله ورفعه وأنزل فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)  هو شرك وغلو مخرج من الدين والملة؟!.
هلا أخبرنا هؤلاء عن المنطق الذي يبيح للوهابيين اتهام من يلتزم الوصايا الإلهية والنبوية بحب محمد وآل محمد والسير على دربهم بالكفر والشرك وعبادة الأوثان (أي أن محمدا وآل محمد أوثان تعبد من دون الله) في حين ينتفض القوم غضبا عندما يقال لهم أن الذين غصبوا حق أهل البيت وتصدوا لإمامة المسلمين من دون تزكية إلهية أو امتلاك الأدوات التي تؤهلهم لهذا والأهم من هذا إنكارهم للتزكية الربانية التي لا تختلف في شيء عن الخلق والرزق هم أصنام هذه الأمة التي عبدت من دون الله فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.
الله يخلق ويرزق = الله يزكي......
لا فارق بين هذه وتلك!!.
من قال أني أخلق وأرزق وأميت وأحيي هو كمن قال إني أرفع وأضع وأزكي من أشاء وأحرم من أشاء من هذه التزكية....
الله رفع أقواما إلى حظيرة قدسه هم الأنبياء وآل الأنبياء ودعا الناس للالتفاف حولهم والتأسي بهم تماما كما خلق آدم من تراب ثم طلب من الملائكة أن يسجدوا له فسجدوا أجمعين إلآ إبليس أبى أن يكون من الساجدين وقال (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) فاستحق اللعنة والطرد من الرحمة الإلهية إلى يوم الدين.
الله تبارك وتعالى رفع محمدا وآل محمدا امتدادا لرفع إبراهيم وآل إبراهيم وقال هؤلاء أئمة الدين فرد القوم أمر ربهم ونبيهم وقالوا لا بل أئمة الدين فلان وفلان فهذا كان في الغار وهذا كان يصرخ في وجه النبي تارة يوم الحديبية قائلا (علام نعطي الدنية في ديننا؟! فوالله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ!!) ومع ذلك يزعم القوم أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا.
لا بل يزعمون أنهم أئمة الدين لأن الدين عندهم هو الدنيا وأن من غلب وركب فهو أمير للمؤمنين!!.
يقول تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) .
لماذا يغضب القوم مما ذكره بعض العلماء من تفسير لآية سورة النساء من أن الجبت والطاغوت هم كل من تصدى لقيادة الأمة من علم ولا دراية خاصة مع وجود الأعلم والأتقى والأفقه ورغم الحقيقة الساطعة تقول أن القوم يعبدونهم من دون الله لأن الدين لا يصبح دينا عندهم إلا إذا أقره هؤلاء وأتباعهم في حين أن محمد بن عبد الوهاب يزعم بمنتهى السهولة واليسر أننا نحن المسلمون نعبد رسول الله صلى الله عليه وآله وأن الغلو في الصالحين هم أصل الكفر والشرك؟!.
لو كان هؤلاء من الصالحين كما يعتقد من يواليهما فلماذا بقيا استثناءا من تلك القاعدة الوهابية الذهبية التي تقول أن الغلو في الصالحين هو سبب كفر بني آدم؟!.
الإعجاب الوهابي باليهود!!
عندما يقول ابن عبد الوهاب (أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان) ثم يتبع هذا العنوان التكفيري القارص بدرس في التوحيد تلقاه رسولنا الأكرم عن بعض اليهود (لاحظ أن اليهود يعطون الرسول دروسا في التوحيد وكأن دروس البطريرك المزعوم ورقة ابن نوفل للرسول محمد لم تنفع معه): يقول ابن عبد الوهاب:
قول: ما شاء الله وشئت:
عن قتيلة، أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: (ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت) رواه النسائي وصححه.
وله أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال: (أ جعلتني لله نداً؟ ما شاء الله وحده). ولابن ماجه عن الطفيـل أخـي عائشة لأمهـا قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته. قال: (هل أخبرت بها أحداً؟) قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد؛ فإن طفيلاً رأى رؤيا، أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها. فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده).
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم: (أ جعلتني لله نداً؟) فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به    سواك . . . .
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر، لقوله: (يمنعني كذا وكذا).
انتهى!!
هل رأيتم أدبا رفيعا مع رسول الله أكثر من هذا الأدب الوهابي؟!.
ثم: هل رأيتم إعجابا باليهود ورغبة في تعلم أصول التوحيد منهم اكثر أو افضل من هذا الإعجاب الوهابي الهمفري الذي يكشف عن أصل هام من أصول الوهابية الهمفرية وعن ارتباط وثيق بين الفريقين المعاديين للإسلام المحمدي لم يبدأ عشية إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين كما يتوهم البسطاء والسذج؟!.
وإذا كان رسول الله وبموجب هذه الفتوى الوهابية الهمفرية قد أصبح صنما يعبد من دون الله فلماذا الغضب من التحذير من الوقوع في عبادة هؤلاء (الصالحين) رغم أنهم يعبدون بالفعل من دون الله؟!.
النموذج الآخر للإعجاب الوهابي باليهود يتمثل في استدلاله بهم في تفسير قوله تعالى (وما قدروا الله حق قدره) حيث يقول:
ما جاء في قول الله تعالى: ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ) الآية. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ) الآية.
وفي رواية لمسلم: والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله. وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع) أخرجاه.
الأولى: تفسير قوله: ( والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ).
الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه صلى الله عليه وسلم لم ينكروها ولم يتأولوها.
الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك.
هل رأيتم دليلا أوضح من هذا على التوله الوهابي بالحبر اليهودي؟.
ثم يقولون لنا أن أصل الشيعة هم عبد الله بن سبأ اليهودي!!.

التحالف اليهودي الوهابي المعاصر
عندما (يفاجأ) البعض الآن بموقف الوهابيين من المقاومة الإسلامية المشتبكة مع العدو الصهيوني في لبنان والتي هزمت هذا العدو في حرب يوليو 2006 نقول لهؤلاء ليست هناك مفاجأة على الإطلاق إذ أن الفريقين يلتقيان على هدف مشترك هو الذي دعا الإنجليز لزرعهم في قلب جزيرة العرب ومنحهم السيطرة على الأماكن الإسلامية المقدسة لتدمير أقصى ما يمكن تدميره منها كما يقول مؤدب الوهابيين جون (عبد الله) فيلبي.
فتوى ابن جبرين: هل يجوز نصرة (ما يسمى) حزب الله الرافضي؟ وهل يجوز الانضواء تحت إمرتهم؟ وهل يجوز الدعاء لهم بالنصر والتمكين؟ وما نصيحتكم للمخدوعين بهم من أهل السنة؟.

الإجابة: لا يجوز نصرة هذا الحزب الرافضي, ولا يجوز الإنضواء تحت إمرتهم, ولا يجوز الدعاء لهم بالنصر والتمكين, ونصيحتنا لأهل السنة أن يتبرؤا منهم , وأن يخذلوا من ينضموا اليهم , وأن يبينوا عداوتهم للإسلام والمسلمين وضررهم قديماً وحديثاً على أهل السنة , فإن الرافضة دائماً يضمرون العداء لأهل السنة ويحاولون بقدر الاستطاعة إظهار عيوب أهل السنة والطعن فيهم والمكر بهم , وإذا كان كذلك فإن كل من والاهم دخل في حكمهم لقول الله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) .
قتلة الأنبياء وأبناء الأنبياء
يقول تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) .
يذكر القرطبي في تفسيره لهذه الآيات:
وَقَعَ فِي التَّارِيخ الْكَبِير لِلطَّبَرِيِّ فَحَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْمِنْهَال عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( بَعَثَ عِيسَى ابْن مَرْيَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا فِي اِثْنَيْ عَشَر مِنْ الْحَوَارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النَّاس , قَالَ : كَانَ فِيمَا نَهَوْهُمْ عَنْهُ نِكَاح اِبْنَة الْأَخ , قَالَ : وَكَانَ لِمَلِكِهِمْ اِبْنَة أَخ تُعْجِبهُ . .. ) وَذَكَرَ الْخَبَر بِمَعْنَاهُ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: (بُعِثَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا فِي اِثْنَيْ عَشَر مِنْ الْحَوَارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النَّاس, وَكَانَ فِيمَا يُعَلِّمُونَهُمْ يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ نِكَاح بِنْت الْأُخْت, وَكَانَ لِمَلِكِهِمْ بِنْت أُخْت تُعْجِبهُ , وَكَانَ يُرِيد أَنْ يَتَزَوَّجهَا, وَكَانَ لَهَا كُلّ يَوْم حَاجَة يَقْضِيهَا, فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أُمّهَا أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ نِكَاح بِنْت الْأُخْت قَالَتْ لَهَا: إِذَا دَخَلْت عَلَى الْمَلِك فَقَالَ أَلَك حَاجَة فَقُولِي: حَاجَتِي أَنْ تَذْبَح يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا; فَقَالَ: سَلِينِي سِوَى هَذَا! قَالَتْ : مَا أَسْأَلك إِلَّا هَذَا. فَلَمَّا أَبَتْ عَلَيْهِ دَعَا بِطَسْتٍ وَدَعَا بِهِ فَذَبَحَهُ, فَنَدَرَتْ قَطْرَة مِنْ دَمه عَلَى وَجْه الْأَرْض فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتَّى بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ فَأَلْقَى فِي نَفْسه أَنْ يَقْتُل عَلَى ذَلِكَ الدَّم مِنْهُمْ حَتَّى يَسْكُن ذَلِكَ الدَّم, فَقَتَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا, فِي رِوَايَة خَمْسَة وَسَبْعِينَ أَلْفًا. قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب: هِيَ دِيَة كُلّ نَبِيّ.
وَعَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: (أَوْحَى اللَّه إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي قَتَلْت بِيَحْيَى بْن زَكَرِيَّا سَبْعِينَ أَلْفًا وَإِنِّي قَاتِل بِابْنِ اِبْنَتك سَبْعِينَ أَلْفًا وَسَبْعِينَ أَلْفًا).
وَعَنْ سَمِير بْن عَطِيَّة قَالَ قُتِلَ عَلَى الصَّخْرَة الَّتِي فِي بَيْت الْمَقْدِس سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنْهُمْ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا . وَعَنْ زَيْد بْن وَاقِد قَالَ: رَأَيْت رَأْس يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ أَرَادُوا بِنَاء مَسْجِد دِمَشْق أُخْرِجَ مِنْ تَحْت رُكْن مِنْ أَرْكَان الْقُبَّة الَّتِي تَلِي الْمِحْرَاب مِمَّا يَلِي الشَّرْق, فَكَانَتْ الْبَشَرَة وَالشَّعْر عَلَى حَاله لَمْ يَتَغَيَّر. وَعَنْ قُرَّة بْن خَالِد قَالَ: مَا بَكَتْ السَّمَاء عَلَى أَحَد إِلَّا عَلَى يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا وَالْحُسَيْن بْن عَلِيّ, وَحُمْرَتهَا بُكَاؤُهَا.
وَعَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة قَالَ: أَوْحَش مَا يَكُون اِبْن آدَم فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن يَوْم وُلِدَ فَيَخْرُج إِلَى دَار هَمٍّ , وَلَيْلَة يَبِيت مَعَ الْمَوْتَى فَيُجَاوِر جِيرَانًا لَمْ يَرَ مِثْلهمْ, وَيَوْم يُبْعَث فَيَشْهَد مَشْهَدًا لَمْ يَرَ مِثْله; قَالَ اللَّه تَعَالَى لِيَحْيَى فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة مَوَاطِن: "وَسَلَام عَلَيْهِ يَوْم وُلِدَ وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يُبْعَث حَيًّا" [مَرْيَم: 15] . كُلّه مِنْ التَّارِيخ الْمَذْكُور.
الحديث الوهابي القديم والمعاصر عن الغلو في الأنبياء وأبناء الأنبياء يهدف في حقيقة الأمر إلى التغطية على ذلك الخط الثابت في تاريخ المسلمين وهو خط العداء للأنبياء والسعي المستميت للحط من شأنهم وتهوين ما ارتكب بحقهم من جرائم لم تكن يوما ما محصورة بأشخاصهم بل هي استهداف للأنبياء ورسالاتهم.
الشرك الذي يرفضه ابن عبد الوهاب هو الشرك (بإله بني أمية) إله الشهوة والسلطة والمال الذي عبد من دون الله.
إله بني أمية أو إله السلطة والشهوة والمال لا يمكن أن يكون الله الواحد الأحد الذي يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى.
(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) .
أما قتلة الأنبياء وأبناء الأنبياء قتلة علي بن أبي طالب والحسن والحسين فلا نشك طرفة عين في أن الله تبارك وتعالى سينتقم منهم كما انتقم وسينتقم من بني إسرائيل.
وعد الله الآتي لا ريب فيه.

حقيقة النبوة

رغم أن الانقسام المذهبي بين المسلمين يبدو قاصرا على مسألة الإمامة أو (ما بعد النبوة) إلا أن التأمل في الطريقة التي يتناول بها البعض تلك المفاهيم المتعلقة بالنبوة يكشف أن هذا الانقسام والتفاوت قد طال أيضا هذه المفاهيم وهو ما يبدو أمرا بالغ الأهمية والخطورة!!.
أسئلة كثيرة تطرحها تلك الأحاديث والروايات التي يلوكها البعض حول مقام النبوة وبشرية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وهل كان بشرا عاديا يصيب ويخطئ ومن ثم هل هناك صفات قياسية موحدة وثابتة لكل البشر؟!!.
أم أن البشرية من حيث هي بشرية درجات وصفات تزيد وتنقص يجمعها جامع مشترك ومع ذلك فليس كل البشر سواء كما أنه من الثابت أن ليس كل الأنبياء سواء!!.
البشر في الغالب الأعم متشابهون ولكنهم أبدا ليسوا متطابقين فكلهم يولدون من أب وأم وهم بعد قليل أو كثير يموتون وفي التراب يدفنون وكلهم يأكلون ويشربون ويتنفسون كما أنهم يفرحون ويحزنون ويحبون ويكرهون... وتلك هي بعض الصفات البشرية المشتركة ورغم ذلك التشابه فهم حتى في هذه الصفات لا يتطابقون كما أنهم في بعض هذه الصفات مع غيرهم من المخلوقات يتشابهون!!.
البشر عندما يموتون, في التراب يدفنون إلا أن الله تبارك وتعالى اختص الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون فما بالك بخاتم الأنبياء والمرسلين وذريته من الأئمة الطاهرين (إنه يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلي منا وليس ببال)!!.
لم يُخلق الإنسان من طينة واحدة (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) الإنسان 2.
كما أن هذه الطينة تبقى حاكمة ومؤثرة في صياغة السلوك الإنساني (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) الإنسان (3).
هذه الطينة يمكن أن تهبط بصاحبها إما إلى أسفل سافلين أو ترفعه إلى أعلى عليين (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) الإنسان (4- 14).
لو كان للبشرية معنى واحدا لما صار بعض (الناس) هم والكلاب سواء (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الأعراف (174- 176)
فهناك من تماثل في إنسانيته أو بهيميته الضالة المتخبطة مع الأنعام أو هم أضل (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). الأعراف (179)
وهناك من استوت إنسانيته مع القردة والخنازير (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ) المائدة(60).
أما الأبرار فهم في عليين رغم أنهم بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ولكنهم عليون في الدنيا قبل الآخرة (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) (18- 28) المطففين.
الكافي ج2: عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلقنا من أعلى عليين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه وخلق أبدانهم من دون ذلك وقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا منه ثم تلا هذه الآية "كلا إن كتاب الابرار لفي عليين وماأدراك ما عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون" وخلق عدونا من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك فقلوبهم تهوي إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه ثم تلا هذه الآية: "كلا إن كتاب الفجار لفى سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين".
فهل بقي من يزعم أن للإنسانية معنى واحدا يشترك فيه الأدنى والأعلى ويستوي فيه أبرارُ عليين مع فجار سجين ممن يعيشون وهم يستمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم أي أنهم بشر ولكنهم أسفل سافلين ثم يموتون ليتلقفهم قعر جهنم إلى أن يأتي يومهم الذي كانوا يوعدون؟!.
وهل بقي من يدعي أن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان بشرا كأشباه البشر وهل يعرف هؤلاء معنى البشرية الحقيقية وقد ارتكس بعضهم في درجات الحيوانية وظلمات البهيمية رغم أن الصورة صورة إنسان أما الحقيقة فلا تعدو كونها حقيقة من أشرنا إليه من صنوف الحيوان!!.
أن يكون رسول الله صلى الله بشرا مثلنا يوحى إليه فهذا ليس موضع خلاف (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف 110.
إنها مثلية قاصرة على تلك المشتركات التي تجمع بني الإنسان ولكنها وبكل تأكيد ليست مثلية مطلقة بل مثلية الصورة الخارجية وشتان ما بين من اختاره ربه واصطفاه على الأنبياء والمرسلين وجعله حجة على العالمين وهو من باب أولى على رأس عالم الأبرار المقربين بينما يقطن على السفحِ المقابلِ, من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت رغم أنهم يشتركون مع الجميع في مثلية الصورة التي لا يمكن لها أن تنفي التناقض المطلق بين العالمين عالم الحقيقة الممتدة من الأرض صعودا إلى أعلى عليين وعالم الانحطاط الممتد سقوطا إلى أسفل سافلين!!.
ألم يصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع بعض هؤلاء الأشباه بقوله (فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان لا يعرف باب الهدى فيتبعه ولا باب العمى فيصد عنه فذلك ميت الأحياء). خطبة 86 نهج البلاغة.
أما السبب وراء هذا التفاوت الشاسع ما بين السماء والأرض وبين عليين وسجين فيشرحه لنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع بقوله:
ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الاَْرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاء وَوُصُول وَأَعْضَاء وَفُصُول أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْت مَعْدُود وَأجَل مَعْلُوم ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَان يُجيلُهَا، وَفِكَر يَتَصَرَّفُ بِهَا وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا وَأَدَوَات يُقَلِّبُهَا وَمَعْرِفَة يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ والأذْوَاقِ والَمشَامِّ وَالاَْلوَانِ وَالاَْجْنَاس مَعْجُوناً بطِينَةِ الاَْلوَانِ الُمخْتَلِفَةِ وَالاَشْبَاهِ المُؤْتَلِفَةِ، وَالاَْضْدَادِ المُتَعَادِيَةِ والاَْخْلاطِ المُتَبَايِنَةِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وَالبَلَّةِ وَالْجُمُودِ وَالْمَساءَةِ وَالسُّرُورِ وَاسْتَأْدَى اللهُ سُبْحَانَهُ المَلائكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهمْ، في الاِْذْعَانِ بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ عزَّمِن قائِل: (اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ )وَقَبِيلَهُ اعْتَرَتْهُمُ الحَمِيَّةُ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ، وَتَعَزَّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ تَعالَى النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْماماً لِلْبَلِيَّةِ، وَإِنْجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ: (إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ).
خطبة 1 نهج البلاغةٍ.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله (بشرا مثلنا) في الصورة الخارجية ولكننا أبدا لسنا بشرا مثله في حقيقته العَلية وإلا فما هو معنى طلبه سبحانه وتعالى منا أن نتخذه أسوة ونموذجا ومثلا أعلى يحتذى به (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب 21.
تلك هي القضية التي غفل عنها الغافلون إما سهوا أو عمدا سواء أولئك الذين حرصوا على تقديم رسول الله في صورة (مبلغٍ أمينٍ) أدى ما عليه وأبلغ نصوص الدين وتركها بين يدي صحابته والتابعين وتابعي التابعين وأنه صلى الله عليه وآله لم يكن له عصمة في غير مجال التبليغ حيث كان في بقية حالاته بشرا مثلهم يصيب ويخطئ ويرضى ويغضب ورغم أن البعض الآخر قد أسبغ عليه صفة العصمة في كل حالاته إلا أنه يرى أن مهمته الرئيسية وربما الوحيدة كانت هي التبليغ ولا شيء سوى التبليغ رغم أننا في هذا البحث سنثبت أن رسول الله كان واسطة العقد بين الأرض والسماء في كل المجالات رحمة وعلما ورفعة ومقاما وآخر هذه المقامات هو مقام التبليغ!!.

رسولنا رحمة للعالمين:
يقول سبحانه:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء 107
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) التوبة 61
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)  آل عمران 159
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) يونس 57
(أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) هود 17
(وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) النحل 64
الشاهد من هذه الآيات أن الله تبارك وتعالى قد أرسل نبينا الأكرم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين وأن هذه الرحمة الإلهية ليست قاصرة على حفظ وتبليغ نصوص الكتاب المنزل من عند الله بلسان عربي مبين.
إنه رحمة للعالمين للإنس والجن والطير والجبال والشجر والدواب, رحمة سمع بها الجن فآمنوا (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) الجن (1-2).
الرسول الأكرم كان في ذاته وصفاته ووجوده رحمة للناس عامة ولأمة لا إله إلا الله خاصة (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة 128
لقد كان وجوده صلى الله عليه وآله أمانا لهذه الأمة من الضلال وأمانا من العذاب وهو المعنى الذي رواه أبو جعفر الباقر عن علي بن ابي طالب عليهما السلام: كَانَ فِي الاَْرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا فَدُونَكُمُ الآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ أَمَّا الاَْمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللهُ (صلى الله عليه وآله) وَأَمَّا الاَْمَانُ الْبَاقِي فَالاْسْتِغْفَارْ قَالَ تعالى (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الأنفال 33.

بين محمد وموسى
الذين ما فتئوا يلتون ويعجنون وينقصون ولا يزيدون من مقام نبيهم سيد الكائنات ويقدمونه للناس بشرا مثلهم من أصحاب البشرية الهابطة لا يقرءون القرآن ولا يتدبرون معانيه لأن على قلوب أقفالها كما أنه قد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وفات هؤلاء أن الرسل والأنبياء مقامات وأن تفاضل الرسل ليس تفاضلا لفظيا بل هو تفاضل واقعي قائم على أساس الدليل والبرهان.
التفاضل بين الأنبياء والرسل هو تفاضل في المهمات والتكاليف الملقاة على عاتق كل نبي من هؤلاء الأنبياء ولا شك أن خاتم النبيين المبعوث رحمة للعالمين قد حمل على كاهله مجموع ما حمله كل هؤلاء الأنبياء فضلا عن عبء هادية البشرية بأسرها منذ مبعثه إلى يوم الفصل بين الخلائق أجمعين.
يقول تعالى:
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) البقرة 253.
(وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) النساء 164.
وإذا كان القرآن الكريم قد حكى لنا عن الطريقة التي كلم الله بها موسى تكليما في أكثر من موضع بالواد المقدس طوى أو عندما ذهب موسى لميقات ربه (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) الأعراف 142-145
الشيء الثابت من هذه الآيات أن موسى عليه السلام وهو من أولي العزم من الرسل لم يقدر على احتمال موقف المشافهة الإلهية وليس موقف الرؤية الإلهية المباشرة المحكوم باستحالتها شرعا وعقلا.
لم يتمكن موسى عليه السلام من احتمال عظمة الموقف فكان أن خر  صعقا بينما يحكي لنا كتاب الله في سورة النجم (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (1- 18)
يقول القمي في تفسير هذه الآية: هو قسم برسول الله صلى الله عليه وآله وهو فضل له على الانبياء وجواب القسم (ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى) أي لا يتكلم بالهوى (إن هو) يعني القرآن (إلا وحي يوحى علمه شديد القوى) يعني الله عزوجل (ذو مرة فاستوى) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال: وحدثني ياسر عن ابي الحسن الرضا عليه السلام قال: ما بعث الله نبيا إلا صاحب مِرة سوداء صافية وقوله (وهو بالأفق الأعلى) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله  (ثم دنا) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله من ربه عزوجل (فتدلى) قال إنما نزلت هذه ثم دنا فتدانى (فكان قاب قوسين او أدنى) قال كان من الله كما بين مقبض القوس إلى رأس السية (أو أدنى) أي من نعمته ورحمته قال بل أدنى من ذلك (فأوحى إلى عبده ما أوحى) قال وحي مشافهة.
يقول الراغب الأصفهاني في (مفردات القرآن): أصل الوحي الإشارة السريعة ولِتضمن السرعة قيل أمرٌ وحيٌ وذلك بالكلام على سبيل الرمز والتعريض, وقد يكون بصوت مجرد من التركيب وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحيٌ وذلك على أنواع حسبما دل عليه قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) الشورى 51, وذلك إما برسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ جبريل عليه السلام للنبي في صورة معينة وإما بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى عليه السلام كلام الله وإما بإلقاء في الروع كما ذكر صلى الله عليه وآله وسلم (إن روح القدس نفث في روعي) وإما بإلهام نحو (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) وإما بتسخير نحو قوله (وأوحى ربك إلى النحل) أو بمنام كما قال صلى الله عليه وآله (انقطع الوحي وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن) فالإلهام والتسخير والمنام دل عليه قوله (إلا وحيا) وسماع الكلام معاينة دل عليه قوله (أو يرسل رسولا فيوحي).
كما يقول الشيخ الطوسي في كتاب التبيان: يقول الله تعالى إنه ليس لبشر من الخلق أن يكلمه الله إلا أن يوحي اليه وحيا (أو من وراء حجاب) معناه او بكلام بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب لأنه تعالى لا يجوز عليه مالا يجوز إلا على الاجسام من ظهور الصورة للابصار (أو يرسل رسولا) فيكون كلام الله لعباده على ثلاثة أقسام:
أولها: أن يسمع منه كما يسمع من وراء حجاب, كما خاطب الله به موسى عليه السلام .
الثاني: بوحى يأتي به الملك إلى النبي من البشر كسائر الأنبياء.
الثالث: بتأدية الرسول إلى المكلفين من الناس، وقيل في الحجاب ثلاثة أقوال:
أحدها - حجاب عن إدراك الكلام لا المكلم وحده.
الثاني - حجاب لموضع الكلام.
الثالث - إنه بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب (فيوحي باذنه ما يشاء) ومعناه إن ذلك الرسول الذي هو الملك يوحي إلى النبي من البشر بأمر الله ما شاءه الله (إنه علي حكيم) معناه إن كلامه المسموع منه لا يكون مخاطبة يظهر فيها المتكلم بالرؤية، لأنه العلي عن الادراك بالابصار وهو الحكيم في جميع أفعاله وفي كيفية خطابه لخلقه.
والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد تلقى الوحي من رب العزة ليلة عروجه إلى السماوات العلا وكلمه الباري عز وجل من وراء حجاب تعالى سبحانه عن أن يرى كما ترى الأجسام والأشياء وهنا يبدو الفارق جليا بينه وبين موسى كليم الله الذي خر يومها صعقا حيث لم يقدر سلام الله عليه على احتمال موقف القرب من الله تبارك وتعالى فلم يستقر قائما على أقدامه أما الجبل فقد لم يصمد عندما باغته هذا التجلي الإلهي فكان أن هوى من على دعائمه وأركانه.
الجبال في صلابتها وشموخها ورسوخها عابدة لله عبادة تكوينية (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء) الحج 18
الجبال تسبح وترجع وتسجد وتركع (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) سبأ 10
(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) ص18
ولكنها ورغم ذلك لا تقدر على احتمال موقف القرب كما أنها أشفقت من حمل أمانة الله وكلماته (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب 72.
فأي قوة وأي رفعة واي مكانة كانت لرسول الله الذي كان كما وصفه الله تبارك وتعالى (شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى).
كان رسولنا الأكرم محمدا صلى الله عليه وآله شديد القوى ذو مِرة صلبة قوية صافية (رجل مرير أي قوي ذو مرة) وهي قوة ضرورية ولازمة للقيام بأمر هذا الدين لا مجرد تبليغ كتاب الله وتلاوته وهو ما يقدر عليه الأطفال من تلاميذ الكتاب الذين يحفظ بعضهم كتاب الله ومع ذلك فلا أحد يزعم أن أحدا منهم قد أصبح شديد القوى أو أنه أصبح ذو مرة فاستوى ولم يتضعضع كما تضعضع الجبل عندما رأى سبحة من سبحات نور رب العلا أو أنه لم يخر صعقا كما خر موسى عندما أصبح الجبل دكا!!.
تلك القوة التي خص بها نبينا الأكرم محمدا صلى الله وعليه وآله (في بشريته) كانت لازمة لتحمل أعباء وأمانة إنقاذ البشرية المتمردة على أمر ربها وخالقها من الهلاك والبوار (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) الكهف 6.
كما أنها كانت لازمة لتحمل ما ألحقه بعض المنتسبين للإسلام من أذى برسولهم الكريم.
(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) التوبة (128- 129)
(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) القلم (1- 15)
(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ). القلم (48-52).
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة (41-42).
(وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ * يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ). التوبة (58- 65)
لقد كانت النبوة المحمدية إذا رحمة للعالمين وقد حمل رسولنا في قلبه هم الأمة حزنا على هؤلاء المعرضين ورحمة لهؤلاء المتفلتين خوفا عليهم من سيئات أعمالهم وخوفا على الأمة من فتنهم وأحابيلهم التي أوردت عامة المسلمين دار البوار.
التغني بمدح رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر مقاماته هو في حقيقة الأمر تذكير وتنويه بصفات الكمال التي يتعين على كل مسلم يرغب في الوصول إلى رضوان الله أن يتحلى بها وفي مقابل ذلك فإن طمس هذه الكمالات وكتمانها هو تقزيم لقيم الدين السامية والرفيعة وهذه هي الحفرة التي يريد البعض لنا أن نبقى فيها ليبقى الدين لعقا يلوكه الناس بألسنتهم وقميصا يتقمصه أولئك الذين طلبوا الدنيا كل الدنيا مقابل القليل من عمل الآخرة بعيدا عن النموذج الحقيقي للعمل الطيب الذي لا يقبل غيره (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه).


بين محمد وعيسى
إذا كان المنحرفون بالنصرانية قد اتجهوا نحو الغلو في عيسى عليه السلام واعتباره ابنا لله وثالث ثلاثة (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) النساء 171 فإن المنحرفين بالإسلام قد اتجهوا اتجاها معاكسا نحو الحط من مكانة رسول الله صلى الله عليه وآله سواء كان هذا بصورة مباشرة أو من خلال التنكر لمكانة أهل بيته وعترته الطيبين الطاهرين.
لا شك في اختلاف بشرية عيسى عليه السلام المولود من غير أب عن المفهوم العام للبشرية ولكنه في النهاية كان بشرا تحمل التعذيب والألم كي يوصل كلمات الله لبني إسرائيل ومن ثم فهو في النهاية كان بشرا يألم ويتحمل ويصبر كما أنه كان عبدا لله أنعم الله عليه وجعله مثلا لبني إسرائيل ويبقى أن هذه طبيعة النبوة والرسالة التي حملها الإنسان الكامل ليكون قدوة للإنسان الناقص في سعيه نحو مرضاة الله عز وجل.
الانحراف برسالة عيسى عليه السلام كان ولا زال انحرافا تأويليا عندما توهم هؤلاء معنى تجسيديا (للكلمة) و(الروح) وكان أن نبههم كتاب الله لخطورة هذا الانحراف (وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ) ولم يقل لهم (ثلاثة آلهة) فهم لا يقولون بتعدد الآلهة بل بتعدد الصفات الإلهية وزيادتها على الذات بل وإمكان انفصالها عن الذات الهية وتجسدها في صورة ابن لله ينزل إلى الأرض ويذبح فداء لخطايا البشرية والدافع لهذا الخطأ الفادح كان فرط تقديسهم للمسيح عيسى ابن مريم وأمه الصديقة مريم التي حملت في ذاتها تلك الروح الإلهية!!.
لم يكن لعيسى عليه السلام زوجة ولا ولد بل كان له حواريون ينصرونه وينقلون رسالته وكلماته للناس (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) الصف 14 ولذا فقد أكرمهم الله بمخاطبته (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ). المائدة 111.
لقد أنعم الله على الحواريين بمائدته ولكنه كان إنعاما مشروطا بشرط دوام التصديق والإيمان (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (112- 115).
حدث الانحراف والغلو بعد ذلك وهو انحراف أخرج الكثير من هؤلاء عن حقيقة التوحيد الذي جاء به نبي الله عيسى عليه السلام كبقية أنبياء الله ورسله ومن ثم جاءت خاتمة سورة المائدة لتضع الأمور في نصابها وتعلن براءته عليه السلام من هؤلاء وممن ساروا على نهجهم المنحرف والمعوج.
(وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) المائدة (116- 118)
المنحرفون بالإسلام اختاروا السير كما أسلفنا في الطريق المضاد, طريق التعبد بالرأي والأهواء وكانت العقبة الكبرى في طريقهم هو خط الإمامة والاقتداء بالصالحين من ذرية محمد وهم آله وعترته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وهو الخط الذي اختاره الله لهم وبينه رسول الله في غير موضع لهذه الأمة التي استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير.
إنه الصراط المستقيم الذي حدده الله تبارك وتعالى ورسمه لهذه الأمة في سورة الأنعام طريق الاقتداء بالمصطفين الأخيار من الذرية والآل (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) الأنعام (87- 90).
المنحرفون بالإسلام سيرا في الطريق المضاد رغبة منهم في إزاحة تلك العقبة الكبرى التي تحول بينهم وبين صوغ الإسلام وفقا لآرائهم وأهوائهم لم يعبئوا بتلك النصائح الإلهية ولم يلتزموا بأمره تعالى (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) واتخذوا من دون أمر الله (آلهة) ووسائط مزعومة للهداية والرشاد ليضلوا عن سبيله فكانت الوقفة المحمدية الحازمة التي سجلتها سورة الأنعام تماما كتلك الوقفة العيسوية التي سجلتها سورة المائدة (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (159- 164)
إنها المقاربة التي تؤكدها الرواية الواردة عن رسول الله فيما يعرف بكتب الصحاح (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا.. كما بدأنا أول خلق نعيده ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم عليه السلام ألا إنه يجاء برجال من أصحابي حتى إذا رأيتهم ورأوني وعرفتهم وعرفوني حيل بيني وبينهم فأقول يا رب إنهم من اصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال عيسى بن مريم "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد") رواه البخاري.
كان رسولنا الأكرم محمدا صلى الله عليه شاهدا على البشرية بأسرها محتملا ما يقتضيه ذلك الموقف من أعباء لا تطيقها نفس بشرية عادية (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (8- 9) الفتح
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (45- 48) الأحزاب
بينما كان عيسى عليه السلام شهيدا على قومه وليس في الأمر أي نوع من التهوين أو الغض من شأن من وصفه الله تعالى بأنه (رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ) فما أعظم تلك الصفات وما أعظم كلمة الله وروحه التي بعثها إلى الأرض ليطهر بها الدنيا من شياطين الجن والإنس وليفسح المجال لكي تكتمل كلمات الله وينفذ أمره في خلقه.
إنها إذا بشرية وبشرية!!.
بشرية أعلى عليين على قمتها محمد الصادق الأمين التي دنت فتدانت وعلت فتعالت فكانت قاب قوسين أو أدنى صعودا إلى الأفق الأعلى فرأت من آيات ربها الكبرى وبشرية تسافلت فسفلت وهبطت وانحطت فسقطت إلى سجين حيث يرقد الضالون المكذبون في القعر الأسفل من دركات البشرية حيث يلتقون هناك مع نظرائهم ممن غضب الله عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
ولا سواء!!.
ورغم تشابه الشكل والصورة بين ما هو عذب فرات سائغ شرابه وما هو ملح أجاج لا يروي عطشا ولا يشفي غليلا إلا التباعد بينهما لا تجبره الكلمات والادعاءات والطنطات الفارغة (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فاطر (12)
(وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (19- 24) فاطر
ولا نعتقد أن ثمة حاجة إلى مزيد من البيان!!.

