الدكتور عبد الحميد عباس دشتي في كتابه «قصة الصراع على سورية بالوثائق»: الجيش العـربي السـوري يقـاتل إرهابيين متمـرسين في حروب العصابات على مئات الجبهـات في وقت واحد

تم النشر فى كتب مع 0 تعليق منذ 9 أشهر

/

يعتمد الدكتور عبد الحميد دشتي في كتابه «قصة الصراع على سورية بالوثائق» على أسلوب ردم الفجوات في الحكاية، فلا تلبث أن ترغب في معرفة أمر ما، حتى يفاجئك بأنه لم ينسه، وإنما وضع في درجة مُغايرة للأولوية، بحيث إن البنية المعرفية التي ستحظى بها من خلال كتابه تعد متكاملة إلى أبعد حد، خاصةً أنه لا يعيد الحرب إلى مُسبِّباتها الظَّاهرة التي اشتغل عليها المحور المعادي لسورية وإعلامه المُضلِّل، وإنما عاد بها إلى جذورها، أو ما تُمكن تسميته «منابتُها الأولى» ففي الصفحة الحادية عشرة جاء: «تعود جذور الرغبة الأمريكية في إسقاط سورية كجزء من إسقاط المنطقة إلى زمن الثورة الإسلامية الإيرانية وانتصارها الأول على الشاه في العام 1979، ففي تلك المرحلة حاول الأمريكيون احتواء الثورة من داخلها فكانت الاغتيالات والمؤامرات، وبعدما ثبَّتت الدولة الإيرانية نتائج الثورة داخلياً، وانطلق تأثيرها الخارجي ليعم العالم الإسلامي، أصبحت الحرب الأمريكية على الثورة الإيرانية معلنة. ولقد أدرك الرئيس الراحل حافظ الأسد بحسه الاستراتيجي الواعي معنى انتقال إيران من حضن الغرب إلى الاستقلالية فتحالف معها فأصبح حُكماً عدوّاً لأمريكا تعمل لإسقاطه، لا لدوره الذاتي فقط، بل لتحالفه مع إيران في المقام الأول. تصوروا لو أن تركيا والسعودية وباكستان توحدوا في الهدف وهو نيل الاستقلال السيادي والقرار الحر ولو أن الشعب السعودي أو المصري أو التركي حذا حذو الشعب الإيراني وحرر نفسه ممن يخضعون للنفوذ الأمريكي، ولو صارت دولهم ديمقراطية- إسلامية يحكمها الشعب بخياره واختياره ولا يؤثر في قراراتها المستقلة أي تدخل خارجي؟ احتمال كهذا كان وارداً عام 1979، لكن أمريكا والسي آي إيه خلقوا أنموذجاً إسلامياً مُرادفاً للثورة الإسلامية ولكنْ معادٍ لها في أفغانستان وقاموا بدعمهم ضد  الوجود السوفييتي وزجوا بينهم عملاء وجواسيس عرباً ومسلمين تحولوا إلى قادة للجهاديين في العالم، وتوحدوا لاحقاً تحت قيادة المخابرات الأمريكية والسعودية والباكستانية، وكما يقول مسؤولون إيرانيون، ذاك الدعم مكّن حركة طالبان من سرقة نتائج المقاومة الإسلامية والوطنية وتقديم نفسها بديلاً وأنموذجاً موازياً للثورة الإسلامية في إيران.12345
إذاً وجد الأمريكيون الحل لرد خطر الثورة الإسلامية عن «إسرائيل» وداعميها في الغرب وصارت الفتنة المذهبية بين المسلمين هي الهدف الغربي الأول».


الحرب على سورية منذ 1979

إذاً الحرب على سورية لم تبدأ في الـ2011 وإنما منذ عام 1979 نتيجة التحول في الموقف الإيراني بعد الثورة الإسلامية، وانتقالها من حليف لـ«إسرائيل» زمن الشاه إلى نصير للقضية الفلسطينية وقضايا العرب، إذ يرى الدكتور دشتي أن العلاقة بين سورية وإيران توطدت بعد ذاك التاريخ ولاسيما منذ رفض الرئيس الراحل حافظ الأسد اتفاقية كامب ديفيد، ورفضه تقسيم لبنان أو جعله بديلاً عن فلسطين بالنسبة للفلسطينيين، ومحاولته توحيد سورية والعراق لولا انقلاب نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين وتحالفه مع الأمريكيين والفرنسيين وشنه حرباً ضد الثورة الإيرانية التي تحالفت معها سورية، وقتال سورية إلى جانب لبنان ضد العدوان الإسرائيلي في ثمانينيات القرن المنصرم، وإسقاط اتفاقية 17 أيار بين حكومة أمين جميل المدعومة أمريكياً والاحتلال الإسرائيلي، ورفض سورية سياسات جورج بوش بشأن خلط الإرهاب بالمقاومة ضد الاحتلال، ثم رفض احتلال الأمريكيين للعراق… كل ذلك عمّق العداء الأمريكي لسورية التي لولا دعمها القوي لما تحرر لبنان، ولولا دعمها الحاسم لما كان للمقاومة الفلسطينية القدرة على فرض الانسحاب الإسرائيلي من غزة بقوة النار.