 



عبادة الصالحين!!!.
الشيخ عبد الوهاب يرى أن (عبادة الصالحين) هي الشرك الأكبر مستدلا على ذلك بعدة آيات من القرآن منها قوله تعالى في سورة الإسراء 56-57 (قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً* أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) وقوله تعالى (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون)َ التوبة 31
وقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)  البقرة 165-167.
وبالطبع لا حاجة بنا للتساؤل عن هؤلاء الصالحين المقصودين بالعبادة من دون الله الذين هم سبب البلاء والكفر الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية!!!.
إنهم محمد وآل محمد الذين غلا فيهم من غلا كما يزعم الشيخ وقد شمر هو وأتباعه عن ساعد الجهاد والجد لإعادة هؤلاء الصالحين إلى (حجمهم الطبيعي)!! ويا لجرأته على الحقيقة وعلى سادات المسلمين من آل بيت الرسول الأمين!!!.
كان يتعين على الشيخ الذي استشهد بقوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله....) أن يسأل نفسه هل نزلت هذه الآية خاصة في آل البيت أم أنها عامة في كل من تصدى للقيادة الدينية وخاصة إذا لم يكن من المؤهلين للقيام بهذه المهمة سواء من الناحية الأخلاقية أو من الناحية العلمية أو ممن كانت إمكاناته الشخصية ودرجة شجاعته لا تؤهله للصدع بكلمة الحق كشأن الكثير من شيوخنا الذين لا يجرءون على قول الحق إما خوفا من السلطة أو من الإرهابيين الوهاببين ومن ألسنتهم الحداد؟؟!!.
السؤال الثاني: لماذا لا تنطبق هذه الآية على الشيخ نفسه باعتباره هو الآخر من (أولياء الله الصالحين) أم أنه يرى هذه النفس منزهة عن الذنوب والمعاصي وأنه لا ينطق عن الهوى وأن كل ما قاله هو (وحي يوحى علمه شديد القوى)؟؟!!.
السؤال الثالث: إذا كان شيخ الوهابية قد بلغت به الجرأة حد التصريح بانطباق هذه الآية على النبي وأهل بيته فما الذي يمنع إذا أن تنطبق على أصحاب النبي الذين جرى اعتبارهم جميعا من العدول وعد من تعرض لأحد منهم بالنقد التاريخي المبني على حقائق التاريخ كافرا وزنديقا؟؟!!.
أم أن قانون الغلو لا ينطبق إلا على النبي وآله؟؟!!.
مجرد سؤال موجه لمن كان لديه بقية من عقل أو ضمير ممن يتبع هؤلاء بغير هدى من الله.
يقول ابن جرير الطبري في تفسير هذه آية سورة التوبة: عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم, قَالَ: اِنْتَهَيْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأ فِي سُورَة بَرَاءَة: {اِتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه} فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ, وَلَكِنْ كَانُوا يُحِلُّونَ لَهُمْ فَيُحِلُّونَ" وفي رواية قُلْت: يَا رَسُول اللَّه إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدهُمْ! فَقَالَ: "أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّه فَتُحَرِّمُونَهُ, وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّه فَتُحِلُّونَهُ؟" قُلْت: بَلَى. قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتهمْ" كما قيل قِيلَ لِحُذَيْفَة: أَرَأَيْت قَوْل اللَّه: {اِتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ}؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَصُومُونَ لَهُمْ , وَلَا يُصَلُّونَ لَهُمْ , وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اِسْتَحَلُّوهُ, وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَحَلَّهُ اللَّه لَهُمْ حَرَّمُوهُ, فَتِلْكَ كَانَتْ رُبُوبِيَّتهمْ.
والخلاصة أن استشهاد الشيخ بهذه الآية على اعتبار ما أسماه بالغلو في الصالحين كفرا وشركا بل وأصل كل خطيئة هو استشهاد فاسد شكلا وموضوعا.
إذ أن إقراره بأنهم من الصالحين ينفي عنهم فرية الإفتاء بالجهل أو بالباطل وهي تهمة لا يمكن أن تكون في الصالحين بل في غيرهم ممن يمتلكون تلك الجرأة والوقاحة على الغض من شأنهم.
كما أن استشهاده بالآية المذكورة والتي تحدد معنى عبادة الأحبار والرهبان باتباع أمرهم تحليلا للحرام وتحريما للحلال وأنها لم تكن توسلا ولا تشفعا ولا تبركا بقبورهم أي أن هذه الآية لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بيغوث ولا سواعا ولا نسرا ومن باب أولى باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى!!!.
كما أن هذا الاستشهاد الفاسد يكشف جانبا آخر من جوانب الحقد الأعمى الذي ملأ قلوب أعداء أهل البيت عليهم السلام لدرجة اتهامهم بأنهم يحلون الحرام ويحرمون الحلال إلا إذا كان الشيخ لا يعقل معنى كلامه وتلك كارثة أخرى.
استدلاله بآية الوسيلة:
استدل الشيخ عبد الوهاب على تكفير من اتهمهم بعبادة الصالحين بقوله تعالى (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) سورة الإسراء والمعنى الذي ذهب إليه أن التوسل بأهل البيت هو طلب ودعاء من غير الله (أولئك الذين يدعون) والأمر كله هو تحريف في تحريف يعقبه غش وتزوير فالذين يتقربون إلى الله بحب محمد وآل محمد لا يدعونهم وإنما يدعون الله بحقهم وهذا أول الغش والتزوير كما أن كلمة يدعون هنا لا تعني (يطلبون) بل يدّعون أي يسمون ويزعمون ويعظمون ويزعمون أنهم قادة الأمة وأئمتها وهو ما ذكره الراغب الأصفهاني في كتابه مفردات القرآن (الدعاء كالنداء ويستعمل كالتسمية نحو دعوت ابني زيدا أي سميته وقوله تعالى "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا" حثا على تعظيمه وقوله تعالى "لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة" أي ليس له رفعة ولا ذكر ولا وتنويه) والمعنى المذكور في سورة الإسراء لا يتعلق بالدعاء أي الطلب من قريب ولا من بعيد بل هو من قبيل التعظيم (أولئك الذين تعظمون وترفعون وتدعون أنهم قادة الأمة والدعاة إلى الصراط المستقيم هم ممن يتقربون إلى ربهم باتخاذ الوسيلة).
ويمكن لشيخنا الوهابي والسائرين على دربه ممن يزعمون كفر الشيعة لأنهم يتوسلون إلى الله بحب محمد وآل بيته ويعتبرون أن الوسيلة إلى الله هي أخذ الدين منهم وحب من يحبهم وبغض من أبغضهم أن يجيبونا على السؤال التالي:
هل تقبل صلاتهم دون الصلاة على النبي وآله؟؟!!.
إنه سؤال لا يستثني أحدا من المسلمين بعد رسول رب العالمين وأهل بيته الطاهرين الذين يُصَلى عليهم ولا يصلون هم على أحد!!.
الجواب معلوم أن كل المسلمين بمن فيهم من زعم القوم أنهم من المقربين ومن المفضلين على أمير المؤمنين هم ممن (يبتغون إلى ربهم الوسيلة) أيهم يحب النبي وآله (أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا).
فما هي الوسيلة إذا؟؟.
يقول تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) المائدة آية 35.
الوسيلة هي الطريق الآمنة الموصلة إلى رضوانه وجنته سبحانه وتعالى ومن هنا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان وسيلة إيصال الهدي الإلهي إلينا ومن هنا أيضا كان التزام نهجه عن حب وعاطفة قوية تأكيد على اتباع الوسيلة الصحيحة إلى مرضاة الله عز وجل ومن هنا أيضا كان موالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عادى الله ورسوله هو التزام منهجي بتلك الوسيلة التي أمرنا ربنا عز وجل باتباعها ولذا فإننا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته هم وسيلة النجاة من الهلاك وهذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبه نجا ومن تخلف عنها هلك وغرق) رواه النسائي.
إنهم وسيلة النجاة منهجا و حبا.
فما هو معنى التوسل وما هو الفارق بين التوسل وشفاعة الرسول صلى الله عليه و آله؟؟.
الشفاعة أن يصحبك أو أن تصطحب معك صاحب سلطة وجاه إلى من هو أعظم منه سلطانا وجاها فيطب هو وتصمت أنت وهذه هي شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله للعصاة والمذنبين من أمته يوم الحشر.
أما التوسل فهو الطلب والدعاء من الله بحق محمد وآل محمد ومعناه الحقيقي بحق حبي لمحمد وآل محمد وبديهي أن حب محمد وآل محمد هو حب للمنهج الذي هو القرآن والسنة الحقيقية فهو طلب بموجب علاقة مدعاة بينك وبين رعاة المنهج (محمد وآل محمد) أولي الأمر الذين عرفنا الله منزلتهم و أوجب علينا طاعتهم.
فالتوسل هنا مرحلة أكثر تقدما وأكثر جرأة ووثوقا في الطلب فادعائك الصلة والارتباط بينك وبين محمد وآله (منهجا و حبا) يصبح على المحك بين يدي من يعلم السر وأخفى ومن يعلم حقيقة العلاقة بينك وبين من تتمسح بهم حبا ومنهجا وإلا كانت الفضيحة وكان الخزي والعار.
ثم من الذي قال أن التوسل بحب محمد وآل محمد واقتداء أثرهم يعني الطلب من غير الله؟؟ فأنت تقول في دعائك اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد فالسؤال لمفرد واحد أحد فرد صمد وليس لاثنين ولا لثلاثة وأما الطلب فيمكن تقديمه من واحد أو اثنين أو حتى من مليون شخص في صلاة الجماعة ولا يعني الاشتراك في تقديم الطلب أي نوع من الاشتراك في إجابته.
إذن فالتوسل و الوسيلة حتمية منهجية فرضت بنص القرآن لأن محمدا و آل محمد هم حبل الله المتين و صراطه المستقيم.
أدلة أخرى على التوسل بمحمد وآل محمد:
ذكر ابن كثير في تفسيره لآية المائدة: "رَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن بَحْر حَدَّثَنَا شَرِيك عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْحَارِث عَنْ عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "فِي الْجَنَّة دَرَجَة تُدْعَى الْوَسِيلَة فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّه فَسَلُوا لِيَ الْوَسِيلَة قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه مَنْ يَسْكُن مَعَك قَالَ: عَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن" هَذَا حَدِيث غَرِيب مُنْكَر مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ: اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن حَدَّثَنَا الْحَسَن الدَّشْتَكِيّ حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْر حَدَّثَنَا سَعِيد بْن طَرِيف عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن الْأَزْدِيّ مَوْلَى سَالِم بْن ثَوْبَان قَالَ: سَمِعْت عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب يُنَادِي عَلَى مِنْبَر الْكُوفَة: يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ فِي الْجَنَّة لُؤْلُؤَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بَيْضَاء وَالْأُخْرَى صَفْرَاء أَمَّا الصَّفْرَاء فَإِنَّهَا إِلَى بُطْنَانِ الْعَرْشِ وَالْمَقَام الْمَحْمُود مِنْ اللُّؤْلُؤَة الْبَيْضَاء سَبْعُونَ أَلْف غُرْفَة كُلّ بَيْت مِنْهَا ثَلَاثَة أَمْيَال وَغُرَفهَا وَأَبْوَابهَا وَأَسِرَّتهَا وَسُكَّانهَا مِنْ عِرْق وَاحِد وَاسْمهَا الْوَسِيلَة لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْل بَيْته وَالصَّفْرَاء فِيهَا مِثْل ذَلِكَ هِيَ لِإِبْرَاهِيم - عَلَيْهِ السَّلَام - وَأَهْل بَيْته.
آية الأنداد:
يرى الشيخ عبد الوهاب أن حب الصالحين و(الغلو) يوقع فاعله تحت طائلة الآية المذكورة ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والمتهم في كل هذه الحالات هو صالحي أمة لا إله إلا الله ممن يحبهم المسلمون ويتبركون بهم أحياء وأموات.
بدا واضحا في ردنا على الشيخ في فهمه المغلوط والمزيف لآية سورة الإسراء مدى ضحالته اللغوية أو مغالطته في استخراج معاني الآيات القرآنية ويزداد الأمر وضوحا في استشهاده بهذه الآية.
فمعنى يحبونهم كحب الله أي أنهم يجعلونهم لله أندادا في السمع والطاعة وهو ما ينطبق على كل من يقال له قال رسول الله فيقال قال فلان أو علان.
فقد أصبح اتباع هؤلاء أصلا يعادل ويعلو في كثير من الأحيان ما أمر به الله ورسوله وهو يطابق أيضا قوله تبارك وتعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) فقد صارت طاعة هؤلاء الكهنة المزيفين والقادة المزيفين كطاعة الله والذين آمنوا أشد حبا لله.
والكلام في هذا الفصل ينقسم إلى قسمين:
الأول: من أحبهم المؤمنون حبا متفرعا على حبهم لله ولرسول الله ومن ثم فحبهم من حب الله وهم ليسوا أندادا بل (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم ما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) الأنبياء.
والثاني: من وقع في تلك الورطة القاتلة وما زال يقع فيها ويراها دين الله ويعلن الحرب على من (هم أشد حبا لله).
قال تعالى (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) آل عمران 31 وقال تعالى في سورة الشورى (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) آية 23.
قال ابن كثير في تفسير آية المودة:
عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة "قُلْ لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى" قَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّه بِمَوَدَّتِهِمْ؟ قَالَ "فَاطِمَة وَوَلَدهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ"

قال ابن كثير: وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف فِيهِ مُبْهَم وَلَا نُنْكِر الْوَصَاة بِأَهْلِ الْبَيْت وَالْأَمْر بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَاحْتِرَامهمْ وَإِكْرَامهمْ فَإِنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّة طَاهِرَة مِنْ أَشْرَف بَيْت وُجِدَ عَلَى وَجْه الْأَرْض فَخْرًا وَحَسَبًا وَنَسَبًا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّة الصَّحِيحَة الْوَاضِحَة الْجَلِيَّة كَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفهمْ كَالْعَبَّاسِ وَبَنِيهِ وَعَلِيّ وَأَهْل بَيْته وَذُرِّيَّته رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَته بِغَدِيرِ خُمّ "إِنِّي تَارِك فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ كِتَاب اللَّه وَعِتْرَتِي وَإِنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْض" وَروى الْإِمَام أَحْمَد عَنْ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ قُرَيْشًا إِذَا لَقِيَ بَعْضهمْ بَعْضًا لَقُوهُمْ بِبِشْرٍ حَسَن وَإِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِوُجُوهٍ لَا نَعْرِفهَا قَالَ فَغَضِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ "وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُل قَلْب الرَّجُل الْإِيمَان حَتَّى يُحِبّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ" ثُمَّ قَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْ عَبْد الْمُطَّلِب بْن رَبِيعَة قَالَ دَخَلَ الْعَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّا لَنَخْرُج فَنَرَى قُرَيْشًا تُحَدِّث فَإِذَا رَأَوْنَا سَكَتُوا فَغَضِبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَرَّ عِرْق بَيْن عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَاَللَّه لَا يَدْخُل قَلْب اِمْرِئٍ مُسْلِم إِيمَان حَتَّى يُحِبّكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي" وَقَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب حَدَّثَنَا خَالِد حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ وَاقِد قَالَ سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ أَبِي بَكْر - هُوَ الصِّدِّيق - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ اُرْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْل بَيْته.

وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي حَيَّان التَّيْمِيّ حَدَّثَنِي يَزِيد بْن حَيَّان قَالَ اِنْطَلَقْت أَنَا وَحُصَيْن بْن مَيْسَرَة وَعُمَر بْن مُسْلِم إِلَى زَيْد بْن أَرْقَم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ حُصَيْن لَقَدْ لَقِيت يَا زَيْد خَيْرًا كَثِيرًا : رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعْت حَدِيثه وَغَزَوْت مَعَهُ وَصَلَّيْت مَعَهُ لَقَدْ رَأَيْت يَا زَيْد خَيْرًا كَثِيرًا حَدِّثْنَا يَا زَيْد مَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا اِبْن أَخِي لَقَدْ كَبِرَ سِنِّي وَقَدِمَ عَهْدِي وَنَسِيت بَعْض الَّذِي كُنْت أَعِي مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوهُ وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ثُمَّ قَالَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ:
قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطِيبًا فِينَا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة فَحَمِدَ اللَّه تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَّا بَعْد أَيّهَا النَّاس إِنَّمَا أَنَا بَشَر يُوشِك أَنْ يَأْتِينِي رَسُول رَبِّي فَأُجِيب وَإِنِّي تَارِك فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَاب اللَّه تَعَالَى فِيهِ الْهُدَى وَالنُّور فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّه وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ" فَحَثَّ عَلَى كِتَاب اللَّه وَرَغَّبَ فِيهِ وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَأَهْل بَيْتِي أُذَكِّركُمْ اللَّه فِي أَهْل بَيْتِي أُذَكِّركُمْ اللَّه فِي أَهْل بَيْتِي" فَقَالَ لَهُ حُصَيْن وَمَنْ أَهْل بَيْته يَا زَيْد؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْل بَيْته؟ قَالَ إِنَّ نِسَاءَهُ لَسْنَ مِنْ أَهْل بَيْته وَلَكِنْ أَهْل بَيْته مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّدَقَة بَعْده قَالَ وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ هُمْ آلُ عَلِيّ وَآلُ عُقَيْل وَآلُ جَعْفَر وَآلُ الْعَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ قَالَ أَكُلّ هَؤُلَاءِ حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّدَقَة؟ قَالَ نَعَمْ.
رَوَاهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ طُرُق يَزِيد بْن حِبَّان بِهِ وَروى التِّرْمِذِيّ عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" إِنِّي تَارِك فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدهمَا أَعْظَم مِنْ الْآخَر: كِتَاب اللَّه حَبْل مَمْدُود مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض وَالْآخَر عِتْرَتِي أَهْل بَيْتِي وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْض فَانْظُرُوا كَيْف تَخْلُفُونِي فِيهِمَا " تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب وَقَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْكُوفِيّ حَدَّثَنَا زَيْد بْن الْحَسَن عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ: رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّته يَوْم عَرَفَة وَهُوَ عَلَى نَاقَته الْقَصْوَاء يَخْطُب فَسَمِعْته يَقُول "يَا أَيّهَا النَّاس إِنِّي تَرَكْت فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَاب اللَّه وَعِتْرَتِي أَهْل بَيْتِي" تَفَرَّدَ بِهِ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَقَالَ حَسَن غَرِيب.
وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي ذَرّ وَأَبِي سَعِيد وَزَيْد بْن أَرْقَم وَحُذَيْفَة بْن أُسَيْد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا ثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَان الْأَشْعَث حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مَعِين حَدَّثَنَا هِشَام بْن يُوسُف عَنْ عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمَان النَّوْفَلِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَحِبُّوا اللَّه تَعَالَى لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمه وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّه وَأَحِبُّوا أَهْل بَيْتِي بِحُبِّي" ثُمَّ قَالَ حَسَن غَرِيب إِنَّمَا نَعْرِفهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَدْ أَوْرَدْنَا أَحَادِيث أُخَر عِنْد قَوْله تَعَالَى "إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْس أَهْل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرًا" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتهَا هَهُنَا وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة.
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا سُوَيْد بْن سَعِيد حَدَّثَنَا مُفَضَّل بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ حَنَش قَالَ سَمِعْت أَبَا ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُوَ آخِذ بِحَلْقَةِ الْبَاب يَقُول: يَا أَيّهَا النَّاس مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي وَمَنْ أَنْكَرَنِي فَأَنَا أَبُو ذَرّ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول "إِنَّمَا مَثَل أَهْل بَيْتِي فِيكُمْ كَمَثَلِ سَفِينَة نُوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَنْ دَخَلَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ". انتهى النقل عن ابن كثير.
كما قال القرطبي في تفسيره لنفس الآية:
الْقُرْبَى قَرَابَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَيْ لَا أَسْأَلكُمْ أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَوَدُّوا قَرَابَتِي وَأَهْل بَيْتِي, كَمَا أَمَرَ بِإِعْظَامِهِمْ ذَوِي الْقُرْبَى وَهَذَا قَوْل عَلِيّ بْن حُسَيْن وَعَمْرو بْن شُعَيْب وَالسُّدِّيّ. وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: "قُلْ لَا أَسَألّكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى" قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه, مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَوَدّهُمْ؟ قَالَ: (عَلِيّ وَفَاطِمَة وَأَبْنَاؤُهُمَا) وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: شَكَوْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَدَ النَّاس لِي فَقَالَ: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون رَابِع أَرْبَعَة أَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة أَنَا وَأَنْتَ وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن وَأَزْوَاجنَا عَنْ أَيْمَاننَا وَشَمَائِلنَا وَذُرِّيَّتنَا خَلْف أَزْوَاجنَا). وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حُرِّمَتْ الْجَنَّة عَلَى مَنْ ظَلَمَ أَهْل بَيْتِي وَآذَانِي فِي عِتْرَتِي وَمَنْ اِصْطَنَعَ صَنِيعَة إِلَى أَحَد مِنْ وَلَد عَبْد الْمُطَّلِب وَلَمْ يُجَازِهِ عَلَيْهَا فَأَنَا أُجَازِيه عَلَيْهَا غَدًا إِذَا لَقِيَنِي يَوْم الْقِيَامَة). وَكَفَى قُبْحًا بِقَوْلِ مَنْ يَقُول إِنَّ التَّقَرُّب إِلَى اللَّه بِطَاعَتِهِ وَمَوَدَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْل بَيْته مَنْسُوخ ; وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ مَاتَ عَلَى حُبّ آل مُحَمَّد مَاتَ شَهِيدًا. وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبّ آل مُحَمَّد جَعَلَ اللَّه زُوَّار قَبْره الْمَلَائِكَة وَالرَّحْمَة. وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْض آل مُحَمَّد جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَيْن عَيْنَيْهِ أَيِس الْيَوْم مِنْ رَحْمَة اللَّه وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْض آل مُحَمَّد لَمْ يَرَحْ رَائِحَة الْجَنَّة وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْض آل بَيْتِي فَلَا نَصِيب لَهُ فِي شَفَاعَتِي) وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَر الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِيره بِأَطْوَل مِنْ هَذَا فَقَالَ: وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ مَاتَ عَلَى حُبّ آل مُحَمَّد مَاتَ شَهِيدًا أَلا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبّ آل مُحَمَّد مَاتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِل اٌلإيمَان أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبّ آل مُحَمَّد بَشَّرَهُ مَلَك الْمَوْت بِالْجَنَّةِ ثُمَّ مُنْكَر وَنَكِير. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبّ آل مُحَمَّد يُزَفّ إِلَى الْجَنَّة كَمَا تُزَفّ الْعَرُوس إِلَى بَيْت زَوْجهَا أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبّ آل مُحَمَّد فُتِحَ لَهُ فِي قَبْره بَابَانِ إِلَى الْجَنَّة. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبّ آل مُحَمَّد جَعَلَ اللَّه قَبْره مَزَار مَلَائِكَة الرَّحْمَة. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبّ آل مُحَمَّد مَاتَ عَلَى السُّنَّة وَالْجَمَاعَة. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْض آل مُحَمَّد جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَيْن عَيْنَيْهِ آيِس مِنْ رَحْمَة اللَّه . أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْض آل مُحَمَّد مَاتَ كَافِرًا. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْض آل مُحَمَّد لَمْ يَشَمّ رَائِحَة الْجَنَّة) انتهى النقل عن القرطبي.
إنه إذا حب من حب الله ونور من نور الله ولكنه أبدا ليس حبا كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله ولا أفهم كيف اجترأ شيخ الوهابية على وصف الصالحين من آل محمد بالأنداد والأضداد رغم أنهم طريق الإيمان وصراط الله المستقيم وصدق الله العلي العظيم (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).
إنهم أي أهل البيت هم سفينة النجاة وأحد الثقلين ومن ثم فهم وسيلة الهداية وسبيل النجاة التي من تمسك بها نجا ومن تخلف عنها هلك وغرق فكيف يمكن أن تكون افتراءات شيخ الوهابية صحيحة؟؟!!.

الشق الثاني: يتعلق بأولئك الذين اتخذهم أهل الضلال أندادا يحبونهم كحب الله.
أولئك الذين أحلوا الحرام وحرموا الحلال فصاروا بذلك شركاء لله في ألوهيته ولن نضيف حرفا واحدا من عندنا بل سنكتفي بسرد بعض الوقائع.
الذين حرموا حلال الله.
قال ابن عباس:
يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!
يمتاز أسلوب شيخنا ابن عبد الوهاب وكل من يفكر بطريقة (خذوهم بالصوت قبل أن يغلبوكم) إذا جاز أن نسمي هذا الأسلوب تفكيرا بانتقائهم للنصوص التي تحقق أغراضهم وتخدم أهواءهم وتحريفها إذا لزم الأمر أما نصا أو فهما وتجاهل كل ما لا يصب في خدمة هدفهم المراد تحقيقه.
من بين ما يميز الوهابيين أيضا هو عدم استخدامهم للعقل ولذا فهم كثيرا ما يقعون في مطبات حرجة لا ينقذهم منها سوى الصراخ عاليا والتهديد بقتل المخالفين بعد تكفيرهم وإهدار دمائهم ولا تنس أن الكتاب الذي نتحدث عنه هو من الأساس قرار اتهام بتكفير كل من لا (يعبد الله) على طريقة عبد الوهاب الذي يعتقد كما سنشاهد بعد قليل أن كلمة مسجد تساوي معبد أوثان.
القضية الخلافية الجوهرية بين شيعة أهل البيت وخصومهم في الرأي هو اعتقاد هؤلاء الخصوم أن أبا بكر وعمر بن الخطاب هم خير الخلائق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن الشيعة خاصة والمسلمين عامة من المحبين لأهل البيت هم عبدة أوثان ومشركين وقبوريين وهو ما يسعى الشيخ لإثباته بكل ما يملك من قدرات تلفيقية وحشد لأدلة متناقضة متضاربة بينما يقول الشيعة أن أول ظلم وانحراف وقع في الإسلام هو الخروج على خط الأئمة من آل محمد عليهم السلام ووضع غيرهم في هذا الموضع الرفيع الذي لا يستحقه إلا الراسخون في العلم ممن أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
لا عجب إذا أن يفلت من بين براثن الشيخ الدليل القاطع على بطلان ما يدعيه...
يقول الشيخ ما نصه (من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله.. قال ابن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!) ص47 من الكتاب المذكور.
ولأن الشيخ لم يأت بدليل واحد على أن أهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قد خالفوا القرآن أو قالوا في دين الله برأيهم ونتحداه أن يفعل ولأننا نعتقد أن من صنع هذا بالفعل هم غير أهل البيت محتجين على الشيخ وغيره بما أورده هو في الفقرة السابقة نقلا عن ابن عباس.
ولو أنصف المسلمون أنفسهم وأعطوا كل ذي حق حقه لما وقعوا فيما هم فيه الآن (ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) ولكنه الهوى المضل والنفس الأمارة بالسوء والرؤساء الجهلة من صنف الشيخ عبد الوهاب الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.
إن أصدق وأصح وصف للإسلام الذي اعتمده ولا زال يعتمده القوم إلى يومنا هذا هو ما قاله ابن عباس رضوان الله عليه (أقول لكم قال رسول الله... تقولون قال أبو بكر وعمر) لا بل الوصف الأكثر دقة (أقول لكم قال الله.. تقولون قال أبو بكر وعمر)
وأخيرا نقدم لكم الدليل التفصيلي على ما قاله ابن عباس ليعرف الناس من المسئول ومن يتعين عليه التوبة والتصحيح ومن هم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم وزعماءهم أربابا من دون الله:
تحريم النكاح المؤقت ومتعة الحج:
رغم إباحة القرآن ونص أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
روى مسلم في صحيحه:
‏* حدثني ‏‏محمد بن رافع ‏حدثنا ‏‏عبد الرزاق ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏ابن جريج أخبرني ‏أبو الزبير ‏‏قال سمعت ‏جابر بن عبد الله ‏ ‏يقول ‏كنا ‏ ‏نستمتع ‏‏بالقبضة ‏ ‏من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وأبي بكر ‏‏حتى نهى عنه ‏‏عمر ‏‏في شأن ‏ ‏عمرو بن حريث. ‏
* حدثنا ‏حامد بن عمر البكراوي ‏حدثنا ‏عبد الواحد يعني ابن زياد‏ ‏عن ‏ ‏عاصم‏ ‏عن‏ ‏أبي نضرة ‏‏قال ‏كنت عند ‏جابر بن عبد الله‏ ‏فأتاه آت فقال ‏ابن عباس ‏وابن الزبير ‏اختلفا في ‏المتعتين ‏‏فقال ‏جابر ‏‏فعلناهما مع رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ثم نهانا عنهما ‏عمر‏ ‏فلم نعد لهما.
‏* حدثنا ‏محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني‏ ‏حدثنا ‏أبي ‏ووكيع ‏ ‏وابن بشر ‏عن ‏إسماعيل ‏عن ‏ ‏قيس‏ ‏قال سمعت ‏‏عبد الله ‏‏يقول: ‏‏كنا‏ ‏نغزو مع رسول الله ‏صلى الله عليه وآله وسلم‏ ‏ليس لنا نساء فقلنا ألا ‏ ‏نستخصي ‏فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة‏ ‏بالثوب‏ ‏إلى أجل ثم قرأ ‏ ‏عبد الله (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين). ‏
* وحدثنا ‏زهير بن حرب ‏حدثنا ‏ ‏إسماعيل بن إبراهيم ‏حدثنا ‏الجريري ‏ ‏عن ‏أبي العلاء ‏عن ‏‏مطرف ‏‏قال لي‏ ‏عمران بن حصين ‏إني لأحدثك بالحديث اليوم ينفعك الله به بعد اليوم واعلم أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏قد ‏أعمر‏ ‏طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية ‏ ‏تنسخ ‏ذلك ولم ينه عنه حتى‏ ‏مضى لوجهه ‏ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي.

*‏وحدثنا ‏إسحاق بن إبراهيم ‏ ‏ومحمد بن حاتم ‏كلاهما ‏‏عن‏ ‏وكيع ‏بهذا الإسناد ‏وقال ‏ابن حاتم ‏ ‏في روايته ارتأى رجل برأيه ما شاء ‏يعني ‏ ‏عمر. ‏
‏* وحدثنا ‏‏إسحاق بن إبراهيم ‏‏حدثنا ‏‏عيسى بن يونس ‏‏حدثنا ‏‏سعيد بن أبي عروبة ‏عن ‏قتادة ‏عن ‏‏مطرف بن عبد الله بن الشخير ‏عن ‏ ‏عمران بن الحصين ‏‏رضي الله عنه ‏‏قال: ‏اعلم أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينهنا عنهما رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏حتى قال فيها رجل برأيه ما شاء. ‏
حدثنا‏ ‏حامد بن عمر البكراوي ‏ ‏ومحمد بن أبي بكر المقدمي ‏‏قالا حدثنا‏ ‏بشر بن المفضل ‏حدثنا ‏ ‏عمران بن مسلم ‏عن ‏أبي رجاء ‏قال: ‏قال ‏عمران بن حصين ‏نزلت ‏آية المتعة ‏في كتاب الله ‏يعني ‏‏متعة الحج ‏‏وأمرنا بها رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏ثم لم تنزل آية ‏ ‏تنسخ ‏آية ‏متعة الحج ‏‏ولم ينه عنها رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم حتى مات قال رجل برأيه بعد ما شاء. ‏

ولا أدري كيف يمكن أن يكون هذا الاتهام الوقح الموجه لأهل البيت بأن الناس قد اتخذوهم أندادا يحبونهم كحب الله صحيحا ولا يكون كذلك في حق من قال في دين الله برأيه ما شاء.
كيف يمكن أن يكون حب واتباع أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا والذين ذكر ابن كثير والقرطبي وغيرهم من المحدثين في تفاسيرهم تلك الأحاديث في فضل حبهم وفضل اتباعهم ومن بينها حديث الثقلين الذي حدث به رسول الله أمة لا إله إلا الله مرتين مرة يوم حجة الوداع ومرة أخرى يوم غدير خم مدخلا للكفر والضلال ونوعا من الغلو المخرج من الملة ولا يكون كذلك في أناس من عوام أمة لا إله إلا الله قالوا برأيهم في دين الله من غير بينة ولا هدى ولا برهان ولا كتاب منير؟؟!!.
إنه العجب الذي لا ينقضي وانقلاب الموازين الذي بدأ ولم ينتهي إلى يومنا هذا هو الذي سمح لابن عبد الوهاب هو الآخر أن يقول في دين الله برأيه ما يحلو له فتلتف حوله قطعان من البشر تنعق بما لا تفهم ثم تكفر وتقتل وتخرب بعد أن زعموا أن الغلو في أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا هو أصل البلاء ومكمن العلة والداء بينما يكمن الشفاء من كل داء في اتباع ابن عبد الوهاب لأن نسبه يلتقي مع النبي في إلياس بن مضر وإياك أن تنسى أيها المسلم البائس الشقي أن نسب بني أمية يلتقي مع نسب النبي عند عبد مناف وأننا جميعا أبناء نبي هو آدم عليه السلام.
وياللعجب!!.


الشيخ وقبور الصالحين:
بعد أن أكمل الشيخ نسج خيوطه العنكبوتية حول عقل الأمة المعطل والمتوقف عن التفكير والدوران منذ قرون طرح علينا أسطورة وأكذوبة.
أما الأسطورة:
فهي قصة أصنام قوم نوح عليه السلام وهي أسطورة حددت موقعا جغرافيا يتعين استهدافه بعمليات الهدم والتخريب هو قبور الصالحين رغم أنه يسميها أحيانا بالتماثيل وشتان ما بين القبور والتماثيل.
القبور كما هو معلوم هي حفرة في الأرض توضع فيها أجساد الموتى سواء كانوا من الأنبياء والمرسلين أو كانوا من الشياطين أو حتى من أعداء الدين أما التماثيل فهي مجسمات لبشر أو لكيان صاغه الخيال الفني لصناع التماثيل.
ليست كل التماثيل تصنع من أجل العبادة ولأننا لسنا معنيين بهذه المسألة فسنمر عليها مر الكرام.
الإنسان المدفون في التراب ينطبق عليه قوله تعالى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى).
إنه أي ذلك المدفون في التراب إنسان خلقه الله تبارك وتعالى من التراب ثم أعاده مرة أخرى إلى نشأته الأولى وهو على إخراجه من التراب إذا يشاء قدير.
هل هناك إله يدفن في التراب؟؟!!.
الجواب معلوم للقاصي والداني والأمر لم يكن يحتاج إلى الشيخ عبد الوهاب ولا غيره للإجابة عليه.
القرآن يقول (قل إنما أنا بشر مثلكم).. ومن هنا فليس هناك مسلم يعتقد الألوهية في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن باب أولى في أحد من أهل بيته.
التثليث النصراني جاء من اعتقاد البعض بتجسد إحدى الصفات الإلهية في نبي الله عيسى عليه السلام وهي صفة الروح القدس أو الكلمة ولذا فهو من وجهة نظرهم ابن الله أو هو الله الذي نزل إلى الأرض ليصلب فداء لخطايا البشر ومن ثم فليس هنالك قبر للمسيح الإله في التصور المسيحي إذ كيف يمكن أن يدفن (الله) في قبر؟؟!!.
من هنا يبدو غريبا تلك الرواية المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والتي تقول (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فالنصارى ليس لهم أنبياء بل نبي واحد هو المسيح عيسى بن مريم ومن المعلوم أن ليس للمسيح عليه السلام قبر دفن فيه جثمانه وفقا للتصور الإسلامي الذي يؤمن بأنه رفع إلى السماء وهو حي وسيعود يوما ما فضلا عن التصور المسيحي الذي يؤمن بقيامته وصعوده إلى السماء.

أما الأكذوبة:
فقد قمنا بالرد عليها وهي أن ما أسماه بالغلو في الصالحين هو أصل كل بلاء وأنهم ينطبق عليهم تلك الآيات التي فندنا استدلال الشيخ بها من قبل.

أجهد الشيخ نفسه بعد ذلك في إثبات أن قبور الصالحين وتحديدا المقام الطاهر للنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد أصبح وثنا يعبد استشهاده بتلك (الروايات) التي ذكرها فتعالوا نناقش الشيخ في دعواه.
أولا: الروايات وتفسيرها
البخاري: حدثنا ‏‏الصلت بن محمد ‏‏حدثنا ‏‏أبو عوانة ‏عن ‏ ‏هلال الوزان ‏‏عن ‏‏عروة بن الزبير ‏عن ‏‏عائشة ‏‏رضي الله عنها ‏ ‏قالت: ‏قال النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏في مرضه الذي لم يقم منه ‏‏لعن الله ‏‏اليهود ‏‏اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت ‏عائشة ‏‏لولا ذلك لأبرز قبره خشي أن يتخذ مسجدا. ‏ 
‏سنن النسائي: أخبرنا ‏ ‏محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى ‏قال حدثنا ‏ ‏أبو سلمة الخزاعي ‏‏قال حدثنا ‏ ‏الليث بن سعد ‏ ‏عن ‏ ‏يزيد بن الهاد ‏ ‏عن ‏ ‏ابن شهاب ‏‏عن ‏سعيد بن المسيب ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال ‏‏لعن الله ‏اليهود ‏والنصارى‏‏ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ‏ 
‏قال الشارح: قوله (مساجد) ‏‏أي قبلة للصلاة يصلون إليها أو بنوا مساجد عليها يصلون فيها ولعل وجه الكراهة أنه قد يفضي إلى عبادة نفس القبر سيما في الأنبياء والأحبار . ‏
مسند أحمد: ‏حدثنا ‏ ‏عبد الملك بن عمرو ‏حدثنا ‏ابن أبي ذئب ‏وعثمان بن عمر ‏أنا ‏ ‏ابن أبي ذئب ‏عن‏ ‏عقبة بن عبد الرحمن‏ ‏عن ‏‏محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان‏ ‏عن ‏زيد بن ثابت ‏‏أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال ‏‏قاتل الله ‏اليهود ‏وقال ‏عثمان ‏‏لعن الله ‏اليهود ‏‏اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ‏ 
‏أخبرنا ‏سويد بن نصر ‏‏قال أنبأنا ‏‏عبد الله بن المبارك ‏‏عن ‏‏معمر ‏ويونس ‏قالا قال ‏‏الزهري ‏‏أخبرني عبيد الله بن عبد الله ‏‏أن ‏عائشة ‏وابن عباس‏ ‏قالا ‏‏لما نزل برسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏فطفق ‏ ‏يطرح ‏‏خميصة له ‏‏على وجهه فإذا ‏ ‏اغتم ‏ ‏كشفها عن وجهه قال وهو كذلك ‏‏لعنة الله على ‏ ‏اليهود ‏ ‏والنصارى ‏اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ‏ 
شرح سنن النسائي للسندي: ‏ومراده بذلك أن يحذر أمته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذهم تلك القبور مساجد إما بالسجود إليها تعظيما أو بجعلها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها قيل ومجرد اتخاذ مسجد في جوار صالح تبركا غير ممنوع ثم استشكل ذكر النصارى في الحديث بأن نبيهم عيسى عليه السلام وهو إلى الآن ما مات أجيب بأنه كان فيهم أنبياء غير مرسلين كالحواريين ومريم في قول والمراد بالأنبياء في الحديث الأنبياء وكبار أتباعهم ويدل عليه رواية مسلم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد أو المراد بالاتخاذ أعم من أن يكون على وجه الابتداع أو الاتباع فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت ولا ريب أن النصارى تعظم قبور جمع من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود .
أما صاحب (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي) فيقول في هذا الموضوع: ‏قال ابن الملك: إنما حرم اتخاذ المساجد عليها لأن في الصلاة فيها استنانا بسنة اليهود وقال القاري في المرقاة وقوله عليها يفيد أن اتخاذ المساجد بجنبها لا بأس به, ويدل عليه قوله عليه السلام "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد " انتهى. قلت: إن كان اتخاذ المساجد بجنب القبور لتعظيمها أو لنية أخرى فاسدة فليس بجائز كما ستقف عليه ‏
‏تنبيه: قال في مجمع البحار: وحديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد كانوا يجعلونها قبلة يسجدون إليها في الصلاة كالوثن, وأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح أو صلى في مقبرة قاصدا به الاستظهار بروحه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا التوجه نحوه والتعظيم له فلا حرج فيه ألا يرى أن مرقد إسماعيل في الحجر في المسجد الحرام والصلاة فيه أفضل. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات في شرح هذا الحديث: لما أعلمه بقرب أجله فخشى أن يفعل بعض أمته بقبره الشريف ما فعلته اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم فنهى عن ذلك.
أما البخاري وهو القطب الأعظم من وجهة نظرهم صاحب أصح كتاب عرفته البشرية بعد القرآن الكريم فيأتي بما هو أعظم حيث يقول:

تعليق: المعنى الذي استفاده الشيوخ الأوائل من هذه الروايات (حال ثبوت صحتها) هو النهي عن اتخاذ قبور الأنبياء قبلة أو وثنا يقصد بالعبادة وهو أمر متفق ومجمع عليه بين كل المسلمين بمن فيهم أولئك المتهمون بعبادة القبور أو من يسميهم الشيخ وأزلامه بالقبوريين فالعبادة لا تكون إلا لله والتوجه في الصلاة لا يكون إلا إلى القبلة ولا يجوز على الإطلاق التوجه نحو قبر النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله ولا لغيره بالصلاة ولا بالعبادة.
كما نلاحظ أيضا ما ذكره صاحب (تحفة الأحوذي) من أن من (اتخذ مسجدا في جوار صالح أو صلى في مقبرة قاصدا به الاستظهار بروحه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا التوجه نحوه والتعظيم له فلا حرج فيه ألا يرى أن مرقد إسماعيل في الحجر في المسجد الحرام والصلاة فيه أفضل).
التساؤل الذي ذكرناه في بداية حديثنا عن (قبور أنبياء النصارى) لم يمر أيضا على هؤلاء الشراح الذين استغربوا إدراج النصارى في الرواية رغم أن عيسى عليه السلام لم يمت ومن ثم فليس له قبر يعبد أو حتى يزار إلا أن عقلية الرواية تغلبت على عقلية الفهم والدراية وجرى قبول الرواية كما هي وحتى لا نوسع ساحة المعركة فلا داعي للحديث عن عدالة ونزاهة بعض هؤلاء الرواة وكما يقول المثل الشعبي (خللي الطابق مستور)!!!.
والأهم من هذا أن لو كان اجتماع أضرحة الأنبياء مع المساجد ممنوعا لكان أول من تصدى لتطبيق هذا المنع هو الرسول الأكرم محمد بن عبد الله ولأوصى بدفنه في البقيع أو في أي مكان آخر ولكنه صلوات الله وسلامه عليه دفن في بيته الذي كان في مسجده ولا أدري كيف مرت هذه النقطة على الشيخ وأزلامه المتعطشين لتكفير المسلمين وسفك دمائهم بأوهى شبهة ولماذا لم يحاولوا أن يعثروا لها على رد ولا على جواب؟؟!!.
ضريح إسماعيل عليه السلام في الحجر (بيت الله الحرام):
ولا أدري كيف فات على إمام الأمة محمد بن عبد الوهاب أن إسماعيل عليه السلام مدفون في (الحِجر) أي في الكعبة المشرفة (أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) وأن الصلاة في هذا الموضع أفضل من الصلاة في بقية أرجاء الحرم المكي الشريف ولو كان الدفن في المساجد أو اجتماع القبر والمسجد مدخلا للوثنية لما دفن إسماعيل عليه السلام في هذا الموضع إلا إذا كان ابن عبد الوهاب أحرص على جناب التوحيد من إبراهيم عليه السلام وذريته سادة الأنبياء الذين حملوا رسالة التوحيد ودافعوا عنها والقرآن خير شاهد على ذلك واقرأ معي آيات سورة البقرة:

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ* أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. 125-133

الرسول محمد صلى الله عليه وآله دفن في مسجده.
دفن النبي الأكرم كما هو معلوم في بيته والبيت كان في المسجد كما أن إقامته صلى الله عليه وآله في المسجد لم تكن حدثا عرضيا ولا بسبب أزمة مساكن بل كان بأمر إلهي نزل فيه حكم قرآني واقرأ معي تفسير قوله تعالى في سورة النساء آية 43 (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) حيث يذكر القرطبي في تفسيره:
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَوْله: "إِلا عَابِرِي سَبِيل" فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَابْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَمُجَاهِد وَالْحَكَم: عَابِر السَّبِيل الْمُسَافِر. وَلَا يَصِحّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاة وَهُوَ جُنُب إِلَّا بَعْد الِاغْتِسَال, إِلَّا الْمُسَافِر فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ; وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَة; لِأَنَّ الْغَالِب فِي الْمَاء لَا يُعْدَم فِي الْحَضَر; فَالْحَاضِر يَغْتَسِل لِوُجُودِ الْمَاء, وَالْمُسَافِر يَتَيَمَّم إِذَا لَمْ يَجِدهُ. وَرَوَى بَعْضهمْ فِي سَبَب الْآيَة أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَار كَانَتْ أَبْوَاب دُورهمْ شَارِعَةً فِي الْمَسْجِد, فَإِذَا أَصَابَ أَحَدهمْ الْجَنَابَة اُضْطُرَّ إِلَى الْمُرُور فِي الْمَسْجِد.
قُلْت: وَهَذَا صَحِيح; يُعَضِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَسْرَة بِنْت دَجَاجَة قَالَتْ: سَمِعْت عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا تَقُول: جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُجُوه بُيُوت أَصْحَابه شَارِعَة فِي الْمَسْجِد; فَقَالَ: (وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوت عَنْ الْمَسْجِد). ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصْنَع الْقَوْم شَيْئًا رَجَاء أَنْ تَنْزِل لَهُمْ رُخْصَة فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوت عَنْ الْمَسْجِد فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِد لِحَائِضٍ وَلَا جُنُب). وَفِي صَحِيح مُسْلِم: (لَا تَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِد خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْر). فَأَمَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَدِّ الْأَبْوَاب لِمَا كَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اِتِّخَاذ الْمَسْجِد طَرِيقًا وَالْعُبُور فِيهِ . وَاسْتَثْنَى خَوْخَة أَبِي بَكْر إِكْرَامًا لَهُ وَخُصُوصِيَّةً ; لِأَنَّهُمَا كَانَا لَا يَفْتَرِقَانِ غَالِبًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِد وَلَا يَجْلِس فِيهِ إِلَّا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَرَوَاهُ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ وَلَا يَصْلُح أَنْ يُجْنِب فِي الْمَسْجِد إِلَّا أَنَا وَعَلِيّ). قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ; لِأَنَّ بَيْت عَلِيّ كَانَ فِي الْمَسْجِد, كَمَا كَانَ بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد, وَإِنْ كَانَ الْبَيْتَانِ لَمْ يَكُونَا فِي الْمَسْجِد وَلَكِنْ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ بِالْمَسْجِدِ وَأَبْوَابهمَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِد فَجَعَلَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَسْجِد فَقَالَ: (مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ) الْحَدِيث. وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ بَيْت عَلِيّ كَانَ فِي الْمَسْجِد مَا رَوَاهُ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه قَالَ : سَأَلَ رَجُل أَبِي عَنْ عَلِيّ وَعُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَيّهمَا كَانَ خَيْرًا؟ فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بْن عُمَر: هَذَا بَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وَأَشَارَ إِلَى بَيْت عَلِيّ إِلَى جَنْبه, لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِد غَيْرهمَا; وَذَكَرَ الْحَدِيث. فَلَمْ يَكُونَا يُجْنِبَانِ فِي الْمَسْجِد وَإِنَّمَا كَانَا يُجْنِبَانِ فِي بُيُوتهمَا, وَبُيُوتهمَا مِنْ الْمَسْجِد إِذْ كَانَ أَبْوَابهمَا فِيهِ; فَكَانَا يَسْتَطْرِقَانِهِ فِي حَال الْجَنَابَة إِذَا خَرَجَا مِنْ بُيُوتِهِمَا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُمَا ; وَقَدْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُصَّ بِأَشْيَاء , فَيَكُون هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ, ثُمَّ خَصَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَام فَرَخَّصَ لَهُ فِي مَا لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ لِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَتْ أَبْوَاب بُيُوتهمْ فِي الْمَسْجِد, فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِد أَبْوَاب بُيُوت غَيْر بَيْتَيْهِمَا; حَتَّى أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَدِّهَا إِلَّا بَاب عَلِيّ. وَرَوَى عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سُدُّوا الْأَبْوَاب إِلَّا بَاب عَلِيّ) فَخَصَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام بِأَنْ تُرِكَ بَابه فِي الْمَسْجِد, وَكَانَ يُجْنِب فِي بَيْته وَبَيْته فِي الْمَسْجِد . وَأَمَّا قَوْله: ( لَا تَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِد خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْر) فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَتْ - وَاَللَّه أَعْلَم - أَبْوَابًا تَطْلُع إِلَى الْمَسْجِد خَوْخَات, وَأَبْوَاب الْبُيُوت خَارِجَة مِنْ الْمَسْجِد فَأَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَام بِسَدِّ تِلْكَ الْخَوْخَات وَتَرْك خَوْخَة أَبِي بَكْر إِكْرَامًا لَهُ, وَبَاب عَلِيّ كَانَ بَاب الْبَيْت الَّذِي كَانَ يَدْخُل مِنْهُ وَيَخْرُج. وَقَدْ فَسَّرَ اِبْن عُمَر ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِد غَيْرهمَا. انتهى النقل عن القرطبي.
آية سورة الكهف:
الآية الثانية في كتاب الله هي آية سورة الكهف (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا) ولو كان اتخاذ المساجد بجوار الأضرحة ممنوعا لما وردت تلك الآية بصيغة الإقرار ولجاءت بصيغة الاستنكار والنهي قال الطبري في تفسيره:
َقَوْله {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ} يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ الْقَوْم الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْر أَصْحَاب الْكَهْف {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَة, أَهُمْ الرَّهْط الْمُسْلِمُونَ, أَمْ هُمْ الْكُفَّار؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْض ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّه مَا لَمْ يَمْضِ مِنْهُ, حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد, قَالَ: ثنا سَلَمَة, عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد, عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر, قَالَ: عَمَّى اللَّه عَلَى الَّذِينَ أَعْثَرَهُمْ عَلَى أَصْحَاب الْكَهْف مَكَانهمْ, فَلَمْ يَهْتَدُوا, فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا فَإِنَّهُمْ أَبْنَاء آبَائِنَا وَنَعْبُد اللَّه فِيهَا وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلْ نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ هُمْ مِنَّا نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا نُصَلِّي فِيهِ وَنَعْبُد اللَّه فِيهِ.
أما ابن كثير فذكر في تفسيره: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا حَكَى اِبْن جَرِير فِي الْقَائِلِينَ ذَلِكَ قَوْلَيْنِ "أَحَدهمَا" إِنَّهُمْ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ "وَالثَّانِي" أَهْل الشِّرْك مِنْهُمْ فَاَللَّه أَعْلَم وَالظَّاهِر أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ هُمْ أَصْحَاب الْكَلِمَة وَالنُّفُوذ وَلَكِنْ هَلْ هُمْ مَحْمُودُونَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَر لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "لَعَنَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى اِتَّخَذُوا قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِد" يُحَذِّر مَا فَعَلُوا وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ قَبْر دَانْيَال فِي زَمَانه بِالْعِرَاقِ أَمَرَ أَنْ يُخْفَى عَنْ النَّاس وَأَنْ تُدْفَن تِلْكَ الرُّقْعَة الَّتِي وَجَدُوهَا عِنْده فِيهَا شَيْء مِنْ الْمَلَاحِم وَغَيْرهَا.
ومن الواضح أن الشيخ ابن كثير لا يستطيع الجزم بدلالة الآية بعد أن اختلطت الأمور عليه والمشكلة التي عانى وما زال يعاني منها كل هؤلاء أنهم يقدمون أقوال (أحبارهم ورهبانهم ووضاع الأحاديث) على دلالة النص القرآني مهما كانت درجة وضوحه مثل هذه الآية التي اعتبرت أن بناء المسجد على قبور أهل الكهف عملا محمودا ولكن هذه الرؤية القرآنية تتناقض مع الرؤية الأموية التي ترغب في الغض من شأن النبي وآله فضلا عن الرغبة المرضية الملحة التي تحكمت وما زالت تتحكم في هؤلاء وتدفعهم دفعا للعمل على محو هؤلاء الأعلام من ذاكرة المسلمين وإذا كان ابن عبد الوهاب قد تقدم للقيام بهذه المهمة وهو يرفع راية الحفاظ على عقيدة التوحيد من خطر الغلو في الصالحين فإن مضمون رسالته لا يختلف عن مضمون ما قام به الأمويون الذين قتلوا أبا عبد الله الحسين وتركوا جثمانه ملقى في العراء تسفي عليه الرياح أو ما قام به المتوكل العباسي الذي عفى آثار قبر الحسين عليه السلام ثم أغرقه بالمياه لا فارق بين الأمويين والعباسيين والوهابيين تعددت الأسماء والبغض واحد.
مسجد = معبد للأوثان!!!
وإذا كان هؤلاء المفسرين قد اختلفوا فيما بينهم حيث ادعى البعض منهم أن الذين قالوا (ابنوا عليهم مسجدا) كانوا من الكفار وهي طرفة تضحك الثكلى.
إنها المرة الأولى التي نسمع فيها أن بناء المساجد هو من صنيع الكفار والمشركين!!! أما شيخنا عبد الوهاب فكان أكثر وضوحا وتحديدا في توجيه هذا الاتهام لبناة المسجد على قبر هؤلاء الصالحين حيث يقول ص 32 تحت عنوان (ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان) وقول الله تعالى:  (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) وقوله تعالى: (قل هل أُنبئُكُم بشرٍ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت) وقوله تعالى: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدًا ).
ولك أن تتخيل أن الذين اتخذوا مسجدا هم من عبدة الأوثان كما أنهم ممن يؤمنون بالجبت والطاغوت فضلا عن أنهم ممن لعنهم الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت؟؟!!.
وإذا كان هذا هو رأي الشيخ فيمن بنى هذا المسجد فأي إسلام هذا الذي يدعيه.
أما الأدهى والأمر من هذا هي تلك الجرأة والتطاول التي فاقت كل الحدود بدءا من اتهام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والصالحين من أهل بيته بأنه صار وثنا يعبد من دون الله وأن الغلو في الصالحين (من غير الوهابيين بكل تأكيد) هو أصل كل شرك وكفر وبلاء ووصولا إلى معاندة الله رب العالمين في تزكيته لمن بنى مسجدا فيأتي هو ليقرنه بالقردة والخنازير وعبد الطاغوت.
إنه الإسلام الوهابي الذي لا يكتفي بمحاربة أولياء الله الصالحين بل يذهب أبعد من هذا عندما يتحدى رب العالمين وهو الذي سماه في كتابه مسجدا في حين يراه ابن عبد الوهاب مجرد معبد للأوثان!!.
إنه بحق عبده الذي يتحدى ربه!!!.
محو الأضرحة أم محو أصحابها من ذاكرة الأمة؟؟!!.
إنها القضية التي تداولها أولئك الذين عثروا على أهل الكهف وهم كانوا من المؤمنين (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وان الساعة لا ريب فيها) أي أن العثور على أجسادهم الطاهرة كان آية إلهية دالة على صدق إيمان هؤلاء الفتية بربهم وصدق وعده.
وعندها دار التساؤل فيما بينهم حول الطريقة المثلى لإحياء قصة هؤلاء الفتية في ذاكرة الأمة وما تحمله من دلالات ورموز كلها تصب في خدمة الدين والإيمان فكان أن أشار البعض بإقامة نصب تذكاري (ابنوا عليهم بنيانا) وأشار البعض الآخر (لنتخذن عليهم مسجدا) لعبادة الله في ذلك المكان الطاهر الذي احتضن أجساد هؤلاء الأطهار ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ثم احتضن رفاتهم بعد ذلك.
على عكس المدرسة الغالبة لدى أهل الكهف التي سعت لتكريم هؤلاء الصالحين أمواتا بعد أن عز عليهم التكريم وهم أحياء فالمدرسة الغالبة عندنا هي مدرسة التعتيم والتخريب والطمس وقل لي بربك ما هو دلالة ما ذكره ابن كثير في تفسيره من بقاء قبر دانيال عليه السلام ظاهرا معروفا إلى أن أمر عمر بن الخطاب بطمسه ودفن ما كان بحوزته من مخطوطات كان من الممكن أن تكون ذخيرة معرفية للأمة الإسلامية الجاهلة المجهلة بفضل تلك القيادات الذين اتخذهم القوم أربابا من دون الله عندما استبدلوا التي هي أدنى بالتي هي خير ولا زلنا نعاني من آثار تلك الجهالة إلى يومنا هذا.
الحرب التي شنها ابن عبد الوهاب على أضرحة أهل البيت لم تنطلق من فراغ بل انطلقت من رغبة عارمة في محو ذكرهم وتعفية آثارهم ومن ثم تنشئة أجيال وأجيال لا ترتبط بهذه الرموز ولا تعرف عنهم شيئا بل ترتبط بتلك التي أسس لها (مجدد دين التوحيد المزعوم).
إنها أمة يراد لها أن تعيش بلا ذاكرة مثلما عاشت أغلب فترات عمرها بلا عقل وهذا هو ملخص كتاب التوحيد الوهابي الذي أراد ذلك السيد المبجل أن يفرضه على العبيد وللأسف الشديد أنهم حققوا الكثير والكثير من أهدافهم التي سعوا من أجل تحقيقها.
تخاريف وهابية
التبرك
ما زال الشيخ عبد الوهاب مصرا على اختلاق التهم من أجل إثبات كفر أمة لا إله إلا الله وألا سبيل للمسلمين للنجاة من النار إلا بإعادة إعلان الإسلام على يديه وهو النهج الثابت الذي سار عليه كل مدعي الإمامة من بعده.
من بين تلك الاتهامات المضحكة استدلاله على النفي المطلق  للتبرك من خلال واقعة (اجعل لنا ذات أنواط) حيث يقول: ص14 (من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما) وقول الله تعالى: (أفرأيتم الَّلات والعزى) الآيات وعن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر! إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) (لتركبن سنن من كان قبلكم). [رواه الترمذي وصححه].
ثم يقول في نفس الباب (أنهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك، لظنهم أنه يحبه وأنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل).
روى ابن جرير الطبري في تفسير سورة الأعراف آية 138 (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) قال:
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى, قَالَ: ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر, عَنْ مَعْمَر, عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ أَبَا وَاقِد اللَّيْثِيّ, قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَل حُنَيْن, فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ , قُلْت يَا نَبِيّ اللَّه اِجْعَلْ لَنَا هَذِهِ ذَات أَنْوَاط كَمَا لِلْكُفَّارِ ذَات أَنْوَاط! وَكَانَ الْكُفَّار يَنُوطُونَ سِلَاحهمْ بِسِدْرَةٍ يَعْكُفُونَ حَوْلهَا فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اللَّه أَكْبَر! هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيل لِمُوسَى: اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة, إِنَّكُمْ سَتَرْكَبُونَ سُنَن الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ"
حَدَّثَنَا اِبْن صَالِح قَالَ ثني اللَّيْث قَالَ ثني عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ أَخْبَرَنِي سِنَان بْن أَبِي سِنَان الدَّيْلِيّ , عَنْ أَبِي وَاقِد اللَّيْثِيّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْن قَالَ وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَة يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتهمْ يُقَال لَهَا ذَات أَنْوَاط قَالَ فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاء عَظِيمَة قَالَ فَقُلْنَا يَا رَسُول اللَّه اجْعَلْ لَنَا ذَات أَنْوَاط قَالَ "قُلْتُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا قَالَ قَوْم مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة, قَالَ إِنَّكُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ أَنَّهَا السُّنَن لَتَرْكَبُنَّ سُنَن مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ".
المعنى الذي استخرجه الشيخ عبد الوهاب من هذه الرواية هو النفي المطلق لمبدأ التبرك التوحيدي ومن باب أولى التبرك الوثني وهو لفرط عبقريته وثقافته اللغوية والفقهية ناهيك عن (أدبه الجم) مع المسلمين عامة ومع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يزعم أن هؤلاء القائلين (جهلوا ومن ثم فغيرهم أولى بالجهل) إنه إذا مصطلح (الأولى بالجهل) الذي أنعم به علينا إمام الأمة محمد بن عبد الوهاب وهو المصطلح المكمل على ما يبدو لمصطلح (العذر بالجهل) الذي يستخدمه الوهابيون الأقل تطرفا من أجل تأجيل إصدار أحكام الكفر والقتل!!!!.
ثم يقولون أن الشيعة يسبون الصحابة!!!.
فمن ناحية فالذين طلبوا هذا الطلب من رسول الله كانوا ممن دخلوا في الإسلام توا بعد فتح مكة وهم من وصفهم القرطبي في تفسير هذه الآية بأنهم كانوا من (جهال الأعراب) ومن الطلقاء الذين دخلوا في دين الله خوفا أو طمعا في الفيء والغنائم فلماذا يصر الشيخ على سب وشتم أمة لا إله إلا الله ووصف المسلمين المعاصرين بأنهم أجهل من هؤلاء الجهال.
وعلى كل حال فنحن لا نستغرب مثل هذه الأساليب ممن يصر على اعتبار النبي وآله هم أصل كل بلاء وسبب العلة والداء وممن يعتبر أن المقصود بكلمة مسجد في سورة الكهف هو معبد للأوثان وهو يرى نفسه رغم كل هذا مصلحا رغم هذا المستوى الأخلاقي الذي لا يحتاج منا إلى وصف إضافي.
المنهي عنه في هذه الآية هو محاكاة الكفار والمشركين في التبرك بأوثانهم  فذات أنواط كانت شجرة يتبرك بها عبدة الأوثان ولم تكن قبرا من قبور أهل البيت أو رمزا يمت بسبب أو بنسب إلى الإسلام والدين.
الهندوس مثلا يقدسون الأبقار فهل يجوز لمسلم محاكاة هؤلاء في أفعالهم أو تقديسهم لأبقارهم؟؟!!.
وهل التبرك بقبر رسول الله أو بشيء من آثاره يشبه التبرك بأبقار الهندوس أو بذات أنواط كما يزعم مصلح الأمة ابن عبد الوهاب؟!.
من ناحية أخرى فإن الآثار الواردة في كتب الأحاديث على كثرتها لا تدع مجالا لتكرار مثل هذه التخاريف والهلاوس التي ما زال أتباع الشيخ يتلونها على مسامعنا صباح مساء.
الأحاديث الواردة في التبرك
‏روى مسلم في صحيحه: حدثنا ‏ ‏مجاهد بن موسى ‏وأبو بكر بن النضر بن أبي النضر ‏وهارون بن عبد الله ‏جميعا ‏عن ‏أبي النضر ‏ ‏قال ‏ ‏أبو بكر ‏حدثنا ‏أبو النضر يعني هاشم بن القاسم ‏‏حدثنا ‏ ‏سليمان بن المغيرة ‏عن ‏ثابت ‏عن ‏‏أنس بن مالك ‏قال: ‏‏كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏إذا صلى ‏الغداة ‏جاء خدم ‏‏المدينة ‏‏بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها فربما جاءوه في ‏الغداة ‏‏الباردة فيغمس يده فيها. ‏
صحيح مسلم بشرح النووي
‏قوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء, فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها).
وفي رواية أخرى: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, والحلاق يحلقه, وأطاف به أصحابه, فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل) وفي الآخر: (أن امرأة كانت في عقلها شيء, فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة, فقال: يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك؟ فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها) في هذه الأحاديث بيان بروزه صلى الله عليه وسلم للناس وقربه منهم , ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أفعاله وحركاته فيقتدى بها وهكذا ينبغي لولاة الأمور وفيها صبره صلى الله عليه وسلم على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين , وإجابته من سأله حاجة أو تبريكا بمس يده وإدخالها في الماء كما ذكروا . وفيه التبرك بآثار الصالحين , وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم وتبركهم بإدخال يده الكريمة في الآنية وتبركهم بشعره الكريم وإكرامهم إياه أن يقع شيء منه إلا في يد رجل سبق إليه وبيان تواضعه بوقوفه مع المرأة الضعيفة. ‏
‏حدثنا ‏‏محمد بن رافع ‏حدثنا ‏‏أبو النضر ‏حدثنا ‏‏سليمان ‏عن ‏‏ثابت ‏عن ‏ ‏أنس ‏‏قال ‏‏لقد ‏‏رأيت رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل. ‏

حدثني ‏زهير بن حرب ‏حدثنا ‏هاشم يعني ابن القاسم ‏عن ‏سليمان ‏عن ‏ثابت ‏عن ‏‏أنس بن مالك ‏قال: ‏‏دخل علينا النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏فقال ‏‏عندنا فعرق وجاءت أمي ‏بقارورة ‏‏فجعلت ‏تسلت ‏العرق فيها فاستيقظ النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏فقال يا ‏أم سليم ‏ما هذا الذي تصنعين قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب. ‏
صحيح مسلم بشرح النووي قوله: (فقال عندنا فعرق) ‏‏أي نام للقيلولة ‏قوله: (تسلت العرق) ‏‏أي تمسحه وتتبعه بالمسح. ‏‏
و حدثني ‏محمد بن رافع ‏حدثنا ‏‏حجين بن المثنى حدثنا ‏عبد العزيز وهو ابن أبي سلمة ‏عن ‏‏إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏قال ‏كان النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏يدخل بيت ‏أم سليم ‏ ‏فينام على فراشها وليست فيه قال فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتيت فقيل لها هذا النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏نام في بيتك على فراشك قال فجاءت وقد عرق ‏واستنقع ‏ ‏عرقه على قطعة ‏ ‏أديم ‏‏على الفراش ففتحت ‏‏عتيدتها ‏فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في ‏قواريرها ‏ففزع ‏‏النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏فقال ‏ما تصنعين يا ‏ ‏أم سليم ‏‏فقالت يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا قال أصبت. ‏
‏حدثنا ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏حدثنا ‏ ‏عفان بن مسلم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏وهيب ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أيوب ‏عن ‏‏أبي قلابة ‏‏عن ‏أنس ‏عن ‏‏أم سليم ‏أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏كان يأتيها ‏‏فيقيل ‏ ‏عندها فتبسط له ‏‏نطعا ‏‏فيقيل ‏ ‏عليه وكان كثير العرق فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير فقال النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يا ‏‏أم سليم ‏‏ما هذا قالت عرقك ‏أدوف ‏‏به طيبي.
فهل أصبح كل هؤلاء عباد أوثان وجهلة ومشركون ولأننا نعيش في العصر الوهابي فنحن أحق بالجهل منهم؟؟!!.
الشيخ البوطي والتوسل:
يقول الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (فقه السيرة): والذي يهمنا من ذلك هنا هو التأمل في تبرك أبي أيوب الأنصاري وزوجه بآثار النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام والتوسل بها للاستشفاء أو العناية والتوفيق وما شابه ذلك.
ومن ذلك ما رواه البخاري في كتاب اللباس في باب (ما يذكر من الشيب) من أن أم سلمة زوج النبي كانت تحتفظ بشعرات من شعر النبي صلى الله عليه وآله في جلجل لها (قارورة) فكان إذا أصاب أحدا من الصحابة عين أو أذى أرسل إليها إناء فيه ماء فجعلت الشعرات في الماء ثم أخذوا الماء يشربونه توسلا للاستشفاء والتبرك بها.
ومن ذلك ما رواه مسلم في كتاب الفضائل في باب طيب عرقه (انظر أعلاه) وغيره من الروايات, فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية فكيف التوسل بمنزلته عند الله جل جلاله وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين؟؟.
ولا يذهبن بك الوهم إلى أننا نقيس التوسل على التبرك وأن المسألة لا تعدو كونها استدلالا بالقياس فإن التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد وهو التماس الخير والبركة عن طريق المتوسل به وكل من التوسل بجاهه عند الله والتوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذي ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة وكل الصور الجزئية له يدخل تحت عموم النص بواسطة ما يسمى بتنقيح المناط عند علماء الأصول. ص148 المصدر المذكور.
ونكتفي بهذا القدر من الإيضاح لقضية لا تحتاج من الأساس إلى أي جهد في الإثبات وما عسانا أن نصنع في أمة يقودها من كانوا على شاكلة الشيخ عبد الوهاب.
والغريب أن مؤسس الوهابية المتلهف على تكفير المسلمين وسفك دمائهم بأوهى شبهة اتخذ من هذه القضية إحدى ركائز عقيدته التكفيرية الدموية.
هل كان رسول الله مجرد ناقل رسائل؟؟
هذا هو التصور الوهابي لدور الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وهو دور يرون أنه قد انتهى برحيله صلى الله عليه وآله وسلم عن نصب هذه الدنيا المليئة بالمنافقين الذين كان شغلهم الشاغل هو إيذائه صلوات الله عليه طيلة فترة قيامه بأعباء الرسالة وقد فضحهم القرآن الكريم عندما خاطبهم في سورة سميت باسمهم (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون) ولك أن تلاحظ أيها القارئ العزيز أن نصل النفاق الحامي لم يكن موجها نحو (لا إله إلا الله) بل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله.
جاء التصور الوهابي امتدادا واستكمالا لهذا النهج المشار إليه في سورة المنافقين محاولا حصر النبوة وآثارها (البركة والشفاعة) في هذا الإطار الزمني المحصور بين بعثته صلى الله عليه وآله ورحيله الجسدي عن هذا العالم... فلا ولاية لرسول الله صلى الله عليه وآله عدا ولاية التبليغ ولا شيء يهم وقد امتدت (آثار ولايته) عبر نقلة وكذبة الأحاديث وأخيرا عبر هؤلاء الأئمة الدجالين المزيفين الذي يجري حشو الوجدان العام للمسلمين بأساطيرهم وخرافاتهم ويجري تزييف أنساب وأحساب لهم واستحضار شهود الزور ليشهدوا بفضلهم فهذا هو مجدد القرن وذاك الحسيب النسيب الذي يلتقي نسبه مع رسول الله بأثر رجعي في إلياس بن مضر ودعك من أبناء وأحفاد رسول الله فالتعلق بهم شرك وغلو والتشيع لآل الرسول سبة ووصمة عار في جبين الإنسانية أما التشيع لابن عبد الوهاب والالتحاق بولايته فهو شرف الدنيا والآخرة!!!!......
إنه مرض الكبر والحقد والغل والحسد الذي تسبب في طرد اللعين إبليس من الرحمة الإلهية فأخرجه منها مذءوما مدحورا هو ومن تبعه من مردة الجن والإنس.
لم يكن إبليس عليه اللعنة من منكري الألوهية ولا حتى من منكري التوحيد ولم يكن سبب طرده من الرحمة الإلهية ناجما عن عبادة القبور بل لأنه أبى واستكبر فكان من الكافرين.
إنه الكبر الذي دفع هؤلاء وأسلافهم للمغالطة والجحود والإنكار وإذا كان الغالب على الأولين هو اكتفاؤهم بالتكبر على ولاية أهل البيت والاعتراف بفضل رسول الله فقد جاء ابن عبد الوهاب ليتمادى في سوء أدبه مع النبي وآله ويمد هذه الحالة من الكبر والجحود إلى ساحة النبوة ثم يسمي كل هذا الغثاء بالتوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
يقول الإمام الصادق (جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب) عليه السلام (إنما الكبر من تكبر عن ولايتنا وأنكر معرفة أئمتنا فمن كان فيه مثقال حبة من خردل من ذلك لم يدخله الجنة ومن أقر بمعرفتنا وأقر بحقنا لم يدخله النار) موسوعة الإمام الصادق ج14 ص 130 وروى أبو عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إن أعظم الكبر غمص الخلق وسفه الحق قلت وما غمص الخلق و سفه الحق قال يجهل الحق ويطعن على أهله فمن فعل ذلك فقد نازع الله عز و جل رداءه) 132 نفس المصدر.

لم يكن الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله مجرد مبلغ وحي كما يزعم الوهابيون ومن سبقهم من الأجلاف الذين حكى عنهم ربنا عز وجل فقال (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن, قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) التوبة, بل كان كما وصفه ربنا عز وجل (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة 128ولذا كان الإيمان بولايته موضع ابتلاء واختبار لهذه الأمة (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) المائدة 55.
الولاية هي جزء متمم ومكمل للنبوة (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) والولاية هي حلقة الوصل بين المؤمنين وبين خالقهم وهي السبب الكامن وراء هذا الحرص والإشفاق الذي ملأ قلب رسول خوفا على هذه الأمة (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) ولو كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله مجرد مبلغ وحي كما يزعم هؤلاء الأجلاف لقام بما كلف به ثم ذهب لينام في بيته مستريحا بينما يقول له ربه (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) فمن أين جاء ابن عبد الوهاب بهذه الجرأة التي مكنته من الزعم أن سبب البلاء ومصدر الشرك والكفر والنفاق هو الإفراط في حب النبي وأهل بيته في حين أنه تجاهل تجاهلا تاما الإشارة للمنافقين وإيذائهم لرسول الله صلى الله عليه
الولاية هي ذلك الحبل المتصل بين السماء والأرض وهي السبب في كونه صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين رءوف رحيم وهي السر وراء قوله تعالى (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وهي السبب الذي دفع المفسرين للقبول والتصديق بذلك الخبر وروايته في كتبهم تفسيرا لهذه الآية حيث ذكر ابن كثير والقرطبي والنص لابن كثير (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) النساء 64. يَقُول تَعَالَى "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلَّا لِيُطَاعَ" أَيْ فُرِضَتْ طَاعَته عَلَى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَقَوْله "بِإِذْنِ اللَّه" قَالَ مُجَاهِد: أَيْ لَا يُطِيع أَحَد إِلَّا بِإِذْنِي يَعْنِي لَا يُطِيعهُ إِلَّا مَنْ وَفَّقْته لِذَلِكَ قَوْله "وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّه وَعْده إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ" أَيْ عَنْ أَمْره وَقَدَره وَمَشِيئَته وَتَسْلِيطه إِيَّاكُمْ عَلَيْهِمْ وَقَوْله "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ" الْآيَة يُرْشِد تَعَالَى الْعُصَاة وَالْمُذْنِبِينَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُمْ الْخَطَأ وَالْعِصْيَان أَنْ يَأْتُوا إِلَى الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْتَغْفِرُوا اللَّه عِنْده وَيَسْأَلُوهُ أَنْ يَسْتَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ وَغَفَرَ لَهُمْ وَلِهَذَا قَالَ "لَوَجَدُوا اللَّه تَوَّابًا رَحِيمًا" وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَة مِنْهُمْ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور الصَّبَّاغ فِي كِتَابه الشَّامِل الْحِكَايَة الْمَشْهُورَة عَنْ الْعُتْبِيّ قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْد قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه سَمِعْت اللَّه يَقُول "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللَّه تَوَّابًا رَحِيمًا "وَقَدْ جِئْتُك مُسْتَغْفِرًا لِذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِك إِلَى رَبِّي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُول:

يَا خَيْر مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمه * فَطَابَ مِنْ طِيبهنَّ الْقَاع وَالْأَكَم نَفْسِي الْفِدَاء لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنه * فِيهِ الْعَفَاف وَفِيهِ الْجُود وَالْكَرَم

ثُمَّ اِنْصَرَفَ الْأَعْرَابِيّ فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي فَرَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ فِي النَّوْم فَقَالَ: يَا عُتْبِيّ الْحَقْ الْأَعْرَابِيّ فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّه قَدْ غَفَرَ لَهُ".
والشاهد أننا لا نستدل بهذه الآية على جواز التبرك بمقام النبوة فهو عندنا مما لا يحتاج إلى استدلال بل نستدل بها على أن قصد النبي هو قصد لله فهو باب الله الذي منه يؤتى وهو الأب الحنون لكل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو من هو في حرصه علينا ومن ثم فالزعم بأن العلاقة بين الخالق والمخلوق هي علاقة مباشرة لا مكان لرسول الله فيها هو سفه وانحطاط وسوء خلق والصحيح أنها علاقة مباشرة لا بد أن تمر عبر هذا الباب وأن تتواصل عبر التمسك بحبل الولاية وهو الحب وهو الخضوع والإخبات لرب العالمين والإنصات لمن جعله رب العالمين رحمة للناس ورحمة للذن آمنوا منكم وتلمس مرضاة الله بمرضاة رسوله وتلمس مرضاة رسوله بحب أهل بيته (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) وكل ما عدا ذلك فهو غش وخداع ونفاق (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
ألم يقرأ ابن عبد الوهاب قوله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) مضافا إلى كل ما سبق ليفقه ويدرك أنه صلى الله عليه وآله لم يكن مجرد (أذن) وأنه صلى الله عليه كان أذن خير لنا وأن شفاعته للعصاة والمذنبين والمقصرين من أمته ليست مجرد شفاعة تحت الطلب بل هي شفاعة قبل الطلب بل ودون طلب (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) التوبة (61).
وأخيرا ألم يأن لأتباع ابن عبد الوهاب أن يكفوا عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وينتبهوا لما في هذه الآية من الإنذار والتحذير؟؟!!!!!.

ابن عبد الوهاب يرد على الشيعة
لم يكتف الشيخ ابن عبد الوهاب بما أورده من خرافات وترهات في كتابه المسمى بالتوحيد بل أضاف إلى ذلك كتابا أسماه الرد على الرافضة وهو كتاب أو رسالة تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن (أكثرهم لا يفقهون) وأن (أكثرهم لا يعقلون ولا يعلمون) ورغم كل هذا فهم لا يترددون في الكذب والسب والشتم والهجاء واستباحة الدماء وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أما لماذا نكتب ردا على هذا الغثاء فالهدف هو تقريب صورة زعيم الوهابية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
يقول الشيخ تحت عنوان (مطلب الوصية بالخلافة):
إن مفيدهم (يقصد الشيخ المفيد رضوان الله عليه) قال في كتابه روضة الواعظين: "إن الله أنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد توجهه إلى المدينة في الطريق في حجة الوداع فقال: يا محمد إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول لك: انصب علياً للإمامة ونبّه أمتك على خلافته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أخي جبريل إن الله بغّض أصحابي لعلي إني أخاف منهم أن يجتمعوا على إضراري فاستعف لي ربي فصعد جبريل وعرض جوابه على الله تعالى فأنزله الله تعالى مرة أخرى وقال النبي صلى الله عليه وسلم مثلما قال أولاً فاستعفى النبي صلى الله عليه وسلم كما في المرة الأولى ثم صعد جبريل فكرّر جواب النبي صلى الله عليه وسلم فأمره الله تكرير نزوله معاتباً له مشدّداً عليه بقوله: (يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) فجمع أصحابه وقال: يا أيها الناس إن علياً أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين ليس لأحد أن يكون خليفة بعدي سواه من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. انتهى.
فانظر أيها المؤمن إلى حديث هؤلاء الكذبة الذي يدل على اختلاقه ركاكة ألفاظه وبطلان أغراضه ولا يصح منه إلا من كنت مولاه ومن اعتقد منهم صحة هذا فقد هلك إذ فيه اتهام المعصوم قطعاً من المخالفة بعدم امتثال أمر ربه ابتداءً وهو نقص ونقص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كفر، وأن الله تعالى اختار لصحبته من يبغض أجلّ أهل بيته وفي ذلك ازدراء بالنبي صلى الله عليه وسلم ومخالفة لما مدح الله به رسوله وأصحابه من أجل المدح وأنه صلى الله عليه وسلم خاف إضرار الناس وقد قال الله تعالى: (والله يعصمك من الناس) قبل ذلك كما هو معلوم بديهة واعتقاد عدم توكله على ربه فيما وعده نقص ونقصه كفر وإن فيه كذباً على الله تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) وكذباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن استحل ذلك فقد كفر وفسق، وليس في قوله: من كنت مولاه أن النص على خلافته متصلة، ولو كان نصاً لادّعاها علي رضي الله عنه لأنه أعلم بالمراد، ودعوى ادّعائها باطل ضرورة ودعوى علمه يكون نصاً على خلافته وترك ادعائها تقية أبطل من أن يبطل. انتهى النقل عن الشيخ.
ونبدأ أولا باستدلال الشيخ على نقض الرواية بما أسماه ركاكة النص وكأنه (حفظه الله) كان أس الفصاحة ومؤسس نهج البلاغة.
القارئ لما خطه الرجل لا يرى فيما كتبه سوى مستنقع للجهل والركاكة (ودع المكارم لا ترحل لبغيتها واترك الفصاحة لأرباب الفصاحة ودع مثل هذا الكلام يقوله غيرك).
الآية المقصودة هي قوله تعالى في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (67)
ولأن الشيخ لا يعرف شماله من يمينه فهو يقول (ولا يصح منها أي من الرواية إلا من كنت مولاه) ثم يلجأ شأنه شأن كل متردد وشاك في نفسه إلى الدفع الاحتياطي فيقول (وليس في قوله من كنت مولاه أن النص على خلافته متصلة)!!.
إذا كان الأمر كله كما يزعم الشيخ هو محض اختلاق فلماذا يصحح الشيخ جزءا من الرواية ولماذا يلجأ إلى نفي الثمرة وقد نفى وجود الشجرة بل وقطع بأن الأمر كله محض اختلاق؟؟!!.
إنه منطق ذلك الشخص الذي يجادلك في وجود شجرة تراها رأي العين فيقول إنها ليست شجرة من الأساس إنها مجرد ظل شجرة أو هي عمود إضاءة وبينما هو يجادلك مصرا على عدم وجود شجرة من الأساس وإذا ثمرة تسقط من تلك الشجرة فيسرع للمطالبة بها باعتبارها من حقه!!!.
إذا كانت رواية يوم الغدير كما يزعم شيخ الوهابية محض اختلاق فكيف صح منها (من كنت مولاه) ومن باب أولى لماذا يصر الشيخ على أن (ليس في قوله من كنت مولاه نص على خلافة متصلة)؟!.
إنه منطق الشيخ الأعوج الذي يراه دكاترة القرن العشرين والحادي والعشرين من أيتام الفضائيات و(المجلس الأعلى لتحسين الدخل على الطريقة الإسلامية) ثورة تصحيحية إصلاحية عقلية وفكرية قامت ضد الخرافات والوثنية لتحل محلها على ما يبدو نوعا آخر من الخرافات والوثنية ولكنها ولحسن حظهم وفرط سعادتهم ذات مردود مالي أفضل!!!. 
أما الرواية المتعلقة بسبب نزول الآية فقد أخرجها الواحدي في سورة المائدة في كتاب أسباب النزول عن أبي سعيد الخدري قال نزلت هذه الآية يوم غدير خم في علي بن أبي طالب والثعلبي في تفسيره والحمويني الشافعي في فرائده بطرق متعددة عن أبي هريرة، ونقله أبو نعيم في كتابه نزول القرآن عن أبي رافع والأعمش عن عطية، وفي غاية المرام تسعة أحاديث من طريق أهل السنة وثمانية صحاح من طريق الشيعة بهذا المعنى.
أما الرواية نفسها فتقول أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لدى عودته من حجة الوداع نزل بموضع يقال له غدير خم فأمر بدوحات فقممن (أي جرى تنظيف المكان) ثم قال: أليس تشهدون أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله؟ وأنَّ جنَّته حق وناره حق؟ وأنَّ الموت حق وأنَّ البعث حق بعد الموت وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنَّ الله يبعث من في القبور؟.
قالوا: بلى نشهد بذلك. فقال: اللهم اشهد ثم قال: أيها الناس إنَّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ثم أخذ بيد علي عليه السَّلام وقال: فمن كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه يقول البرّاء بن عازب وغيره من الصحابة: أنَّ عمر بن الخطّاب لقي علياً بعد ذلك فقال له: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب فقد أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
سنن الترمذي 5: 662 و 663 صحيح مسلم 4 : 1873|2408 مسند أحمد 3 : 17 و5: 181 ، مستدرك الحاكم 3: 109 ، أُسد الغابة 2: 12 ، السيرة الحلبية 3: 336، مجمع الزوائد 9: 163 الصواعق المحرقة : 230.
والمهم أن الرواية قد جاءت بطرق متعددة وإن اختلفت الصياغة من رواية لأخرى وكلها طرق يقوي بعضها بعضا فكيف يقال أن من روى هذه الروايات وعمل بها هو من الكفرة الملحدين أو كما قال شيخ الوهابيين.