تحويل العداء

يواصل عضو مجلس الأمة الكويتي إكمال الصورة التي يريدها في كتابه (391 صفحة الصادر عن دار عبد الحميد دشتي الثقافية) بقوله: «وصل الرئيس بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، وكان  أوضح في دعمه لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين ورفضه لاحتلال العراق، فجرى تمرير قرار مجلس الأمن رقم 1559 الداعي لانسحاب سورية من لبنان، ثم جرى اغتيال رفيق الحريري عام 2005 لدعم القرار الأممي وتحقيق بنوده، على أمل أن يؤدي ذلك لانقلاب داخلي في سورية، لكن خاب ظن أمريكا فجرى التخطيط لآخر يتوازى مع غزو أمريكي خارجي بسبب قرب القوات الأمريكية من الحدود السورية العراقية، وفعلاً قام الأمريكان بتدريب أكثر من 12000 من الإخوان المسلمين والمرتزقة، لكن فشلت مساعيهم قبل بدئها، فتحول الأمريكيون إلى ما سمي الربيع العربي عبر أساليب الحرب الناعمة التي فشلت في إيران «الثورة الخضراء»، وفي روسيا، لكنها نجحت  في بعض الدول العربية، وهدفها الأساس تقسيم المقسم، ونشر الفوضى لتصبح «إسرائيل» هي القوة المهيمنة الوحيدة، وكان ذلك تجسيداً لأفكار شمعون بيريز ومقولته الشهيرة عام 1992: «إذا كان على الإسرائيليين أن يحفظوا دولتهم بطريقة ما فإن تحويل العداء العربي لإسرائيل إلى تحالف بينهما ضد إيران هو الوسيلة الوحيدة».
الموضوع بالنسبة للدكتور دشتي ليس مُجرَّد تكهُّنات أو رسم سيناريو مُفترض، فحسب قوله، «فإن البحث عن أدلة موثقة ليس أمراً صعباً، إذ يكفي اختيار كلمتي «تفتيت مذهبي» و«حماية أقليات» على أي محرك بحث لتجد وثائق منشورة في صحف غربية وإسرائيلية عن مخططات إسرائيلية وأمريكية قديمة تدعو إلى قيام تغيير جيوسياسي في المنطقة يعيد تقسيمها إلى دويلات طائفية ومذهبية».


الدّاية كوندليسا رايس

يقول: «وضعنا الحالي هو بالضبط ما رغبت كوندليسا رايس في أن تكون هي الداية التي تشرف على ولادته من بطن الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006 التي كان يفترض أن تسقط المقاومة في لبنان ثم تمتد لإسقاط سورية. وهو المطلب الذي تحدث عنه كيسنجر مطولاً في خطاباته، والأمر الذي اعتمدته جهات أمريكية فاعلة كحل لمعضلة أوجدتها أمريكا على الورق هي معضلة الأقليات والأكثرية».
يُعيد رئيس المجلس الدولي لدعم المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان قدرة أمريكا وحلفائها على خلخلة مكونات المجتمعات العربية إلى عدة أسباب منها: «ضعف الرابط البنيوي الذي يوثق عرا التعاضد بين متجاورات إنسانية تسمى عرضاً بالشعوب، وركاكة النظام الحاكم في أغلب البلدان، وانفراط عقد المجتمع بالمطرقة التحريضية المذهبية بعد عقود الضياع بين عروبة مفتقدة وإسلاموية فشلت قبل أن تبدأ، فحلت مسرحية أمريكية منتجة على نفقة دول الخليج وعبر وسائط تمولها تلك الأنظمة، ما أشعل حرباً نفسية وحروباً ناعمة بين الأخ وأخيه، إلى أن وصل الضغط التحريضي إلى مرحلة الانفجار في محطات متعددة كان آخرها الحرب على سورية، وارتدادها الآتي من سيطرة «داعش» على أجزاء من العراق انتهاءً بالسيطرة على أراضي الموصل».
لكن يبقى على رأس الأسباب في الحرب على سورية موقعها الاستراتيجي ومكانتها الإقليمية التي جعلت من «المعارضة» هدفاً للأجهزة الاستخبارية التي استغلت الكثيرين منهم، فتحولوا إلى مخبرين لدى المخابرات الأجنبية المعادية.
يورد الدكتور دشتي رأي علماء المسلمين وخاصة الأزهريين بالوهابية التي يقولون فيها: الوهابية فكراً وحركة تمثل العدو الأخطر على المسلمين والعالم، وهي لا تقل سوءاً عن الكيان الصهيوني.