الشيخ وتفسيقه لمنكري خلافة أبي بكر
يقول الشيخ في تحفته التكفيرية التفسيقية للشيعة ما يلي:
ومنها إنكارهم صحة خلافة الصدّيق رضي الله عنه وإنكارها يستل تفسيق من بايعه واعتقد خلافته حقاً وقد بايعه الصحابة رضي الله عنهم حتى أهل البيت كعلي رضي الله عنه وقد اعتقدها حقاً جمهور الأمة واعتقاد تفسيقهم يخالف قوله تعالى: (كنتم خير أمة أُخرجت للناس) إذ أي خير في أمة يخالف أصحاب نبيها إياه ويظلمون أهل بيته بغصب أجلّ المناصب ويؤذونه بإيذائهم ويعتقد جمهورها الباطل حقاً (سبحانك هذا بهتان عظيم) ومن اعتقد ما يخالف كتاب الله فقد كفر والأحاديث في صحة خلافة الصدّيق وإجماع الصحابة وجمهور الأمة على الحق أكثر من أن تُحصر ومن نسب جمهور أصحابه صلى الله عليه وسلم إلى الفسق والظلم وجعل اجتماعهم على الباطل فقد ازدرى بالنبي صلى الله عليه وسلم وازدراؤه كفره ما أضيع صنيع قوم يعتقدون في جمهور النبي صلى الله عليه وسلم الفسق والعصيان والطغيان مع أن بديهة العقل تدل على أن الله تعالى لا يختار لصحبة صفيّه ونصرة دينه إلا الأصفياء من خلقه والنقل المتواتر يؤيد ذلك - فلو كان في هؤلاء القوم خير لما تكلموا في صحب النبي صلى الله عليه وسلم وأنصار دينه إلا بخير.
إنها كلمات يمكن وصفها بحق بأنها (التحفة الوهابية في تأسيس الديمقراطية) فالذين لم يرضوا ببيعة أبي بكر متهمون بل ومدانون بتفسيق من بايعه واعتقاد فسق المؤيدين هو كفر وجحود وإنكار لكتاب الله لأن جمهور المؤيدين هم (خير أمة أخرجت للناس) ومن أنكر هذا فقد كفر رغم أن بديهة العقل (لاحظ أن الشيخ يتحدث عن العقل!!) تدل على أن الله لا يختار لصحبة نبيه إلا الأصفياء الأتقياء!!.
إذا فأنت كافر ومن لم يكفرك فهو كافر وهكذا دواليك فكل الناس كفار إلا الشيخ وصحبه الكرام!!!.
هل لاحظت معي أن الشيخ يتحدث عن بديهة العقل؟؟!!.
بديهة عقل الشيخ تقول أن الله اصطفى لمحمد أصحابا أما أهل بيته وذريته وعترته فهم خارج دائرة الاصطفاء؟؟!!!!.
أي عقل هذا؟؟!!.
أما عن عالم النقل فالله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه أنه اصطفى الذرية والآل (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين* ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) آل عمران ولو كان بوسع الشيخ أو أي من أتباعه أن يدلونا على آية واحدة تتحدث عن اصطفاء الأصحاب على الآل فأهلا وسهلا ومرحبا.
إنه إذا لا عقل ولا نقل.
وإذا كان الشيخ يرى أن من اعترض انطرد وفسق وكفر وحل دمه فنحن نرجو منه أو من أحد من أتباعه من أصحاب (بديهة العقل) أن يفسر لنا تلك الرواية التي أوردها البخاري نقلا عن عمر بن الخطاب:
روى البخاري في باب الرجم قال:
‏حدثنا‏ ‏عبد العزيز بن عبد الله ‏‏حدثني ‏إبراهيم بن سعد ‏عن ‏صالح ‏ ‏عن ‏‏ابن شهاب ‏عن ‏عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عباس قال: ‏كنت أقرئ رجالا من ‏‏المهاجرين ‏‏منهم ‏‏عبد الرحمن بن عوف ‏فبينما أنا في منزله ‏‏بمنى ‏وهو عند ‏عمر بن الخطاب ‏في آخر حجة حجها إذ رجع إلي ‏‏عبد الرحمن ‏فقال لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول لو قد مات ‏عمر ‏لقد بايعت ‏فلانا ‏‏فوالله ما كانت بيعة ‏‏أبي بكر ‏إلا فلتة فتمت فغضب ‏عمر ‏‏ثم قال إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم قال ‏عبد الرحمن ‏ ‏فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع ‏رعاع ‏‏الناس ‏ ‏وغوغاءهم ‏‏فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل ‏مطير ‏‏وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم ‏‏المدينة ‏فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها فقال ‏ ‏عمر ‏‏أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه ‏بالمدينة ‏‏قال ‏ ‏ابن عباس ‏‏فقدمنا ‏المدينة ‏‏في عقب ذي الحجة فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين ‏‏زاغت ‏الشمس حتى أجد ‏‏سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ‏‏جالسا إلى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبته فلم أنشب أن خرج ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏فلما رأيته مقبلا قلت ‏لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ‏‏ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف فأنكر علي وقال ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله فجلس ‏‏عمر ‏‏على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به ‏راحلته ‏‏ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي إن الله بعث ‏‏محمدا ‏صلى الله عليه وسلم ‏بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو ‏ ‏الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ألا ثم إن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال ‏ ‏لا ‏تطروني ‏‏كما ‏أطري ‏عيسى ابن مريم ‏وقولوا عبد الله ورسوله ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو قد مات ‏عمر ‏بايعت ‏‏فلانا ‏‏فلا ‏ ‏يغترن ‏‏امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة ‏‏أبي بكر ‏فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل ‏‏أبي بكر ‏من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه ‏‏تغرة ‏أن يقتلا وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ‏صلى الله عليه وسلم ‏أن ‏‏الأنصار ‏‏خالفونا واجتمعوا بأسرهم في ‏‏سقيفة ‏‏بني ساعدة ‏‏وخالف عنا ‏‏علي ‏‏والزبير ‏‏ومن معهما واجتمع ‏‏المهاجرون ‏إلى ‏أبي بكر ‏‏فقلت ‏لأبي بكر ‏‏يا ‏أبا بكر ‏ ‏انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من ‏ ‏الأنصار ‏‏فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم ‏ ‏رجلان ‏صالحان فذكرا ما ‏‏تمالأ ‏ ‏عليه القوم فقالا أين تريدون يا معشر ‏‏المهاجرين ‏فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من ‏‏الأنصار ‏ ‏فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في ‏سقيفة‏ ‏بني ساعدة ‏‏فإذا رجل ‏مزمل ‏ ‏بين ‏ظهرانيهم ‏فقلت من هذا فقالوا هذا ‏‏سعد بن عبادة ‏‏فقلت ما له قالوا ‏‏يوعك ‏فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم معشر ‏‏المهاجرين ‏‏رهط وقد دفت ‏ ‏دافة ‏‏من قومكم فإذا هم يريدون أن ‏ ‏يختزلونا ‏من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي ‏أبي بكر ‏ ‏وكنت أداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال ‏أبو بكر ‏‏على ‏ ‏رسلك ‏‏فكرهت أن أغضبه فتكلم ‏أبو بكر ‏‏فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من ‏قريش ‏هم أوسط ‏العرب ‏ ‏نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد ‏أبي عبيدة بن الجراح ‏‏وهو جالس بيننا فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم ‏أبو بكر ‏‏اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن فقال قائل من ‏ ‏الأنصار ‏أنا ‏ ‏جذيلها ‏‏المحكك ‏وعذيقها ‏المرجب ‏منا أمير ومنكم أمير يا معشر ‏ ‏قريش ‏فكثر ‏اللغط ‏‏وارتفعت الأصوات حتى فرقت من ‏الاختلاف فقلت ابسط يدك يا ‏‏أبا بكر ‏‏فبسط يده فبايعته وبايعه ‏‏المهاجرون ‏‏ثم بايعته ‏ ‏الأنصار ‏ونزونا ‏على ‏سعد بن عبادة ‏فقال قائل منهم قتلتم ‏سعد بن عبادة ‏‏فقلت قتل الله ‏‏سعد بن عبادة ‏قال ‏‏عمر ‏‏وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة ‏ ‏أبي بكر ‏خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه ‏تغرة ‏‏أن يقتلا. ‏ 

إذا فالشيعة ليسوا وحدهم من اعترض على هذه البيعة فهناك عمر بن الخطاب نفسه الذي رأى فيها (فلتة وقى الله شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه) فكيف ولماذا اجترأ الشيخ على تكفير من لم يختلف رأيهم مع عمر بن الخطاب إلا في الجزء الثاني فقط من مقولته وهو (وقى الله شرها) فالشيعة يرون أنها (فلتة ما زال المسلمون يدفعون ثمنها)!!!.
اضحك مع الشيخ!!
في حين يجزم الشيخ بكفر الشيعة وفسقهم لأنهم يرون أنها كانت بيعة أبعدت أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا عن مكانهم الذي نحتاجه نحن وليس هم أي أنها (كانت فلتة ما زال المسلمون يدفعون ثمنها غاليا) يعيب الشيخ على الشيعة أنهم (يكفرون من حارب علياً رضي الله عنه مرادهم بذلك عائشة وطلحة والزبير وأصحابهم ومعاوية وأصحابه وقد تواتر منه صلى الله عليه وسلم ما يدل على إيمان هؤلاء وكون بعضهم مبشراً بالجنة وفي تكفيرهم تكذيب لذلك فإن لم يصيروا كفرة بهذا التكذيب فلا شك أنهم يصيرون فسقة وذلك يكفي في خسارتهم في تجارتهم).
أي أن الشيعة كفار لأنهم رفضوا بيعة أبي بكر وعمر ومن لم يكفرهم فهو كافر ومن لم يكفر من لم يكفرهم فهو أكفر من الكافر أما من رفض وحارب إمام الحق من آل محمد ورابع (الخلفاء الراشدين) فهم (مؤمنون بل ومبشرون بالجنة) ومن يكفرهم فهو كافر وفاسق وزنديق!! يا أخي!!! والباقي معلوم.
ونود أن نقول أولا أن الشيعة لا يكفرون أحدا لا هؤلاء ولا هؤلاء ولكننا نريد أن نستفهم إمام الأمة المجدد لماذا يرى أن من رفض بيعة أبي بكر وعمر هم من الكفار ولماذا يرى أن من حارب عليا عليه السلام ولم يكتف بمجرد الرفض هم من المبشرين بالجنة؟؟!!.
مجرد سؤال يطرحه بعض الخبثاء عن سر تلك العداوة والبغضاء التي يكنها الشيخ لعلي بن أبي طالب عليه السلام والتي تدفعه للثناء على أعدائه والدفاع عنهم بكل ما يملك من وسائل وتؤزه أزا للتهجم على شيعة علي بن أبي طالب وتكفيرهم بمناسبة وبدون مناسبة وما هو السر الكامن وراء اعتباره تعظيم النبي وأهل بيته والذي أدرجه تحت عنوان (الغلو في الصالحين) مصدر البلاء ومكمن العلة والداء؟؟!!.
هل يمكننا أن نجد الجواب في قوله صلى الله عليه وآله الذي رواه مسلم (يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)؟؟!!.


الوهابية: الخلطة السامة

يقول الإمام علي بن أبي طالب (إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ وَلَوْ أَنَّ الْحقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ البَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ وَلكِن يُؤْخَذُ مِنْ هذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى.خطبة 50.
ويقول أيضا (وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لأنها تُشْبِهُ الْحَقَّ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ الضَّلالُ وَدَلِيلُهُمُ الْعَمْى فَمَا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ). خطبة 38 نهج البلاغة.
إنه الوصف الدقيق لتلك الخلطة الوهابية القاتلة...
أهواء تتبع وأحكام تبتدع .... يخالف فيها كتاب الله.... ثم تنشأ دائرة المصالح وتأتي العلاقات القبلية والسياسية ومؤسسات الألعاب الكونية المسماة بالقوى الكبرى والصغرى وأجهزة المخابرات فيؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ليستولي الشيطان على أوليائه من عشاق سفك الدم وطلاب الشهرة وينجو الذين سبقت من الله الحسنى وما أقل هؤلاء.
إنها نسج العنكبوت الوهابي فالشيعة كفار لأنهم رفضوا بيعة أبي بكر وغيرهم من المبشرين بالجنة لأنهم رفضوا بيعة علي بن أبي طالب.
والشيعة كفار لأنهم متهمون من قبل الشيخ بأنهم (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) وكفى باتهام الشيخ حجة بالغة!!! في حين أن أهل السنة ليسوا كذلك رغم أنهم كما وصفهم ابن عباس والنقل لابن عبد الوهاب شخصيا (توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء.. أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر)!!!.
الشيخ يرى أن أصل الكفر هو الغلو في الصالحين استنادا لأسطورة اعتبرها أحد المفسرين سببا لنزول آية والأسطورة حال ثبوتها تتحدث عن تماثيل لا عن قبور ومع ذلك تحولت كلمة تماثيل إلى قبور بقدرة قادر.
أسطورة قبور قوم نوح تحولت إلى مسلمة لا تقبل الجدل أو النقاش أما ما ذكره المفسرون بأسانيدهم عن سبب نزول قوله تعالى في سورة المائدة (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) فهو ذريعة كافية لتكفير الشيعة وإلحاق اسمهم بتلك الصفات الوهابية النبيلة مثل الرافضة خذلهم الله... لعنهم الله.
الشيعة قالوا كما قال عمر أن بيعة أبي بكر كانت فلتة ورغم ذلك فإن القوم يعتقدون أن عمر بن الخطاب هو ثالث وربما أول من يدخل الجنة لأن الرسول نام فرأى عمر بن الخطاب قد سبقه إلى هناك والعهدة على البخاري الذي ‏قال: ‏‏(قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا ‏بالرميصاء ‏‏امرأة ‏‏أبي طلحة ‏‏وسمعت ‏‏خشفة ‏ ‏فقلت من هذا فقال هذا ‏بلال ورأيت قصرا بفنائه جارية فقلت لمن هذا فقال ‏‏لعمر ‏ ‏فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك فقال ‏عمر ‏‏بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار) ‏وروى البخاري أيضا (بينا نحن عند رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏إذ قال ‏بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر قالوا ‏ ‏لعمر ‏ ‏فذكرت غيرته فوليت مدبرا فبكى ‏ ‏عمر ‏ ‏وقال أعليك أغار يا رسول الله) أما الشيعة فهم كفار لا يقبل منهم عدل ولا صرف ولا توبة!!!.

الله تبارك وتعالى يقول (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا) بينما يقول لنا الشيخ أن كلمة مسجد تساوي كلمة معبد أوثان!!.
أما الطامة الكبرى التي نزلت بنا فهي أننا لم نعد قادرين على مجابهة تلك الخلطة السامة أو نقدها وبالأمس كنت أتحدث مع أحد الصحفيين مقترحا عليه الحديث عن الوهابية فكان نصيبي هو الاعتذار رغم قناعته بأهمية التصدي لهذه الخلطة السامة فالمجلة توزع في عقر دار الوهابية ولا مجال لتوجيه أي نقد إليها وإلا منع التوزيع أما هم فالمجال مفتوح لهم بلا قيد ولا شرط للقيام بدعايتهم وتوزيع المانيفستو الوهابي.
ناهيك عن تلك الأرقام المهولة التي أغدقتها قاعدة الدعاية الوهابية من أجل نشر وترويج تلك الأفكار وشراء الذمم والضمائر في أركان العالم الأربع.
ولو كان الأمر قاصرا على الصراع الفكري لهانت المصيبة ولكنها أنهار الدم التي سالت في كل مكان من أجل نشر العقيدة الصحيحة وتدمير (معابد الأوثان) في كل مكان طالته أيدي الجحافل الوهابية الظافرة ومن لم يهدم بالسيف هدم بالرشاوى والأموال وشراء ذمم الرجال عفوا أعني أشباه الرجال (يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ! حُلُومُ الأطْفَالِ، وَعُقُولُ رَبّاتِ الحِجَال).ِ

رسائل الشيخ: كارثة إضافية
لم يكتف الشيخ بتكفير المسلمين عامة والشيعة على وجه الخصوص في تلك المنشورات التي تحدثنا عنها سابقا بل أضاف إلى بدعه ومآثره مأثرة إضافية هي رسائله والتي جاءت كمذكرات تفسيرية يشرح فيها لبعض من خاطبه حيثيات أحكامه التكفيرية التي لم تكن موجودة في مانيفستو التوحيد.
من بين تلك التكفيريات التي جادل الشيخ بشأنها هو التفرقة بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وهو النهج الذي أسسه شيخه ابن تيميه وجاء الإصلاحيون الجدد من أيتام الفضائيات وما قبل الفضائيات وأيتام المجلس الأعلى لتحسين الدخل على الطريقة الإسلامية فاعتمدوها دينا جديدا لأمة التوحيد وهكذا ظهرت كتب مثل (المصطلحات الأربعة في القرآن) والباقي معلوم.
فما هي حكاية توحيد الربوبية والألوهية؟؟.
يقول ابن عبد الوهاب: فاعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله (قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس) وكما يقال رب العالمين وإله المرسلين وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) ونوع واحد في قوله: (افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم) إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه من إلهك لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) وقوله (قل أغير الله أبغي ربا) وقوله : (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران فينبغي التفطن لهذه المسألة.
والمشركون الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقروا بتوحيد الربوبية، وإنما قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند توحيد الألوهية، ولم يدخل الرجل في الإسلام بتوحيد الربوبية إلا إذا انضم إليه توحيد الألوهية إن هؤلاء (الذين أقروا بالربوبية دون الألوهية) ما عرفوا التوحيد وإنهم منكرون دين الإسلام.
!!!!!
فإذا كنت تعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاتل الناس إلا عند توحيد الألوهية، وتعلم أن هؤلاء قاموا وقعدوا ودخلوا وخرجوا وجاهدوا ليلا ونهاراً في صد الناس عن التوحيد يقرءون عليهم مصنفات أهل الشرك لأي شيء لم تظهر عداوتهم وأنهم كفار مرتدون؟ فإن كان باين لك أن أحداً من العلماء لا يكفر من أنكر التوحيد أو أنه يشك في كفره فاذكره لنا وأفدنا. (الحديث عن خصوم الشيخ من الكفار المسلمين المعاصرين!!).
الثالثة : تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونفر الناس عنه. وجاهد من صدق الرسول فيه ومن عرف الشرك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بإنكاره وأقر بذلك ليلا ونهاراً ثم مدحه وحسنه للناس وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم، وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن الله ورسوله.
الرابعة: الأمر بقتال هؤلاء خاصة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله فلما اشتهر عني هؤلاء الأربع صدقني من يدعي أنه من العلماء في جميع البلدان في التوحيد وفي نفي الشرك وردوا على التكفير والقتال.

الشيخ ونواقضه للإسلام!!
إذا تحققت ما ذكرت لك انبنى الجواب على ما ذكرتم في أول الأوراق من إقراركم بمعرفة نواقض الإسلام بإجماع العلماء بشرط أنكم لا تكفرون بالظن ولا من لا تعرفون فنقول: من المعلوم عند الخاص والعام ما عليه البوادي أو أكثرهم فإن كابر معاند لم يقدر على إن عنزة وآل ظفير وأمثالهم كلهم المشاهير والأتباع إنهم مقرون بالبعث ولا يشكون فيه، ولا يقدر أن يقول إنهم يقولون إن كتاب الله عند الحضر وأنهم عانقوه ومتبعون ما أحدث آباؤهم مما يسمونه الحق ويفضلونه على شريعة الله فإن كان للوضوء ثمانية نواقض ففيهم من نواقض الإسلام أكثر من المائة ناقض فلما بينت ما صرحت به آيات التنزيل وعلمه الرسول أمته، وأجمع عليه العلماء من أنكر البعث أو شك فيه، أو سب الأذان إذا سمعه، أو فضل فراضة الطاغوت على حكم الله، أو سب من زعم أن المرأة ترث أو أن الإنسان لا يؤخذ في القتل بجريرة أبيه وابنه إنه كافر مرتد قال علماؤكم معلوم أن هذا حال البوادي لا ننكره ولكن يقولون: لا إله إلا الله وهي تحميهم من الكفر ولو فعلوا كل ذلك، ومعلوم أن هؤلاء أولى وأظهر من يدخل في تقريركم فلما أظهرت تصديق الرسول فيما جاء به سبوني غاية المسبة، وزعموا أني أكفر أهل الإسلام وأستحل أموالهم، وصرحوا أنه لا يوجد في جزيرتنا رجل واحد كافر، وأن البوادي يفعلون من النواقض مع علمهم أن دين الرسول عند الحضر، وجحدوا كفرهم وأنتم تذكرون أن من رد شياً مما جاء به الرسول بعد معرفته أنه كافر.
هذا ما قاله الشيخ وصرح به وهذه هي حيثيات أحكامه بتكفير المسلمين والرجل كان وما زال في نظر أتباعه الخائفين من سيفه البتار سابقا والطامعين في ريالاته حاضرا ممن لا ينطق عن الهوى كما أن كل ما قاله هو وحي يوحى!!!.
كما أنهم كانوا وما زالوا يزعمون أن المسئول عن تكفير المسلمين هم الأتباع من أمثال سيد قطب وشكري مصطفى وغيرهم أما الشيخ فهو برئ من كل هذا براءة الذئب من دم ابن يعقوب!!.
أما حيثيات أحكام التكفير فقد تحدثنا عنها سابقا ولكن الرجل أضاف إليها بدعة جديدة هي أنه (يقاتل الناس على توحيد الألوهية رغم أنهم يقرون بتوحيد الربوبية تماما كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله عندما قاتل الناس على توحيد الألوهية رغم أن كفار قريش كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية)!!!.
هل كان كفار قريش يؤمنون بتوحيد الربوبية وينكرون توحيد الألوهية؟؟.
من أين جاء الشيخ بتلك المعلومة؟؟؟
هل قام الشيخ بحصر مقالات كفار قريش ليعرف سر إعراضهم عن الإيمان بمحمد بن عبد الله؟؟ أم أنه يخبط خبط عشواء هو وكل من سار على دربه من أيتام الفضائيات؟؟!!.
إنه الكلام الذي قاله ابن تيميه ثم سار ابن عبد الوهاب على دربه مصداقا لقوله تعالى (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) الحج 8 (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد* كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) الحج 3&4 ولئن استدل هذا وذاك بقوله تعالى (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم, فسيقولون لله قل أفلا تتقون) المؤمنون 86&87 وقوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) يوسف 106 فقد فات هذا وذاك أن من بين كفار قريش من أنكر وكفر بغضا في رسول الله صلى الله عليه وآله (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم* أهم يقسمون رحمة ربك) الزخرف 31& 32 وهي نفس السورة التي جاء فيها (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) الزخرف 9 أي أن المانع لهؤلاء من دخول الإسلام والإقرار بالشهادتين كان إنكارهم للشطر الثاني من شهادة التوحيد وهي (محمد رسول الله) وهي الشهادة التي يحوم الشيخان ابن تيميه وابن عبد الوهاب حولها في محاولة لهدمها كما أوضحنا من قبل ولعل الشيخ أو أحد من أتباعه يتذكر قصة أبي سفيان والحوار الذي دار بينه وبين العباس بن عبد المطلب عندما جاء مستسلما فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فأقر بها ثم قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن محمدا رسول الله فرد عليه والله ما زال في النفس منها شيئا ثم لم يفته عندما رأى جيش الفتح الإسلامي أن قال (لقد اصبح ملك ابن أخيك عظيما) فرد عليه العباس إنها النبوة وليست الملك.
فالزعم بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قاتل الكفار لأنهم أنكروا توحيد الألوهية هو قول يفتقر إلى البينة والدليل ناهيك أنك رسول الله لم يقاتل إلا من قاتله (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).
عقائد العرب قبل البعثة النبوية:
بعث الرسول الأكرم محمد بن عبد الله إلى الناس كافة داعيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وعندما كان الناس يشهدون بها كانوا يصيرون جزءا من أمة الإسلام.
من أين جاء ابن تيميه وتابعه ابن عبد الوهاب بتلك التفرقة الوهمية المزعومة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟!.
ليس هناك أثر من السيرة أو حتى في الكتب التي أوردت تفسير هذه الآيات التي استدل بها ابن تيميه وابن عبد الوهاب ومن حذا حذوهم على هذه التفرقة المزعومة التي جعل الرجل منها ركنا إضافيا من أركان الإسلام في صورته الوهابية ولا عجب فأتباع الرجل يرون فيه مبعوث العناية الإلهية ورسول التوحيد الذي هو حق الله على العبيد!!.
يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ص118 ج1
كان العرب أصنافا شتى فمنهم معطلة ومنهم غير معطلة فأما المعطلة منهم فبعضهم أنكر الخالق والبعث والإعادة وقالوا ما قال القرآن العزيز عنهم (ما هِي َإِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) فجعلوا الجامع لهم الطبع والمهلك لهم الدهر وبعضهم اعترف بالخالق سبحانه وأنكر البعث وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله (قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) ومنهم من أقر بالخالق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام وزعموا أنها شفعاء عند الله في الآخرة وحجوا لها ونحروا لها الهدي وقربوا لها القربان وحللوا وحرموا وهم جمهور العرب وهم الذين قال الله تعالى عنهم (وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ).
فممن نطق شعره بإنكار البعث بعضهم يرثي قتلى بدر :

فماذا بالقليب قليب بدر ** من الفتيان والقوم الكرام
‏وماذا بالقليب قليب بدر ** من الشيزى تكلل بالسنام
أيخبرنا ابن كبشة أن سنحيا ** وكيف حياة أصداء وهام
إذا ما الرأس زال بمنكبيه ** فقد شبع الأنيس من الطعام
أيقتلني إذا ما كنت حيا ** و يحييني إذ رمت عظامي

وكان من العرب من يعتقد التناسخ وتنقل الأرواح في الأجساد و من هؤلاء أرباب الهامة التي قال (ع) عنهم لا عدوى ولا هامة ولا صفر
و قال ذو الإصبع

يا عمرو إلا تدع شتمي و منقصتي ** أضربك حيث تقول الهامة اسقوني

وقالوا إن ليلى الأخيلية لما سلمت على قبر توبة بن الحمير خرج إليها هامة من القبر صائحة أفزعت ناقتها فوقصت بها فماتت وكان ذلك تصديق قوله :
و لو أن ليلى الأخيلية سلمت ** علي و دوني جندل و صفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ** إليها صدى من جانب القبر صائح
وكان توبة و ليلى في أيام بني أمية.
وكانوا في عبادة الأصنام مختلفين فمنهم من يجعلها مشاركة للبارئ تعالى ويطلق عليها لفظة الشريك ومن ذلك قولهم في التلبية لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ومنهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك ويجعلها وسائل وذرائع إلى الخالق سبحانه وهم الذين قالوا (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى.

وكان في العرب مشبهة ومجسمة منهم أمية بن أبي الصلت وهو القائل :
  من فوق عرش جالس قد حط ** رجليه إلى كرسيه المنصوب

وكان جمهورهم عبدة الأصنام فكان ود لكلب بدومة الجندل وسواع لهذيل ونسر لحمير ويغوث لهمدان واللات لثقيف بالطائف والعزى لكنانة وقريش وبعض بني سليم ومناة لغسان والأوس و الخزرج وكان هبل لقريش خاصة على ظهر الكعبة وأساف ونائلة على الصفا والمروة وكان في العرب من يميل إلى اليهودية منهم جماعة من التبابعة وملوك اليمن ومنهم نصارى كبني تغلب والعباديين رهط عدي بن زيد ونصارى نجران ومنهم من كان يميل إلى الصابئة ويقول بالنجوم والأنواء.
فأما الذين ليسوا بمعطلة من العرب فالقليل منهم وهم المتألهون أصحاب الورع والتحرج عن القبائح كعبد الله وعبد المطلب و ابنه أبي طالب وزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة الإيادي وعامر بن الظرب العدواني وجماعة غير هؤلاء.
وغرضنا من هذا الفصل بيان قوله (ع) بين مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه إلى غير ذلك و قد ظهر بما شرحناه. انتهى.
أما أبو الفداء فينقل في تاريخه عن الشهرستاني في الملل والنحل عن أحوال العرب قبل الإسلام قال‏:‏ والعرب الجاهلية أصناف فصنف أنكروا الخالق والبعث وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني كما أخبر عنهم التنزيل (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) الجاثية 24  ‏وصنف اعترفوا بالخالق وأنكروا البعث وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله تعالى ‏(أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد) ‏‏ق‏:‏ 15‏وصنف عبدوا الأصنام وكانت أصنامهم مختصة بالقبائل فكان ود لكلب وهو بدومة الجندل وسواع لهذيل ويغوث لمذحج ولقبائِل من اليمن ونسر لذي الكلاع بأرض حمير ويعوق لهمذان واللات لثقيف بالطائف والعزى لقريش وبني كنانة ومناة للأوس والخزرج وهبل أعظم أصنامهم وكان هبل على ظهر الكعبة وكان إِساف ونائلة على الصفا والمروة وكان منهم من يميل إلى اليهودية ومنهم من يميل إِلى النصرانية ومنهم من يميل إِلى الصابئة ويعتقد في أنواء المنازل اعتقاد المنجمين في السيارات حتى لا يتحرك إِلا بنوء من الأنواء‏ ويقول مطرنا بنوء كذا وكان منهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الجن وكانت علومهم علم الأنساب والأنواء والتواريخ وتعبير الرؤيا وكانت الجاهلية تفعل أشياء جاءت شريعة الإسلام بها فكانوا لا ينكحون الأمهات والبنات وكان أقبح شيء عندهم الجمع بين الأختين وكانوا يعيبون المتزوج بامرأة أبيه ويسمونه الضْيزن وكانوا يحجون البيت ويعتمرون ويحرمون ويطوفون ويسعون ويقفون المواقف كلها ويرمون الجمار وكانوا يكبسون في كل ثلاثة أعوام شهراً ويغتسلون من الجنابة وكانوا يداومون على المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس والسواك والاستنجاء وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانةْ والختان‏.‏
يروي ابن الجوزي في المنتظم في أخبار سنة 35 لمولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: فيها مات زيد بن عمرو بن نفيل وكان يَطْلُب الدَين وقدم الشام فسأل اليهود والنصارى عن الدين والعلم فلم يُعْجِبْه دينهم فقال له رجل من النصارى‏ أنت تلتمس دين إبراهيم‏ فقال زيد‏ وما دين إبراهيم قال‏:‏ كان حنيفًا لا يَعْبُدُ إلا اللَهَ وحده لا شريك له كان يُعادي مَنْ عَبَدَ من دون الله شيئًا ولا يأكل ما ذُبح على الأصنام‏ فقال زيد‏:‏ هذا الذي أعرف وأنا على هذا الدين فأما عبادة حجر أو خشبة أنْحِتُها بيدي فهذا ليس بشيء‏.‏ فرجع زيد إلى مكة وهو على دين إبراهيم وكان يقول‏:‏ هذه الشاة خلقها الله وأنزل من السماء ماء فأنبت لها الأرض ثم تذبحونها على غير اسمه؟؟ ينكر عليهم ذلك. ولقي رسول الله صلي الله عليه وسلم فَقدَمً إليه رسول الله صلي الله عليه سُفرةً فيها لحم فقال‏ إني لا آكل مما تذبحون على أصنامكم ولا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه‏.‏
وكان زيد بن عمرو بن نفيل يطلب الدين وكره النصرانية واليهودية وعبادة الأوثان‏ والحجارة وأظهر خلاف قومه واعتزل آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم ولا يأكل ذبائحهم‏.‏
يروي عنه عامر بن ربيعة قال لي‏:‏ يا عامر إني خالفت قومي واتبعت ملَّة إبراهيم وما كان يعبد ولده إسماعيل من بعده‏ فقال‏:‏ وكانوا يصلون إلى هذه القبلة وأنا انتظر نبيًا من ولد إسماعيل يُبْعَثُ ولا أرانىِ أدْركه فأنا أُؤمن به وأصَدقه وأشهد أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فأقْرِئْهُ منَي السلام‏, قال عامر‏:‏ فلما تنبأ رسول الله صلي الله عليه وسلم أسلمت وأخبرته بقول زيد وأقْرأتُه منه السلام فرد عليه رسول الله السلام وترحم عليه وقال ‏"‏قد رأيتُه في الجنة يسْحَبُ ذُيولًا"‏‏.‏
ومات زيد فرثاه ورقة فقال:
دعاءك ربا ليس رب كمثلِه وتركَك أوثان الطواغي كما هيا
الذي نخلص إليه أن ما ادعاه الرجل من أن محور الخلاف بين رسول الله ص وكفار قريش كان بسبب رفضهم الإقرار بتوحيد الألوهية مقابل إقرارهم بتوحيد الربوبية هو ادعاء بلا أساس من التاريخ أو من الواقع ولا شك أن السبب الأساسي لرفضهم بعثة محمد صلى الله عليه وآله هو إنكارهم لنبوته وإصرارهم على اتباع دين آبائهم وأجدادهم.
هذه واحدة
والثانية وهي الأهم والأخطر أنه وضع نفسه في موضع رسول الله صلى الله عليه وآله باعتباره مبعوث السماء لنشر رسالة التوحيد من جديد!!.
ووضع كل المسلمين عدا الوهابيين (أتباع نبي التوحيد الجديد) في نفس الموضع الذي كان فيه كفار العرب!!.
أما الأصنام التي قرر الرجل أن يدمرها فهم الأنبياء والصالحون من آل محمد الذين تحولوا من وجهة نظره المريضة إلى أصنام تعبد من دون الله وتحولوا من رحمة وسبب لهداية الأمة وإنقاذها من الضلال إلى سبب لضلالها وصار الاعتقاد بولايتهم اعتقادا بألوهيتهم وأصبح المسلمون من غير أتباع دين التوحيد الجديد مشركين ولا بد من قتلهم حتى يدخلوا في الدين الوهابي أفواجا!!.

 


الثنوية الوهابية!!!
يقول ابن عبد الوهاب: اعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله (قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس) ويقول أيضا (الربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران فينبغي التفطن لهذه المسألة).
أي أن الربوبية يمكن أن تكون قسيمة للألوهية!!.
أي أن التوحيد الإسلامي ومن خلال الرؤية الوهابية قد انشطر إلى شطرين:
الشطر الأول هم المؤمنون بالربوبية وكفى
والشطر الثاني هم المؤمنون بالربوبية والألوهية.
الانقسامات العقائدية دائما أبدا هي انقسامات حول التصور لأن الله تبارك وتعالى وهو الحقيقة المطلقة غير قابل للتعدد والانشطار في حين يتنازع البشر بسبب تعددية الرؤى للحقيقة الإلهية أي تعدد التصورات البشرية لحقيقة واحدة مطلقة.
لذا ترى الإمام علي بن أبي طالب يقول في خطبة الأشباح (خطبة 90 من نهج البلاغة): فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَاسْتَضِىءْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَمَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَلاَ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّ ذلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللهِ عَلَيْكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ، الإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغيْبِ الْـمَحْجُوبِ، فَمَدَحَ اللهُ ـ تَعَالَى ـ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً، وَسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيَما لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً، فاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلاَ تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الأوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ، وَحَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ، وَتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَغَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ في حَيْثُ لاَ تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتنالَ عِلْمَ ذَاتِهِ، رَدَعَهَا وَهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ، مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ ـ سُبْحَانَهُ ـ فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعتَرِفَةً بِأَنَّهُ لاَ يُنَالُ بِجَوْرِ الاِعْتِسَافِ ُكنْهُ مَعْرِفَتِهِ، وَلاَ تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلاَلِ عِزَّتِهِ.