أكبر خديعة

يعود عضو الاتحاد الدولي للمحامين إلى عام 2000 ويرى في ذلك نقطة انطلاق الخطوة التنفيذية داخل الإدارة الأمريكية والإسرائيلية المتعاونة معها في التحضير لإثارة ما أطلقوا عليه قضية الحريات الدينية في الشرق الأوسط، والهدف منها الفتن والتفتيت ولا شيء آخر، إذ تم التركيز على الأقليات الدينية بغية العمل على تقسيم مصر والعراق وسورية، ولهذا سخروا كل مؤسساتهم التي يعتقد الرأي العام أنها أهلية، بينما تعج بالمسؤولين الأمنيين والسياسيين الأمريكيين السابقين، وهي التي تمول تأسيس مؤسسات عربية أهلية ناشطة في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي فعلاً وقولاً ليست سوى مشاة الحرب الناعمة الأمريكية، وهي ما جعلت «الربيع العربي» يحقق تلك المخططات حيث صارت الفوضى خادم «إسرائيل» والإرهاب يضرب بسيفه نيابة عن «تل أبيب».
يقول دشتي: ما حصل في سورية هو أكبر خديعة تعرض لها شعب في تاريخ البشرية حيث جرى تحويل آلاف من الناس من خلال الإعلام والادعاء بأن السلطة ترتكب جرائم ضد الإنسانية إلى أعداء لبلادهم وأمنها واستقرارها، وصار التعاون بين تنظيم القاعدة والإسرائيليين مقبولاً.


التجسُّس الحديث

يُفند الكاتب الكويتي الكثير من خفايا الحرب على سورية ومنها يوم قامت «التنسيقيات» بالدعوة إلى «يوم غضب سوري» يوم 15/3/2011 متأثرين بما حصل في تونس ومصر، وأُنشئت صفحة على الفيسبوك لهذا الغرض، بلغ عدد مشتركيها 26 ألف شخص، لكن تبيَّن أن مؤسسي تلك الصفحة من عملاء المخابرات الأمريكية وهنا يتساءل دشتي: لماذا كان أغلب المشاركين فيها متدربين بإشراف مؤسسات مرتبطة بالأمريكيين واستخباراتهم؟ ولماذا كان معظم مديرو «التنسيقيات» عملاء للأمريكيين وغيرهم من الأوتوبوريين الذين يمثلون أدوات الإدارات الأمريكية لإثارة الشارع في أي بلد لا يوالي أمريكا ضد السلطة، أو أولئك الذين انخرطوا في اتحاد الشباب العالمي الذي أنشأه جاريد كوهين صاحب نظرية الجواسيس الجدد ومؤسس أسلوب استخدام ولع الشباب بالتكنولوجيا لإشعال الثورات المخملية.
لا يكتفي دشتي بصياغة رؤيته لأصل حكاية الحرب على سورية، أو بذكر تصنيفات المعارضة السياسية والمسلحة، وتبيان الكيفية التي سيطر فيها «داعش» و«النصرة» على الأعمال الحربية «للمعارضين»، بل يضع تصوُّراته لخلخلة المحور المعادي واستئصال الفتنة.
المال أيضاً هو مفتاح المشكلة ووسيلة إغلاقها في سورية، وحده المال قادر على فتح الحدود وشق الطرقات بين أرتال الوحدات التي تحاصر المسلحين. فمن نقاط قوة «جبهة النصرة» أن استخبارات مئة وثلاثين دولة تعمل في خدمتهم، ووجود طابور خامس من مناصريهم الكامنين المنقلبين على قناعاتهم الوطنية لأسباب مالية أو طائفية، بينما الجيش العربي السوري يفخر بضباطه المنتمين لكل الطوائف ممن تربوا على أفكار لا تمت للطائفية بصلة».