ويقول أيضا في خطبة 155 : الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي انْحَسَرَت الأوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ، فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ! هَوَ اللهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ، لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيد فَيَكُونَ مُشَبَّهاً، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الأوْهَامُ بِتَقْدِير فَيَكُونَ مُمَثَّلاً, خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيل وَلاَ مَشُورَةِ مُشِير وَلاَ مَعُونَةِ مُعِين، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، فَأَجَابَ وَلَمْ يُدَافِعْ، وَانْقَادَ وَلَمْ يُنَازِعْ.

فمن أين جاء ابن تيميه وتلميذه ابن عبد الوهاب إذا بهذه الثنوية الإلهية عندما قاما بتقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية ثم اقتفى آثارهم (حذو النعل بالنعل) عشاق الشهرة وطلاب الزعامة من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وإلى أي مرجعية استندوا في تلك الخرافات التي اتخذوها سلما لتكفير العباد وسفك الدماء؟؟!!.
الجواب معروف أن الأمر كله لا يعدو كونه اختراع تيموي هو أول من قال به من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثم تبعهم سائر أعضاء فريق الغواية والضلال وصولا إلى أيتام الفضائيات وأعضاء جمعية كل واشكر المسماة بالمجلس الأعلى لتحسين الدخل على الطريقة الإسلامية وجوقة تحسين صورة الوهابية المسماة زورا وبهتانا بتحسين صورة الإسلام وأين هم من الإسلام بل أين هم من الأخلاق؟؟.
التفرقة بين الربوبية والألوهية لا تعدو أن تكون كما أسلفنا مجرد اختراع أريد به إيجاد مبرر إضافي لتوزيع الاتهامات بالكفر ممن لا يملك ضد من لا يستحق من المسلمين الأبرياء.
إنها تفرقة وهمية والأغرب من هذا أنهم يرجعون هذا التقسيم إلى زمن البعثة النبوية من دون تقديم دليل واحد على صحة هذا الادعاء.
وعلى سبيل المثال فعندما يستدل الشيخ بآية الزخرف (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) على أن كفار قريش عندما سئلوا أقروا بالربوبية وجحدوا الوحدانية وأن الأمر كذلك في المشركين المسلمين المعاصرين نرد عليه ونقول من أين جئت بأن المسئولين هم من كفار قريش وليسوا من المسلمين المعاصرين ممن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ممن استشهد هو شخصيا عليهم بقول ابن عباس (أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر) وهم ممن يشهدون بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولكنهم اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله (نقول لهم قال رسول الله فيردون: قال ابن تيميه وابن عبد الوهاب)!!!.
إنهم شركاؤهم الذين قدموا طاعتهم على طاعة الله وصارت أقوالهم في منزلة أقوى من منزلة الكتاب والسنة فالله تبارك وتعالى يقول لنبيه موسى عليه السلام (لن تراني) وهم ينقلون عن البخاري (أنكم ترون ربكم يوم القيامة كالبدر لا تضامون في رؤيته) والله تبارك وتعالى يصف ذاته العلية (ليس كمثله شيء) وهم يقولون إنه (كالبدر).
إنهم قد جعلوا أنفسهم شركاء في الأمر والنهي ولكن لم يتمكنوا من منح أنفسهم شراكة في الخلق وهو تورط في عبادة غير معلنة ولا محسوسة.
الرسول الأكرم يقول من كنت مولاه فعلي مولاه والى الله من والاه وعادى الله من عاداه فيقول لنا الشيخ عبد الوهاب أن أعداء علي هم أولياء الله وهم المبشرون بالجنة وأن من تمسكوا بولائه هم أعداء الله والمبشرون بالنار!!.
الله تبارك وتعالى يقول (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وهم ينكرون ذلك ويتجاهلونه ويقولون أن الله اصطفى أصحابه دون أهل بيته وهكذا دواليك.
إنهم إذا أهل النفاق الذين وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع حينما قال خطبة 192:
وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَالزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ. يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً، وَيَفْتَنُّون افْتِنَاناً، وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَاد وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَاد .قُلوبُهُمْ دَوِيَّةٌ، وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ يَمْشُونَ الْخَفَاءَ، وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ. وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ، وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ .حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، وَمُؤَكِّدُوا الْبَلاَءِ، وَمُقْنِطُوا الرَّجَاءِ. لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيق صَرِيعٌ، وَإلى كُلِّ قَلْب شَفِيعٌ، وَلِكُلِّ شَجْو دُمُوعٌ. يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاء. إِنْ سَأَلُوا ألْحَفُوا، وَإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا، وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا. قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلاً، وَلِكُلِّ قَائِم مَائِلاً، وَلِكُلِّ حَيّ قَاتِلاً، وَلِكُلِّ بَاب مِفْتَاحاً، وَلِكُلِّ لَيْل مِصْبَاحاً. يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ، وَيُنَفِّعُوا بِهِ أَعْلاَقَهُمْ. يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ، وَيَصِفُونَ فَيُمَوِّهُون قَدْ هيّأُوا الطَّرِيقَ  وَأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ وَحُمَةُ النِّيرَانِ (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
هؤلاء وحدهم الذين ينطبق عليهم قوله تعالى في سورة يونس:
(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ* فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ* هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) يونس 28-36

المراوغات الوهابية:
يعرف كل من له اطلاع على كتب الوهابية ومن بينها (كتاب التوحيد) الذي ذكرنا نبذا منه من قبل أن الوهابية يكفرون من يتوسل بالصالحين ويكفرون البوصيري في قصيدته بردة المديح في حين أن الشيخ اضطر لإصدار البيانات التي تنفي مثل هذه الافتراءات فنراه يقول في رسالته إلى أهل القصيم ص 3 من كتاب الرسائل (بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم والله يعلم أن الرجل افترى علي أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي منها قوله إني مبطل كتب المذاهب الأربعة وإني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء وإني أدعي الاجتهاد، وإني خارج عن التقليد وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمة وإني أكفر من توسل بالصالحين، وإني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، وإني أقول لو أقدر على هدم قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب وإني أحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما وإني أكفر من حلف بغير الله وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين).
ثم يعود الشيخ نفسه في رسائله ليعلن عن تكفيره لابن عربي فيقول ص 87 من كتاب الرسائل (وقولكم أننا نكفر المسلمين كيف تفعلون كذا كيف تفعلون كذا، فإنا لم نكفر المسلمين بل ما كفرنا إلا المشركين وكذلك أيضا من أعظم الناس ضلال متصوفة في معكال وغيره مثل ولد موسى بن جوعان وسلامة بن مانع وغيرهما يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض، وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر برئ من الإسلام ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته، وصاحب الإقناع قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة والمشائخ فهو كافر).

اعترافات الشيخ التكفيرية:
يقول الشيخ في إحدى رسائله (وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول "المقصود هو العقيدة الوهابية" ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك).
الشيخ يهدد ويتوعد بالانتقام
(وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة -وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها- وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام). ص16
والمقصود بدين الرسول بالطبع هو المانيفستو الوهابي.
رسالة أخرى
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام نصر الله بهم سيد الأنام وتابعي الأئمة الأعلام، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين فلما كبر هذا على العامة لظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعواهم وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور كبر على العامة جداً وعاضدهم بعض من يدعى العلم لأسباب أخر التي لا تخفى على مثلكم أعظمها اتباع هوى العوام مع أسباب أخر فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها وأنا أخبركم بما نحن عليه (خبراً لا أستطيع أن أكذب) بسبب أن مثلكم لا يروج عليه الكذب على أناس متظاهرون بمذهبهم عند الخاص والعام فنحن ولله الحمد متبعين غير مبتدعين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وحتى من البهتان الذي أشاع الأعداء إني ادعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة فإن بان لكم أن هدم البناء على القبور والأمر بترك دعوة الصالحين لما أظهرناه وتعلمون أعزكم الله أن المطاع في كثير من البلدان لو تبين بالعمل بهاتين المسألتين أنها تكبر على العامة الذين درجوهم وإياهم على ضد ذلك فإن كان الأمر كذلك فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة شرفها الله مثل (الإقناع) (وغاية المنتهى) (والإنصاف) اللاتي عليه اعتماد المتأخرين وهو عند الحنابلة ( كالتحفة ) (والنهاية) عند الشافعية وهم ذكروا في باب الجنائز هدم البناء على القبور واستدلوا عليه بما في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه بهدم القبور المشرفة وأنه هدمها، واستدلوا على وجوب إخلاص الدعوة لله والنهى عما اشتهر في زمنهم من دعاء الأموات بأدلة كثيرة، وبعضهم يحكى الإجماع على ذلك فإن كانت المسألة إجماعاً فلا كلام، وإن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد فمن عمل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه، وما أشاعوا عنا من التكفير وأني أفتيت بكفر البوادي الذي ينكرون البعث والجنة والنار، وينكرون ميراث النساء مع علمهم أن كتاب الله عند الحضر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بالذي أنكروا، فلما أفتيت بكفرهم مع أنهم أكثر الناس في أرضنا استنكر العوام ذلك وخاصتهم الأعداء ممن يدعي العلم، وقالوا من قال لا إله إلا الله لا يكفر ولو أنكروا البعث وأنكروا الشرائع كلها، ولما وقع ذلك من بعض القرى مع علمهم اليقين بكفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض حتى أنهم يقولون من أنكر فرعاً مجمعاً عليه كفر، فقلت لهم إذا كان هذا عندكم فيمن أنكر فرعاً مجمعاً عليه فكيف بمن أنكر الإيمان باليوم الآخر؟ وسب الحضر وسفه أحلامهم إذا صدقوا بالبعث. فلما أفتيت بكفر من تبر البوادي من أهل القرى مع علمه بما أنزل الله وبما أجمع عليه العلماء كثرت الفتنة وصدق الناس بما قيل فينا من الأكاذيب والبهتان. ص17-18
الاعتقاد في كرامات الصالحين أسوأ من الزنا والسرقة
يقول ابن عبد الوهاب: يا عباد الله لا تطيعوني ولا تفكروا واسألوا أهل العلم من كل مذهب عما قال الله ورسوله وأنا أنصحكم لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنا والسرقة بل هو عبادة للأصنام من فعله كفر وتبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عباد الله تفكروا وتذكروا والسلام ص25 من الرسائل.
لماذا قاتل الشيخ الناس؟؟
يقول الشيخ في رسائله: وأما ما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج والصلاة عندها واتخاذها أعياداً وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منها كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان) وهو صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد أعظم حماية وسد كل طريق يوصل إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت فيه أيضاً أنه بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه ولا تمثال إلا طمسه ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القباب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة ممتثلين لقوله سبحانه وتعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان كما قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز).

الفقه السياسي الوهابي:
لا أدري السبب وراء إعجاب الجابري وجماعة (كل واشكر) المسماة بالمجلس الأعلى لتحسين الدخل على الطريقة الإسلامية بالنهج الإصلاحي الديمقراطي الوهابي إلا إذا كان مرادهم هو تلك الفقرة من رسائل الشيخ حفظه الله (ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام براً كان أو فاجراً وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه) ص 3 وهل كان الشيخ يقول بإمامة العثمانيين أم أن الأمة كانت يومها بلا إمامة ولا خلافة؟؟!!.
لماذا لم يعمل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتلك الأحاديث المذكورة في البخاري ومسلم والتي تحرم الخروج على (الحاكم المسلم) والتي يستدل بها الآن فقهاء العربية السعودية في مواجهة الوهابيين الجدد من أصحاب صرعة التكفير بالسياسة والعقيدة بعد أن كان الوهابيين القدامى يكفرون بالعقيدة توصلا إلى السياسة وهل كان الشيخ يعتقد بخلو الزمان من الإمام؟؟!!.
وهل كان هذا الاستشهاد هو من كلام الله أو من كلام رسوله والشيخ وأتباعه الإصلاحيين يزعمون تارة أنهم من الأتباع المباشرين لرسول الله وتارة أخرى أنهم ليسوا من المجتهدين وأنهم من أتباع أحمد بن حنبل؟؟.
فهل ادعى احمد بن حنبل لنفسه ولاية على أمة لا إله الله وخرج على الناس بسيفه أم انه كان غير ذلك بكل تأكيد؟؟.
إنه نموذج للحالة القصعوية للأمة الإسلامية تلك القصعة التي وضع فيها شيوخنا (الأفاضل) الحكم ونقيضه والدليل ونقيضه (وأنت وشطارتك) في استخراج ما يوافق مزاجك ورغباتك وتطلعاتك السياسية من قصعة الأدلة!!!.
إن كنت تبحث عن شرعية للثورة والتمرد والانقلاب شرعنا لك ذلك وأخرجناك!!.
وإن كنت تبحث عن شرعية السمع والطاعة والاستسلام والخضوع والخنوع باركناك ومدحناك!!.
وإن كنت تريد أن تكفر العالم بأسره فسر على بركة الله ونحن معك والله يحرسك ويحفظك ويرعاك!!.
المتأمل للنص السابق الذي أورده الشيخ تعريفا لنفسه وعقيدته تراه يحمل المعنى ونقيضه ويحمل وجوب السمع والطاعة وجواز الخروج والتمرد وسفك دماء الأبرياء في نفس الوقت والمهم أن تخرج وتقاتل وتنتصر ومرة أخرى (أنت وشطارتك)!!!.
واقرأ معي واسأل الشيخ لماذا ترك كل هذه النصوص واختار ما يعجبه:
1- عن عبد الله بن عمرو بن العاص (من بايع إماما فأعطاه صفقة يده فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر فدنوت منه فقلت له أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال سمعته أذناي و وعاه قلبي فقلت له هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا والله يقول ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما قال فسكت ساعة ثم قال أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله). مسلم 1016.
2- سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله فقال يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم و يمنعوننا حقنا فما تأمرنا فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية فجذبه الأشعث بن قيس و قال اسمعوا و أطيعوا فإنما عليهم ما حملوا و عليكم ما حملتم. مسلم 1017.
3- عن عوف بن مالك: خيار أئمتكم الذين تحبونهم و يحبونكم و تصلون عليهم و يصلون عليكم و شرار أئمتكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم قالوا قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية و لا ينزعن يدا من طاعة. مسلم 1023
4- جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعته من رسول الله ص قال من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له و من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.
5- عبد الله بن عمر يبايع لبني أمية بالرغم من رفضه البيعة لعلي عليه السلام (عن عبد الله بن دينار قال شهدت ابن عمر لما بايع الناس عبد الملك بن مروان فكتب إليه إني أقر بالسمع و الطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله و سنة رسوله ما استطعت و إن بني قد أقروا بذلك) ج4 ص 245.
6- عن أبي موسى (تكون فتنة النائم فيها خير من المضجع والمضجع فيها خير من القاعد والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الراكب والراكب فيها خير من الساعي قتلاها كلها في النار.. قلت أيام الهرج حين لا يأمن الرجل جليسه قال فما تأمرني إن أدركت ذلك قال اكفف نفسك وادخل دارك قال قلت يا رسول الله أرأيت إن دخل على بيتي قال فادخل مسجدك و اصنع هكذا و قبض بيمينه على الكوع و قل ربي حتى تموت على ذلك. 69-70 الفتن و الملاحم لابن كثير.
7- عن أبي موسى أيضا (إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا القاعد فيها خير من القائم والماشي فيها خير من الساعي فكسروا سيوفكم وقطعوا أوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة قال فما تأمرنا قال كونوا أحلاس بيوتكم. 72-73 المصدر السابق.
1- عن عرفجة الأشجعي: قال سمعت رسول الله يقول من أتاكم و أمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه. الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد ص 320.
2- البخاري عن أنس اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله. المصدر السابق ص 321.
3- الشيخان عن أبي هريرة (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني. نفس المصدر 321.
والسؤال هم لماذا لم يعمل الشيخ ابن عبد الوهاب بتلك الأحاديث التي تحرم كافة أنواع المعارضة السياسية والمسلحة ويكون (حلسا من أحلاس بيته) بدلا من أن يخرج على أمة لا إله إلا الله شاهرا سيفه يضرب برها وفاجرها؟؟!!.
(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما كنتم تعملون) البقرة 58.


الوهابية تجتاح الجزيرة العربية
أصل الحكاية:
لماذا أقدم الوهابيون على تدمير مراقد أهل البيت في سامراء
ولماذا قاموا من قبل بتدمير كل أضرحة أهل البيت وبيوت النبوة وأحالوا جنة البقيع إلى خرائب البقيع؟؟!!.
السبب الحقيقي لا يتطابق بالضرورة مع السبب المعلن.
السبب المعلن أو السبب الذريعة هو ما يدعيه هؤلاء من رغبة في حماية جناب التوحيد من خطر الشرك والوثنية الداهم الذي تمثله أضرحة أهل البيت وهو الذريعة التي يساق من خلالها دهماء الوهابية وضحايا أجهزة إعلامها من جماهير الأمة المغيبة عن الوعي لمزيد من التهليل للقتل والخراب والدمار.
أما السبب الحقيقي من وجهة نظرنا فهو البغض والشنآن الذي ملأ قلوب القوم للنبي وأهل بيته....
أيضا فإننا نعتقد أن منظومة النفاق الوهابي الإعلامي ما كانت لتؤتي ثمارها لولا تكاملها مع منظومة النفاق العالمي والغربي على وجه الخصوص إذ أن هذا الغرب هو من يدير المنظمات السياسية والثقافية العالمية وهو الغرب الذي انتفض من أجل بوذا ولم يحرك ساكنا عندما هدمت معالم وآثار النبوة وسنرى بعد قليل أحد رموز الاستكبار الغربي المعاصر وهو يمارس هذا النفاق الحضاري في حضرة ملوك الوهابية ألا وهو جاك بن شيراك!!.
الحاج جون مؤدب العرب والمسلمين!!
السبب الحقيقي للهجمة الوهابية التدميرية على معالم الحضارة الإسلامية هو ما أعلنه الحاج سانت جون (عبد الله) فيلبي رجل المخابرات الإنجليزي الذي أشرف بنفسه على هدم كل الأضرحة والقباب في الحجاز قائلا (إن ذلك سيجعل الأجيال القادمة تنسى الوقائع التاريخية المرتبطة بهذه الأماكن).
المسألة من وجهة نظرنا كانت في سياق تخطيط أكبر أشرف على تنفيذه رجل المخابرات البريطانية الحاج جون (رضي الله عنه) وأعلن هو عنه في محاضرته أمام الجمعية الفابية البريطانية يوم 30 أبريل 1926م شارحا دور الإمبراطورية البريطانية في إعادة صياغة وترتيب الطريقة التي عاشت وتكونت بها الدول (الإسلامية المتخلفة).
الآن يذرف المسلمون الدمع الثخين خوفا من إعادة ترتيب خارطة الشرق الأوسط وهم الذين نزفوا دماءهم أنهارا وخسروا أرضهم وأضاعوا أموالهم أثناء عملية الترتيب التي أدارها لورانس وفيلبي ووقع على وثائقها سايكس وبيكو وليس إعادة الترتيب بكل تأكيد الموكلة الآن لبوش وكوندي وتشيني.
كان من المنطقي أن يرفض الواعون الترتيب وكل ما يترتب عليه من آثار قبل رفضهم لإعادة الترتيب وهذا الترتيب كان الأهم فيه هو فرض العقيدة الوهابية كعقيدة غازية محاربة لعقائد المسلمين وأفكارهم التي تواضعوا على صحتها.
ترتيب أوضاع المنطقة هو الذي منح الوهابيين فرصة الإجهاز على شعائر إسلامنا وأماكننا المقدسة وجعل منهم قوة ضاربة تريد أن تملي إرادتها على جموع المسلمين وتحدد لهم أي إسلام يأخذون وأي إسلام يتركون.
كما أننا نرى أن هذا النوع من الترتيبات تبقى آثارها لفترات طويلة من الزمان وليس كما يتصور أو يتوهم البعض بأننا نتحدث عن تاريخ ولى وانقضى.
لا نعتقد أن العقائد والمذاهب والأفكار هي أشياء ثابتة أو جامدة ولكن شتان بين أن ينهض المسلمون لتجديد أفكارهم وتطوير منهاجهم العقلية والفكرية والعلمية بمحض إرادتهم وتلبية لاحتياجاتهم وأن يفرض عليهم المحتل الإنجليزي نمطا غازيا مدمرا يسعى للإطاحة بالجميع مستخدما سلاح التكفير والتدمير الحضاري.
وهكذا وفي هذه الخطاب الذي نشره موقع وهابي يكشف لنا الحاج جون عن السبب الذي دعاه لاختيار الوهابية كمنهج فكري وعقائدي ينبغي أن يتربى عليه (المسلمون المتخلفون) ليصبحوا صالحين للدخول في منظومة الأمم المتحضرة أو في النظام العالمي القديم الجديد.
وياللهول!!
يقول الحاج جون: (إنني أود أن أضع فكرة الإمبراطورية ذاتها في منظورها المناسب حيث يميل بعض الناس إلى اعتبار دور الإمبراطورية البريطانية شيئا خالدا أو غاية في حد ذاتها ويسوغون ذلك ببساطـة بكونها بريطانية، وأن في إمكانها أن تتوسع متى شاءت وحيثما شاءت, إن الإمبراطورية ليست غاية في حد ذاتها، إنها وسيلة إلى غاية هي خدمة العالم والإنسانية وطالما أنها تقــوم بهذا الواجب، فإنها تكون جديرة بالإعجاب ولكن على كل حال فإن الإمبراطورية تحمل في طياتها بذور تفتتها، وخاصة أنها تشتمل في داخل أراضيها على مناطق حدودية "وسكان بدائيين يجب علينا أن نهذبهم وصولا إلى المثل الأعلى في تحقيق الذات وما أن نصل بهم إلى ذلك المستوى فلا بد أن نكون مقتنعين بأن نرى المناطق السكانية المعنية وقد تركت العش الاستعماري؛ لكي تصنع أفضل ما في وسعها وعلى طريقتها. فكلما انفصل عضو من أعضاء العائلة يجب أن يفرح الأبوان لا أن يأسفا. إن ذلك هو ما أعتقد أنه دور الإمبراطورية" فدور الإمبراطورية يعد شكلا من أشكال الفصول الدراسية التي تعمل على الارتقاء بأجيال الأمم، لا سجنا أو إصلاحية لمحكمة تقضي بالإدانة المؤبدة على الأقليات السياسية).
(إن الاعتقاد في أن الأعضاء الحاليين للكومنولث البريطاني يكونون جميعا مستقلين ومتساوين مع الوطن الأم "بريطانيا" خلال مائة أو مائتين أو خمسمائة سنة من الآن لا يسبب لي خيبة أمل. ولكني آمل أن تستقبلهم الجامعة التي بدأ في تأسيسها من الآن، والجامعة المقصودة هي عصبة الأمم، التي نأمل في أن تكون جامعة لأمم متساوية تشمل جميع الأمم في العالم، يحييها توجه واحد نحو مجتمع إنساني كامل، يقوم على التعاون، وفوق ذلك يتجنب الحرب. إنها - تحديدا - وجهة النظر المتعلقة بالدور المنوط بالإمبراطورية البريطانية).
أما عن الطريقة التي قرر من خلالها الحاج جون فيلبي (رجل المخابرات البريطانية وأحد واضعي ومنفذي سياساتها في المنطقة الذي يزعم القوم أنه كان مجرد تابع أمين لأمير المؤمنين ابن سعود) أن يقوم بتهذيبنا وتربيتنا في إصلاحية الاحتلال البريطاني باعتبارنا مجرد سكان بدائيين يتعين عليهم تهذيبنا وصولا بنا إلى المثل الأعلى الحضاري الإنجليزي ولسنا أصحاب رسالة حملها سيد الأنبياء والمرسلين فهي كما يقول الحاج جون:
(إنني أصر - ولدي تجربة مع العرب - على أن العرب قادرون على حكم أنفسهم بأنفسهم. إنني أؤمن بأن النظام الجمهوري في مناطق متقدمة مثل العراق وسورية هو أنسب الأنظمة الحكومية التي تقود إلى نتائج ناجحة لو تركت ونفسها. وإذا كان ولا بد من إقامة ممالك هناك فإن عنصرا واحدا في جزيرة العرب، ظل يحكم فيها لمدة قرنين من الزمان، وهو قادر على أن يقود جزيرة العرب نحو مجد عظيم بالمقارنة بماضيه العظيم المسجل في حوليات العرب. إنه عبد العزيز آل سعود زعيم هذا العنصر. منذ ربع قرن مضى كان عبد العزيز آل سعود في المنفى يعيش في أحد موانئ الخليج المنعزلة (الكويت) واليوم هو ملك الحجاز وسلطان قلب جزيرة العرب إنه تقريبا حاكم جزيرة العرب كلّها باستثناء تلك الأجزاء التي احتفظ بها حلفاء بريطانيا وفرنسا لأنفسهم في مقابل الوعود المقدسة. لو أن الدول الأوروبية كانت جادة في رغبتها في أن ترى جزيرة العرب تنمو قوية مستقلة، فإن هناك بابا مفتوحا يمكنهم الدخول إليها من خلاله)
(توصية :لننس الماضي بالرغم من كل ما حدث، ولتجتمع كل من فرنسا وإنجلترا مع عبد العزيز آل سعود لوضع ترتيبات يتخلصون بمقتضاها من أعباء التزاماتهم المرهقة في جزيرة العرب، وعبد العزيز آل سعود - بصفته ممثلا للعرب - سيلتزم بالسيطرة والإدارة في هذه البلاد لصالح العالم أجمع).
ويوضح الحاج جون الأسباب التي دعت بريطانيا العظمى سيدة العالم آنئذ لوضع ثقتها المطلقة في الوهابي ابن عبد العزيز فضلا عن الأسباب التي دعته هو شخصيا لمنحه هذه الثقة المفرطة واعتباره ممثلا لكل العرب يمكنه إدارة جزيرة العرب لصالح العالم أجمع "باستثناء العرب والمسلمين بالطبع!!" فيقول:
(الحكومة البريطانية لم تركن إلى أي عنصر في جزيرة العرب مثل ركونها للحركة الإصلاحية السعودية العظيمة التي كانت وحدها على مدى القرنين الأخيرين العامل المؤثر الذي يمكن أن يقود إلى نتائج قوية ودائمة؛ وهو أي عبد العزيز آل سعود يحكم الآن بقوة شبه الجزيرة العربية الوهابية (هكذا بالحرف الواحد) وفي ديسمبر الماضي فقط وصل عبد العزيز إلى ذروة قوته عندما قضى على الدولة الهاشمية في الحجاز وضمها إلى دولته).
المصدر: http://www.ansab-online.com/phpBB2/showthread.php?t=4375
هذه هي الطريقة والمنهج الذي رضيته لنا بريطانيا العظمى من خلال رجل مخابراتها الحاج جون (رضي الله عنه) لتحويلنا من (سكان بدائيين يحتاجون إلى التهذيب) من خلال إجبارنا على ترك (خرافة) الاعتقاد في رسول الله وكرامات أهل بيته والسير على خطوهم واعتبارها من معالم الدين وشعائره وإدخالنا في إصلاحية بريطانيا العظمى وصولا بنا (إلى المثل الأعلى في تحقيق الذات - وما أن نصل إلى ذلك المستوى) يمكن لأسيادنا الإنجليز أن يعطوا تلك المناطق المتخلفة استقلالها ويسمحوا لها بترك (العش الاستعماري) والانضمام إلى عصبة الأمم وهذا هو المثل الأعلى البريطاني والآن الأمريكي.
إنه مثل أعلى بلا مثل ولا نموذج ولا سابقة من اقتداء أو احتذاء برسول الله بل هو مثل أعلى
made in Britane والآن made in USA.
إنه مثل أعلى يدور حول نصوص يديرها شيوخ البلاط الوهابي حسب الطلب على شتى الأوجه وهي من وجهة نظر إمام الحرمين الحاج جون رضي الله عنه مرحلة انتقالية ضرورية ولازمة لننتقل من وظيفة العبيد (كما كان يرانا) الحاج جون إلى وظيفة الخدم العاملين في بلاط النظام الإمبريالي الصليبي العالمي القديم والآن الصهيوني الجديد (كما يأمل لنا) وهي مهمة لا يمكن لغير الوهابية من أتباع المدارس الإسلامية المستقلة وغير المتخرجة في إصلاحية بريطانيا العظمى أن تقوم بها كما أنها مهمة شاقة وعسيرة تحتاج إلى 100 أو 200 أو 500 عام حتى نصبح مساوين لهم في الإنسانية... أو كما قال الحاج جون رضي الله عنه وخليفته الحاج جورج بوش...
رضي الله عن الجميع وعن التابعين وتابعي التابعين من الأزلام والمصفقين المطبلين المزمرين!!.
الأمر إذا كما قال ربنا عز وجل (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء). النساء 89
وصدق الله العلي العظيم.
أين ذهبت آثار النبوة؟؟!!.
لقد دمر الوهابيون والحمد لله آثار النبوة خوفا علينا من الشرك وخوفا من أن تؤذي ناظري صديقنا شيراك ولما كان الوهابيون لم يجدوا ما يعرضونه على صديقهم جاك سوى قصور عبد العزيز وأطلال الدرعية قاعدة انطلاق الفتنة الوهابية أو هم حرصوا على أن يكون هذا هو ما لديهم للعرض, كان من الضروري أن نجيب نحن على هذا السؤال.
والمصدر هو كتاب تاريخ آل سعود لناصر السعيد ص (126-130).
هدم الأماكن الخالدة والإسلامية والتاريخية
1 ـ هدم آل سعود البيت الذي ولد فيه النبي العربي محمد بن عبد الله بشعب الهواشم بمكة.
2 ـ هدم آل سعود بيت السيدة خديجة بنت خويلد، زوجة النبي أول امرأة آمنت برسالته الإنسانية.
3 ـ هدم آل سعود بيت أبي بكر الصديق ويقع بمحلة المسفلة بمكة.
4 ـ هدم آل سعود البيت الذي ولدت فيه فاطمة بنت محمد، وهو في زقاق الحجر بمكة.
5 ـ هدم آل سعود بيت حمزة بن عبد المطلب عم النبي وأول شهيد في الإسلام قال عنه النبي محبذا باستشهاده استشهاد كل من يحارب الطغيان: (أول شهيد في الإسلام حمزة وثاني شهيد من حارب حاكم ظالم وأمره ونهاه فقتله) ويقع بيته في المسفلة بمكة.
6 ـ هدم آل سعود بيت الأرقم أول بيت تكونت فيه الخلايا الثورية المحمدية وكان يجتمع فيه الرسول سرا مع أصحابه حيث قامت الدعوة من هذا البيت، وفي هذا البيت تمت أول مقابلة تاريخية بعد عداء شرس بين محمد وعمر حينما أعلن عمر بن الخطاب في هذا البيت إيمانه برسالة محمد وانتصرت بذلك الثورة المحمدية انتصارها الأول، وصعقت الرأسمالية القرشية حينما خرج "بلال" ليؤذن بالثورة بأمر من عمر الذي قال له: "أذن يا بلال إن الدين جهرا"…
كما تمت في هذا البيت أول مقابلة لمحمد مع خامس واحد في الإسلام ـ أبي ذر الغفاري ـ الذي شهد له النبي العربي محمد بقوله: "ما حملت الغبراء ولا أظّلت السماء ذو لهجة صادقة مثل أبي ذر الغفاري" ويقع هذا البيت بجوار الصفا بمكة… أما الآن فقد شيّد في مكانه قصر أعطى لتاجر الفتاوى السعودية الباطلة عبد الملك بن إبراهيم ليتاجر به وذريته ويفسدون…
7 ـ هدم آل سعود قبور الشهداء الواقعة في المعلى بأعلى صوته مكة وبعثروا رفاتهم.
8 ـ هدم آل سعود قبور الشهداء في بدر وكذلك هدموا مكان العريش "التاريخي" الذي نصب للنبي العربي القائد الأعظم وهو يشرف ويقود معركة الفقراء المسحوقين ضد أغنياء اليهود وقريش!…
9 ـ هدم آل سعود البيت الذي ولد فيه علي بن أبي طالب والحسن والحسين…
10 ـ سرق آل سعود الذهب الموجود في القبة الخضراء ووضعوه سيوفا وخناجر وأحزمة تربط في أسفلها أغطية ذهبية لفروج حريمهم، وقباقيب ذهبية وأحذية وخواتم وخلاخيل وأساور…
11 ـ دمر آل سعود بقيع الغرقد في المدينة المنورة حيث يرقد المهاجرون والأنصار من صحابة محمد وبعثروا رفاتهم… ولقد هّم آل سعود بتدمير القبة التي تظلل وتضم جثمان صاحب الرسالة محمد بن عبد الله ونبشوا ضريحه، لكنهم توقفوا حينما وقف الشعب وبعض العلماء الصالحين من شعبنا ومن كافة البلاد الإسلامية.
وحدثت ضجة كبرى ضدهم… فارتدوا على أعقابهم خاسئين…
كل ذلك بقصد أن لا يبقى أثر واحد من آثار أولئك المؤمنين الأبطال أجدادنا الذين سحقوا بني القينقاع وبني النضير وقريظة وأمثالهم من اليهود ومن معهم ممن حاربوا رسالة محمد بالمال وشراء أشباه الرجال…
ولقد أراد آل سعود بذلك أن لا يبقى أيّ ذكر لتاريخنا، وأن لا يبقى للعرب من تاريخهم إلا الاسم السعودي المزيف…
مكتبات من أثمن المكتبات في العالم أحرقتها الهمجية السعودية بمكة والمدينة
وحالما دخل جند الاحتلال السعودي مكة شاهرين السيوف والبنادق، اتجهوا لتدمير كل ما هو ورق… وكل ما هو كتب، وكل ما هو وثائق وصور، وكل ما هو تاريخي… من ذلك على سبيل المثل ما ارتكبوه "بالمكتبة العربية" التاريخية ـ العلمية التي احرقوها، وهي التي تعد من أثمن المكتبات في العالم قيمة تاريخية، إذ لا تقدّر بالمال أبدا، ولا بمليارات العملات أيضاً.. لقد كان بهذه المكتبة (60.000) من الكتب ـ النادرة الوجود ـ الجامعة لمختلف المناهل العلمية والتاريخية… وفيها (40.000) مخطوطة نادرة الوجود من مخطوطات "جاهلية" خطت كمعاهدات بين طغاة قريش واليهود.
تكشف الغدر اليهودي وعدم ارتباط اليهود بالدين والوطن من قديم الزمان وتكشف مؤامرات اليهود على ـ محمد ـ وفيها وثائق خطت قبل الثورة المحمدية بمئات السنين وفيها ما أعطى فكرة ممتازة عن تلك الحضارات العربية القديمة… وفي هذه المكتبة وغيرها من مكتبات المدينة بعض المخطوطات المحمدية التي كتبت بخط النبي محمد في أيام كفاحه السري، وهناك ما هو بخط علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر وخالد بن الوليد وطارق بن زياد وعدد من الصحابة، ومن هذه المخطوطات ما يسجل العديد من الخطط الحربية التي أرسلها خالد بن الوليد لعمر بن الخطاب والتي أرسلها ـ عمر ـ لخالد والتي يظهر بعضها بعض الخلاف الاجتهادي في وجهات النظر…
ومن تلك المخطوطات ما هو مخطوط على جلود الغزلان، وعلى فرش من الحجارة وألوح من عظام فخوذ الإبل وغيرها من الوسائل القابلة للكتابة كالألواح الخشبية والفخارية والطين المصهور بالأفران… والمكتبة العربية التاريخية في مكة بالإضافة إلى كونها مكتبة نادرة فهي متحف ـ أيضاً  ـ يحتوي على مجموعة من آثار ما قبل الإسلام وبعده، وأنواع من أسلحة النبي محمد وفيها آخر الأصنام المعبودة التي حطمتها الثورة المحمدية، مثل: اللات، والعزى، ومناة، وهبل…
وغيرها… ويحدثنا أحد المشايخ المؤرخين المعاصرين "ونمتنع عن ذكر اسمه خشية عليه من جهنم آل سعود" فيقول (كنت أزور هذه المكتبة مع والدي قبل الاحتلال السعودي وكان يرتادها العديد من الدارسين، فتقدم بعضهم بشكوى إلى الحسين بن علي يطلبون منه "إحراق بعض المخطوطات النادرة لأن فيها كفريات".
فقال لهم الحسين: "إنني معكم قد لا أؤيد هذه "الكفريات" وبعض هذه المخطوطات إنّما ليس من حقي أو حقكم أو حق أي كائن من البشر إحراق التاريخ"!…
وقال: إن في هذه المكتبة وثائق تكشف أصل آل سعود، وان فيها مخطوطات بأقلام مجموعة من الصحابة ومنهم عبد الله بن مسعود.
إلى غير ذلك… وقال: أن بعض من هذه المخطوطات كانت بخط الصحابي الجليل عبد الله بن سعود، وهو من أوائل الذين رافقوا النبي محمد ومن المسؤولين عن "لجنة" أو جماعة الإشراف التي تشكلت في عهد عثمان لجمع القرآن في كتاب موحد.
هذه هي آثار الرسالة الإسلامية التي دمرها الوهابيون والتي يدعي الصحافيون المنافقون المأجورون أن آل سعود هم أمناء هذه الرسالة حتى نهاية التاريخ.

وإذا كان أمناء الرسالة هم من ضيعها فما الذي كنا نتوقعه من أعدائها الصرحاء أسوأ مما صنعه (الأمناء)؟؟!!.