حرب الديموغرافيا

«الجيش العربي السوري يقاتل أكثر من نصف مليون مسلح متمرس في حروب العصابات على 462 جبهة في وقت واحد وينتصر على قوى تضرب وتهرب» بهذه العبارة يُوصِّف الكاتب الكويتي غرابة وشراسة المعركة التي يخوضها جيشنا، ويضيف: «فإن هجمت لا تحسب حساباً لعدد قتلاها، وإن دفعها الضغط العسكري للفرار تختار الفرار إلى القبر لا إلى الأمان. إنها حرب الديموغرافيا، والجيش العربي السوري سيكسب أكثر مما خسر، والدليل: إحصاء خاص بالأونروا يقول إن عدد اللاجئين السوريين الهاربين من (جنة حرية المعارضين) يفوق بمرتين عدد اللاجئين خارج سورية، كما أن جولة قصيرة في بانياس وطرطوس واللاذقية والعاصمة دمشق تجعل أي مشكك يتأكد أن (ثورة الحرية والكرامة) لم تقنع إلا الدّهماء، وأن الكثير من المواطنين البسطاء هربوا من مناطق المسلحين فور دخولهم إليها ولجؤوا إلى حيث الجيش العربي السوري. الخلاصة أن الحرب بدلاً من أن تُضعف الجيش العربي السوري فهي جعلت منه جيشاً أكثر حداثة وأكثر قوة وتنوعاً لناحية تطوع عشرات الآلاف من المدنيين للقتال إلى جانبه في قوات شبه رسمية خفيفة وسهلة الحركة ولا مركزية، وتملك قدرات تفاعل مع متطلبات أي معركة أو حرب مستقبلية، ويمكن في الوقت عينه تحويلها إلى قوى بناءة عمرانياً ومدينياً».
يشرح دشتي تأسيس تنظيم  «داعش»  الإرهابي بالتفصيل من نشوء الفكرة وتسخير الأشخاص، والكيفية التي قادت «أبو بكر البغدادي» بتحريض من العقيد الركن «حجي بكر» إلى الإعلان عن حل «جبهة النصرة»، بعد تنامي نفوذها ونفوذ زعيمها «أبو محمد الجولاني» وإعلانها تنظيماً إرهابياً من قبل أمريكا، وتبادل الاستخبارات والجواسيس والرُّسُل بين الطرفين، والتي انتهت بانتقال البغدادي إلى مقر إقامته الجديد على الحدود السورية  – التركية، والإعلان عن حل جبهة النصرة فانقسمت إلى ثلاثة أقسام: نصفها مع البغدادي وربع مع الجولاني وربع محايد. وحينها بدأ العمل على استمالة المُتردِّدين بالترغيب مرة وبالترهيب مرات وبدعم من الضابط السعودي السابق بندر الشعلان، وكل هذا وغيره دعا الجولاني إلى إعلانه البيعة للظواهري لحسم النزاع ومن حينها فشلت محاولة البغدادي حل النصرة التي أصبحت أكثر تماسكاً ولاسيما بعد الدعم من المخابرات التركية.
يبحث الكاتب الكويتي في الاسباب الموضوعية التي جعلت من روسيا وايران وحزب الله في لبنان يقفون إلى جانب سورية جيشاً  وشعباً  وقيادة  في وجه كل من امريكا وحلفائها الإقليميين   ابتداء بـــ «إسرائيل» وتركيا والسعودية وغيرها، مبيناً  كيف أصبح الدفاع عن دمشق هو دفاع عن موسكو أيضاً، وكيف بات درء الخطر عن سورية  هو دفاع عن إيران فكل المخطط والمؤامرة هي لزعزعة محور المقاومة الذي يقف بشكل أساسي في وجه «إسرائيل» بحيث يخفف عنها الضغط ويجعلها بمأمن ضد هجمات ذلك المحاور.


قصص إنسانية

كما يُضمِّن الباحث الكويتي بحثه مجموعة قصص إنسانية من واقع الحرب يشرح من خلالها كيف كانت تُدار بعض الأمور لتأجيج نار الخلافات بين أبناء الشعب الواحد وكيف أن عظمة الجراح التي ذاقها السوريون جعلتهم يدركون أهمية المصالحات وأنها أحد السُّبُل لإنقاذ ما تبقى من سورية، إلى جانب شهادات حية من أشخاص ودبلوماسيين عايشوا تفاصيل كثيرة من الحرب، ورصدوا الكثير من التغيرات الذاتية والمجتمعية التي أدت إلى ما نحن عليه الآن، يُضاف إلى ذلك فصل خاص بالوثائق التي تجمع بين الصور والبرقيات والإيميلات وروابط المواقع الإلكترونية واللقاءات الحية وباللغتين العربية والإنكليزية.


403,260 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (0)



الموجز الاخبارى 1.2

جميع الحقوق محفوظة © 2017 - النفيس