شهادة الدكتور هيكل:
إنه الدكتور محمد حسين هيكل صاحب كتاب (حياة محمد) وهو أيضا السياسي المصري الذي ذهب لأداء فريضة الحج عام 1936 ميلادية عشر سنين بعد انقضاء الهجمة الوهابية البربرية على آثار الأمة الإسلامية التقى خلالها بعبد العزيز بن سعود.
والمصدر هو كتاب (في منزل الوحي ط دار المعارف المصرية 2005).
مقبرة المعلاة:
يقول الدكتور هيكل (كانت مقبرة المعلاة أول ما اتجهت إليه زيارتنا وهي تقع في الشمال الشرقي من مكة وهي فضاء فسيح محصور بين الجبال من شماه وغربه وقبور المعلاة مسواة بالأرض اليوم وهي لم تكن كذلك قبل أن يدخل الوهابيون الحجاز ولقد صحبنا حارس المقبرة في مسيرنا يهدينا أثناءها إلى مقابر بعض الصحابة والتابعين...
أشار الحارس إلى قبر عبد الله بن الزبير وإلى جواره قبر آخر هو قبر أمه أسماء بنت أبي بكر..
ثم مد الحارس بصره إلى ناحية الجبل من الشمال فأشار إلى جدار قائم في سفح الجبل يحجب ما وراءه ولم ينبت ببنت شفة.
أما الشيخ عبد الحميد فقد أخبرني أن الإخوان الوهابيين شادوا هذا الجدار ليستروا به قبر خديجة أم المؤمنين وقبور بني هاشم من أجداد الرسول عن الأعين وليحولوا بين الحجاج وزيارتها للتبرك بها لأنهم يرون في الزيارة والتبرك إثما هو إثم الشرك بالله أو اتخاذ هذه القبور زلفى إليه وهذا أو ذاك يخالف عقيدتهم ويجعلهم يرمون من يقدم عليه بالمروق والكفر.
تقدم الشيخ عبد الحميد نحو الجدار حيث دق بابا بيده وشعرنا بحركة حارس المقبرة "المحرمة" يزيل الأحجار التي أوصد بها الباب حتى لا يقتحمه مقتحم ودخلنا وبعد هنيهة أشار إلى قبر على يسار الداخل قال أنه قبر خديجة بنت خويلد أم المؤمنين وجدة جميع المنتسبين للرسول وقد سوي هذا القبر بالأرض كما سويت سائر القبور بأمر الوهابيين وتقدمنا بعد ذلك إلى قبور قال الحارس أنها قبور جدي الرسول عبد المطلب وعبد مناف وعمه أبي طالب.
وعندما آن لنا أن ننصرف من المقبرة استوقفنا الحارس مد الحارس يده ممسكا بقطعة من القاشاني الأخضر الجميل اللون زينت أطرافها بنقش فني دقيق وقال "هذه قطعة من جدار القبة التي كانت على قبر السيدة خديجة" فقد كان على قبرها قبة شاهقة بارعة الجمال يذكر المؤرخون أنها بنيت سنة 950هـ أثناء ولاية داود باشا بمصر وأن الذي بناها الأمير الشهيد محمد بن سليمان الجركسي وقد أزال الوهابيون هذه القبة فيما أزالوا من القباب أول ما دخلوا مكة ثم بقيت صورتها الشمسية تشهد بأنها كانت آية بارعة الجمال في فن العمارة براعة تصد من يفهم هذا الفن عن أن يصيبها بسوء وكانت إلى جوارها قباب لجدي النبي عبد المطلب وعبد مناف ولعمه أبي طالب وبذلك كانت هذه المقبرة بدعا يعشقه من يحبون الفن الجميل وكان الناس يزورونها إجلالا لهذه القباب وتبركا بذكرى ساكنيها أما اليوم فلا يفكر أحد في القباب وقد أزيلت ولا يزور أحد القبور وقد حيل بين الناس وبينها بهذا الجدار الذي يصدهم عنها على أنهم ما فتئوا يحضرون اليوم كما كانوا يحضرون من قبل فيقفون عند هذا الحاجز الذي تخطيناه قبل أن نصعد سفح الجبل فيقرءون الفاتحة ويلتمسون البركة ثم يذهبون....
وما زال الكلام للدكتور هيكل:
وقفنا قبالة مقبرة المعلاة عند مسجدين متجاورين.. أحدهما مسجد الراية والآخر مسجد الجن وسمي الأول مسجد الراية لما يذكر من أن رسول الله ص ركز رايته عام الفتح حيث يقوم هذا المسجد وسمي الآخر بمسجد الجن لأن الله أوحى إلى النبي في هذا المكان الذي كان الجن يستمعون في القرآن...
ولمسجد الجن باب بأسفل الطريق غير بابه المطروق وينزل من يشاء إليه بضع درجات دون مستوى الأرض وأهل مكة يذهبون إلى أن الجن كانت تستمع في المكان الذي يؤدي هذا الباب إليه ولذلك كان الناس يزورونه وقد أقفل هذا الباب في العهد الأخير بالطين والحجر منعا للتبرك بزيارته.
كما زرت أيضا مسجد الإجابة ومسجد حمزة..
ومن الآثار أيضا الآبار التي كان بعضها موجودا في العهد النبوي فاندثر بعضها وبقي البعض الآخر.
الاستيلاء على دار الأرقم!!
أما عن الدور التاريخية بمكة فمن أشهرها دار الأرقم أو الخيزران وهي الدار التي شهدت الكثير من الأحداث الفاصلة في تاريخ الإسلام وكان من الواجب أن تصان وتزار وهي على مقربة من الصفا وقد أشار الشيخ عبد الحميد (مرافق الدكتور هيكل) إلى باب مغلق قائلا لي هذه هي الدار وسألته هل من سبيل على دخولها فعلمت أنها أصبحت مسكنا لإحدى الأسر منذ أن جاء الوهابيون إلى مكة وأنها لا تزار وقد أسفت لحرماني من زيارة هذه الدار وأنا الذي زرت بأوربا أماكن ودورا صانتها الحكومات ذكرى للعظماء الذين ولدوا أو عاشوا فيها أو لأنها شهدت حوادث غيرت تاريخ الأمم.
ثم غير دار الأرقم دار أبي سفيان والمسلمون يذكرونها لقول رسول الله ص من دخل دار أبي سفيان فهو آمن وما بقي منها لا يمت إلى اصل البناء بصلة.
وهناك دار أم هانئ وهي الدار التي كان بها رسول الله ليلة الإسراء وليس لها اليوم أثر وقد دخلت في المسجد حين توسعته وهي الآن مدرسة متصلة بالمسجد يقال لها مدرسة أم هانئ.
أما عن الآبار فلم يقم الوهابيون بردمها ولم ينقضوا الدور كما نقضوا القباب فكان أن أقفلوا الدور وتركوا الآبار لمن شاء أن يغتسل منها كما تركوا من شاء أن يتوضأ من ماء زمزم (؟!) لكنهم كانوا أشد بطشا بالآثار حتى لقد عفوا عليها ولم يتركوا لها ذكرا وكانت هذه الآثار أعز على المسلمين من كل ما تركوا ولا عجب فهي مولد النبي ومولد فاطمة ابنته ومولد علي بن أبي طالب ابن عمه وصهره وأخيه حين آخى بين المسلمين وأنت تمر عليها فتحسبها ميادين خالية أحيانا ومعمورة بالخيام حينا آخر وكثيرا ما تراها مناخا للإبل في زمن الحج وإن قوما يرونها اليوم وكانوا قد رأوها من قبل أن يطمس الوهابيون على آثارها فيحز الأم في نفوسهم وتخنق بعضهم العبرة وقد تسيل على خده أسفا لما أصاب هذه المواقع التي كانت من قبل موضع إكبار وتقديس كما يجب أن تكون بل إن منهم من يهون هدم القباب ولكنهم يرون التعفية على هذه المعالم وزرا لا يعدله وزر ويرونه عملا لا مبرر ولا مسوغ له بل ويشعر بعض الوهابيين بما في قول هؤلاء من صحة حتى لقد قال قائلهم " إن شعورنا بخطأ هؤلاء الغزاة دعانا للتفكير في إصلاحه ولقد فكرنا أن ننشئ في مكان مولد الرسول دارا للكتب تضم كتب التفسير والحديث والسنة جميعا ولكن صعوبة واجهتنا فقد وقف علماء نجد يسألوننا وكيف تضعون في هذه الدار كتبا تنطوي على ما يحكم مذهبنا بخطئه؟؟ إنكم عن فعلتم تكونون قد ارتددتم عن المذهب ونزلتم على حكم أهل الحجاز وقلبتم فتحنا إياه استعمارا (ياللجرأة والوقاحة!!) ونحن إنما فتحناه لإقرار حكم الإسلام الصحيح.
ثم قال محدثي "لا بد لنا من التوفيق بين آراء العصر الحاضر بما لا تأباه العقيدة السليمة (؟!) عندنا وبين تصور قومنا لموجب هذه العقيدة ونحن لا نستطيع أن نقنع أحدا منهم بفكرة حرية الرأي فحرية الرأي عندهم معناها حرية الباطل في غزو العقول لذلك لم نجد بدا من الإعراض عن إقامة دار للكتب في موضع مولد النبي وأن نؤثر عليه إقامة مسجد يذكر فيه اسم الله وتلقى فيه تعاليم الإسلام الصحيحة".
كما عفى الوهابيون كل أثر لمولد فاطمة وهدموا كل ما كان الناس يزورونه من رسومها فهي الآن فضاء كمولد أبيها.
كما أصاب الوهابيون مولد علي بن أبي طالب في شعب بني هاشم بما أصابوا به مولد النبي ومولد فاطمة فهو اليوم فضاء لا أثر فيه....
المصدر: محمد حسين هيكل (في منزل الوحي ص 208-227).
تعليق:
يبدو مفيدا للغاية أن ننبه القارئ الكريم إلى التناقض المذهل الذي تتضمنه الأطروحة الوهابية المتنقلة والتي لا تستند إلى نمط عقلي متسق أو متماسك يمكن حتى اعتماده أساسا لأي مناقشة!!.
فمن استنكار ما يسمونه بالغلو في الصالحين ينتقل بك المحاور الوهابي إلى استنكار الغلو في قبورهم ومن استنكار الغلو في قبور الصالحين يأخذك المجادل الوهابي إلى حرمة التبرك بصورة مطلقة (سنرى بعد قليل أن التبرك هو أصل ثابت بالكتاب والسنة النبوية) ومن حرمة التبرك ينتقل المختل الوهابي إلى وجوب إشاعة الدمار والخراب في كل ما يتعلق بآثار ومعالم النبوة حيث استحال الأمر من شبهة يخشى الوقوع فيها إلى حتمية دينية توجب تطهير الأرض من كل ما لامس أو مسته خطوات النبي أو أهل بيته من بيوت أو مدافن أو مواضع تعبد فيها عليه وعلى آله الصلاة والسلام عن طريق الهدم والتخريب والتدمير حماية لما يسمون بجناب التوحيد الذي هو في حقيقة الأمر توحيد العباد تحت سلطة سيد العباد الوهابي الجديد التابع الصدوق للحاج فيلبي البريطاني العتيد.
فهل جاء رسول الله ليطهر الأرض من عبادة الأوثان والشرك بغير الله أم مشى عليها ليدنسها ومن ثم وجب على الوهابيين تطهير هذه الأرض من كل ما باركه رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟؟!!.
وإذا صحت الأسطورة الوهابية القائلة بأن الغلو في الصالحين هو مصدر البلاء وأصل العلة والداء فلماذا جرى ويجري تدمير تاريخ النبوة؟؟!!.
لماذا جرى تدمير مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومولد الزهراء ويجري الآن إحياء ذكرى قصور الدرعية وآثار ابن سعود مؤسس الدولة الوهابية؟؟!!.
أم أن القوم مطمئنون إلى عدم وجود من يسعى للتبرك بآثار ابن سعود؟؟.
هذا هو السؤال الذي لا يستطيع الوهابيون القدامى أو المعاصرون الإجابة عليه والقضية كلها هي شبهات في شبهات وظلمات في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
الأسوأ من هذا كله هو هذا النفاق الوهابي الذي يدعي الرغبة في التغيير والإصلاح ونبذ العنف والتطرف والذي يروج لهذا الدجل ولهذه الأكذوبة –أكذوبة الرغبة في الإصلاح- منذ أكثر من ثمانين عاما وهو ما زال يروج لهذا الزعم والادعاء بالقدرة على تهذيب السلوك الوهابي المتطرف وترويض المتطرفين وأن ما جرى لم يكن بعلم أو برضا خادم الحرمين الشريفين عبد العزيز أو ابن عبد العزيز ولكن ضرورات استقرار الدولة تحتم مداهنة المتطرفين النجديين وهو ما يحتاج إلى تكاتف وتآزر المسلمين والصبر إلى حين تتحسن الظروف وتستقر الأوضاع وتتسع رقعة الخراب والهدم إلى آخر تلك المعزوفة المنافقة التي لا يخجل هؤلاء من تكرارها والعزف على أوتارها والتي تظهر الوجه الحقيقي للغزوة التترية الهمجية الوهابية ضد رموز الأمة الإسلامية ومعالم حضارتها!!.
إنها عملية شراء رخيصة للوقت ومبادلة للضغوط الإسلامية والدولية المطالبة بالإصلاح بوعود جوفاء لا تغني ولا تسمن من جوع ولن تجد طريقها يوما للتنفيذ.
فالدولة الوهابية ما كانت لتقوم محليا أو يجري الاعتراف بها دوليا إلا بسبب ما تحمله من غل وحقد وكراهية للنبي الأكرم وآل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المجاهدين المضحين من شهداء الإسلام الأولين وبدلا من الاكتفاء بالتغني بما قاله المحتل الفرنسي عندما دخل إلى دمشق ووقف على قبر صلاح الدين الأيوبي قائلا (ها قد عدنا إليك يا صلاح الدين) نحتاج إلى التوقف طويلا عندما قام به القوم من هدم لآثار ومعالم النبوة وكأن من أرسلهم يقول (ها قد عدنا إليك يا محمد لنثأر منك ونهدم دارك كما هدمت صروح الشرك والوثنية).
القائد الفرنسي الذي وقف على قبر صلاح الدين في دمشق لم يقم بهدمه كما فعل الوهابيون فهو على كل حال أثر تاريخي لا يجوز التعرض له ولكن القائد (المسلم) الذي (فتح مكة والمدينة) قام بما يتمنى هؤلاء القيام به ولكنهم لا يجرءون عليه خشية إثارة مشاعر المسلمين التي لا تنظر إلى الجرم المرتكب ولكن تنظر إلى ديانة المجرم المدعاة فإذا كان المجرم من منتحلي صفة الإسلام هان عليهم الخطب أما إذا كان المجرم يهوديا أو نصرانيا أو فرنسيا قامت الدنيا ولم تقعد.
ولله در الشاعر عمارة اليمني الذي هاله ما ارتكبه البعض من ظلم في حق أهل البيت فقال:
ماذا عسى كانت الإفرنج فاعلة * في نسل آل أمير المؤمنين علي؟
ونحن نتساءل..
أليس ما فعله الوهابيون من انتهاك لحرمة رسول الله وأهل بيته وأصحابه هو مما يثلج قلوب الكفار والمشركين الذين حاربوا الإسلام والمسلمين من قبل ومن بعد؟؟!!.
الحقيقة التي يتعين علينا أن ندركها أن الاعتراف الدولي والدعم الإقليمي الذي حظي به هذا النظام كان ولا زال بسبب هذا الدور القذر والمشبوه في هدم الإسلام من داخله وتشويه صورة الدين وأن انتفاء الحاجة الإقليمية أو الدولية للقيام بهذه المهمة يعني  من بين ما يعني انتفاء الحاجة لوجود مثل هذا النظام من الأساس معتدلا كان أم متطرفا!!.

الجدل السياسي حول الأماكن المقدسة
يكشف لنا الدكتور هيكل في كتابه وجها آخر من وجوه مأساة أماكننا المقدسة في اللقاء الذي دار بين الدكتور محمد حسين هيكل وعبد العزيز آل سعود وهو الأزمة السياسية بين مصر والنظام السعودي الوهابي حيث يقول عبد العزيز:
لقد شجعني موقف الحياد الذي اتخذته بريطانيا من أزمة سقوط الخلافة التركية على التقدم فحاصرت جدة ونقلت ميدان جهادنا إليها كما نقلت قوات نجدية إلى المدينة....
إلى يومئذ لم يكن حكم الحجاز قد دار بخلدي (؟!) وكل ما كنت أبتغيه أن أجلي عنه جماعة الأشراف فأخلصه بذلك من مظالمهم وعبثهم فإذا فرغت منهم جعلت الأمر كله للمسلمين كافة يرون فيه رأيهم ولقد أذعت على العالم الإسلامي كله رسالة صارحته فيها بهذا العهد أن يكون الأمر له في مصير الأماكن المقدسة وكنت كلما تحدثت إلى إنجلترا أو تحدث إلي غيرها في الصلح كان هذا جوابي لهم وهذا العهد هو ما كاشفت به الأستاذ الشيخ المراغي حين جاء في سنة 1925 مع عبد الوهاب بك طلعت موفدين من قبل جلالة ملك مصر للبحث في أمر الحجاز ولقد زدت عليه أني لا أبتغي ملكا ولا خلافة وأي أرحب بملك مصر ملكا على الحجاز (؟؟!!) برضا أهله وكان عزمي متجها إلى عقد مؤتمر لتنظيم شئون الحجاز بمشورة ذوي الرأي في العالم الإسلامي يكون له اختيار ولي الأمر فيه وأذعت مشورة بذلك على أهل الحجاز كي يخلدوا إلى السكينة حتى ينعقد المؤتمر لينظر في مستقبل الحجاز ومصالحه.
لم أكد أذيع هذا المنشور حتى جاء إلي وجوه أهل الحجاز ورؤساء العشائر من نجد وكلهم غاضب يحتج على هذا المصير الذي أريده لهم.
قال أهل الحجاز كيف يقرر المسلمون من مختلف أقطار الأرض مصيرنا وطريقة الحكم في بلادنا والحجاز لنا ونحن أهله وأولى الناس بالرأي في أمره وباختيار الحاكم الذي يتولى شئونه وليس للمسلمين أن يشاركونا في غير الحج وما يتصل منه بشأن مكة والمدينة...
وقال رؤساء العشائر من أهل نجد نحن فتحنا هذه البلاد وطهرناها من الأشراف واخترناك قائدا لنا وأميرا علينا فإن شئت أن تنزل عن القيادة والإمارة فإنما يعود أمرها لنا لا للمسلمين من الهند وجاوة والصين ممن لا يعرفون من شئون هذه البلاد شيئا وقال أهل الحجاز إنك هنا منذ سنين عرفناك أثناءها وعرفنا أغراضك وطريقة حكمك فنحن نختارك ملكا علينا, فلم يكن لي بد من النزول على أمرهم بعد أن رأيت الشعوب الإسلامية لا تبدي بأمر المؤتمر الذي دعوت إليه أي عناية وكذلك بايعني أهل الحجاز ملكا عليهم.
فرد هيكل: لعل هذا ما أحفظ ملك مصر فقد فهم من حديثكم مع الأستاذ المراغي أنكم جعلتم أمر الحجاز له وأنكم كنتم على أهبة معاونته في تحقيق هذا الغرض فلما بايعكم أهل الحجاز ملكا عليهم عد الملك فؤاد هذا الأمر نقضا لعهد عاهدتموه عليه.
ثم رد عبد العزيز قائلا
لقد جاءني قنصلكم حافظ عامر من خمس سنوات فقلت له اسمع يا حافظ إنكم تقولون إنكم أكثر منا حضارة وعلما وإننا قوم من البدو بيننا وبينكم في ذلك مراحل وأنا أوافقكم على هذا.
إذا كان هذا شأننا وكنا نطمع في مسألة صغيرة كالاعتراف بنا لتكون مقدمة لتسوية مسائل ترون في تسويتها خيرا لكم وللمسلمين وللبلاد المقدسة فلم لا ترضوننا بهذه المسألة الصغيرة؟؟ مسألة الاعتراف لتأخذونا في كنفكم وتحت جناحكم؟؟
إن عدم اعترافكم بملكي على الحجاز لن ينزع هذا الملك عني بعد أن اعترفت به انجلترا وفرنسا وإيطاليا وكل الدول العظمى فالملك أمر واقع لا ينزعه إلا أمر واقع يتغلب عليه.
وما بيننا وبينكم من المصالح اقتضاكم إنشاء قنصلية لكم في جدة واقتضانا أن يكون لنا وكيل لديكم في القاهرة يرعى هذا وذاك ما سبيل لإنكاره من المصالح أليس عجبا أن يكون هذا أمرا واقعا ثم نتجاهله وتتجاهلونه!!!.
ص160-162 من الكتاب المذكور

الأمر إذا كما يقول ابن سعود أن الملك يقوم بالغلبة التي لا تنقضه إلا غلبة أقوى منها فما بالك إذا كانت هذه الغلبة قد حازت الرضا السامي للقوى العظمى آنئذ وهي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا فهم وحدهم من يملكون حق التصرف في أماكننا المقدسة وما ينبغي هدمه منها وما يتعين تركه حتى حين!!!.
انطلاقة الفتنة:
من وادي حنيفة (الذي باركنا حوله)!!.
(في وادي حنيفة ظهر مسيلمة (الكذاب) الذي حارب النبي والإسلام فكان مدحورا حيث قتله خالد بن الوليد في وادي حنيفة وبعد ألف ومائة سنة ظهر محمد بن عبد الوهاب الذي كافح البدع والخرافات فكان من الفائزين).
ملحوظة من عندنا: أنعم وأكرم وأهلا وسهلا برهط مدعي النبوة وذريته الأبرار!!!...
أبشروا يا مسلمين فقد جاء أمين الريحاني يعلمكم أمور دينكم.
ثم يقول (قبل ظهور هذا المصلح النجدي كان العرب في نجد بل في الشطر الشرقي من شبه الجزيرة منغمسين في عقائد وعبادات جاءتهم من النجف ومن الأهواز أو بالأحرى من بلاد فارس فكان لا يزال للقرامطة أثر في الأحساء وكانت للقبور شفاعة لا شفاعة فوقها فأحلها الناس المحل الأعلى في العبادة والتوسل, والحق أن هذه البدع والخرافات القديمة أبعدت العرب بادية وحاضرة عن حقيقة الدين الكبرى وجوهره الروحي).
(أبعدتهم عن الإسلام الذي جاء يبطل عبادة الأوثان وكل ما فيه روح العبادة لغير الله فعادوا إلى ما كان فيه الأجداد وأمعنوا أكثر منهم في الخزعبلات والأضاليل فلم يتوسلوا فقط إلى قبور الأولياء بل تعددت القباب فوق القبور فصارت الشفاعة الكبرى للأحجار بل كانوا يعبدون حتى الأشجار فيعلقون على أغصانها الرقاع ويقدمون لها النذور ومن هذه الأشجار في نجد ما كانت تفوق سواها شهرة في نظر عبادها الذين كانوا يجيئون إليها من أقصى نواحي الجزيرة متبركين متوسلين). ص35.
وينقل الريحاني المسيحي الوهابي عمن أسماه بالمؤرخ النجدي "أهمل الناس الصلاة والزكاة والحج وكانوا حتى لا يعرفون مركز الكعبة" وبكلمة أوضح عادوا إلى الوثنية فجاء ابن عبد الوهاب ليعيدهم إلى الإسلام. ص36.
(وكان النصير الأول الكبير هو عثمان بن معمر الذي كان يوم ذاك أميرا على العيينة فأول ما باشر الشيخ عبد الوهاب هو أنه أمر الأمير عثمان بهدم القباب والمساجد المبنية في الجبيلة على قبور الصحابة وبقطع الأشجار التي كانت تتوسل بها الناس).
ص38.
أما عن الطريقة التي نشر بها ابن عبد الوهاب دعوته (التوحيدية) فيحكيها لنا أمين الريحاني فيقول: (لكن العربان لا يقرءون ولا يفهمون غير لغة العنف والقوة وقد أحرز المصلح في تحالفه مع ابن سعود سيفا بتارا والذي لا يرتدع بالحسنى يرتدع بابن عمها..
استل محمد بن سعود الحسام وراح ينهى الأعراب عن أفعال الجاهلية ويدعوهم لدين الحق الذي هو الإسلام المجرد من الخرافات ويأمرهم بالعمل بالكتاب والسنة). ص44.
ويمضي الريحاني المسيحي الوهابي يعلمنا أصول ديننا فينقل عن إمامه ابن عبد الوهاب: وهناك مسألة أخرى في الصلاة والعبادة حيث يقول العالم الوهابي أن من قال لا إله إلا الله ومحمد رسول الله وهو مقيم على شركه يدعو الموتى ويسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات فهذا مشرك حلال الدم والمال, أما إذا وحد الله تعالى ولم يشرك به شيئا ولكنه ترك الصلاة والزكاة تكاسلا فقد اختلف العلماء في كفره لا عصمة للعلماء إلى في الإجماع) ص51.
ويعلمنا الريحاني المزيد من دروس التوحيد الوهابي فيقول في ص 53 (الغلو في علي بن أبي طالب مثل الغلو في المسيح فمن غالى في نبي أو صحابي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الألوهية مثل أن يقول يا سيدي فلان أغثني أو أنا في حسبك فهذا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل والمشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته وقد قال النبي "خير القبور الدوارس").
رسول التوحيد!!:
انطلق ابن عبد الوهاب (مجدد المذهب الحنبلي ورسول التوحيد) هكذا بالحرف الواحد طبقا للوصف الريحاني ص62 الأمريكاني ينشر دعوته بالسيف بعد تحالفه مع ابن سعود حيث انتصر (أهل التوحيد) في أولى معاركهم بوادي حنيفة ثم استمروا غازين فاتحين حتى وصلوا شمالا إلى الزلفى وجنوبا إلى الخرج وعندما قام (بفتح العيينة) قام بذبح أميرها عثمان بن معمر في المسجد لأنه تردد في قبول دين التوحيد الجديد ص63.
اشتعلت الحروب واستمرت وراح ضحيتها في مدة ثلاثين سنة (أربعة آلاف من العرب.. "فقط لا غير" 1700 من الموحدين و2300 من أعدائهم) وفقا للأرقام السعودية بالطبع.
(وفي هذه السنة "1744م" سار المسلمون "؟؟!!" إلى الرياض حيث جرت واقعة عظيمة تسمى واقعة العصافير قتل فيها أربعة من أهل الضلال ولم يقتل من المسلمين غير واحد ثم انقلب المسلمون إلى بلادهم بعد تحصيل مرادهم) ص64.
أو كما قال الوهابي النصراني الريحاني الذي أبدى إعجابه الشديد بالمؤرخ الوهابي (ابن بشر فهو المؤرخ العربي الوحيد الذي لا تصعد أرقامه إلى الآلاف إلا في الفتوحات الكبرى التي سيجيء ذكرها) ص64.
الفتوحات الوهابية تتوجه شمالا
اشتعلت نيران الفتنة الوهابية وأطلت برأسها شمالا عام 1805مـ كما هي الآن في العراق حيث "دخلت القوات الوهابية كربلاء محط رحال الشيعة ونقطة الدائرة في شفاعة الأولياء فالتحم رجاله بأهلها وبعد معركة هائلة في الأسواق هدم (الموحدون) القبة التي قيل أنها كانت فوق قبر الحسين ونهبوا البلد ثم زحفوا إلى المشهد (النجف) وخارج سورها مدينة أخرى هي مدينة القبور ذي القباب فردهم في ذلك الحين بحرها.. وأدت تلك الغزوة إلى اغتيال (الإمام عبد العزيز؟!) وهو يصلي العصر في مسجد الدرعية حيث طعنه رجل جاء من العراق متنكرا كالدراويش).
ص66.
كما ينص على كل ذلك مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر مطولاً في تاريخه
وفي سنة 1220 هـ سار سعود بالجيوش المنصورة ، والخيل والجياد المسومة المشهورة من جميع نجد ونواحيها وبواديها وقصد جهة الشمال نوازل بلد المشهد المعروف في العراق وفرق عليه المسلمين من كلِّ جهة ، وأمرهم أن يتسوروا الجدار على أهله!!... ثم رحل منه سعود فانحاز على الزملات من عربان غزية فأخذ مواشيهم ثمَّ ورد الهندية المعروفة ، ثم اجتاز بحلل الخزاعل وجرى بينه وبينهم مناوشة قتال وطرد خيل ثم سار نحو السماوة وحاصر أهلها ونهب من نواحيها ودمَّر أشجارها ووقع بينهم رمي وقتال ثم رحل منها وقصد إلى جهة البصرة ونازل أهل الزبير ووقع بينه وبين أهله مناوشة قتال ورمى ، ورحل منه إلى وطنه.
يقول ابن بشر مفتخراً بفعلة قومه أعراب نجد ومسيرهم نحو كربلاء (.. وقصد أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين . وذلك في ذي القعدة فحشد عليها المسلمين ، وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت ..)
ولندع ابن بشر يتحدث مفتخراً بمخازي الوهابية فيقول: (وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ما يعجز عنه الحصر ) حتى المصاحف يسرقها أعراب نجد كي يتهجدوا بها وقت السحر فهذا هو الفقه الخارجي الأعوج !!
وقد وصف الوهابي المصري محمد حامد الفقي, مجزرة كربلاء مشيدا بدور "جند الإسلام " الوهابي فقال: " توجه سعود في ذي القعدة من سنة 1216هـ / 1801م بجموع كثيرة وقوة عظيمة إلى العراق والتقى في كربلاء بجموع كثيفة من الأعاجم ورجال الشيعة (وهم الزوار العزل طبعا) الذين استماتوا في الدفاع عن معاقل عزهم ومحط آمالهم ، قبة الإمام الشهيد الحسين وغيرها من القباب والمشاهد ولكن جيش التوحيد (!) قد تغلب بقوة إيمانهم (!) وصدق عزيمتهم في الجهاد (!) لهدم كل نصب وطاغوت (!) اتخذ مع الله شريكا في العبادات وجعل لله نداً في القربات ... فكانت موقعة هائلة وكانت مذبحة عظيمة سالت فيها الدماء أنهاراً ، خرج منها سعود وجيشه ظافرين ودخل كربلاء وهدم القبة العظيمة بل الوثن الأكبر(!) المنصوب على ما يزعمون من قبر الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما . وأقر الله بهدمها عين الإمام الحسين وعيون الموحدين الذين يتتبعون شرعة جد الحسين أشرف الخلق محمد صلى الله عليه واله وسلم ورضي الله عن الحسين وآله الطاهرين).
وفي شهر صفر من سنة 1221هـ /1806م هاجم سعود المذكور النجف الأشرف حتى وصل إلى السور وصعد عليه بعض أصحابه ولكن أهل النجف تصدوا له وردوه على أعقابه بعد أن أكثروا القتل في المهاجمين .
ثم حاول سعود أن يغزو النجف مرة أخرى في جمادى الآخرة من السنة التالية ولكنه وجد أهل النجف مستعدين على السور بالأسلحة فكر راجعا ، فتوجه إلى الحلة فلما رأى أهلها على استعداد تحول عنها إلى كربلاء التي فاجأها نهارا ، ونشبت معركة بينه وبين أهلها ، وفشا القتل بين الفريقين فاضطر إلى التراجع وراح ينهب في أنحاء العراق الجنوبي فعطل الحج ثلاث سنين .
وفي سنة 1225هـ /1810م عاود الوهابية الكرة على النجف وكربلاء فقطعوا الطريق وأخذوا ينهبون الزوار وقتلوا منهم عددا كبيرا قدر بمائة وخمسين نفسا ما بين الكوفة والنجف . وهكذا لم يرع الوهابيون حرمة لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[56].

المصدر:
الوهابية (الأصل والهدف) http://omania.net/avb/showthread.php?t=143510
كما يروي الأمير شكيب أرسلان ولوثردوب استودارت في كتاب (حاضر العالم الإسلامي) عن تلك الغزوة البربرية الوهابية فيقول (حيث قامت جحافل الوهابية بغزو مدينة كربلاء فذبحوا قسما من أهلها ونهبوا المشهد الحسيني وحازوا كل ما فيه من تحف ونفائس تأتي إليه من زوار العجم ولم يثقل ذلك على ضمائرهم لأنهم ينظرون إلى كل من يعظم القبور نظرهم إلى الكافر).
ومتى كان لدى هؤلاء ضمير؟؟ وهم يكررون الآن تلك الجرائم في النجف وكربلاء بنفس الضمير المستريح؟؟!!.
(وحدثت فتنة بين الشريف غالب وأخيه عبد المعين بسبب النزاع على إمارة مكة فتغلب غالب على أخيه واستعان عبد المعين بابن سعود فزحف إلى الحجاز وهزم الشريف غالب واجتاح الطائف وتقدم إلى مكة فدخلها وهدم أضرحة الأولياء ورفع التحف والنفائس التي كانت مودعة في الحرم الشريف ثم أعادوا الكرة مرة أخرى فعادوا إلى الحجاز عام 1805 ودخلوا الحرمين وهدموا قبور الأولياء ونهبوا ما في الحرم الشريف من الجواهر والتحف وباعوها بالمزاد العلني وأذابوا قناديل الفضة والشمعدانات والآنية الفضية كلها ووزعوا أثمانها على حامية المدينة ثم توجهوا صوب مشهد الإمام علي عليه السلام في العراق وكبسوه بياتا فأحس بهم الخفراء فأيقظوا أهل البلد فثاروا بهم ودفعوهم عنهم وامتد الصريخ إلى الأعراب الذين حول النجف فجدوا في أثر الوهابيين فكسروهم وانقلبوا صوب السماوة وكان الأمير سعود بن عبد العزيز رجلا ماهرا في السياسة فرأى أنه ما دام مقاوما للسلطة العثمانية فلا بد أن يصافي أعداءها فتودد إلى شركة الهند الإنجليزية وإلى العجم وأمر جماعته بالحفاظ على قافلة الحج الفارسي).

وما أشبه الليلة بالبارحة حيث ما زال الوهابيون (الموحدون) يواصلون فتوحاتهم بضمير مستريح ضد المشركين المجرمين وهم كل من عداهم من المسلمين حيث كان آخر هذه الجرائم هو هدم ضريحي الإمامين الهادي والعسكري وسط صمت وتواطؤ دوليين عبر عنه في الماضي الوهابي النصراني أمين الريحاني والآن الإعلام الغربي المنحاز والمتواطئ مع إعلامنا الذيلي الوهابي.
ولا يفوتك مهمة الإعلام الريحاني الذي يشكك في نسبة القبر والقبة للإمام الحسين بن علي عليه السلام فيقول أن من أسماهم بالموحدين هدموا القبة التي قيل (؟؟!!) أنها كانت فوق قبر الحسين.
إنها الملطفات أو المشككات الإعلامية للجرائم الوهابية!!.
ومرة أخرى ما أشبه الليلة بالبارحة!!.
الوهابيون والعثمانيون
يزعم الوهابيون المعاصرون - وفي معرض ردهم على الاتهام الموجه إليهم بشق عصا الطاعة على الخلافة العثمانية (لأن من شق عصا الطاعة وفارق الجماعة فاضربوه بالسيف كائنا من كان) وهو الحديث المنسوب إلى رسول الله ص والذي يتمسك به القوم الآن وليس من قبل- أن شيئا من هذا لم يحدث وأن المناطق التي سعى فيها الوهابيون فسادا كانت هي (الربع الخالي من أي سلطة) وهي نكتة تضحك الثكلى!!.
المهم أن المؤرخ الريحاني يحدثنا عن (فتح مكة) الذي قام به (جيش المسلمين) الوهابي سنة 1813مـ (حيث زحفت هذه الجيوش إلى الطائف وكان الشريف هاشم بها ففر مهزوما إلى مكة فتتبعه سعود بالجنود وكان وقت الحج فهم الحاج بمقاتلة الفاتحين ولكنهم تخاذلوا وعاد كثير إلى أوطانهم).
ولك أن تلاحظ أن القوم لا يحترمون قيمة واحدة من القيم التي أكد الإسلام على ضرورة احترامها ومن بينها حرمة القتال في مكة المكرمة فما بالك إذا كان هذا العدوان في موسم الحج الذي وضع فيه العرب الجاهليون القتال حتى ان رسول الله ص عندما كان محاصرا في شعب أبي طالب لم يكن يأمن على نفسه في الخروج من الشعب إلا في موسم الحج حيث كان يخرج ويعرض نفسه على قبائل العرب.
يروي ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ أن سعد بن عبادة قال حين وجهه رسول الله يوم فتح مكة‏:‏ اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة‏ فسمعها رجل من المهاجرين فأعلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال لعلي بن أبي طالب‏:‏ أدركه فخذ الراية منه وكن أنت الذي تدخل بها.
ولا أدري من الذي أباح مكة للوهابيين يروعون الآمنين ويقتلون الأبرياء من المسلمين؟؟!!.
عفوا أيها السادة فقد نسيت أنهم أتباع رسول التوحيد الجديد محمد بن عبد الوهاب الذي ولد وترعرع في تلك البيئة (الطاهرة) التي قدمت لنا مسيلمة الحنفي!!!.
نواصل الاستماع للمؤرخ الريحاني وهو يقول (دخل سعود مكة ظافرا وكان الشريف غالب وعساكره وأتباعه قد رحلوا إلى جدة ثم شرع ورجاله يهدمون القباب التي بنيت فوق القبور).
ثم كتب إلى السلطان العثماني: من سعود إلى سليم: أما بعد فقد دخلت مكة في الرابع من محرم سنة 1218هـ بعد أن أمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد أن هدمت ما بها من أشباه الوثنية وألغيت الضرائب إلا ما كان منها حقا وثبت القاضي الذي وليته أنت طبقا للشرع فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء بالمحمل والطبول والزمور إلى هذا البلد المقدس فإنه ليس من الدين في شيء وعليك رحمة الله وبركاته). ص69-70.
فكيف يقال إذا أن الوهابيين لم يكن في أعناقهم بيعة للخلافة العثمانية وأنهم كانوا أحرارا فيما يفعلون؟؟!!.
المهم أن الوهابي أنفذ تهديداته (عندما جاءت قافلة الحجيج الشامي بقيادة عبد الله باشا والي الشام سنة 1220 بالمحمل فحدثت بينه وبين الوهابيين أمور عظيمة فهلك عسكره ونهب الحجاج وفي السنة التالية منع سعود الحجاج "غير الموحدين" عن الحج وأخرج من مكة من كان فيها من الترك) ص71.

شعائر الإسلام وشعائر الشرك
يقول ابن القيم تلميذ ابن تيميه في كلامه الذي نقلناه عن تلميذه ابن عبد الوهاب وكل هذا بالطبع في مجال التمهيد لهدم أضرحة أهل البيت وهي شعائر الإسلام (أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً، فإنها شعائر الشرك والكفر، وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر والتقبيل ولا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وأنها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى بل أعظم شركا عندها ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من قبلهم وسلكوا سبيلهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة وغلب الشرك على أكثر النفوس).
أما الريحاني الأمريكاني فيصف المسلمين المتعلقين بأهداب الصالحين من أهل البيت بأنهم (أمعنوا في الخزعبلات والأضاليل فلم يتوسلوا فقط إلى قبور الأولياء بل تعددت القباب فوق القبور فصارت الشفاعة الكبرى للأحجار).
لا عجب أن يرى الريحاني الماروني الأمريكي في التعلق بأضرحة أهل البيت النبوة وأزواج النبي وأصحابه من شهداء أحد مجرد تعلق ببعض الأحجار كونه لا يرى ولا يؤمن من الأساس بنبوة محمد ومن باب أولى بأهل بيته ولا بأصحاب محمد ولا بأزواج محمد ولا بجهاد من جاهد منهم في وجه الكفار المجرمين المعاندين الذين يصدون عن سبيل الله ومن الطبيعي أن يكون زوار هذه الأماكن من وجهة نظره مجرد مجموعة من البلهاء المتعلقين بالأوهام الفارغة من أي مضمون ديني أو إيماني فهو لا يرى في نبينا محمدا ص سوى النبي الكذاب وهذا هو سر الاتفاق بين الريحاني الأمريكي والسعودي الوهابي.
أما ابن القيم فقرر أن ينقل كل الأحكام المتعلقة باللات والعزى شعائر الوثنية والكفر بشحطة لسان من دون بينة ولا دليل ولا برهان ليحكم بانطباقها على شعائر الإسلام ورموزه فيقول (وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً تعبد من دون الله) ثم هو بعد أن أصدر قرار الإدانة الظالم والجائر يصدر قرار الإعدام الوجه ضد شعائر الله فيقول أنه (لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها).
ألم تلاحظ معي أيها القارئ الكريم مدى التطابق المذهل بين الريحاني الأمريكاني وابن تيميه وابن القيم وابن عبد الوهاب وبقية رموز الفتنة التي أطلت بقرنها من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان؟؟!!.
شعائر الإسلام.. ما هي؟؟
بعد أن اختلط الحابل والنابل وأصبح المسلمون لا يعرفون الفارق بين شعائر الإسلام وشعائر الكفر أو رموز الإسلام ورموز الكفر فلا غنى لنا عن إعادة بناء ما هدمه الجهل والتخلف والديكتاتورية التي عاش فيها أغلب المسلمين طيلة تلك القرون الماضية.
نحتاج لإيضاح مفهومين: مفهوم الشعائر والرموز ومفهوم التبرك الذي أضحى في عرف المسلمين المعاصرين ببركة الوهابية الريحانية الأمريكية حاليا البريطانية سابقا مرادفا للوثنية والكفر وعبادة غير الله.
يقول سبحانه في محكم كتابه (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) البقرة (158).
يقول ابن جرير الطبري في تفسيره: وَإِنَّمَا عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة} فِي هَذَا الْمَوْضِع: الْجَبَلَيْنِ الْمُسَمَّيَيْنِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي حَرَمه دُون سَائِر الصَّفَا وَالْمَرْو ; وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِمَا الْأَلِف وَاللَّام لِيَعْلَم عِبَاده أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ الْجَبَلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ دُون سَائِر الصَّفَا وَالْمَرْو (أي الأحجار) وَأَمَّا قَوْله: {مِنْ شَعَائِر اللَّه} فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ مَعَالِم اللَّه الَّتِي جَعَلَهَا تَعَالَى ذِكْره لِعِبَادِهِ مَعْلَمًا وَمَشْعَرًا يَعْبُدُونَهُ عِنْدهَا إمَّا بِالدُّعَاءِ وَإِمَّا بِالذِّكْرِ وَإِمَّا بِأَدَاءِ مَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَمَل عِنْدهَا وَمِنْهُ قَوْل الْكُمَيْت:
نَقْتُلهُمْ جِيلًا فَجِيلًا تَرَاهُمْ   شَعَائِر قُرْبَان بِهِمْ يُتَقَرَّب
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى: {فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّف بِهِمَا}. يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ: {فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّف بِهِمَا} يَقُول: فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا مَأْثَم فِي طَوَافه بِهِمَا. فَإِنْ قَالَ قَائِل: وَمَا وَجْه هَذَا الْكَلَام , وَقَدْ قُلْت لَنَا إنَّ قَوْله: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة مِنْ شَعَائِر اللَّه} وَإِنْ كَانَ ظَاهِره ظَاهِر الْخَبَر فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَمْر بِالطَّوَافِ بِهِمَا؟ فَكَيْف يَكُون أَمْرًا بِالطَّوَافِ ثُمَّ يُقَال: لَا جُنَاح عَلَى مَنْ حَجّ الْبَيْت أَوْ اعْتَمَرَ فِي الطَّوَاف بِهِمَا؟ وَإِنَّمَا يُوضَع الْجُنَاح عَمَّنْ أَتَى مَا عَلَيْهِ بِإِتْيَانِهِ الْجُنَاح وَالْحَرَج وَالْأَمْر بِالطَّوَافِ بِهِمَا ,وَالتَّرْخِيص فِي الطَّوَاف بِهِمَا غَيْر جَائِز اجْتِمَاعهمَا فِي حَال وَاحِدَة؟ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إلَيْهِ ذَهَبَ وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ عِنْد أَقْوَام أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اعْتَمَرَ عُمْرَة الْقَضِيَّة تَخَوَّفَ أَقْوَام كَانُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّة قَبْل الْإِسْلَام لِصَنَمَيْنِ كَانَا عَلَيْهِمَا تَعْظِيمًا مِنْهُمْ لَهُمَا فَقَالُوا: وَكَيْف نَطُوف بِهِمَا وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ تَعْظِيم الْأَصْنَام وَجَمِيع مَا كَانَ يُعْبَد مِنْ ذَلِكَ مِنْ دُون اللَّه شِرْك؟ فَفِي طَوَافنَا بِهَذَيْن الْحَجَرَيْنِ أَحَد ذَلِكَ لِأَنَّ الطَّوَاف بِهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّة إنَّمَا كَانَ لِلصَّنَمَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا عَلَيْهِمَا وَقَدْ جَاءَ اللَّه بِالْإِسْلَامِ الْيَوْم وَلَا سَبِيل إلَى تَعْظِيم شَيْء مَعَ اللَّه بِمَعْنَى الْعِبَادَة لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرهمْ: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة مِنْ شَعَائِر اللَّه} يَعْنِي أَنَّ الطَّوَاف بِهِمَا فَتَرَكَ ذِكْر الطَّوَاف بِهِمَا اكْتِفَاء بِذِكْرِهِمَا عَنْهُ وَإِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْد الْمُخَاطَبِينَ بِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ مِنْ مَعَالِم اللَّه الَّتِي جَعَلَهَا عَلَمًا لِعِبَادِهِ يَعْبُدُونَهُ عِنْدهمَا بِالطَّوَافِ بَيْنهمَا وَيَذْكُرُونَهُ عَلَيْهِمَا وَعِنْدهمَا بِمَا هُوَ لَهُ أَهْل مِنْ الذِّكْر فَمَنْ حَجّ الْبَيْت أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا يَتَخَوَّفَن الطَّوَاف بِهِمَا مِنْ أَجْل مَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَطُوفُونَ بِهِمَا مِنْ أَجْل الصَّنَمَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا عَلَيْهِمَا فَإِنَّ أَهْل الشِّرْك كَانُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا كُفْرًا وَأَنْتُمْ تَطُوفُونَ بِهِمَا إيمَانًا وَتَصْدِيقًا لِرَسُولِي وَطَاعَة لِأَمْرِي فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِي الطَّوَاف بِهِمَا وَالْجُنَاح هو الْإِثْم. انتهى.
الشعائر إذا هي المعالم والرموز التي تعلي راية الإيمان وتنكس راية الكفر والنفاق وكما يقول الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن (مشاعر الحج معالمه الظاهرة للحواس والواحد مشعر ويقال شعائر الحج الواحد يسمى شعيرة "ذلك ومن يعظم شعائر الله" وقال أيضا "عند المشعر الحرام" "لا تحلوا شعائر الله" أي ما يهدى إلى بيت الله وسمي ذلك لأنها تشعر لأنها تعلم أي تدمى بحديدة يشعر بها.
شعائر الله أو شعائر الإسلام أو معالم الإسلام ورموزه ليست قاصرة بحال من الأحوال على الصلاة والزكاة والصيام والحج بل هي تشمل أيضا تلك الأماكن المباركة التي شهدت تلك الحوادث التاريخية الفاصلة في الصراع بين الحق والباطل وتشمل أيضا تلك البقاع الطاهرة التي حوت تلك الأعظم العطرات لرسول الله وأهل بيته الطيبين الطاهرين وتلك التي ضمت رفات شهداء بدر وأحد وغيرها من الأماكن التي إذا زارها الإنسان تذكر تاريخ هؤلاء العظماء واستعاد سيرتهم وجهادهم وجال فكره وخاطره في هذا المسار التاريخي الممتد إلى قيام الساعة.
شعائر الله يمكن أن تكون مجرد بهيمة من بهائم الأنعام تعلم بعلامة وتهدى إلى حجاج بيت الله الحرام فيأكل منها القانع والمعتر وتكون رمزا على التكافل والتراحم بين الغني والفقير في رحاب الله عز وجل في أقدس وأطهر بقعة من بقاع الأرض.
الآية التي ذكرنا تفسيرها من قبل تشهد على حالة الالتباس التي اعترت بعض حديثي العهد بالإسلام والذين توهموا أن الوثنية كامنة في كل حجر لا في المعنى المرتبط بهذا الحجر والتي انتقلت إلينا فتنة وبلاء عبر هؤلاء الجهال أو المتجاهلين.
فالصفا والمروة كانت مواقع لأصنام تعبد من دون الله قبل أن يأتي الإسلام ليطهر الأرض من الوثنية فتساءلوا فيما بينهم: هل يجوز لنا أن نطوف بهما؟؟!!.
فجاء الرد القرآني أن الوثنية هي في المعنى المرتبط بالحجر لا بالحجر ذاته لأن الصفا والمروة هي من الأساس مواقع ورموز ومعالم من حجر شهدت تلك الرسالة التوحيدية الإبراهيمية ومن ثم فقد أصبحت معلما يستذكر به سيرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل أي أنها كما قال الطبري (مِنْ مَعَالِم اللَّه الَّتِي جَعَلَهَا عَلَمًا لِعِبَادِهِ يَعْبُدُونَهُ عِنْدهمَا بِالطَّوَافِ بَيْنهمَا وَيَذْكُرُونَهُ عَلَيْهِمَا وَعِنْدهمَا بِمَا هُوَ لَهُ أَهْل مِنْ الذِّكْر.. فَإِنَّ أَهْل الشِّرْك كَانُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا كُفْرًا وَأَنْتُمْ تَطُوفُونَ بِهِمَا إيمَانًا وَتَصْدِيقًا لِرَسُولِي وَطَاعَة لِأَمْرِي فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِي الطَّوَاف بِهِمَا).
ولا ندري بأي حق أو منطق يتهم الوهابيون المسلمين الموحدين الذين يذهبون لزيارة رموز الإسلام التوحيدي الحقيقي الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم فداء لكلمة التوحيد بأنهم يذهبون لزيارتهم بنية الكفر والشرك خاصة وأنهم يفعلون هذا منذ البدء إيمانا وتصديقا برسول الله عز وجل وطاعة لقوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور).
الله تبارك وتعالى يخبرنا بأن تعظيم وتكريم تلك الرموز التوحيدية هو مكون أصيل من مكونات الإيمان (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب) سورة الحج32.ِ
وإذا كان الإسلام العظيم يرى في ذلك الهدي الذي يذبح ويؤكل باعتباره طقسا من طقوس الدين معلما من معالم الدين الحنيف فكيف بسادة الشهداء وأئمة الإسلام والمسلمين.
(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الحج 36.
الوجه الآخر للهوس الوهابي التكفيري هو ذلك الاتهام الوقح لكل من يتبرك بآثار الصالحين باعتبار هذا عبادة مشروعة يراد بها التقرب إلى الله عز وجل إلى شرك وكفر ووثنية تبيح لهم سفك دم من يفعل هذا فضلا عن تدمير المكان بغض النظر عن حرمته أو قداسته.
معنى التبرك:
يقول الراغب الأصفهاني في كتاب المفردات: برك, أصل البرك صدر البعير وإن استعمل في غيره ويقال له بِركة والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء قال تعالى (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البِركة, والمبارك ما فيه ذلك الخير, (هذا ذكر مبارك أنزلناه) تنبيها على ما يفيض عليه من الخيرات الإلهية وقوله تعالى (وجعلني مباركا) أي موضع الخيرات الإلهية وقوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة.. رب أنزلني منزلا مباركا) أي حيث يوجد الخير الإلهي, وقوله تعالى (ونزلنا من السماء مباركا) فبركة ماء السماء هي ما نبه عليه بقوله (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه) وقوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض) ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة وإلى هذه الزيادة أشير إلى ما روي من أنه لا ينقص مال من صدقة لا إلى النقصان المحسوس. انتهى
وإذا كان الله تبارك وتعالى قد بارك عيسى عليه السلام وهو أيضا قد بارك إبراهيم وآل إبراهيم ومن دون أدنى شك محمد وآل محمد ولا زالت تلك البركة تجري في أعقابهم وأعقاب أعقابهم إلى يوم الدين حيث يقول عز من قائل (سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ) الصافات (109- 113).
فكيف تكون البركة والتبرك بالأنبياء وآل الأنبياء وآثار الأنبياء وموضع أقدامهم شركا ووثنية؟؟!!.
الأمر من وجهة نظرنا هو على طريقة رمتني بدائها وانسلت!!.
البركة في القرآن:
يزعم القوم أن تقديس الأحجار هو شرك بالله العظيم في حين أن المسلمين الذين يطوفون بالبيت العتيق يطوفون ببناء من الأحجار وهم يفتتحون طوافهم باستلام الحجر الأسود وهو أيضا مجرد حجر وضع فيه ميثاق الخلائق وكما أسلفنا فإن الصفا والمروة التي هي من شعائر الله وهي في ذاتها مجرد أحجار لا تضر ولا تنفع وإنما صار لها مثل هذه القيمة بسبب السر المودع فيها وربما استطاع علماء الجيولوجيا أن يدلونا على أحجار مشابهة في تكوينها للحجر الأسود ولكنها أبدا لا يمكن أن تحل محلها أو تقوم مقامها.
البركة لم تكن يوما ما مفهوما ماديا بل هي مفهوم روحي وأخلاقي وترق وسمو في مراقي سلم الرضوان الإلهي وكما يقول الأصفهاني فإن (الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر ولذا قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة).
مفهوم البركة المرتبط بمحبة أهل بيت النبوة والصالحين من عباد الله يتكامل مع القيم والأخلاقيات والمبادئ التي جسدها هؤلاء الصالحين وضحوا في سبيل الله من أجلها.
فأنت عندما تذهب لزيارة الإمام الحسين تتذكر القيم والمبادئ الرفيعة التي خرج واستشهد من أجلها فينتقل إليك جزء من هذه الروح الأخلاقية والمعنويات الحسينية الرفيعة وكذا لبقية مراقد الصالحين عليهم الرضوان والرحمة.
البركة الوهابية أصبحت الآن بنكا يهوديا ربويا يتسمح بالإسلام ليمول الإرهاب والقتل وسفك الدماء ومفهوم البركة على الطريقة الوهابية لا يختلف عما قاله ذلك الرجل في سورة الكهف (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا) كما أنه لا يختلف في شيء عن المفهوم القاروني للبركة الذي حكى لنا رب العزة عنه في سورة القصص (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (76- 83).
إنها البركة والثروة للأغنياء والكبراء مقابل الفقر والحرمان للضعفاء وهذا هو جوهر المادية الوهابية المنكرة والجاحدة بفض سادة الأمة ومعلميها الزاهدين العابدين لكل والساعية سعيا حثيثا لإعادة صياغة وعي جديد للأمة لا يؤمن بغيب ولا يعفو عن عيب.

الكون كله عابد لله عز وجل (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (9-11) فصلت
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء) الحج (18).
إلا أن الله تبارك وتعالى قد اختص بعض الأماكن بمزيد من الخير والبركة بل وحكم بقدسيتها وطهارتها وهي ليست قاصرة بكل تأكيد على مكة والمدينة المنورة واقرأ معي تلك الآيات:
(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) المائدة 21.
(إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) طه 12.
(إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) النازعات 16.
(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ الأعراف) 137.
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير).ُ الإسراء 1
(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) الأنبياء 81.
(وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِين)َ المؤمنون 29.
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم) النور 35.
(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين)َ القصص 30.
(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِين)َ سبأ 18.
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين)َ الدخان 3.
فهناك إذا شجرة مباركة وهناك ماء مبارك وهناك أرض مقدسة بأحجارها ونباتها ومائها وشجرها وهناك ليلة مباركة!!.
فبأي حديث بعده يؤمنون؟؟!!.
إنه التبرك إذا بآثار النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بشعره وبعرقه ولمس يده الطاهرة المباركة وسنرى بأم أعيننا كيف يزعم الوهابيون المعاصرون أن مطلق التبرك هو شرك وكفر بالله العلي العظيم.
وربما سأل سائل أن التبرك المذكور مختص برسول الله ص دون غيره فأين هو الدليل على تعميم جواز التبرك بآل البيت؟؟.
والجواب سهل للغاية:
أما عن التعميم فيكفي دليلا عليه تعميم الوهابية لنفي التبرك دليلا على امتداد بركة النبي في أهل بيته والصالحين من عباد الله ممن ساروا على طريقه والتزموا بنهجه.
أما الدليل الثاني فهو قوله تعالى في سورة هود (قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) (73) ولا شك أن هذه الرحمة والبركة الإلهية لم تكن لغوا من القول وهي من منح إبراهيم عليه السلام ولدا من امرأته التي كانت عاقرا وبلغت من الكبر عتيا حتى أنها أصيبت بالدهشة والذهول عندما سمعت هذه البشارة التي حكى عنها القرآن (وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) هود (71-72).

هستيريا الدمار الوهابي
ربما توهم البعض أننا نستخرج تاريخا من باطن الكتب وأن الأمر ما زال قابلا للإصلاح أو أننا نضخم من أفعال هؤلاء ودونكم هذا المقال المنشور في جريدة سعودية هي جريدة الوطن الصادرة بتاريخ 9 فبراير 2006 والمقال لكاتبته نادين البدير:
قرار إزالة جديد.. لم يبق سوى البيت العتيق
جاء في العدد الأخير من مجلة فوربز العربية الصادرة من دبي موضوعاً مثيراً للغاية عن الإرث التاريخي في السعودية.
أجري التحقيق الصحفي مع المدافع الوحيد الذي يتجرأ ويعلنها على الملأ: أنقذوا إرثنا التاريخي من الطحن والتكسير. إنه المهندس سامي عنقاوي أو (ابن مكة) كما جاء في عنوان التحقيق.
وكنا، قبل أن يوقظنا عنقاوي، نائمين لسنوات طويلة، مكتفين بسماع أصوات الآلات وهي تجرف كل حجر قديم وكل أثر عتيق يقابلها. كنا مغمضي الأعين عن قرارات الإزالة التي اتخذت بحق كثير من الموروثات التاريخية بحجة مخالفتها للدين تارة وتارة أخرى بحجة العمران والتقدم العمراني.
أما عن الناحية الدينية، فيقول التحقيق "المسألة بالنسبة إلى عنقاوي تاريخ وبالنسبة إلى من وصفهم هؤلاء فإنهم يحولون التاريخ إلى أسطورة، حيث إن هؤلاء البعض يدركون موقع منزل الرسول لكن الاتجاه السائد وتغييب الرأي الآخر ساهما في تفعيل التعمد الواضح لمكانة التاريخ...
البدعة ذلك الهاجس الذي يؤرق صحوتنا وغفوتنا حتى ليكاد يقضي على أجمل ملامح حياتنا بعد أن لوث عقولنا وقضى على حريتها. لقد حطمت الخشية المفرطة من البدع الآثار والأحلام، كما منعت دخول الكتب وحبست الأفكار وقمعت المفكرين وقتلت الإبداع، وبنهاية الأمر ستقودنا تلك الخشية لا محالة إلى أرض الجهالة. والسؤال هو: هل هناك ما يستحق كل ذلك الخوف؟ هل هناك من يريد التبرك اليوم بأحد الأحجار أو السجود لشيء من فتات الماضي؟
ويؤكد عنقاوي أنه في وقت سابق تمت المطالبة بإزالة غار حراء أما اليوم فقد أصبح الأمر عكسياً إذ يريدونه موقعا سياحيا تكثر حوله علب البيبسي وآلات التصوير.
وأتساءل كيف لا تهتز مشاعر من يصفهم عنقاوي بـ(هؤلاء) فتتم المطالبة بحماية غار حراء الذي تعبد به الرسول مما يتردد حول إمكانية ردمه مستقبلا؟ لقد قرأت مؤخرا في موقع العربية نت أن هناك اشتباهاً بأن يكون الغار هو ذات المكان الذي كان النبي يتعبد فيه، وهو أمر طريف أن نشك بما حدث قبل أكثر بقليل من 1400 سنة ولا نشك بأمر آخر وقع قبل عدة آلاف من السنين قبل الميلاد.
بنظري فإن مجرد الشك بذلك المكان التاريخي الخاص بالرسول أو التفكير بردمه لن يقل شأناً عن سخرية الرسام الدنماركي بالرسول. ولا يقتصر الأمر على الغار بل يمتد لبقية الأمور الخاصة بإحياء ذكرى الرسول كالموالد النبوية التي يحرمها دعاة ردم الآثار والذكريات.
من يحتفل بالرسول (صوفي) خارج عن الملة. هكذا يطلق على العديد من العائلات الحجازية لمجرد أنها تمارس حبها الطبيعي للرسول بطريقتها المتوارثة ، وأتمنى أن يجيبني المستهزئون بممارسات من يطلق عليهم (الصوفيون) على السؤال التالي:
هل طالبت الدول الإسلامية التي تحتفي بالموالد النبوية بمقاطعة منتجاتنا؟
أعود للتحقيق الذي يذكر بأن "العنقاوي كونه صوفيا سبب له الكثير من المشاكل لكن هذا لم يمنعه من توجيه دعوته لمزيد من الفهم للآخرين فقوة منطقة الحجاز يراها مدعومة بالتنوع الثقافي والعرقي"
في صغري سألت أمي: هل خالتك صوفية؟ أجابتني: من أين أتيت بهذه الكلمة، قلت لها: لأنها تحتفل بالمولد النبوي، هكذا قالت لنا المدرسة. ردت قائلة (قولي لها ما تحرمي علينا حب الرسول).
أما عن التقدم البنياني فله شأن آخر، إذ لا بد من الاعتراف بأننا لا نمتلك خططا عمرانية واضحة الأسس والأهداف، فنظرة واحدة إلى الحرم المكي من الخارج تكفي لمعرفة مدى البشاعة التي اقترفناها بحقه. الحرم صغير وكذلك الشارع المحيط به، وفجأة عمارات شاهقة وأبراج. أبراج في كل مكان. ووصل سعر المتر المربع في منطقة الحرم المكي إلى مائة ألف دولار؟
يقول عنقاوي (مستقبلا ستصبح الكعبة وكأنها في نيويورك) برأيه"فإنه إلى جانب إزالة العمران التاريخي الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 1400 عام ستتراجع هيبة المكان، لأن الزائر لبيت الله بعدما كان ينظر إلى السماء والأفق الشاسع الذي يحيط بالبيت المقدس سينظر إلى مشروعات فندقية وسكنية تعلو وتتطاول على المكان المقدس".
لما لا تهتز مشاعر الذين يأمرون بتحطيم الآثار حفاظا على القدسية وعلى المسلمين من الشرك والهلاك، فيطالبون بحماية قدسية البيت الحرام من الاستغلال وجشع التجار؟
لم يكتف المتأخرون منا برفض السفر إلى القمر، ولم يكتفوا بتكفير من يمتلك جهاز تلفاز بمنزله والدعاء على من يستمع للغناء. لم يكتفوا بتقطيع الصور وتحطيم آلات العزف وكل ما له علاقة بإبداعات الحضارة الحديثة بل قاموا بتكسير بقايا الأولين. برأيي، ليس المتأخر من يرفض أو يخشى مواكبة عصره لكن المتأخر إنسان لا مكان له في التاريخ فحتى لو عاش في زمن كان الحمار هو وسيلة المواصلات الوحيدة لعجز عن مواكبة تلك الحضارة. إننا إذا لم نتدارك أمر الاستهتار بالماضي، فلن يبقى من تاريخ الجزيرة العربية سوى البحر ورمال الصحراء. انتهى
ألم أقل لكم أنها المادية الوهابية التي حولت مكة المكرمة من مكان مقدس ولد فيها نبي الله محمد بن عبد الله إلى مانهاتن آل سعود التي يراد لها أن تحاكي مانهاتن اليهود بعد أن جرى تجريف منازل الوحي وبيوت النبي.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولا زالت هستيريا التدمير لأماكننا المقدسة متواصلة ففي يناير الماضي نشر موقع العربية نت تقريرا عن الدعوة لتدمير غار جبل أحد الذي التجأ إليه رسول الله أثناء تلك المعركة والحجة الثابتة لهؤلاء التدميريين هو الخشية من تقديس المكان.

  

  

 


التوحيد الوهابي اليهودي

مقدمة لازمة: يختلف البحث في قضايا تاريخ الفكر عنه في قضايا التاريخ.
البحث في قضايا التاريخ يشبه البحث الجنائي حيث يتوجب إثبات الوقائع بالدليل الذي لا يقبل التأويل أما قضايا الفكر فيكفي إثبات تطابق الأفكار لإثبات أن ثمة مصدر بشري أو شيطاني واحد لها (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) .
الماركسية في أمريكا اللاتينية في أقصى الجنوب الغربي للعالم هي نفسها ماركسية روسيا في أقصى الشمال الشرقي ولا حاجة بنا للبحث عن أول من تبنى هذه الفكرة هنا أو هناك رغم أن كارل ماركس كان أوروبيا ألمانيا.
من المعلوم أن محمد ابن عبد الوهاب كان عالة في (توحيده) على ابن تيميه وأن كتاب (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) هو مجرد تلخيص لكتاب ابن تيميه (اقتضاء الصراط المستقيم: مخالفة أصحاب الجحيم)، ويمكن لمن أراد التأكد أن يقارن بين الكتاب الأصل (الاقتضاء) والكتاب الملخص (التوحيد)!!.
ولكن من أين اقتبس ابن تيميه نظريته التوحيدية التي لم يسبقه بها أحد من الأولين وخالفها أغلب الآخرين بل وانتفض عليه أهل زمانه وأودعوه السجون والمعتقلات؟!.
هل كان ما قدمه ابن تيميه من رؤى ونظريات هي من بنات أفكاره أم أنه اقتبس من غيره وكان أكثر جرأة في مخالفته لوصية سيد الأوصياء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام التي قال فيها: (أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاح وَاعِظ مُتَّعِظ، وَامْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْن قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ. عِبَادَ اللهِ، لاَ تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ، وَلاَ تَنْقَادُوا لاَِهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُف هَار، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضَع، لِرَأْي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْي، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ، وَيُقَرِّبَ مَا لاَ يَتَقَارَبُ) .
في اعتقادنا أن ابن تيميه وأتباعه إلى يومن هذا قاموا وبنجاح لا نظير له بدور ناقل الردى على ظهره من موضع إلى موضع لرأي يحدثه بعد رأي من خلال إلصاق ما لا يلتصق وتقريب ما لا يمكن له أن يتقارب أو يلتحم، أما سر نجاحهم المدوي فهو أن هذه الأمة كانت ولازالت تؤثر قيادة العميان على قيادة ذوي البصر والبصيرة وترى أن الشروخ والفوالق التي تمزق شمل الأمة وتفتت كيانها هي الضمان الأكيد للوحدة والمنعة!!.
يا لها من أمة أسلمت قيادها للعميان (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا)!!.
لنطرح السؤال بصورة مختلفة قليلة........
عاش ابن تيميه في الفترة من نهاية القرن السابع الهجري وحتى القرن الثامن الهجري (661 – 728 هـ) وقبل هذا كان هناك العديد من الكتب التي طرحت تصورا للعقيدة الإسلامية دار النقاش فيها حول صفات الذات الإلهية والجبر والاختيار ولكن لم يرد فيها تناول لمسألة التوسل والوسيلة باعتبارها من القضايا العقدية.
فمن أين جاء ابن تيميه بهذه القضية وانفرد باعتبار التوسل شركا مخرجا من الملة مضيفا لذلك ضرورة هدم أضرحة الأنبياء والأئمة بعد أن أعلنها أصناما وأوثانا تعبد من دون الله؟!.  
من ناحية أخرى فقد ولد ابن ميمون عام 1135 ميلادي الموافق لعام 529 هجرية وجاء إلى مصر قبل سقوط الدولة الفاطمية ببضعة أعوام وتوفي عام 1204 ميلادية الموافق 600 هجرية أي بعد ما يقارب من 35 عاما أمضاها في بلاط الدولة الأيوبية طبيبا ومستشارا بل وواضعا لأساس الدولة الصهيونية المعاصرة وقبل مولد ابن تيميه بستين سنة فقط لا غير.
(اختير ابن ميمون طبيباً خاصاً لنور الدين علي أكبر أبناء صلاح الدين، وللقاضي الفاضل البيساني وزير صلاح الدين. واستخدم ابن ميمون نفوذه في بلاط السلطان لحماية يهود مصر، ولما فتح صلاح الدين فلسطين أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد) .
يقول عبد اللطيف البغدادي الذي زار مصر في هذه الفترة، في كتابه (الإفادة والاعتبار): وكان قصدي في مصر ثلاثة أنفس ياسين السيمياوي والرئيس موسى ابن ميمون اليهودي وأبو القاسم الشارعي، وجاءني موسى فوجدته فاضلا في الغاية قد غلب عليه حب الرئاسة وخدم أرباب الدنيا وعمل كتابا في الطب كما عمل كتابا لليهود سماه كتاب (الدلالة) ولعن من يكتبه بغير اللسان العبراني (ووقفت عليه فوجدته كتاب سوء يفسد أصول الشرائع والعقائد بما يُظن أنه يصلحها) لاحظ!!.
كان ابن ميمون طبيب البلاط الأيوبي وهي مكانة رفيعة جعلته صاحب كلمة مسموعة وشفاعة مقبولة لديهم حيث يذكر المؤرخون أن شمويل ابن يهوذا بن تبون، وكان وقتئذ يترجم دلالة الحائرين إلى العبرية، طلب منه أن يأذن له بزيارته فحذره من الظن أنه سيحدثه في أي موضوع علمي ولو مدة ساعة واحدة بالليل أو بالنهار لأن عمله اليومي يجري على النحو الآتي: "فأنا أقيم في القسطاط بينما يقيم السلطان في القاهرة على بعد مسيرة (ميل واحد ونصف ميل). وواجباتي نحو نائب السلطان جد ثقيلة؛ فعليَّ أن أزوره في كل يوم في الصباح الباكر وإذا ما كان هو أو أحد أبنائه منحرف المزاج فلن أجرؤ على مغادرة القاهرة بل عليَّ أن أقيم معظم النهار في القصر. ولا أعود إلى الفسطاط إلى ما بعد الظهر... وأكون وقتئذ قد أوشكت أن أموت من الجوع. ولكني أجد غرفة الاستقبال مزدحمة بالناس، من رجال الدين، وموظفي الدولة والأصدقاء والأعداء فأنزل عن دابتي، وأغسل يدي، وأرجو مرضاي أن يصبروا عليَّ حتى أتناول بعض المرطبات-وتلك هي الوجبة الوحيدة التي أتناولها كل يوم. ثم أستقبل مرضاي... وأظل كذلك إلى أن يحل الليل، فأصف لهم الدواء وأنا مستلق على ظهري من فرط التعب، حتى إذا جن الليل تكون قواي قد خارت حتى لا أستطيع الكلام. ولهذا لن يستطيع إسرائيل أن يجتمع بي على انفراد إلا في يوم السبت. ففي ذلك اليوم يقبل عليَّ جميع المصلين، أو الكثرة الغالبة منهم على أقل تقدير، بعد صلاة الصبح، ليتلقوا عليَّ بعض العلم...
يرى البعض في الظاهرة الميمونية دلالة على تسامح الأيوبيين مع المخالفين في الدين إلا أن الضرورة تملي علينا أن نتذكر أن نفس هذا العصر هو الذي شهد أكبر عملية تغيير ديموجرافية تعرضت لها مصر حيث جرى إبعاد العناصر الفاطمية ونفيهم من القاهرة وقد تمت هذه الخطة على مراحل بدأت بإخراج السودان وتشريدهم من القاهرة ومزقوا كل ممزق كما أن رجال صلاح الدين قاموا بالاستيلاء على ممتلكات كل من ينتمي إلى الدولة البائدة حتى لقد بلغ الأمر بأنصاره أن كل من استحسن منهم دارا من أملاك أتباع الفاطميين وأشياعهم أخرج منها سكانها واستوطن بها كما بلغت إجراءات التهجير ذروتها عام 569هـ بعد اكتشافه (للمؤامرة المزعومة) الأمر الذي دفعه إلى نفي وتهجير خدم القصر إلى أقصى بلاد الصعيد ومن الواضح أن الإجراء الأخير قد قضى وبشكل نهائي على وجود تجمعات سكانية كبيرة للشيعة في القاهرة.
ولكي تتواصل عملية التغيير السكاني حرص صلاح الدين على تشجيع الهجرات السكانية إلى مصر بشكل عام وبالإضافة إلى الأجناد والعسكريين فلقد قدم إلى مصر في ذلك العهد عدد كبير من الناس على اختلاف أجناسهم من المناطق المختلفة .
أما حظ النصارى في مصر فلم يكن أفضل كثيرا من حظ الشيعة فقد "اختفى في ذلك العصر الاحتفال الرسمي بأعياد النصارى حيث كان الفاطميون يشاركونهم أعيادهم فاختفت هذه المشاركة الرسمية من الدولة حيث كان الفاطميون يضربون في هذا العيد خراريب من ذهب ويفرقونها على أرباب الدولة برسم التبرك بها فبطل ذلك في دولة صلاح الدين" .
إذا لم يكن هناك تسامح ولا يحزنون بل قتل وتهجير جماعي ومحو للأماكن فكيف يمكن لنا أن نفسر هذه القسوة مع الشيعة والنصارى ونفسر ذلك (التسامح) مع موسى بن ميمون؟!.
الأطم من هذا أن موسى بن ميمون قد استخدم نفوذه في البلاط الأيوبي أولا (لحماية يهود مصر) وهو ما لا نعترض عليه إلا أن من حقنا أن نسأل عن السر الذي حال دون أن تمتد هذه الحماية لملايين المصريين من ضحايا يوسف بن أيوب أما الأطم من هذا الأطم فهو ما ذكره المؤرخون (ولما فتح صلاح الدين فلسطين أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد).
يضاف إلى ذلك ما يقوله المؤرخون (وعبر القرون توالت الفتاوى، حول ضرورة بناء الهيكل، والذي أصّل لذلك "موسى بن ميمون" الذي زار القدس عام 1267م، (أثناء العصر الأيوبي) ولفت انتباه اليهود إلى ضرورة بناء هيكل، ليكون رمزاً لوحدتهم.. هيكل مركزي وحيد موحد يكون بديلاً عن أماكن عبادتهم في الكنس , بحيث يتوقف عصر الحاخامات ويبدأ عصر الكهنة ممن يعودون بالعبادة من بدعه المزامير إلى عادة تقديم الأضاحي والقرابين. وذهب موسى بن ميمون إلى أن الهيكل الثالث لن يُبْنى بأيدٍ بشرية، وإنما سينزل كاملاً من السماء.
إنه إذا من فتح باب الاستيطان اليهودي في فلسطين وهو المؤسس الحقيقي للمشروع الصهيوني المعاصر وليس حاييم ويزمان ولا بن جوريون أو حتى نتن ياهو.
يقول ابن ميمون في كتابه (دلالة الحائرين):
معلوم أن أبانا إبراهيم عليه السلام نشأ في ملة الصابئة ومذهبهم أن ليس ثم إله إلا الكواكب وأن الشمس هي الإله الأعظم وكذلك أيضا قالوا أن سائر السبعة كواكب آلهة، لكن النيرين أعظم، كما قالوا بقدم العالم وزعموا بأن آدم مولود من ذكر وأنثى ولكنهم يعظمونه ويقولون أنه كان نبيا رسول القمر.
وبحسب تلك الآراء أقام الصابئة الأصنام للكواكب أصنام الذهب للشمس وأصنام الفضة للقمر وقسموا المعادن والأقاليم للكواكب وبنوا الهياكل واتخذوا فيها الأصنام وزعموا أن قوى الكواكب تفيض على تلك الأصنام فتتكلم تلك الأصنام وتفهم وتعقل وتوحي للناس وتعلم الناس منافعهم.
كذلك قالوا في الأشجار التي هي من قسمة هذه الكواكب إذ أفردت تلك الشجرة لذلك الكوكب وغرست به وفعل لها وفعل بها كذا فاضت روحانية ذلك الكوكب على تلك الشجرة وتوحي للناس وتكلمهم في النوم، تجد كل ذلك منصوصا في كتبهم التي أنبهك عليها وهؤلاء كانوا أنبياء البعل وأنبياء العشتروات المذكورين عندنا الذين تمكنت عندهم هذه الآراء حتى تركوا الرب ونادوا أيها البعل أجبنا كل هذه لشهرة تلك الآراء وفشاء الجهل وكثر هذيان العالم حينئذ في هذا النوع من الخيالات فنشأت فيها آراء وصار منهم مشعبذ ومتفائل وساحر ومن يرقى رقية ومن يسأل جانا أو تابعه ومن يستشير الموتى.
وقد بينا كيف قام أبانا إبراهيم بنقض تلك الآراء حتى نبئ فكمل الغرض فأمر بقتل هؤلاء ومحو آثارهم واستئصال شأفتهم وهدم مذابحهم ومنع من تبع شيء من سيرهم تلك.
وقد علمت من نصوص التوراة في عدة مواضع أن القصد الأول من الشريعة كلها إزالة عبادة الأصنام ومحو أثرها وكل ما يتعلق بها حتى ذكرها وكل ما يؤدي إلى شيء من أعمالها مثل الجان والتابعة والإمرار من النار والعراف والمشعبذ والمتفائل والساحر ومن يرقي رقية ويستشير الموتى والتحذير من التشبه بشيء من أعمالهم هذه.
فما أعظم كل فريضة تخلصنا من هذه الغلطة العظيمة وتردنا إلى الاعتقاد الصحيح وهو أن ثم إلها خالقُ كلِ هذه وهو الذي ينبغي أن يعبد ويحب ويخاف لا تلك المظنون بها أنها آلهة وأن هذا الإله الحق لا يحتاج في القرب منه وحصول رضاه لأمور فيها مشقة بوجه.
ويواصل ابن ميمون: إن كثيرا من الشرائع إنما بين لي معناها وعرفني عللها وقوفي على مذاهب الصابئة وآرائهم وأعمالهم وعبادتهم وقرائتي لكتبهم وأكبر كتاب لذلك هو كتاب (الفلاحة النبطية لابن وحشية، وهذا الكتاب مملوء من هذيانات عابدي الصنم ومما تميل إليه أنفس العوام مثل الطلسمات واستنزال الروحانيات والسحر والجن والغيلان التي تأوي البراري....
فهذه كلها هي أسفار عبادة الصنم التي أخرجت للسان العربي وهي مشتملة على أكثر آراء الصابئة وأعمالهم المشهور بعضها في العالم أعني بنيان الهياكل واتخاذ الصور من المسبوكات والحجارة فيها وبنيان المذابح والتقريب عليها إما ذبائح أو طعام أو اجتماع للصلوات ويجعلون فيها مواضع معظمة جدا يسمونها هيكل الصورة العقلية.....
ومعرفة تلك الآراء وتلك الأعمال هو باب كبير جدا في تعليل الفرائض لأن شريعتنا كلها أصلا وقطبها الذي عليه تدور هو محو تلك الآراء من الأذهان وتلك الآثار من الوجود لمحوها من الأذهان ولمحوها من الوجود قال: تنقضون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتمحون أسماءهم من تلك المواضع . انتهى
من حق القارئ أن يتساءل عن الفائدة من عرض آراء هذا الحاخام اليهودي الذي يتحدث عن الصابئة ومعتقداتهم في حين يقودنا البحث إلى أن الأفكار التي طرحها هذا اليهودي الصهيوني (الذي تمكن ومن خلال موقعه في البلاط الأيوبي أن يؤسس للوجود اليهود في فلسطين)، كانت ولا زالت بالغة التأثير في الواقع المعاصر للعالم الإسلامي والدليل على ذلك هي خفة العقل التي يتحدث بها بعض المؤرخين عن ابن ميمون (الفيلسوف المسلم).
من بين هؤلاء المستخفين الدكتور يوسف زيدان الذي كتب في موقعه الإلكتروني: أما موسى بن ميمون فقد عاش فى المحيط العربى والإسلامى، بعد فيلون بستة قرون، فقد وُلِد فى قرطبة سنة 1135 ميلادية، وتوفى فى القاهرة سنة 1204 ميلادية، واشتهر بأنه أهم شخصية يهودية خلال العصور الوسطى، كما اشتهر كتابه دلالة الحائرين بأنه واحدٌ من أهم الكتب التى دوَّنها اليهود.
كان ابن ميمون قد تلقَّى العلم على يد ثلاثةٍ من العلماء المسلمين، فتلقَّى مباشرةً من ابن الأفلح ومن أحد تلاميذ ابن الصائغ .. وتلقى من ابن رشد بشكلٍ غير مباشر، حين عكف -كما يذكر ابن ميمون نفسه- على دراسة مؤلفات ابن رشد طيلة ثلاثة عشر سنة .
والمطالِعُ فى أحد أهم كُتب ابن ميمون : دلالة الحائرين. لا يجد إلا صدى لأفكار فلاسفة الإسلام وعلماء الكلام - خاصةً الأشاعرة - ولذلك فحين ألَّف إسرائيل ولفنسون كتابه موسى بن ميمون حياته ومصنفاته وهو الكتابُ المنشور بالعربية فى القاهرة سنـة 1936 م كتب الشيخ مصطفى عبد الرزاق مقدمة الكتاب فقال فيها: إن موسى ابن ميمون يعدُّ من الفلاسفة المسلمين! ثم ذكر العديد من الأدلة المؤيدة لذلك ..
وفى مقدمة تحقيقه لكتاب "دلالة الحائرين" يقول الدكتور/ حسين آتاى: إذا أخذنا فى الاعتبار أنَّ الشهرستانى قد عدَّ حنين بن إسحاق النصرانى، فيلسوفاً إسلاميّاً؛ فإنه لاوجهَ للتفرقة بينه وبين موسى بن ميمون الإسرائيلى .. وكما يعتبر الفلاسفة اليهود المشاركين فى الفلسفة الغربية- يقصد أمثال: اسبينوزا وكارل ماركس وبرجسون - فى بلاد الغرب، فلاسفةً غربيين؛ فإن الفلاسفة اليهود والنصارى الذين شاركوا فى الفلسفة الإسلامية وعاشوا فى العالم الإسلامى آنذاك يعتبرون فلاسفةً إسلاميين ؛ فمحمد أبو بكر بن زكريا الرازى مع أنه كان لا يعتنق ديناً ما، فقد اعتُبر من بين فلاسفة المسلمين. وعلى ذلك، فالفلاسفة أمثال موسى بن ميمون لا يعتبرون فلاسفةً من ناحية الشكل فحسب، لمجرد انتسابهم للمجتمع الإسلامى، بل لمشاركتهم فى ثقافةِ ذلك المجتمع أيضاً؛ لذلك فموسى بن ميمون فيلسوف إسلامى من ناحية الشكل ومن ناحية الموضوع، لأنه نشأ فى ذلك المناخ الفكرى، فساهم فيه وأضاف إليه بقدر ما أخذ منه. وقولنا إنه فيلسوفٌ إسلامى، لايعنى أنا نقول بأنه مسلمٌ آمن بالإسلام ديناً - كان موسى بن ميمون قد أشهر إسلامه وهو فى المغرب ثم ارتد فى مصر -بل هو فيلسوفٌ إسلامىٌّ بالمعنى الثقافى الحضارى فحسب. والدارس للثقافة الإسلامية ولا يزال الكلام هنا للدكتور آتاى حين يقرأ كتابه "دلالة الحائرين" يرى أن موسى بن ميمون حتى فى مناقشاته لنصوص التوراة، إنما يصدر عن فكرٍ وثقافةٍ إسلامية ، وأنه عندما ينتقد المتكلمين المسلمين يكون نقدُه لهم بأسلوبٍ خالٍ من الشدة التى ينتقد بها المتكلمون المسلمون بعضهم بعضاً، وأنه ينقد بنى دينه بشكلٍ أشد .. إذن، فأبن ميمون يُعتبر فيلسوفاً إسلاميّاً  .
هنيئا لنا بابن ميمون وابن زيدان رضي الله عنهما!!.
إنه فيلسوف من فلاسفة الإسلام – كما يزعم الشيخ مصطفى عبد الرازق – في تقديمه لكتاب (إسرائيل ويلفنسون) عن ابن ميمون الذي أطنب فقال: (أبو عمران موسى ابن ميمون فيلسوف من فلاسفة الإسلام فإن المشتغلين في ظل الإسلام بذلك اللون من ألأوان البحث النظري مسلمين وغير مسلمين يسمون منذ أزمان فلاسفة الإسلام .
إنه إذا (فيلسوف من فلاسفة الإسلام) كما يقول هؤلاء البسطاء (تأثرا؟! وتأثيرا وهذا مؤكد) وهنيئا للصهاينة بأعداء يقود مسارهم الفكري حفنة من الحمقى والمغفلين.
الرجل كما وصفه عبد اللطيف البغدادي (يريد أن يفسد أصول الشرائع والعقائد بما يُظن أنه يصلحها) والوصف الصحيح لما قدمه الرجل في كتابه (يريد أن يفسد العقائد بما يوهم أنه يصلحها لا بما يَظن أو يُظن) فهؤلاء الخبثاء ليسوا حمقى أو مغفلين مثل قادة الفكر العربي المعاصر الذين لا يعنيهم إلا حصتهم من الشهرة والمال!!.

مؤامرة تهويد الإسلام؟!
لقد جاء الرجل في موعده مع التاريخ الذي كان يشهد في ذلك الوقت أبشع عملية إبادة للحجر والبشر والعقل الإسلامي على يد القائد الأيوبي يوسف بن أيوب حيث تمثل هذا في القضاء على الدولة الفاطمية وتصفية موجوداتها ومنتجاتها الفكرية والثقافية والعقلية وتمهيد الأرض أمام إقامة الكيان الصهيوني في الأرض الفلسطينية المقدسة، تلك المهمة التي لا يمكن لها أن تكتمل إلا من خلال تهويد المسيحية والإسلام.
أما تهويد المسيحية الغربية فقد أصبح الآن حقيقة واقعة يعرفها قراء الصحف والمجلات الذين يقرأون يوميا مصطلح (المسيحية الصهيونية).
أما تهويد الإسلام أو الاختراق الصهيوني للإسلام فهو ذلك اللغز الذي ما زال يحتاج إلى من يفك رموزه وهذا ما نحاول القيام به في هذا الكتاب.
كيف يمكن أن يكون الصهيوني موسى ابن ميمون القابع في بلاط صلاح الدين (حامي حمى العروبة والإسلام!!) (فيلسوفا مسلما) وهو في نفس الوقت (فاتح باب الاستيطان الصهيوني في فلسطين ومؤسس الهيكل الثالث).
إنها البلاهة بعينها وإن أردت الدقة قلت إنها الخيانة بعينها ولا عجب أن ينجح الصهاينة الآن في التلاعب بقادة أمة لا تعي ولا تقرأ وإن قرأت لا تفهم ناهيك عن أنها لا تعتبر بما لحق بها من مآس قريبة أو بعيدة.

من هم الصابئة؟!.
ترى من هؤلاء الذين يقصدهم ابن ميمون بالصابئة المسئولين عن خراب العالم وفساد العقائد والذين يتعين (محو آرائهم من الأذهان وآثارهم من الوجود محوا لها من الأذهان والوجود ومن هؤلاء الذين يتعين نقض مذابحهم وكسر أنصابهم ومحو أسماءهم من تلك المواضع)؟!.
هل كان هناك ثمة وجود للصابئة في مصر التي كانت فاطمية عند وصول ذلك الصهيوني ثم أضحت أيوبية فكان أن احتفى به المرتزقة الأيوبيون في نفس الوقت الذي طرد فيه مئات الآلاف من شيعة أهل البيت إلى المنافي والفيافي والقفار والهند وجنوب أسوان؟!.
الجواب واضح ولا يمكن أن يفهمه إلا من تمرس على الاستماع للصهاينة المعاصرين الذين يصرحون بشيء ويقصدون شيئا آخر لمجرد وجود تماثل معه في بعض الصور والأشكال.
الصابئة الذين يقصدهم مستشار صلاح الدين يوسف ابن أيوب وطبيبه الخاص هم المسلمون وهو المصطلح القديم المستخدم من قبل قريش في وصف المسلمين الأوائل، تماما مثلما يصف الصهاينة المعاصرون، المقاومين بالإرهابيين والمخربين.
يقول أبو أنس ماجد البنكاني في كتابه عن الصابئة: (أصبحت هذه الكلمة علماً لكل من أسلم وتبع النبي محمد حيث كان كفار قريش يسمون من أسلم بالصابئ. ألا ترى أنه لما بعث محمد وصفه المشركون بالصابئ وربما دعوه بابن أبي كبشة الذي هو أحد أجداد آمنة الزهرية أم النبي كان أظهر عبادة الكواكب في قومه فزعموا أن النبي ورث ذلك منه!!. وفي حديث عمران ابن حصين أنهم كانوا في سفر مع النبي ونفد ماؤهم فابتغوا الماء فلقوا امرأة بين مزادتين على بعير فقالوا لها انطلقي إلى رسول الله فقالت الذي يقال له الصابئ قالوا هو الذي تعنين، وساق حديث تكثير الماء.
وكانوا يسمون المسلمين الصباة كما ورد في خبر سعد بن معاذ أنه كان صديقا لأمية بن خلف وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما هاجر النبي إلى المدينة انطلق سعد ذات يوم معتمرا فنـزل على أمية بمكة وقال لأمية انظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت فخرج به فلقيهما أبو جهل فقال لأمية يا أبا صفوان من هذا معك قال سعد فقال له أبو جهل ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أويتم الصباة.
كما يروي ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قصة بالغة الدلالة تظهر أن التيار الأموي القرشي المعادي للإسلام كان يرى أن الدعوة التي حملها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله تمثل امتدادا للدعوة الصابئية التي حملها جد النبي لأمه (أبو كبشة) الذي نسب إلى المعتقد الصابئي.
قال ابن أبي الحديد: روى الزبير بن بكار في (الموفقيات) وهو غير متهم على معاوية ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانبة على عليه السلام، والانحراف عنه: قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية فكان أبى يأتيه فيتحدث معه، ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتما فانتظرته ساعة، وظننت أنه لامر حدث فينا، فقلت: مالي أراك مغتما منذ الليلة؟ فقال: يا بني، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم، قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به. إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا، وبسطت خيرا فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بنى هاشم، فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه، فقال: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر، وإن ابن أبى كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات: (أشهد أن محمدا رسول الله)، فأى عملي يبقى، وأى ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلا دفنا دفنا.
الصابئة إذا في الوجدان السياسي الأموي وهم الذين حاربوا نبي الإسلام قبل الفتح وبعد الفتح ويوم صفين هم المسلمون وعلى رأسهم محمد بن عبد الله (ابن أبي كبشة) رأس الصابئة!!.
ومن المفيد أيضا أن يطلع القارئ على ما ورد في موقع التاريخ المسيحي تحت عنوان (مكة "مقة" معابد الله إله القمر الوثني) حيث يفتري هؤلاء على نبينا صلوات الله عليه زاعمين أن المسلمين يعبدون إله القمر ويمكن لمن أراد المزيد أن يطلع على الرابط التالي:
http://www.coptichistory.org/new_page_196.htm
لا يحتاج المرء أن يكون عبقريا ليدرك أن الصابئة الذين نوه عنهم (الفيلسوف المسلم) ابن ميمون ودعا لإبادتهم وتحطيم أصنامهم من الوجود هم نحن المسلمون!!!.
كان على السذج الذين أوردنا مدائحهم سابقا لابن ميمون أن ينتبهوا أن هذا اليهودي وجريا على عادة أسلافه ممن حاربوا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله يجمع بين خصلتين: الأولى إنكاره للنبوة المحمدية والثاني عداؤه لها وهو في ذلك يختلف عن غيره من أهل الكتاب ممن اكتفوا برفض الاعتراف ولم يتجاوز الأمر بهم إلى حد العداء الصريح.
ابن تيميه يتلقى ويلقي إلينا ما أوحى به ابن ميمون
ننتقل إلى ابن تيميه (شيخ الإسلام) المزعوم وهو يكرر وينقل عن ابن ميمون ربما بصورة حرفية واقرأوا النص التالي نقلا عن كتاب اقتضاء الصراط المستقيم: (وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله لئلا يفضي ذلك إلى دعاء المقبورين والصلاة لهم وكلا الأمرين قد وقع فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بأنواع الأدعية والتعزيمات ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم على مذهب المشركين من الهند والصابئين والمشركين من العرب وغيرهم مثل طمطم الهندي وملكوشا البابلي وابن وحشية وأبي معشر البلخي وثابت بن قرة وأمثالهم ممن دخل في الشرك وآمن بالجبت والطاغوت وهم منتسبون إلى أهل الإسلام (لاحظ أن نفس هذه الأسماء وردت في دلالة الحائرين وأنه يدرجهم في إطار الإسلام بينما يسميهم ابن ميمون بالصابئة)، كما قال تعالى (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) وقد قال غير واحد من السلف: الجبت السحر والطاغوت الأوثان وبعضهم قال الشيطان وكلاهما حق، وهؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر و الشرك الذي هو عبادة الطاغوت كما يجمعون بين السحر وعبادة الكواكب وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام بل ودين جميع الرسل أنه شرك محرم بل هذا من أعظم أنواع الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه ومخاطبة إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه لقومه كانت في نحو هذا الشرك وكذلك قوله تعالى (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض إلى قوله تعالى إن ربك عليم حكيم) فإن إبراهيم عليه السلام سلك هذه السبيل لأن قومه كانوا يتخذون الكوكب أربابا يدعونها ويسألونها ولم يكونوا هم ولا أحد من العقلاء يعتقد أن كواكبا من الكواكب خلق السموات والأرض وإنما كانوا يدعونها من دون الله على مذهب هؤلاء المشركين. انتهى.
من حقنا ومن واجبنا أن نستفسر من ابن تيميه عن سر هذا التطابق الذي يكاد أن يكون حرفيا بين كلامه وكلام ابن ميمون حتى أن التطابق يصل إلى اقتباس المراجع فكلاهما يقتبس من ابن وحشية وهذا يجعل منه حجة على الصابئة المسلمين وذاك يجعله حجة على المسلمين الصابئة.
ولا شك أن لابن تيميه ميزة يتفوق بها على ابن ميمون وقدرة أكبر على تحقيق الغرض الأساسي كونه (شيخا للإسلام) ومن ثم فهو لن يعاني صعوبة إدراج المسلمين في خانة المشركين وعبدة الأوثان تمهيدا لتوجيه الضربة القاضية لهم وهي هدم أوثانهم ومحوها من الأذهان هذا طبعا بعد تحديد هذه الأوثان التي سيتضح بعد قليل أنها أضرحة الأنبياء والأئمة تمهيدا لإزالتها نهائيا من الأذهان والقلوب ليسود الأرض (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد).
يمتاز ابن تيميه بقدرة على أسلمة أفكار ابن ميمون من خلال استخدام كلمة (أو) الساحرة........
وتأمل هذا النص التيموي:
(والخليل صلوات الله عليه أنكر شركهم بعبادة الكواكب العلوية وشركهم بعبادة الأوثان التي هي تماثيل وطلاسم لتلك الكواكب أو هي تماثيل لمن مات من الأنبياء والصالحين وغيرهم وكسر الأصنام)   
فالتماثيل هي طلاسم لتلك الكواكب أو أو لمن مات من الأنبياء.
هل هي للكواكب أم للأنبياء؟!.
إما هذه أو تلك!! ولكنه على كل حال فن الأسلمة عبر الدحرجة والاستغفال!!.
إنه فن أسلمة الأفكار الصهيونية الميمونية عبر دحرجة المعاني والتلاعب بالألفاظ وعلى القارئ الغبي أن يأخذ كلام ابن تيميه (أو) كلام ابن ميمون وكلاهما يخلط بين الكواكب والأنبياء وبين المسلمين والصابئة اعتمادا على فلاسفة آخر الزمان الذين يأخذون هذه الكلام السام على علاته رغم أن هذه الاتهامات لا تخص المسلمين من قريب أو بعيد ولكن شيخ الإسلام قام بإسلمته ودحرجة كرة النار إلى عقر دارنا لتحرقنا وتحرق كل الأغبياء الذين يحسنون ظنا بالصهاينة وأزلامهم حتى ولو تلقبوا بألقاب الإسلام والإسلام منهم براء.
فقط كل ما هو مطلوب منك أيها المسلم أن تقبل أن توصف من قِبل ابن ميمون أو نتنياهو بأنك صابئي إرهابي مشرك نجس وأن اليهود وحدهم هم شعب الله المختار.
أنه نفس ما صرح به محمد بن عبد الوهاب في كتابه المسمى بالتوحيد عندما اتهم المسلمين بعبادة الأوثان قائلا: (ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله). باب:
ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان ... التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة).



إله القمر؟؟!!
من أين جاء هؤلاء بهذا الادعاء عن عبادة المسلمين لإله القمر؟!.
تحدثنا سابقا عن جماعة المغفلين الذين أشاد بعضهم بالخدمات الجليلة التي قدمها ابن ميمون للإسلام والمسلمين وهو ما لا يختلف عن إشادة بعض (الزعماء السياسيين) بتوجهات نتنياهو وشارون السلمية.
ولكن هل كان هؤلاء هم أول من اخترع هذا الاتهام ووفر مادته؟!.
الجواب: لا.... ويمكن لمن قرأ ما يسمى بكتب الصحاح أن يدرك أن حالة البلاهة والغفلة وربما الخبث وسوء النية لم يخترعها ابن تيميه وإن أردت الدقة قلت أن الاختراق اليهودي للإسلام لم يبدأ مع (شيخ الإسلام) لأن الأمر أقدم من هذا.
دونك ما رواه البخاري في (صحيححه):
553 ـ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً ـ يَعْنِي الْبَدْرَ ـ فَقَالَ ‏"‏ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ‏"‏‏.‏ ثُمَّ قَرَأَ (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) ق 39. قَالَ إِسْمَاعِيلُ افْعَلُوا لاَ تَفُوتَنَّكُمْ‏.‏
814ـ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُمَا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏"‏هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ ‏"‏‏.‏ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏.‏ قَالَ ‏"‏فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ‏"‏‏ قَالُوا لاَ‏.‏ قَالَ ‏"‏ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ‏.‏ فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ‏.‏ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ‏.‏ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا‏.‏ فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلاَّ الرُّسُلُ، وَكَلاَمُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ‏.‏ وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ ‏"‏‏‏ قَالُوا نَعَمْ‏‏ قَالَ ‏"‏ فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللَّهُ الْمَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا‏.‏ فَيَقُولُ هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَقُولُ لاَ وَعِزَّتِكَ‏.‏ فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ باب الْجَنَّةِ‏.‏ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لاَ أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ‏.‏ فَيَقُولُ فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ‏.‏ فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى باب الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ‏.‏ فَيَقُولُ اللَّهُ وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لاَ تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ‏.‏ فَيَضْحَكُ اللَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ تَمَنَّ‏.‏ فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَمَنَّ كَذَا وَكَذَا‏.‏ أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ‏"‏‏.‏ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنهما ـ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ قَالَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ‏"‏‏.‏ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ قَوْلَهُ ‏"‏ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ‏"‏‏.‏ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏"‏ ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ‏"‏‏.‏ انتهى.
الحديث إذا عن عبادة بعض المسلمين (لرب القمر) لم تأت من فراغ بل جاءت مادتها من تلك الخرافات والأكاذيب التي غصت بها هذه الكتب والتي يستميت البعض ويصر على اعتبارها صحيحة صحيحة ويرفضون القيام بأي مراجعة لها بل ويرون فيمن يطالب بهذه المراجعة زنديق يريد أن يهدم الإسلام ويقضي عليه.
كيف يمكن لمسلم يقرأ في كتاب الله (ليس كمثله شيء) أن يصدق أكذوبة (رؤية الله على هيئة القمر) أي مثل القمر حتى ولو كانت هذه الرؤية المزعومة يوم القيامة؟!.
المسلم الذي يقرأ قول الله تبارك وتعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)  لا يمكن مقارنته أو مشابهته بالصابئي الذي يتصور (سواء كان هذا صدقا أو افتراءا عليهم) أن هذه الكواكب هي آلهة تعبد من دون الله وما هي إلا خلق من خلقه وآية من آياته كما جاء في النص القرآني.
الادعاء على الإسلام والمسلمين بما لم يكن يوما ما عقيدة لهم هو افتراء وقح وخائب وهذا هو دأب أعداء الأنبياء والمرسلين الذين لم يقصروا في الافتراء عليهم بما لا حاجة ملحة لذكره في هذا المقام.
النموذج:
النموذج أو القالب النظري الذي أسس له ابن ميمون وأسس عليه هو نموذج الصابئة الذين يؤمنون بأن الكواكب هي الآلهة ويقيمون الهياكل لعبادتها ويضعون فيها الأصنام والتماثيل ويتقربون لهذه الآلهة بتقديس هذه الأصنام والذبح لها واستشارتها الخ الخ، وهو نفس القالب النموذج الذي قام ابن تيميه بأسلمته ووضعنا فيه ولكن هذه المرة من أسفل إلى أعلى أي أنه لم يبذل جهدا كبيرا في إثبات أن المسلمين يعبدون الكواكب ويقيمون لها الهياكل بل بدأ من اتهامنا بصناعة الهياكل (الأضرحة الأصنام التماثيل) ثم التقرب بها إلى الإله (اللي بالي بالك) وهو بكل تأكيد ليس هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
فالمساجد التي توجد بها أضرحة الأنبياء والأئمة هي نفسها هياكل عبادة النجوم التي يتعين إزالتها من الوجود ومن الأذهان أو كما قال ابن ميمون.
أما ابن تيميه فكان واضحا فاضحا في حملته على قبور (هياكل) أنبياء (إله القمر) الذي يفتري علينا هو وابن ميمون ومعاوية بن أبي سفيان وموقع التاريخ القبطي بعبادته قائلا في كتابه اقتضاء الصراط .. غير المستقيم: (فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ولأحاديث أخر وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحدا).
أما محمد بن عبد الوهاب فكان أكثر وضوحا من أساتذته المشار إليهم سابقا عندما قال أن (بعض هذه الأمة يعبد الأوثان)!!.
وكفاكم تخفيٍ أيها (الصابئة المسلمون)!!. أو كما قال ابن تيميه وابن ميمون!!!.
إنكار البعث
لماذا يصر صاحب التوحيد التيموي الوهابي الميموني الصهيوني على اعتبار أن التوسل بالموتى هو شرك بالله؟!.
الجواب: أن ابن ميمون كان منكرا للبعث الجسدي وهي قضية كانت ولا زالت مثار خلاف بين اليهود ما بين منكر ومثبت.
يقول آلان أنترمان: (ووفقا لما ذكره الرابي شيا فإن المرء إذا مات انقطع وعيه بما يحدث على الأرض ودعم رأيه بما ورد في سفر الجامعة "لكن الموتى لا يعرفون شيئا" أما وجهة النظر الأخرى المعارضة فقال بها معاصره الرابي يوناثان وهي أن الميت يبقى واعيا حقا بما يجري.... ورغم أن ابن ميمون يذكر عقيدة البعث كواحدة من مبادئه العقدية الإيمانية فإنه تناولها بشكل غامض وفي كتاباته التي تنحو نحوا فلسفيا لم يتناول إلا مسألة الخلود ومسألة طبيعة الروح بعد تخلصها من الجسد وقد اتهمه زملاؤه بإنكار عقيدة البعث وتقويض أسسها) .
وبينما يقول ابن ميمون: (وصار منهم مشعبذ ومتفائل وساحر ومن يرقى رقية ومن يسأل جانا ومن يستشير الموتى).
نرى ابن تيميه يدلي بدلوه: (وإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله غير المساجد الثلاثة لا يجوز وقد جاء في قصد المساجد من الفضل مالا يحصى فالسفر إلى بيوت الموتى من عباده أولى أن لا يجوز). انظر كتاب اقتضاء الصراط المستقيم.
وهكذا فقد اعتبر ابن تيميه السائر على نهج أستاذه ابن ميمون حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل، أضرحة الأنبياء والأئمة الطاهرين مجرد بيوت للموتى!!.
لا حاجة بنا أن نذكر بقوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) .
وقوله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) .
ومن ثم فالذين يرفضون التواصل بين من يمشون على الأرض من الأحياء وبين سادات الأمة من الأنبياء والأوصياء الذين هم وبكل تأكيد أحياء عند ربهم يرزقون هم إما من الصهاينة الذين يكرهون هذه الرموز ويرون فيهم أعداء دائمين للمنهج الصهيوني الاستكباري أو من الملاحدة الذين حكى عنهم كتاب الله العزيز (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) .
لهذا نقل عن ابن تيمية في كتابه الرد على المنطقيين ط6 (ص454 وما بعدها):
إن الصابئة نوعان: صابئة حنفاء وصابئة مشركون.
أما الصابئة الحنفاء فهم بمنـزلة من كان متبعاً لشريعة التوراة والإنجيل قبل النسخ والتحريف والتبديل من اليهود والنصارى. وهؤلاء حمدهم الله وأثنى عليهم. والثابت أن الصابئين قوم ليس لهم شريعة مأخوذة عن نبي، وهم قوم من المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين، ولكنهم عرفوا الله وحده، ولم يحدثوا كفراً، وهم متمسكون "بالإسلام المشترك" وهو عبادة الله وحده وإيجاب الصدق والعدل وتحريم الفواحش والظلم ونحو ذلك مما اتفقت الرسل على إيجابه وتحريمه وهم يقولون "لا إله إلا الله" فقط وليس لهم كتاب ولا نبي. والصحيح أنهم كانوا موجودين قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأرض اليمن.
وأما الصابئة المشركون فهم قوم يعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور ويصلون، فهم يعبدون الروحانيات العلوية.

لقد قام (التوحيد الميموني التيموي الوهابي) على الأسس التالية:
1- أن المسلمين هم جماعة من الصابئة بعضهم حنفاء وبعضهم مشركون وثنيون يعبدون الأوثان أو كما قال ابن تيميه فيما ذكرناه سابقا.
2- إنكار البعث والمعاد والحياة الآخرة ومن ثم عدم جواز التواصل مع (الموتى) وهم الأنبياء والأئمة والصالحين.
3- ضرورة إزالة الأصنام والأوثان (أضرحة الأنبياء والأئمة) ومحوها من الوجود تمهيدا إزالتها من المعتقد والأذهان بالكامل.
4- إنكار نبوة محمد الذي لم يأت بشيء من عنده وإنما قام بنقل ما ورثه عن جده (أبي كبشة) وهو ما صرح به بنو أمية أكثر من مرة (فلا خبر جاء ولا وحي نزل) وما يستتبع ذلك من إنكار لوجود أئمة أهل بيت النبوة، إذ لا نبوة ومن ثم لا بيت.
5- تشريع حروب الإبادة التي تعرض لها النبي وأهل بيته والآن مقاماتهم وأضرحتهم عودة بنا إلى الوضع الأصلي (الصابئة الحنفاء).

هذا هو أصل الحكاية.
دكتور أحمد راسم النفيس
‏05‏/11‏/2010 

أزمة العالم الإسلامي
المتأمل للأطروحة الوهابية يرى بوضوح أنها إحدى مظاهر أزمة العالم الإسلامي القديمة والمزمنة وليست سببا له ولكنها على كل حال جاءت لتفاقم من هذه الأزمة وتعطيها امتدادات لم تكن تخطر على بال أحد.
إنها أزمة قديمة قدم التاريخ الإسلامي ذاته وهي أزمة بدأت منذ بويع لأبي بكر تلك البيعة التي وصفها عمر بن الخطاب بأنها كانت فلتة وقى الله شرها ونحن نختلف معه في هذا التقييم.
أليس هو القائل أصابت امرأة وأخطأ عمر؟؟!!.
منذ تلك البيعة افترق المسلمون على مسارين مسار الإمامة, ومسار بلا إمامة يقوم بصياغة دينه من خلال (ورشة عمل مشتركة) لا تتفق على شيء.
ورشة عمل فوضوي جمعت بين المحدثين الذين جمعوا الغث والثمين في كتبهم المسماة بالصحاح والمفسرين الذين قدموا لنا تفاسير للقرآن كثيرا ما يسقط منها ما لا يلائم أهواء الحكام والسلاطين وأحيانا أخرى يذكرون هذه الأحاديث التي لا تلائم مزاجهم ولكنهم لا يكترثون لها ولا يعملون بها.
ناهيك عن الدور الذي قام به الفقهاء في صياغة فقه مطاطي اجتمع فيه الحق والباطل وشهادة الزور وشهادة الحق بحيث يمكن لأي فريق ديني أو سياسي أن ينتقي منه ما يلائم احتياجاته السياسية أو ما يتوافق مع مزاجه النفسي.
إنه فقه وتفسير يمكن لعشاق القتل والذبح أن يبرروا به أفعالهم الشائنة ويمكن للمتصوفة أن ينهلوا منه ما يلائم مسارهم الروحي التعبدي (قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا).
أما عن مسار إسلام أهل البيت أو مسار الإمامة فكان أكثر انضباطا من الناحية الفقهية ومن الصعب أن تعثر على شيعي تكفيري رغم أن بعض الشيعة المعاصرين قد تأثروا بالفكر الإخواني القطبي وترجموه بل وروجو له بل وخاصمونا لأننا رفضنا الانسياق وراءهم في هذا المنزلق!!!.
نعود إلى الفكر السني المنطلق من يوم السقيفة صوفيا كان أو وهابيا وسترى بسهولة أن من الممكن لك أن تحصل على الحكم ونقيضه من تلك النصوص المتكاثرة التي يجري استخراجها واستخدامها حسب الطلب ناهيك عن اعتماده على مبدأ قداسة الصحابي أو التابعي.
سترى تلك الأحاديث التي تقول أن: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن سرق وإن زنى وسترى نقيضها التي تؤمن بقتل من وصفوا بالمرتدين بسبب اتهامهم بمنع الزكاة رغم أنهم قالوها بالفعل ودخلوا في الإسلام (وهو اتهام برأهم منه المؤرخون) وسترى الأحاديث التي تحض على ولاية علي بن أبي طالب وأن من أبغضه هو من المنافقين فما بالك بمن حاربه (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) وسترى تلك الأحاديث التي تشهد لمن قاتله من العشرة بأنه من المبشرين بالجنة وسترى أيضا تلك الرواية التي تصف عليا والزبير وطلحة بأنهم في النار (القاتل والمقتول في النار) والأمر متوقف على احتياجات الفقيه أو المنظر الطامح للزعامة وكلهم يدعي وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاك!!.
لقد رأينا كيف أن محمد بن عبد الوهاب يقدم نفسه في إطار النص الذي يوجب السمع والطاعة للإمام (البر والفاجر ما لم يأمر "الفاجر" بمعصية)!!.
تخيل: أن الفاجر لا يأمر بمعصية!!!.
الحل الشرعي الذي اكتشفه الوهابيون والجماعاتيون كان دوما في غاية البساطة والسهولة وهو وصف الفاجر بأنه كافر وعندها يصبح الخروج عليه عملا مشروعا بل ومطلوبا وهذا ما فعله ابن عبد الوهاب وكل من ساروا على دربه.
صحيح أن الوهابية زادت الطين بلة لأنها استفادت من فوضى النصوص لتأسيس تيار تكفيري دموي ولكن تبقى المشكلة الأم:
وهي أننا أمة بلا قيادة وإن أردت الدقة أننا أمة لها قيادة ولكنها قيادة مغيبة بل وممنوعة من القيادة!!.
لهذا السبب لم نلجأ للأسلوب (الصوفي) في نقض الوهابية وهو الأسلوب الذي يعتمد على حشد الأدلة المضادة من أقوال الشيوخ الذين يرفضون هذا الشطط الوهابي الذي أصاب كبد الأمة فأحرقه.
ورغم ما يحتويه هذا الأسلوب من قيمة فإنه في النهاية رد على أقوال رجال بأقوال رجال غيرهم وكان على إخواننا أن ينتبهوا أن أتباع الوهابية ليسوا أصحاب منطق ولا أتباع دليل بل أصحاب هوى و(الهوى شريك عمي) و(الهوى لا دواء له وهو يعمي ويصم) وأن الضرورة تحتم عليهم أن يقدموا للناس بديلا مقنعا لا أن يحاولوا إعادة الأمة إلى نفس الوضع الذي كانت عليه قبل الظهور الوهابي وهو وضع لا أعتقد أننا كنا نحسد عليه.
الأزمة التي عانت ولا زالت تعاني الأمة منها هي أزمة قيادة وبدون حسم هذه المسألة يمكن أن تتكرر ظاهرة الفرق الشاذة مثل الوهابية والجماعات الإرهابية بشتى أنواعها وفصائلها وهو ما حذر منه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عندما قال: (أَمَّا بَعْد، أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِىءَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا، وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا. فَاسْأَلُوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَسْأَلُوني عَنْ شَيْء  فِيَما بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَلاَ عَنْ فِئَة تَهْدِي مائةً وَتُضِلُّ مائةً إِلاَّ نَبَّأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا وَمنَاخِ رِكَابِهَا، وَمَحَطِّ رِحَالِهَا، وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً، وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً. إِنّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهِتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ يُنْكَرْنَ مُقْبِلاَت، وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَات، يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ، يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَداً. خطبة 92 نهج البلاغة
هاهي جماعة الإخوان المسلمين وهي واحدة من تلك الفرق والفئات المذكورة وقد تعالى نعيقها صارخة الإسلام هو الحل وهو شعار ديني لا يختلف كثيرا عن شعار الخوارج التاريخي (إن الحكم إلا الله).
لم تكتف تلك الجماعة بما أشعلته من فتن لم يخمد بعضها حتى الآن وما سببته من مصائب وويلات في بلدان المنشأ وبلدان المصب وهي في الحقيقة مجرد فرع من فروع الحركة الوهابية ولكنها أشعلت حماسة الجماهير المغيبة الباحثة عن منهج وقيادة لم تجدها لدى الصوفية ولا عند القيادات الدينية التقليدية ولا عند من تبقى من فتات الأحزاب السياسية الليبرالية واستطاعت خلال عقود قصيرة من الزمن أن تجتذب كما لا يستهان به من هواة الاحتراق على طريقة الفراش وهاهي قياداتها تطور من أساليبها معتمدة على المال والدعاية وفضائيات الفراغ العقلي العربي المعتمد دوما على الدعاية والصراخ والذي لا يرى مجالا لإعمال العقل مستفيدة من التواطؤ السياسي والأمني بل ومن ضعف العقل السياسي لدى بعض القيادات الشيعية التي ترى مجالا للتحالف مع هؤلاء في إطار وهمي وغبي لن يقود أحدا إلى الخير والفلاح لا من السنة ولا من الشيعة ولا غيرهم.
الآن تتقدم تلك الجماعة الوهابية المسلحة بالمال الوهابي لالتهام السلطة بشوكة الديموقراطية المفروضة أمريكيا تماما كما فعلت من قبل عندما استولت على كامل الجزيرة العربية من يد الفاسدين المتناحرين العاجزين عن تقديم بديل يواجه أولئك المتمنطقين بمُدى المتبقين من العصر الحجري وشعار العقيدة الصحيحة والفهم الشامل الكامل للإسلام لتدخل مصر في حقبة لا يعرف إلا الله متى نتمكن من الخروج منها.
ومثلما نجحت تلك الجماعة من قبل عام 1952 في وأد التجربة الديمقراطية المصرية النامية وإدخال مصر إلى عصر الأحكام العرفية الذي لم نخرج منه حتى الآن هاهي تواصل طرق الأبواب بإصرار لا يكل ولا يمل من ناحيتها وإصرار مقابل على الفشل وعدم قراءة الأخطاء أو الاعتراف بما ارتكبه هؤلاء الفاشلون من خطايا وجرائم هي التي ستمهد الطريق لمُدى المتبقين من العصر الحجري.
سألني سائل عن سياسة الفوضى الخلاقة التي تتبعها الولايات المتحدة من أجل تفتيت العالم العربي والإسلامي إلى كانتونات طائفية ومذهبية فكان ردي أن هذه السياسة بدأت قبل أكثر من قرنين من الزمان مع بعث أفكار ابن تيميه من مزابل التاريخ وإعادة تعبئتها وهابيا ثم استخدامها كوسيلة وأداة مثالية لتفجير العالم الإسلامي من داخله وإشعال الحروب بين المسلمين تارة وبينهم وبين المسيحيين تارة أخرى كل هذا خدمة للمشروع الصهيوني الذي لا يمكن له البقاء وسط عالم إسلامي متوحد لا يعرف الحروب والصراعات كما يفعل هؤلاء العملاء وأذنابهم الآن.
أما الأسوأ من كل هذا فهو سياسة الانتحار التي أدمنها السلطويون الجهلة الذين يستعينون بالوهابيين سواء في إطار صفقة مدفوعة الأجر من الرشى الوهابية المليونية التي تغدقها على عبيد الدنيا وعشاق جمع المال ممن باعوا كل شيء حتى كرامتهم وكرامة أوطانهم بثمن بخس دراهم معدودة ظنا منهم أن الحريق إذا اشتعل فلن يأتي على ثيابهم أو أن الطوفان إذا اجتاح الأرض فسيؤون إلى جبل يعصمهم من الماء في بروجهم المشيدة رغم ألا عاصم من أمر الله إلا من رحم!!.
الوهابية التي أشعلت سلسلة من الحرائق في شتى بقاع العالم الإسلامي وكانت ولا زالت تواصل سياسة التدمير والتفخيخ تعامل الآن معاملة مميزة ويسمح لها بالسب والشتم والتطاول على كل من لم يعجبهم شريطة ألا يحملوا السلاح!!.
ما هو الفارق بين حمل السلاح والقتل المباشر وبث الكراهية والتحريض على القتل؟!.
هل يحتاج القاتل دوما إلى طن من المتفجرات ليقتل خصومه؟!.
هل يختلف التحريض على الكراهية والعداوة والبغضاء إرضاءا لإملاءات دافعي الرشى عن القتل المباشر؟!.
يزرعون القتلة ويزعمون أنهم أبرياء من دم الضحايا!!.
أليس هذا هو النفاق بعينه؟!.
أيها الناس بل أيها المسلمون أليس منكم رجل رشيد؟؟.
دكتور أحمد راسم النفيس
‏31‏/07‏/2008
‏الخميس‏، 28‏ رجب‏، 1429


759,264 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (0)



الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2017 - النفيس